وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٥] (٩٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ"، وَقُلْتُ أَنَا: "وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمَير الْهَمْداني، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (شَقيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء: التحديثُ، والعنعنة، والقول، والسماع.
[ ٣ / ١٢١ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالحفّاظ الكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): قوله: "قال وكيع: قال رسول الله - ﷺ -، وقال ابن نُمَير: سمعت رسول الله - ﷺ -"، هذا وما أشبهه من الدقائق التي يُنَبِّه عليها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهي من الدلائل القاطعة على شِدَّة تحريه، وإتقانه، وضبطه، وعِرْفانه، وغَزَارة علمه، وحِذْقه، وبراعته في الغوص على المعاني، ودقائق علم الإسناد، وغير ذلك، فرحمه الله تعالى. والدقيقة في هذا أن ابن نمير قال في روايته: إن ابن مسعود قال: "سمعت رسول الله - ﷺ -"، فصرّح بالسماع، وهذا متصل، لا شكّ فيه، وقال وكيع في روايته: إنه قال: "قال رسول الله - ﷺ -"، وهذا مما اختَلَفَ العلماء فيه، هل يُحْمَل على الاتصال، أم على الانقطاع؟ فالجمهور أنه على الاتصال، كـ"سمعت"، وذهبت طائفة إلى أنه لا يُحْمَلُ على الاتصال إلا بدليل عليه، فإذا قيل بهذا المذهب، كان مرسل صحابيّ، وفي الاحتجاج به خلافٌ، فالجماهير قالوا: يُحْتَجّ به، وإن لم يحتج بمرسل غيرهم، وذَهَب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الشافعيّ رحمه الله تعالى إلى أنه لا يُحْتَجّ به، فعلى هذا يكون الحديث قد رُوي متصلًا ومرسلًا، وفي الاحتجاج بما رُوي مرسلًا ومتصلًا خلافٌ معروفٌ، قيل: الحكم للمرسل، وقيل: للأحفظ روايةً، وقيل: للأكثر، والصحيح أنه تُقَدَّم رواية الوصل، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وذكر اللفظين؛ لهذه الفائدة، ولئلا يكون راويًا بالمعنى، فقد أجمعوا على أن الرواية باللفظ أولى، والله تعالى أعلم، أفاده النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي من صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا أنه لا يريد بيان اختلاف الحكم من حيث الاتّصال والانقطاع، وإنما يريد بيان اختلاف الشيوخ في صيغ الأداء، فبيّن اختلاف ابن نمير ووكيع في اللفظ الذي قاله ابن مسعود - ﵁ -، فقال الأول: قال: "سمعت
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٩٤ - ٩٥.
[ ٣ / ١٢٢ ]
رسول اللهِ - ﷺ -"، وقال الثاني: "قال رسول الله - ﷺ -"، فعنده لا فرق بين اللفظين من حيث الإتّصال والانقطاع، فكلاهما للإتّصال، وإنما هو من باب الاحتياط في أداء ما تحمّله، وبيان الواقع من ألفاظ الشيوخ في رواياتهم، فهو كمثل قوله في مواضع أخرى: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: أخبرنا، وتارة يقول: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: حدّثني، فلا شكّ أن هذا وأمثاله لا يختلف الحكم فيه بالاتّصال والانقطاع، وإنما هو لمجرّد بيان الإختلاف في صيغ الأداء.
والحاصل أن صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا ليس لبيان اختلاف الحكم من حيث الإتصال والانقطاع، وإنما هو من باب الاحتياط والتدقيق في أداء ما سمعه على الوجه الذي سمعه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (قَالَ وَكِيعٌ) في روايته (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي قال عبد الله - ﵁ -: "قال رسول الله - ﷺ -"، فعبّر بلفظ "قال" (وقَالَ) عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) في روايته قال عبد الله - ﵁ -: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ) أي فعبّر بلفظ "سمعتُ" ("مَنْ مَاتَ) "من" شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، جوابها، أو خبرها جملة "دَخَل"، وقوله: (يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال (دَخَلَ النَّارَ") قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في أصولنا من "صحيح مسلم"، وكذا هو في "صحيح البخاريّ"، وكذا ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى في روايته لـ "صحيح مسلم"، ووُجِد في بعض الأصول المعتمدة من "صحيح مسلم" عكس هذا: قال رسول الله - ﷺ -: "من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، قلت أنا: "ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، وهكذا ذكره الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين"، عن "صحيح مسلم" رحمه الله تعالى، وهكذا رواه أبو عوانة في كتابه "المخرج على صحيح مسلم"، وقد صَحّ اللفظان من كلام رسول الله - ﷺ - في حديث جابر المذكور بعد هذا.
فأما اقتصار ابن مسعود - ﵁ - على رفع إحدى اللفظتين، وضمه الأخرى إليها من كلام نفسه، فقال القاضي عياض وغيره: سببه أنه لم يَسْمَع من
[ ٣ / ١٢٣ ]
النبيّ - ﷺ - إلا إحداهما، وضَمَّ إليها الأُخرى؛ لِمَا عَلِمَه من كتاب الله تعالى، ووحيه، أو أخذه من مقتضى ما سَمِعه من النبيّ - ﷺ -.
وهذا الذي قاله هؤلاء فيه نقص من حيث إنّ اللفظتين قد صَحَّ رفعهما من حديث ابن مسعود - ﵁ - كما ذكرناه، فالجيِّد أن يقال: سمع ابن مسعود - ﵁ - اللفظتين من النبيّ - ﷺ -، ولكنه في وقت حَفِظَ إحداهما، وتيقنها عن النبيّ - ﷺ -، ولم يَحْفَظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت آخر حَفِظ الأخرى، ولم يحفظ الأولى مرفوعةً، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، فهذا جمعٌ ظاهرٌ بين روايتي ابن مسعود - ﵁ -، وفيه موافقة لرواية غيره في رفع اللفظتين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى.
وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" هذا الجمع الذي ذكره النوويّ، ودونك عبارته:
قال: قوله: "من مات يُشرك بالله … إلخ" في رواية أبي حمزة، عن الأعمش - أي عند البخاريّ - في "تفسير البقرة": "من مات، وهو يدعو من دون الله نِدًّا"، وفي أوله: "قال النبيّ - ﷺ - كلمة، وقلت أنا أخرى".
ولم تختلف الروايات في "الصحيحين" في أن المرفوع الوعيد، والموقوف الوعد، وزعم الحميديّ في "الجمع"، وتبِعَه مغلطاي في "شرحه"، ومن أخذ عنه: أن في رواية مسلم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس، بلفظ: "من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، وقلت أنا: من مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار".
وكأن سبب الوهم في ذلك ما وقع عند أبي عوانة، والإسماعيليّ من طريق وكيع بالعكس، لكن بَيَّن الإسماعيليّ أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاريّ، قال: وإنما المحفوظ أن الذي قلبه أبو معاوية (^١) وحده، وبذلك جزم ابن خزيمة في "صحيحه"، والصواب رواية الجماعة، وكذلك أخرجه أحمد من طريق عاصم، وابن خزيمة من طريق يسار (^٢)، وابن حبان من طريق المغيرة
_________________
(١) في "نسخة": "أبو عوانة"، والإصلاح من "مسند أبي عوانة" ١/ ٢٧.
(٢) الظاهر أن الصواب "سيّار"، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ١٢٤ ]
كلهم عن شقيق، وهذا هو الذي يقتضيه النظر؛ لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن، وجاءت السنة على وفقه، فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوعد، فإنه في محلّ البحث؛ إذ لا يصح حمله على ظاهره، كما تقدم.
وكأنّ ابن مسعود - ﵁ - لم يبلغه حديث جابر - ﵁ - الذي أخرجه مسلم بلفظ: قيل: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار".
وقال النوويّ: الجيد أن يقال: سَمِع ابن مسعود اللفظتين من النبيّ - ﷺ -، ولكنه في وقت حفظ إحداهما وتيقنها، ولم يحفظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع بَيْن روايتي ابن مسعود، وموافقته لرواية غيره في رفع اللفظتين. انتهى.
قال الحافظ: وهذا الذي قال محتمل بلا شكّ، لكن فيه بُعْدٌ، مع اتّحاد مخرج الحديث، فلو تعدد مخرجه إلى ابن مسعود، لكان احتمالًا قريبًا، مع أنه يُسْتَغرب مِنِ انفراد راو من الرواة بذلك دون رفقته، وشيخهم ومن فوقه، فنسبة السهو إلى شخص ليس بمعصوم أولى من هذا التعسُّف. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ رحمه الله تعالى، من ردّه الجمع الذي ذكره النوويّ، واستبعاده له؛ حيث إن مخرج الحديث واحد؛ إذ مثل هذا الجمع إنما يُقبل إذا تعدّد مخرج الحديث، هو الصواب في نظري؛ لوضوح حجّته، واستنارة محجّته، وأما اعتراض العينيّ عليه في ذلك فمما لا يخفى على منصف كونه من عادته المستمرّة في الاعتراض، والتحامل دون تأمّل، فتنبّه لذلك، وتأمّله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: حَكَى الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في كتابه "المدرج" أن أحمد بن عبد الجبار رواه عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، مرفوعًا كلَّه، وأنه وَهِمَ في ذلك. انتهى (^١).
قال ابن مسعود - ﵁ - (وَقُلْتُ أَنَا: "وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ١٣٤ "كتاب الجنائز" رقم (١٢٣٩ - ١٢٤٠).
[ ٣ / ١٢٥ ]
الْجَنَّةَ") قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: من أين عَلِم ابن مسعود - ﵁ - هذا الحكم؟.
[قلت]: من حيث إن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبَّب، فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخول النار يلزم دخول الجنّة؛ إذ لا ثالث لهما، أو مما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ونحوه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما عبّر ابن مسعود - ﵁ - إلى ما قاله مع أن المتّجه أن يقول: "ومن مات لا يُشرك بالله شيئًا لا يدخل النار"؛ لكون عدم دخوله النار غير محقّق بتقدير عصيانه، بخلاف دخول الجنّة فإنه محقّقٌ للموحّد، ولو كان آخرًا، فلذا جَزَم به، والله تعالى أعلم (^٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قول ابن مسعود - ﵁ -: "وقلت أنا … إلخ" يعني بذلك: أنه لم يسمع هذا اللفظ من النبيّ - ﷺ - نصًّا، وإنما استنبطه من الشريعة، إما دليل خطاب قوله - ﷺ -: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، أو من ضرورة انحصار الجزاء في الجنّة والنار، أو من غير ذلك، وعلى الجملة، فهذا الذي لم يسمعه ابن مسعود - ﵁ - من النبيّ - ﷺ - هو حقٌّ في نفسه، وقد رواه جابر - ﵁ - في الحديث التالي من قول النبيّ - ﷺ -. انتهى (^٣).
وقد اعترض القاضي عياض رحمه الله تعالى على قوله: "إما بدليل الخطاب"، ودونك عبارته، قال: استدلّ به بعضهم على صحّة دليل الخطاب، وفي الاستدلال به ضعفٌ، وهو كلام من لم يُميّز دليل الخطاب؛ إذ لا يدلّ وجوب النار لمن مات على الكفر على وجوب الجنّة لمن كان على ضدّه، وإنما دليل خطابه أنه لا يدخل النار، وأما صحّة قول ابن مسعود - ﵁ - فمن دليل صحّة التقسيم، لا من دليل الخطاب؛ لأنه لَمّا قال - ﷺ -: "من مات يُشرك
_________________
(١) "شرح البخاريّ" للكرمانيّ ٣/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) وقد أشار إلى نحو هذا الكرمانيّ، وقد نقله في "الفتح" ١١/ ٥٧٦ "كتاب الأيمان والنذور" ح (٦٦٨٤ - ٦٦٨٦)، فتصرّفت فيه بالزيادة والإيضاح.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٩٠.
[ ٣ / ١٢٦ ]
بالله شيئًا دخل النار"، وصحّ أنه ليس ثَمَّ منزل ثالث، سوى الجنّة والنار، وتميّز بهذا اللفظ نازل أحدهما، بَقِي الصنف المخالف له للأخرى، فكيف، وقد جاء بنصّه بعد هذا عن النبيّ - ﷺ - في حديث جابر - ﵁ -، وجاءت النصوص، والظواهر البيّنة، وإجماع أهل السنّة على صحّة ذلك. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ القول بدليل الخطاب هنا ليس ببعيد؛ لأن المراد دليل الخطاب الذي تُعَيِّن المرادَ منه هنا الأدلّةُ الأخرى، كما أبداها القاضي نفسه في وجه صحة قول ابن مسعود، ففي الحقيقة لا اختلاف بين ما قاله القاضي، وما سبق عن القرطبيّ، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: روى الإمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" وفي آخره زيادة، ولفظه:
حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من جعل لله نِدًّا جعله الله في النار"، وقال: وأخرى أقولها، لم أسمعها منه: "من مات لا يجعل لله نِدًّا أدخله الله الجنة، وإن هذه الصلوات كفاراتٌ لما بينهنّ، ما اجتنب المقتل". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٢/ ٢٧٥] (٩٢)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٣٨)، و"التفسير" (٤٤٩٧)، و"الأيمان والنذور" (٦٦٨٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٤ و٣٨٢ و٤٠٢ و٤٠٧ و٤٢٥ و٤٤٣ و٤٦٢ و٤٦٤)، و(النسائي) في "التفسير" من
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥.
[ ٣ / ١٢٧ ]
"الكبرى" (١٠٩٤٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦٦ و٦٧ و٦٨ و٦٩ و٧٠ و٧١ و٧٢ و٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من مات يشرك بالله تعالى شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك به شيئًا دخل الجنّة، فالإيمان سبب في دخول الجنّة، وهو وجه المطابقة في إيراده في "كتاب الإيمان".
٢ - (منها): أن فيه دلالة على أن ابن مسعود - ﵁ - كان يقول بدليل الخطاب، ويحتمل أن يكون أخذه من ضرورة انحصار الجزاء في الجنة والنار، كما سبق تحقيقه.
٣ - (ومنها): أن فيه إطلاق الكلمة على الكلام، حيث قال ابن مسعود - ﵁ - كما في رواية: "كلمتان سمعت إحداهما من رسول الله - ﷺ -، والأخرى أنا أقولها" … ثم ذكره، وإطلاق الكلمة على الكلام كثير شائع في كلام العرب، فقد وقع في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: "لا إله إلا الله" كلمة "الإخلاص"، وقوله - ﷺ -: "أصدق كلمة قالها شاعر" كلمة لبيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ (^١)
وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" حيث قال:
وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمْ … وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ
٤ - (ومنها): أن حكمه - ﷺ - بدخول النار على من مات يُشرك بالله شيئًا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده" (٩٦٩٤)، فقال: حدثنا عبد الرحمن - هو ابن مهديّ - عن سفيان، قال: حدثنا عبد الملك بن عُمير، قال: حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: أَلَا كُل شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ وكاد أمية بن أبي الصَّلْت أن يُسْلِمَ". وهو حديث صحيح، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في "سننه" (٣٧٤٧).
[ ٣ / ١٢٨ ]
في هذا الحديث، وبدخول من مات لا يُشرك بالله شيئًا الجنة في حديث جابر - ﵁ - الآتي، مما أجمع عليه المسلمون.
فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها، ويُخَلَّد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابيّ اليهوديّ والنصرانيّ وبين عَبَدَة الأوثان، وسائر الكَفَرَة، ولا فرق عند أهل الحقّ بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين مَن خالف ملةَ الإسلام، وبين مَن انتسب إليها، ثم حُكِم بكفره بِجَحْده ما يَكْفُر بجحده، وغير ذلك.
وأما دخول من مات غير مشرك الجنة، فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة، مات مُصِرًّا عليها، دَخَل الجنة أَوّلًا، وإن كان صاحب كبيرة مات مُصِرًّا عليها، فهو تحت المشيئة، فإن عَفَا الله تعالى عنه دَخَل أوّلًا، وإلا عُذِّب ثم أُخرِج من النار، وخُلِّد في الجنة (^١).
اللهم اجعلنا من أهل الجنّة، ولا تجعلنا من أهل النار بفضلك وجودك وكرمك، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٦] (٩٣) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أتى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تَقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ٩٧.
[ ٣ / ١٢٩ ]
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران المذكور في السند الماضي.
٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) هو: طلحة بن نافع الواسطيّ الإِسْكَافُ، نزيل مكّة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وأبي سفيان، فواسطيّ، ثم مكيّ.
(ومنها): أن أبا معاية أحفظ من روى عن الأعمش، فهو المقدّم من أصحابه، إلا أن يكون الثوريّ، فإنه إمام مقدّم في شيوخه كلّهم.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، فقد روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ) وفي رواية أبي عوانة من طريق مالك بن سعيد، عن الأعمش: "جاء أعرابيّ إلى النبيّ - ﷺ -"، ولا يعرف
[ ٣ / ١٣٠ ]
اسم الرجل، كما قاله صاحب "تنبيه المعلم" (^١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟) قال الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في "مستخرجه": "الموجبتان": الخصلتان اللتان توجبان الجنة والنار. انتهى (^٢).
و"ما" استفهاميّة مبتدأ خبرها ما بعدها، ويجوز العكس، أي ما هما الخصلتان اللتان توجبان دخول الجنة، ودخول النار؟، وفيه أن التوحيد موجب لدخول الجنّة، والشرك موجب لدخول النار.
قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما ذكره الحافظ أبو نُعيم في معنى الموجبتين، ما نصّه: والوجوب في ذلك واقعٌ بالإضافة إلى العبد، لا بالإضافة إلى الله، تعالى الله عن ذلك. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجوب المنسوب إلى الله تعالى هنا نظير الحقّ المنسوب إليه في حديث معاذ - ﵁ - حيث قال له النبيّ - ﷺ -: "أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"، "أتدري ما حقهم عليه؟ " قال: "الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم" (^٤)، فالواجب هو ما أوجبه على نفسه لعباده فضلًا منه وكرمًا، لا أنه يجب عليه شيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ") قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إن من مات لا يتّخذ مع الله شريكًا في الإلهيّة، ولا في الْخَلْق، ولا في العبادة، فلا بُدّ من دخوله الجنّة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنة، وأن من مات على الشرك لا يدخل الجنّة، ولا يناله من الله تعالى رحمةٌ، ويُخلّد في النار أبد
_________________
(١) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ٦١.
(٢) "المستخرج" ١/ ١٦٨.
(٣) "الصيانة" ص ٢٧٧.
(٤) هو ما أخرجه الشيخان من حديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "يا معاذ أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم عليه؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يعذبهم".
[ ٣ / ١٣١ ]
الآباد من غير انقطاع عذاب، ولا تصرّم آباد، وهذا معلوم ضروريّ من الدين، مُجمَعٌ عليه بين المسلمين. انتهى (^١).
[تنبيه]: حديث جابر - ﵁ - هذا أورده المصنّف مختصرًا، وهو حديث مطوّل، وقد ساقه الإمام أحمد، وغيره مطوّلًا، ونصه في "مسند أحمد":
(١٤٦٧٥) - حدثنا النضر بن إسماعيل، أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى النبيّ - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، أيُّ الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت"، قال: يا رسول الله، وأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "مَن عُقِر جَوَاده، وأُريق دمه"، قال: يا رسول الله، أيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "مَن هَجَر ما كَرِهَ الله ﷿"، قال: يا رسول الله، فأيُّ المسلمين أفضل؟ قال: "مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده"، قال: يا رسول الله، فما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٢/ ٢٧٦ و٢٧٧ و٢٧٨] (٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٥ و٣٤٦ و٣٧٤ و٣٩١ و٣٩٢)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٠٦٠ و١٠٦٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣١ و٣٢ و٣٣ و٣٤)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٦٧ و٢٦٨ و٢٦٩).
وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٩٠.
[ ٣ / ١٣٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٧] (…) - (وَحَدَّثَني أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالَا: حَدَّثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثنَا قُرَّةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، حَدَّثنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ"، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمرو بن جابر المازنيّ البصريّ، ثقةٌ (^١) [١١] (ت ٢٤٦) (م س) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٣٠.
٢ - (حَجَّاجُ بْن الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن الحجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
[تنبيه]: "الْغَيْلانيّ" - بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة -: نسبة إلى غَيْلان، اسم لبعض أجداده، قاله في "الأنساب" ٤/ ٣٠، و"اللباب" ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) الْقَيسيّ، أبو عامر الْعَقَديّ - بفتحتين - ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٤ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
وجابرٌ - ﵁ - تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسألتيه.
وقوله: (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ) معناه: أن شيخيه: أبا أيوب سليمان بن عبيد الله، وحَجّاجًا اختلفا في عبارة أبي الزبير، عن جابر، فقال أبو أيوب: "عن جابر"، وقال حجاج: "حدثنا جابر"، فأما "حدثنا" فصريحة في الاتصال، وأما "عن"، فمخْتَلَفٌ فيها، فالجمهور على أنها
_________________
(١) قال في "التقريب": صدوقٌ، وما هنا أولى، لأنه روى عنه جماعة، ووثقه النسائيّ، وابن حبّان، وهو شيخ المصنّف، والنسائيّ، ولم يتكلم فيه أحدٌ، فتنبّه.
[ ٣ / ١٣٣ ]
للاتصال، كـ"حدّثنا"، ومن العلماء من قال: هي للانقطاع، ويجيء فيها ما قدّمناه في الاختلاف الواقع بين عبد الله بن نُمير، وبين وكيع قبل حديث، إلا أن هذا على هذا المذهب يكون مرسل تابعيّ، نبّه عليه النوويّ رحمه الله تعالى (^١).
ومن لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه للمصنّف شيخان قرن بينهما، وأنه مسلسل بالبصريين إلى أبي الزبير، فمكيّ، وغير شيخه حجاج، فبغداديّ، وأما جابر - ﵁ -، فمدنيّ، وقد سكن مكة أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنى أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالَ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (مُعَاذ) بن هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتُوَائيّ البصريّ، وقد سَكَن اليمن، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٩] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هِشَام بن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدَّسْتُوَائيُّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ) قد تقدّم البحث عن فائدة زيادة لفظ "وهو" قبل باب، فلا تكن من الغافلين.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث قرّة عن أبي الزبير الماضي.
[تنبيه]: رواية هشام هذه أخرجها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده"، فقال:
(١٣٩٦٤) حدثنا أبو عُبيدة الحدّاد، حدثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار".
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ٩٥.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وأخرجها أيضًا أبو عوانة في "مسنده"، (١/ ٢٨)، فقال:
(٣٤) حدثنا الدَّندَانيّ، واسمه موسى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام الدستوائى، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ - ﷺ - قال: "مَن لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا أدخله الجنة، ومن لقيه يُشرك به أدخله النار"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٩] (٩٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَب، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُويدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ، لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ المعروف بالزّمِن المذكور في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف ببندار المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدر المذكور قبل باب.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور المذكور في الباب الماضي.
٥ - (وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بيّاع السّابِريّ (^١) - بمهملة، وموحّدة - ثقةٌ ثبتٌ [٦].
رَوَى عن أبي وائل، وشُريح القاضي، والمعرور بن سُويد، وإبراهيم النخعيّ، وقَبيصة بن بُرْمة، وعبد الله بن أبي الْهُذيل، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وجرير بن حازم، ومغيرة بن مِقْسم، ومِسْعر، ومَهْديّ بن ميمون، والثوريّ، وشعبة، وآخرون.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن معين في رواية
_________________
(١) نوع من الثياب.
[ ٣ / ١٣٥ ]
أخرى: ثبتٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، صالح الحديث، وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو نعيم: مات سنة عشرين ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقال خليفة: مات في ولاية مَرْوان بن محمد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٥): "لا يدخل الجنة نمام"، و(٢٨٨): "كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - … "، و(٣٧٢): "إن المسلم لا ينجس"، و(٨٢٢): "سمعنا القرائن، وإني لأحفظ القرائن … "، و(٨٦٩): "إن طول صلاة الرجل … "، و(١٦٦١): "إنك امرؤ فيك جاهليّة … "، و(٢٣٨٣): "لو كنت متّخذًا من أهل الأرض خليلًا … ".
٦ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أُميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عُمَر، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وخُريم بن فاتك، وأم سلمة.
ورَوى عنه واصل الأحدب، وسالم بن أبي الجعد، والأعمش، والمغيرة بن عبد الله الْيَشْكُريّ، وعاصم بن بَهْدلة، وبكر بن الأخنس، وجَوّاب التيميّ، وإسماعيل بن رجاء الزُّبَيديّ.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ من أصحاب عبد الله، وقال ابن مَهْديّ، عن شعبة، عن واصل: كان المعرور يقول لنا: تَعَلَّمُوا مني يا بَنِي أخي، وكان كثير الحديث، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال الأعمش: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة أسود الرأس واللحية (^١)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٩٠): "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة … "، و(٩٩٠): "هم الأكثرون أموالًا … "، و(١٦٦١): "إنك امرؤ فيك جاهليّة … "، وأعاده بعده، و(٢٦٦٣): "قد سألتِ الله لآجال مضروبة … "، وأعاده بعده، و(٢٦٨٧) "من جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها … ".
_________________
(١) قوله: "أسود الرأس واللحية" سقط من نسخة "تهذيب التهذيب"، فاستدركته من شرح النوويّ على مسلم.
[ ٣ / ١٣٦ ]
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغِفَاريّ، واسمه جُندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير - ﵁ -، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه له شيخان قرن بينهما، وفيه من صِيَغ الأداء: التحديث، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما مرّ قريبًا.
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين.
٥ - (ومنها): أن معرورًا من طُرَفِهِ ما سبق آنفًا من قول الأعمش: رأيته وهو ابن (١٢٠) سنة أسود الرأس واللحية.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمّة، فإنه من السابقين الأولين في الإسلام، وإن تأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، يقال: إنه قال: أنا رابع أربعة، ويقال: خامس خمسة، أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلده، وحديث إسلامه، وإقامته بماء زمزم مشهور في "الصحيحين"، فمناقبه أكثر من أن تُحصَى، وأخبار زهادته، ورفضه الدنيا أشهر من أن يُسْتَقْصَى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمَعْرُورِ) بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وبراء مهملة مكرّرة (بْنِ سُويدٍ) بضمّ المهملة، مصغّرًا، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) - ﵁ - (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وعلى قول من يقول: إن سمع من أخوات "ظنّ" فالجملة في محلّ نصب مفعول ثان له (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇) هكذا صرّح في هذه الرواية بأنه جبريل ﵇، ووقع في رواية للبخاريّ في "الجنائز" بلفظ: "أتاني آت"، وزاد الإسماعيليّ من طريق مهدي في أوله قصةً، قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ - في مَسِير له، فلما كان في بعض
[ ٣ / ١٣٧ ]
الليل تَنَحَّى، فَلَبِثَ طويلًا، ثم أتانا، فقال … " فذكر الحديث (فَبَشَّرَنِي) وفي رواية: "فأخبرني" (أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ) أي من أمة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعمّ من ذلك، أي أمة الدعوة، وهو مُتَّجِهٌ (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه بحكم أصل الوضع: أن لا يتّخِذ معه شريكًا في الألوهيّة، ولا في الخلق، كما قدّمناه، لكن هذا القول صار بحكم العرف عبارةً عن الإيمان الشرعي، ألا ترى أنّ من وحّد الله تعالى، ولم يؤمن بالنبيّ - ﷺ - لن ينفعه إيمانه بالله تعالى، ولا توحيده، وكان من الكافرين بالإجماع القطعيّ؟. انتهى (^١). (دَخَلَ الْجَنَّةَ") أي صار إليها إما ابتداءً من أول الحال، وإما بعد أن يقع ما يقع عليه من العقاب، قاله العينيّ رحمه الله تعالى (^٢).
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى أن عاقبته دخول الجنّة، وإن كان له ذنوب جمّة، أو ترك من الأركان شيئًا، لكن أمره إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنّة، وإن شاء عذّبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنّة بفضله. انتهى (^٣).
(قُلْتُ) القائل هو أبو ذرّ - ﵁ -، وفي رواية الترمذيّ: قال أبو ذرّ: يا رسول الله … وقال في "الفتح": ويمكن أن يكون النبيّ - ﷺ - قاله مُسْتوضحًا، وأبو ذرّ قاله مُستبْعِدًا، وقد جَمَع بينهما في "الرقاق" من طريق زيد بن وهب، عن أبي ذَرّ - ﵁ -. انتهى (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه الحافظ بأنه جمع بين قولي النبيّ - ﷺ - وأبي ذرّ - ﵁ -: "وإن زنى، وإن سرق"، هو ما أخرجه البخاريّ في "كتاب الرقاق" من "صحيحه"، وسيأتي لمسلم أيضًا في "كتاب الزكاة"، قال البخاريّ رحمه الله تعالى:
(٦٤٤٣) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ - ﵁ - قال: خرجت ليلةً من الليالي، فإذا
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٢) "عمدة القاري" ٨/ ٧.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩.
(٤) "الفتح" ٣/ ١٣٣.
[ ٣ / ١٣٨ ]
رسول الله - ﷺ - يمشي وحده، وليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يَكْرَه أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظلّ القمر، فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ " قلت: أبو ذرّ - جعلني الله فداءك - قال: "يا أبا ذرّ تعالَ"، قإل: فمشيت معه ساعةً، فقال: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه الله خيرًا، فنَفَحَ فيه يمينَهُ وشمالَهُ، وبين يديه، ووراءه، وعَمِلَ فيه خيرًا"، قال: فمشيت معه ساعةً، فقال لي: "اجلس ها هنا"، قال: فأجلسني في قاعٍ حوله حجارةٌ، فقال لي: "اجلس ها هنا حتى أرجع إليك"، قال: فانطلق في الحرَّة حتى لا أراه، فَلَبِثَ عني، فأطال اللُّبْث، ثم إني سمعته، وهو مُقبل، وهو يقول: "وإن سَرَق، وإن زنى"، قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله - جعلني الله فداءك - مَن تُكَلّم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحدًا يَرْجِعُ إليك شيئًا، قال: "ذلك جبريل ﵇ عَرَضَ لي في جانب الحرة، قال: بَشِّر أمتك، أنه من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سَرَق، وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن سَرَق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شَرِب الخمر". انتهى.
(وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟) قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: حرف الاستفهام فيه مقدّر، وتقديره، أيدخل الجنّة وإن زنى وإن سرق؟، والشرط حال.
[فإن قلت]: ليس في الجواب استفهام، فيلزم منه أن من لم يسرق، ولم يَزن لم يدخل الجنّة؛ إذ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط.
[قلت]: هو من باب "نعم العبد صُهيب، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه"، والحكم في المسكوت عنه ثابتٌ بالطريق الأولى. انتهى (^١).
(قَالَ) - ﷺ - ("وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ") قال الزين ابن الْمُنِّير رحمه الله تعالى: حديث أبي ذرّ - ﵁ - من أحاديث الرجاء التي أفضى الاتّكال عليها ببعض الْجَهَلَة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره، فإن القواعد استقرّت على أن حقوق الآدميين لا تَسقُط بمجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يَلزم من عدم سقوطها أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يُدخله الجنة، ومن ثَمَّ رَدّ - ﷺ - على أبي ذر - ﵁ - استبعاده.
_________________
(١) "شرح صحيح البخاري" للكرمانيّ ٦/ ٤٩.
[ ٣ / ١٣٩ ]
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "دخل الجنة" أي صار إليها، إما ابتداءً من أول الحال، وإما بعد أن يَقع ما يقع من العذاب - نسأل الله العفو والعافية - (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذَرّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٤٢/ ٢٧٩ و٢٨٠] (٩٤)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٣٧ و١٤٠٨)، و"الاستقراض" (٢٣٨٨)، و"بدء الخلق" (٣٢٢٢)، و"اللباس" (٥٨٢٧)، و"الاستئذان" (٦٢٦٨)، و"الرقاق" (٦٤٤٣ و٦٤٤٤ و٧٤٨٧)، و(أبو داود) (٢٦٤٦)، و(الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٤٤)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١١١٦ و١١١٧ و١١١٨ و١١١٩ و١١٢٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٤٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٦١ و١٥٢ و١٥٩ و١٦١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٥ و٣٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٧٠ و٢٧١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٩ و١٧٠ و١٩٥ و٢١٣)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٧٨ و٨٠ و٨١ و٨٢ و٨٤ و٨٥ و٨٦ و٨٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥١ و٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنّة.
٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الكبائر لا تسلُب اسم الإيمان، فإن غير المؤمن لا يدخل الجنّة، وأن أربابها من المؤمنين لا يخلّدون في النار.
٣ - (ومنها): أنه إنما ذكر من الكبائر نوعين فقط؛ إشارةً إلى أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: حقّ لله تعالى، وأشار إليه بالزنا، وحقٌّ للعباد، وأشار إليه بالسرقة.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ١٣٣.
[ ٣ / ١٤٠ ]
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحديث دليل على شدّة تهمّم النبيّ - ﷺ - بأمر أمته، وتعلّق قلبه بما يُنجيهم، وخوفه عليهم، ولذلك سكّن جبريل ﵇ قلبه بهذه البشرى، وهذا نحو حديث عمرو بن العاص - ﵄ - الآتي قريبًا الذي قال فيه: إن النبيّ - ﷺ - تلا قول إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع النبيّ - ﷺ - يديه، وبكى، وقال: "ربّ أمتي أمتي"، فنزل جبريل، فقال له مخبرًا عن الله تعالى: إن الله سيُرضيك في أمتك، ولا يسوؤك، رواه مسلم، وهذا منه - ﷺ - مُقتضى ما جَبَلَه الله تعالى عليه من الْخُلُق الكريم، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
٥ - (ومنها): أن أصحاب الكبائر لا يُخَلَّدون في النار، وأن الكبائر لا تَسلُب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة، والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى جنس حقّ الله تعالى، وحقّ العباد، وكأن أبا ذرّ - ﵁ - استحضر قوله - ﵃ -: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"؛ لأن ظاهره مُعارض لظاهر هذا الخبر، لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل، وبحمل حديث الباب على عدم التخليد في النار.
٦ - (ومنها): أن بعض أهل العلم قال: إن هذا الحديث وأمثاله محمول على ما قبل نزول الفرائض، والأوامر والنواهي، قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث، ما نصّه: هذا عند الموت، أو قبله إذا تاب، ونَدِمَ، وقال: "لا إله إلا الله" غفر له. انتهى.
٧ - (ومنها): أن فيه المراجعة في العلم بما تقرَّر عند الطالب في مقابلة ما يَسمَعُه مما يخالف ذلك؛ لأنه تقرَّر عند أبي ذرّ - ﵁ - من الآيات، والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار وبالعذاب، فلَمّا سَمِع أنَّ مَن مات لا يُشرك بالله تعالى دخل الجنة، استَفْهَم عن ذلك بقوله: "وإن زَنَى، وان سَرَقَ"،
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٢٩١.
[ ٣ / ١٤١ ]
واقتصر على هاتين الكبيرتين؛ لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحقّ الله تعالى وحق العباد، وأما قوله في الرواية الأخرى: "وإن شَرِب الخمر"، فللإشارة إلى فُحْش تلك الكبيرة؛ لأنها تؤدي إلى خَلَل العقل الذي شُرِّف به الإنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يَحْجُز عن ارتكاب بقية الكبائر.
٨ - (ومنها): أن فيه أن الطالب إذا أَلَحَّ في المراجعة، يُزْجَرُ بما من يليق به؛ أخذًا من قوله - ﷺ -: "وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ".
قال في "الفتح" يريد شرح قوله: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة":
وحاصل ما أشار إليه أن الحديث محمول على مَن وَحَّد ربه، ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث، فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداءً، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنة، وأما حقوق العباد فيشترط ردُّها عند الأكثر، وقيل: بل هو كالأول، ويُثيب الله صاحبَ الحق بما شاء، وأما مَن تلبّس بالذنوب المذكورة، ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - الماضي، فإن فيه: "ومن أتى شيئًا من ذلك، فلم يعاقَب به، فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه"، وهذا الْمُفَسَّر مقدَّم على المبهم، وكلٌّ منهما يَرُدُّ على المبتدعة من الخوارج، ومن المعتزلة الذين يَدَّعون وجوب خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار - أعاذنا الله من ذلك بمنّه وكرمه -.
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن كلام البخاري خلاف ظاهر الحديث، فإنه لو كانت التوبة مشترطة، لم يقل: "وإن زَنَى، وإن سرق"، قال: وإنما المراد أنه يدخل الجنة إما ابتداءً، وإما بعد ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال في موضع آخر من "الفتح": وقد حمله البخاريّ كما مضى في "اللباس" على من تاب عند الموت، وحمله غيره على أن المراد بدخول الجنة أعمّ من أن يكون ابتداءً، أو بعد المجازاة على المعصية، والأول هو وَفْقَ ما
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٢٩٥ "كتاب اللباس" رقم الحديث (٥٨٢٦ - ٥٨٢٨).
[ ٣ / ١٤٢ ]
فَهِمه أبو ذَرّ - ﵁ -، والثاني أولى للجمع بين الأدلة، ففي الحديث حجةٌ لأهل السنة، ورَدٌّ على مَن زَعَم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة يُخَلَّد في النار، لكن في الاستدلال به لذلك نظر؛ لِمَا مَرّ من سياق كعب بن ذُهْل عن أبي الدرداء: أنّ ذلك في حقّ مَنْ عَمِل سوءًا، أو ظلم نفسه، ثم استغفر، وسنده جيد عند الطبرانيّ.
وحمله بعضهم على ظاهره، وخَصَّ به هذه الأمة؛ لقوله فيه: "بَشِّر أمتك"، و"أن من مات من أمتي".
وتعقب بالأخبار الصحيحة الواردة في أن بعض عُصَاة هذه الأمة يُعَذَّبون، ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - ﵁ -: "المفلس من أمتي … " الحديث، وفيه تَعَقُّب على من تأوّل في الأحاديث الواردة في أن "مَن شَهِد أن لا إله إلا الله دخل الجنة"، وفي بعضها: "حُرّم على النار" أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وهو مرويّ عن سعيد بن المسيب، والزهريّ.
ووجه التعقب ذكر الزنا والسرقة فيه، فذُكِر على خلاف هذا التأويل.
وحَمَله الحسن البصريّ على من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها بأداء ما وَجَب، واجتناب ما نُهِي، ورجحه الطيبيّ إلا أن هذا الحديث يَخدِشُ فيه، وأشكل الأحاديث وأصعبها قوله: "لا يَلْقَى الله بهما غير شاكّ فيهما، إلا دخل الجنة"، وفي آخره: "وإن زَنَى، وإن سَرَقَ".
وقيل: أشكلها حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم بلفظ: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا حَرَّمه الله على النار"؛ لأنه أَتَى فيه بأداة الحصر، و"مِن" الاستغراقية، وصرح بتحريم النار، بخلاف قوله: "دَخَل الجنّة"، فإنه لا ينفي دخول النار أوّلًا.
قال الطيبيّ: لكن الأول يترجح بقوله: "وإن زَنَى، وإن سَرَق"؛ لأنه شَرْطٌ لمجرد التأكيد، ولا سيما وقد كَرَّره ثلاثًا مبالغةً، وخَتَم بقوله: "وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ"؛ تتميمًا للمبالغة، والحديث الآخر مُطْلَقٌ يَقبل التقييد، فلا يقاوم قوله: "وإن زنى، وإن سَرَق".
وقال النوويّ بعد أن ذكر المتون في ذلك، والاختلاف في هذا الحكم: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وأن من مات موقنًا
[ ٣ / ١٤٣ ]
بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دَيِّنًا أو سليمًا من المعاصي دخل الجنة برحمة الله، وحُرِّم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها، ومات من غير توبة فهو في خَطَر المشيئة، وهو بصَدَد أن يَمضي عليه الوعيد، إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه، فمصيره إلى الجنة بالشفاعة. انتهى.
وعلى هذا فتقييد اللفظ الأول تقديره: "وإن زَنى وإن سَرَق" دخل الجنة، لكنه قبل ذلك إن مات مُصِرًّا على المعصية في مشيئة الله، وتقدير الثاني: "حَرَّمه الله على النار" إلا أن يشاء الله، أو حرمه على نار الخلود، والله تعالى أعلم (^١).
[فائدة]: قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث الْمُبطلة والْمُلاحيّة ذريعةً إلى طرح التكاليف، ودفع الأحكام، وإبطال العمل معتقدين بأنّ الشهادة وعدم الشرك كافٍ، وربّما يتمسّك بها المرجئة، وهذا الاعتقاد يستلزم طَيَّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود، والزواجر السمعيّة، ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب في الطاعات، والتحذير عن المعاصي والجنايات غير متضمّن طائلًا، وبالأصل باطلًا، بل يقتضي الانخلاع عن رِبْقة الدين والملّة، والانسلال عن قيد الشريعة والسنّة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سُدًى مُهْمَلين، يموج بعضهم في بعض، مُعَطَّلين من غير مانع، ولا دافع، وذلك يُفضي إلى خَرَاب الدنيا، بعد أن أفضَى إلى خراب العُقْبى، والْمُشَبِّث بهذا الحديث، ونظيره ساقطٌ، وعن معارج القدس إلى حضيض النفس لاقط، مع أن قوله في بعض طرق الحديث: "أن يعبدوه" يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: "ولا يشركوا به شيئًا" يَشْمَل كلا قسمي الشرك: الجلي والخفي.
فلا راحة للتمسك به في ترك العمل؛ لأن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضَمُّ بعضها إلى بعض، فإنها في حكم الحديث الواحد، فيُحمَل مطلقها على
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٢٧٣ - ٢٧٤ "كتاب الرقاق" رقم الحديث (٦٤٤٥).
[ ٣ / ١٤٤ ]
مقيدها؛ ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله تعالى (^١) بزيادة من "الفتح" (^٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتقرير أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٠] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِث، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْه، فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى، وَإنْ سَرَقَ" ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ"، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البَغداديّ، خُرَاسانيّ الأصل، ثقةٌ (^٣) [١١].
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٧٧.
(٢) هو من قوله: "فلا راحة … إلخ".
(٣) قال في "التقريب": صدوق، وما هنا أولى؛ لأنه وثقه الخطيب البغداديّ، وابن حبان، وهو من شيوخ مسلم في "صحيحه"، وروى عنه جمع من الثقات، ولم أر لأحد طعنًا فيه، فهو ثقة على الإطلاق، فتنبّه.
[ ٣ / ١٤٥ ]
رَوَى عن شَبَابة، وأبي عامر الْعَقَديّ، وابن مهديّ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وجماعة.
ورَوى عنه مسلم، والترمذيّ، وعُبيد العجليّ، وعبد الله بن أحمد، والسرّاج.
قال الخطيب: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال السرّاج: مات سنة (٢٤٣) عن ستين سنة.
وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) الْعَنبريّ مولاهم التَّنّوريّ (^١)، أبو سهل
البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٤ - (أَبُوهُ) هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذَكْوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنُّوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٥ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو حسين بن ذَكْوان الْمُعَلِّم المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٧ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ) (^٢) البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، يُرسل [٣] مات قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٨ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ) البصريّ، اسمه ظالم بن عَمْرو بن سُفيان، وقيل غير ذلك (^٣)، ثقةٌ فاضلٌ، مخضرَمٌ [٢] مات سنة (٦٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
[تنبيه]: "الدِّيليّ" بكسر المهملة، وسكون التحتانيّة، ويقال: الدُّؤَليّ بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة.
_________________
(١) بفتح التاء المثنّاة، وتشديد النون.
(٢) هو: بفتح التحتانيّة، وسكون العين المهملة، وضمّ الميم. وفتحها. "شرح النوويّ" ٢/ ٩٥، و"التقريب" ص ٣٨٠.
(٣) يقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان، أو عثمان بن عمرو.
[ ٣ / ١٤٦ ]
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": وأما "الدِّيليّ" فكذا وقع هنا بكسر الدال، وإسكان الياء، وقد اختُلِف فيه، فذكر القاضي عياض أن أكثر أهل السنة (^١) يقولون فيه، وفي كُلِّ مَن يُنْسَب إلى هذا البطن الذي في كنانة: دِيلِيّ - بكسر الدال، وإسكان الياء - كما ذكرنا، وأن أهل العربية يقولون فيه: الدُّؤَليّ - بضم الدال، وبعدها همزة مفتوحة - وبعضهم يكسرها، وأنكرها النحاة، هذا كلام القاضي.
وقد ضَبَطَ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هذا، وما يتعلق به ضبطًا حسنًا، وهو معنى ما قاله الإمام أبو عليّ الغسانيّ، قال الشيخ: هو الدِّيليّ، ومنهم من يقول: الدُّؤَليّ على مثال الْجُهَنِيّ، وهو نسبة إلى الدُّئِل - بدال مضمومة، بعدها همزة مكسورة - حَيّ من كنانة، وفَتَحُوا الهمزة في النسب، كما قالوا في النسب إلى نَمِر نَمَريّ - بفتح الميم - قال: وهذا قد حكاه السيرافيّ عن أهل البصرة، قال: ووجدت عن أبي عليّ القاليّ - وهو بالقاف - (^٢) في "كتاب البارع" أنه حَكَى ذلك عن الأصمعيّ، وسيبويه، وابن السِّكِّيت، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم، وأنه حَكَى عن الأصمعيّ، عن عيسى بن عمر أنه كان يقول فيه: أبو الأسود الدُّئِلِيّ - بضم الدال، وكسر الهمزة - على الأصل، وحكاه أيضًا عن يونس وغيره عن العرب، قال: يَدْعُونه في النسب على الأصل، وهو شاذّ في القياس، وذكر السيرافيّ عن أهل الكوفة أنهم يقولون: أبو الأسود الدِّيليّ - بكسر الدال، وياء ساكنة - وهو محكيّ عن الكسائيّ، وأبي عبيد، القاسم بن سلام، وعن صاحب "كتاب العين"، ومحمد بن حَبِيب (^٣) كانوا يقولون في هذا الحيّ من كنانة: الدِّيل - بإسكان الياء، وكسر الدال - ويجعلونه مثل الدِّيل الذي هو حيٌّ من عبد القيس، وأما الدُّوْلُ - بضم الدال، وإسكان الواو - فَحَيّ من بني حَنِيفة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) لعله أراد بأهل السنّة هنا المحدّثين؛ لأنه قابلهم بأهل العربيّة، فيُنظر، والله تعالى أعلم.
(٢) منسوب إلى قالي قلا، بلدةٌ من ديار بكر.
(٣) بفتح الباء، غير مصروف؛ لأنها أمه. "شرح النوويّ" ٢/ ٩٦.
[ ٣ / ١٤٧ ]
انتهى كلام الشيخ أبي عمرو رحمه الله تعالى (^١).
وإلى قياس القاعدة في النسب إلى نحو دُئِل، ونَمِر، وإبل أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" حيث قال:
وَأَوْلِ ذَا الْقَلْبِ انْفِتَاحًا وَفَعِلْ … وَفَعِل عَيْنَهُمَا افْتَحْ وَفِعِلْ
وأما الصحابيّ - ﵁ - فقد تقدّم في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وأن له فيه شيخين، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول: ما أخرج له الترمذيّ، والثاني: تفرّد به هو والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، إلا قوله: "عن ابن بُريدة".
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابنُ بريدة، عن يحيى بن يَعْمُر، عن أبي الأسود الدِّيليّ.
٦ - (ومنها): أن أبا الأسود هو أوّلُ مَن تَكَلَّم في النحو، وولي قضاء البصرة لعليّ بن أبي طالب - ﵁ -، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الإسناد غير "أحمد بن خِرَاش" تقدّم بتمامه في (٢٩/ ٢٢٤) "باب بيان حال إيمان من رَغِب عن أبيه، وهو يَعْلَم"، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو عبد الله، أخو سليمان، وكانا توأمين، ويقال: إنهما ماتا في سنة واحدة (أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، ويُضمّ (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ) تقدّم الخلاف في ضبطه (حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ٢٨١ - ٢٨٣، و"شرح النوويّ" ٢/ ٩٥ - ٩٦.
[ ٣ / ١٤٨ ]
ذَرٍّ) - ﵁ - حَدَّثَهُ، قَالَ أبو ذرّ - ﵁ - (أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَهُوَ نَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وقوله: (عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ) حال أيضًا، إما متداخل، أو مترادف، قال الطيبيّ: قال الشارحون: ليس هذا من الزوائد التي لا طائل تحتها، بل قصد الراوي بذلك أن يُقرّر التثبّت والإتقان فيما يرويه في آذان السامعين؛ ليتمكّن في قلوبهم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وفائدة وصفه الثوب، وقوله: "أتيته، وهو نائم، ثم أتيته، وقد استيقظ" الإشارة إلى استحضاره القصّة بما فيها؛ ليدلّ ذلك على إتقانه لها. انتهى (^٢).
(ثُمَّ أَتَيْتُهُ) - ﷺ - (فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ) "إذا" هي الفجائيّة، أي ففاجأني نومه (ثُمَّ أَتَيْتُهُ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَجَلَسْتُ إِلَيْه، فَقَالَ: "مَا) نافيةٌ (مِنْ) زائدة للتوكيد، وقوله: (عَبْدٍ) مبتدأ خبره جملة "إلا دخل الجنّة" (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى الثبات على الإيمان حتى يموت؛ احترازًا عمن ارتدّ، ومات عليه، فحينئذ لا ينفعه إيمانه السابق، قال: "وثُمّ" للتراخي في الرتبة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصّلت: ٣٠]، وقوله - ﷺ -: "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، رواه مسلم. انتهى (^٣). (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ") قال الطيبيّ: الاستثناء مفرّغ، أي ما من عبد آمن، وثبت عليه يكون له حال من الأحوال إلا حال دخول الجنّة. انتهى. قال أبو ذرّ - ﵁ -: (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: حرف الاستفهام في أول الكلام مقدّر، ولا بُدّ من تقديره، وقال غيره: التقدير: أَوَ إن زنى، أَوَ إن سَرَقَ دخل الجنّة، وقال الطيبيّ: أدخل الجنّة، وإن زنى، وإن سَرَق، والشرط حال، ولا يُذكر الجواب مبالغةً وتتميمًا لمعنى الإنكار، قال: وإن زنى، وإن سَرَق.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٧٨.
(٢) "الفتح" ٢٩٥/ ١٠ "كتاب اللباس" رقم (٥٨٢٦ - ٥٨٢٨).
(٣) "الكاشف" ٢/ ٤٧٨.
[ ٣ / ١٤٩ ]
قال في "الفتح": ووقع في رواية عبد العزيز بن رُفَيع (^١): "قلت: يا جبريل، وإن سَرَقَ، وإن زنى؟ قال: نعم"، وكررها مرتين للأكثر، وثلاثًا للمستملي، وزاد في آخر الثالثة: "وإن شَرِب الخمر"، وكذا وقع التكرار ثلاثًا في رواية أبي الأسود، عن أبي ذرّ في "اللباس"، لكن بتقديم الزنا على السرقة (^٢)، كما في رواية الأعمش، ولم يقل: "وإن شرب الخمر"، ولا وقعت في رواية الأعمش، وزاد أبو الأسود: "على رغم أنف أبي ذرّ"، قال: وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث يقول: "وإن رَغِمَ أنف أبي ذرّ". انتهى.
(قَالَ) - ﷺ - ("وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ") أي يدخلها، وإن تلبّس بالمعاصي الكبار (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟، قَالَ) - ﷺ - ("وَإنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ" ثَلَاثًا) أي كان تكرير أبي ذرّ - ﵁ - للسؤال، وتكرير النبيّ - ﷺ - للجواب ثلاث مرّات، قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: أما تكرير أبي ذرّ - ﵁ -، فلاستعظامه شأن الدخول مع مباشرة الكبائر، وتعجّبه منه، وأما تكرير النبيّ - ﷺ - فللإنكار على استعظامه: أي أتبخل يا أبا ذرّ برحمة الله تعالى؟ فرحمة الله تعالى واسعة على خلقه، وإن كَرِهتَ ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وإنما ذكر من الكبائر نوعين، ولم يقتصر على واحد؛ لأن الذنب إما حقّ الله تعالى، وهو الزنى، أو حقّ العباد، وهو أخذ مالهم بغير حقّ، وفي تكريره أيضًا معنى الاستيعاب والعموم، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]: أي دائمًا. انتهى (^٣).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث فيه حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يُقطَع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أُخرجوا منها، وخُتِم لهم بالخلود في الجنة، وقد تقدم هذا كله مبسوطًا، والله تعالى أعلم. انتهى (^٤).
(ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (فِي) المرّة (الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ") - بفتح
_________________
(١) يعني: عند البخاريّ، فقد رواه من طريقه، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ - ﵁ -.
(٢) أي وهي رواية مسلم هنا.
(٣) "الكاشف" ٢/ ٤٧٩.
(٤) "شرح النوويّ" ٢/ ٩٧.
[ ٣ / ١٥٠ ]
الراء، وضمها، وكسره، مأخوذ من الرَّغَام - بفتح الراء - وهو التراب، قال المجد في "القاموس": "الرَّغْمُ": الْكُرْهُ، ويُثَلَّثُ، كالْمَرْغَمَة، ورَغِمَهُ، كعَلِمَهُ، ومَنَعَهُ: كَرِهَه، والترابُ، كالرَّغَام، والْقَسْرُ، والذّلُّ، ورَغُمَ أنفي لله تعالى: مثلّثةً: ذلّ عن كُرْهٍ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد كلام المجد رحمه الله تعالى أن رَغُمَ مثلّث الغين، من باب نصر، ومنع، وقرب، كما أن مصدره الرَّغْم مثلّث الراء، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الفيّوميّ: هو كناية عن الذلّ، كأنه لَصِقَ بالرَّغام بالفتح: أي التراب هَوَانًا، ويتعدّى بالألف، فيقال: أرغم الله أنفه، قال: وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يريدون أعيانها، بل وَضَعُوها لمعانٍ غير معاني الأسماء الظاهرة، ولا حظّ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدميَّ، وحاجته خلفَ ظهري، يُريدون الإهمال، وعَدَمَ الاحتفال. انتهى (^٢).
وقال النوويّ: معنى أرغم الله أنفه: أي ألصقه بالرَّغَام، وأَذَلّه، فمعنى قوله - ﷺ -: "على رغم أنف أبي ذرّ": على ذُلّ منه؛ لوقوعه مخالفًا لِمَا يريد، وقيل: معناه على كراهة منه، وإنما قال له - ﷺ - ذلك؛ لاستبعاده العفو عن الزاني والسارق المنتهك للحرمة، واستعظامه ذلك، وتصوُّر أبي ذرّ بصورة الكاره الْمُمَانع، وإن لم يكن ممانعًا، وكان ذلك من أبي ذرّ؛ لشدة نفرته من معصية الله تعالى وأهلها، قاله النوويّ رحمه الله تعالى (^٣).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أصل الرَّغْم بفتح الراء، وضمّها (^٤): الذلّ، من الرَّغام بالفتح أيضًا، وهو التراب، يقال: أرغم الله أنفه: أي أذلّه، كأنه يُلْصِقُه بالتراب من الذلّ، فيكون هذا في الحديث على وجه الاستعارة، والإغياء في الكلام: أي وإن خالف سؤالَ أبي ذرّ، واعتقادَه،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١٠٠٥، وشرحه "تاج العروس" ٨/ ٣١٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٣) "شرح النوويّ" ٢/ ٩٦.
(٤) تقدّم أن راءه مثلّثة، فتنبّه.
[ ٣ / ١٥١ ]
واستعظامَهُ الغفران للمذنبين، وتَرداده السؤال عن ذلك، فأشبه من أُرْغِمَ بما لا يُريد ذُلًّا وقهرًا.
وقيل: معناه: وإن اضطرب أنفه، يعني لكثرة ترداده وسؤاله، ومنه قوله تعالى: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٠٠]: أي اضطرابًا في الأرض.
وقيل: معناه: وإن كره، يقال: ما أرغم منه شيئًا: أي ما أكرهه، ومعنى هذا كله في التجوّز بمعنى الأول؛ إذ لا يَكرَه أبو ذرّ رحمة الله لعباده، ولا ما أخبر به نبيّه - ﷺ - من فضل الله ﷿، وسعة مغفرته. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى (^١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه بفتح الراء، وهي إحدى لغاته، فإنه يقال بفتحها، وضمّها، وكسرها، وهو مصدر رَغَمَ بفتح العين، وكسرها من بابي: نصر، وتَعِبَ، وهو مأخوذ من الرَّغَام، وهو التُّراب، يقال: أرغم الله أنفه: أي ألصقه بالتُّراب، ورَغِمَ أنفي لله: أي خَضَعَ وذَلَّ، فكأنه لَصِقَ بالتّراب، والمراغمة: المغاضبة، والْمُرَاغَمُ: الْمَذْهَبُ والْمَهْرَبُ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، وإنما واجه النبيّ - ﷺ - أبا ذرّ بهذه الكلمة؛ لِمَا فَهِمَ عنه من استبعاده دخول من زنى ومن سَرَقَ، الجنّة، وكأنه وَقَعَ له هذا الاستبعاد بسبب ظاهر قوله - ﷺ -: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن … " الحديث، متّفقٌ عليه، وما هو في معناه، فرَدّ النبيّ - ﷺ - هذا الوهم، وأنكره، وكان الحديث نصًّا في الردّ على المكفّرة بالكبائر، كما تقدّم. انتهى (^٢).
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو ذرّ - ﵁ - (فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ) - ﵁ - (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من الفاعل (وَإِنْ رَغِمَ أنفُ أَبِي ذَرٍّ) - بفتح الغين المعجمة، وكسرها، وضمّها - كما أسلفت تحقيقه آنفًا.
إنما قال أبو ذرّ - ﵁ - ذلك؛ رُجوعًا منه عمّا كان وقع له من الاستبعاد مع سعة فضل الله تعالى ورحمته، وانقيادًا للحقّ لَمّا تَبيّن له (^٣).
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٢) "المفهم" ١/ ٢٩٢.
(٣) "المفهم" ١/ ٢٩٢.
[ ٣ / ١٥٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما ما يتعلّق بالحديث من المسائل، فقد استوفيته في الحديث الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.