وبالسند المتّصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠] (١٠٦) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَيِ ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "ثَلَاَثة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكليهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ" قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا، وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف بـ "بُنْدار"، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ "غُنْدَر"، أبو عبد الله البصريّ، ربيب شُعبة، ثقة حافظ [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور المذكور قبل باب.
٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) النخعيّ، أبو مُدْرك الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣١/ ٢٣٠.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
٧ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٨ - (خَرَشَةُ - بفتحات، والشين المعجمة - ابْنُ الْحُرِّ) - بضمّ الحاء المهملة، وتشديد الراء - الْفَزَاريّ، قيل: له صحبة، وقيل: ثقةٌ من كبار التابعين [٢].
كان يتيمًا في حِجْر عمر بن الخطاب - ﵁ -، رَوَى عنه، وعن أبي ذَرّ، وحُذيفة، وعبد الله بن سلام.
ورَوَى عنه رِبْعيّ بن حِرَاش، وسليمان بن مُسهِر، والمسيَّب بن رافع، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو حَصِين، عثمان بن عاصم، وغيرهم.
قال الآجريّ، عن أبي داود: خَرَشة بن الْحُرّ له صحبة، وأخته سلامة بنت الْحُرّ لها صحبة، وقال ابن سعد: تُوُفّي في ولاية بشر بن لهروان على الكوفة، وقال خليفة: مات سنة (٧٤)، وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ من كبار التابعين، وذكره ابن عبد البرّ، وأبو نعيم، وابن منده في "الصحابة"، وقال أبو موسى المدينيّ: خَلَط أبو عبد الله - يعني: ابن منده - بينه وبين خَرَشَة المراديّ، والظاهر أنهما اثنان. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث (٢٤٨٤): "أما الطريق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال … ".
٩ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه ثلاثة مشايخ قرن بينهم، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، غير أبي بكر، فكوفيّ، كالباقين، والصحابيّ مدنيّ، ثم رَبَذيّ - ﵁ -.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عليّ بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خَرَشَة.
٦ - (ومنها): خَرَشَة بن الْحُرّ من الأفراد، فليس في الرواة من يشاركه في هذا الاسم، وهذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وليس له في الكتاب إلا حديثان، كما أسلفت بيانهما آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) - ﵁ - (عَنِ النَبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "ثَلَاَثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) - ﷿ -، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي بكلامِ مَن رَضِيَ عنه، ويجوز أن يُكلِّمهم بما يُكلّم به من سَخِطَ عليه، كما جاء في "صحيح البخاريّ" من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفُوعًا: "يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعُك فضلي، كما منعت فَضْلَ ما لم تَعْمَل يداك"، وقد حَكَى الله تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة؛ استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم. انتهى (^١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "ثلاثة لا يكلّمهم الله … إلخ " هو على لفظ الآية الكريمة، قيل: معنى "لا يكلمهم": أي لا يُكَلِّمهم تكليم أهل الخيرات، وبإظهار الرِّضَا، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد الإعراض عنهم، وقال جمهور المفسرين: لا يكلِّمهم كلامًا ينفعهم ويَسرُّهم، وقيل: لا يُرسِل إليهم الملائكة بالتحية. انتهى (^٢).
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قيّده به إشارة إلى أنه محلّ الرحمة المستمرّة بخلاف رحمة الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يتجدّد من الحوادث، قاله في "الفتح" (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٠٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٦.
(٣) راجع: "الفتح" ١١/ ٤٣٠.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
(وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) قال النوويّ: معناه: أنه يُعْرِض عنهم، ونظره - ﷾ - لعباده رحمته، ولطفه بهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفسيره النظر بالرحمة واللطف غير صحيح، بل النظر على ظاهره ثابتٌ لله - ﷾ -، كما ثبت اللطف والرحمة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد.
وقال في "الفتح": معنى: "لا ينظر الله إليهم": أي لا يرحمهم، فالنظر إذا أُضيف إلى الله تعالى كان مجازًا، وإذا أُضيف إلى المخلوق كان كنايةً، ويحتمل أن يكون المراد: لا ينظر الله إليهم نظرَ رحمةٍ.
قال: وقال شيخنا - يعني: الحافظ العراقيّ - في "شرح الترمذيّ": عَبَّرَ عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن مَن نَظَر إلى متواضع رَحِمَه، ومَن نَظَر إلى مُتَكَبِّر مَقَته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر.
وقال الكرمانيّ: نسبة النظر من يجوز عليه النظر كنايةٌ؛ لأن مَن اعتَدَّ بالشخص التفتَ إليه، ثم كَثُر حتى صار عِبارةً عن الإحسان، وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقةُ النظر، وهو تقليب الحدقة، والله مُنَزَّه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجازًا عما وقع في حق غيره كنايةً.
قال: ويؤيد ما ذُكِر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت، ما أخرجه الطبرانيّ، وأصله في "سنن أبي داود"، من حديث أبي جُرَيّ: "إن رجلًا ممن كان قبلكم، لَبِسَ بُرْدةً، فَتَبَخْتر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته … " الحديث. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من نفي نظر الله - ﷾ - حقيقةً، وأنه ليس له نظرٌ، وإنما هو مجاز عن الرحمة غير صحيح، وإنما حَمَلهم على ذلك أنهم ظنّوا أن النظر لا معنى له إلا تقليب الحدقة، وهذا خطأٌ؛ لأن هذا معنى النظر المضاف إلى المخلوقين، وأما نظر الخالق، فهو نظر يليق بجلاله - ﷾ -، لا نعلم كيفيّته، كما لا نعلم حقيقة ذاته العليّة؛ لأن الصفة فرع عن الذات.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ٢٧٠.
[ ٣ / ٢٧١ ]
فالحقّ أن النظر ثابتٌ لله تعالى حقيقةً، لا مجازًا، وأما تفسير نظره هنا بأنه نظر رحمة وإحسان، فلا يتنافى مع تفسيرنا المذكور؛ لأن هذا بيان للمقصود هنا بقرينة الأدلّة الأخرى؛ لأن نظر الله تعالى محيط بجميع مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء، فكان المراد هنا نظرًا خاصًّا، وهو الذي يكون لأوليائه تعالى، وهو نظر الرحمة واللطف والإحسان، والفرق بين إثبات النظر، وكون المراد نظرًا خاصًّا، وهو نظر الرحمة وبين نفي النظر، وكونه بمعنى الرحمة واضحٌ، لا يخفى من تأمّله بالإنصاف، ولم يسلك سبيل التقليد والاعتساف.
وأما الحديث الذي ذكره صاحب "الفتح" عن الطبرانيّ، وادّعَى أنه يؤيّد ما ذُكر من حَمْل النظر على الرحمة، أو المقت، فليس كما ادّعاه، بل هو موضّحٌ لما قلناه، فإنه أثبت أوّلًا النظر لله - ﷾ -، ثم رتّب المقتَ عليه بالفاء التعقيبية، فقال: "فمقته، فأمر الأرض … إلخ"، فإن هذا واضحٌ في إثبات النظر لله تعالى، وهو الذي قلناه، وقد أوضحت المسألة في غير هذا المحلّ من "شرح النسائيّ"، وغيره، فتأمله بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد والاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُطَهِّرهم من دنس ذنوبهم؛ لِعِظَم جُرْمهم؛ وقال الزجاج وغيره: معناه: لا يُثْنِي عليهم خيرأ، ومن لم يُثْنِ عليه خيرًا عذّبه (^١).
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ") أي شديد الألم الموجِعُ، قال الواحديّ: هو العذاب الذي يَخْلُص إلى قلوبهم وَجَعُهُ، قال: والعذابُ كلُّ ما يُعْيِي الإنسان، وَيشُقُّ عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب مِنَ الْعَذْب، وهو المنع، يقال عَذَبْتُهُ عَذْبًا: إذا منعته، وعَذَبَ عُذُوبًا: أي امتنع، وسُمِّي الماء عَذْبًا؛ لأنه يمنع الْعَطَش، فسُمِّيَ العذاب عذابًا؛ لأنه يَمْنَع الْمُعَاقَبَ من مُعاودة مثل جُرْمه، ويمنع غيره من مثل فعله. انتهى (^٢).
وقال الراغب الأصفهانيّ في "مفرداته": اختُلِف في أصل العذاب، فقال بعضهم: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذبٌ، وعَذُوب، فالتعذيب في الأصل: حملُ الإنسان أن يَعْذِب: أي يَجُوعَ وَيسْهَرَ،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٥٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٦.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وقيل: أصله من الْعَذْبِ، فعذّبتُهُ: أي أزلتُ عَذْبَ حياته على بناء مرَّضْتُهُ، وقَذَّيتُهُ، وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعَذَبَةِ السوط: أي طَرَفها، وقد قال بعض أهل اللغة: التعذيب هو الضرب، وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذْبٌ: إذا كان فيه قَذًى وكَدَرٌ، فيكون عذّبتُهُ كقولك: كدّرت عيشه، وزَلَّقتُ حياته، وعَذَبَةُ السوط واللسان والشجر: أطرافها. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: عَذَبته تعذيبًا: عاقبته، والاسم: الْعَذَابُ، وأصله في كلام العرب: الضربُ، ثم استُعْمِل في كلِّ عقوبة مُؤْلمةٍ، واستُعِير للأمور الشاقّة، فقيل: السفر قطعة من العذاب، وعَذبَةُ اللسان: طَرَفُهُ، والجمع عَذَبات، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبَات، ويقال: لا يكون النطقُ إلا بعَذَبَة اللسان، وعَذَبَةُ السَّوْطِ: طَرَفُهُ، وعَذَبَةُ الشجر: غُصْنُهَا، وعَذَبَةُ الميزان: الخَيْطُ الذي تُرْفَعُ به. انتهى (^٢).
(قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ - (فَقَرَأَهَا) أي هذه الْجُمَل المذكورة (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مِرَارًا) يعني: أنه - ﷺ - كرّر هذا الحديث الذي هو بمعنى الآية الكريمة ثلاث مرّات تأكيدًا للأمر (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) - ﵁ - (خَابُوا) أي لم يظفروا بمرادهم، والكلام يحتمل أن يكون دعاءً عليهم بالخيبة، وأن يكون إخبارًا بخيبتهم، يقال: يَخِيب خيبةً: إذا لم يظفر بما طَلَبَ، وخيّبه الله تعالى - بالتشديد -: جعله خائبًا، أفاده الفيّوميّ (^٣) (وَحسِرُوا) أي هَلَكُوا، والكلام عليه كسابقه، ووقع عند النسائيّ: "فقال أبو ذرّ: خابوا وخسروا، خابوا وخسروا"، مكرّرًا (مَنْ) استفهاميّةٌ (هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي من هؤلاء الذين وُصفوا بهذه الأوصاف الْمُخْزِية، والبلايا المحزنة؟ (قَالَ) - ﷺ - " (الْمُسْبِلُ) خبر لمحذوف: أي أحدهم: "المسبل"، اسم فاعل من الإسبال، وهو إرخاء الإزار عن الحدّ الذي ينبغي الوقوف عنده.
يعني: أنّ أحد الثلاثة الذين لهم هذا الوعيد الشديد: هو الرجل الذي يُرخِي إزاره، ويجرّ طَرَفه خُيَلاءً، كما جاء مفسّرًا في حديث ابن عمر رضي الله
_________________
(١) "مفردات ألفاظ القرآن" ص ٥٥٥.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٨.
(٣) "المصباح المنير" ١٨٥.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
تعالى عنهما المتّفق عليه: "لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء". والخيلاء: الكبر، والعجب.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا التقييد بالجرّ خيلاءً يُخصّص عموم المسبل إزاره، ويدلّ على أن المراد بالوعيد من جرّ خُيَلَاءً، وقد رَخّص النبيّ - ﷺ - في ذلك لأبي بكر الصدّيق - ﵁ -، فقد أخرج الشيخان، من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَن جَرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقال أبو بكر: إنّ أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الوعيد المذكور خاصّ بمن جرّه خُيلاء، وأما جرّه بغير الخيلاء، فحرامٌ؛ لما أخرجه البخاريّ، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: "ما أسفَلَ من الكعبين، من الإزار ففي النار".
[تنبيه]: يستثنى من ذلك النساء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، متّصلًا بحديثه المذكور في قصّة أبي بكر - ﵁ -: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟ فقال: "يُرخين شِبْرًا"، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهنّ، قال: "فيُرخينه ذراعًا، لا يَزِدن عليه". لفظ الترمذيّ.
قال الحافظ: وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فَوَهِمَ، فإنها ليست عنده، وكأنّ مسلمًا أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما، من طريق عبيد الله بن عمر، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة.
وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع، والنسائيّ، من طريق أيوب بن موسى، ومحمد بن إسحاق، ثلاثتهم، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أم سلمة.
وأخرجه النسائيّ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة
_________________
(١) سيأتي للمصنف برقم ٢٠٨٥.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
نفسها، وفيه اختلاف آخر، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أخرجه أبو داود من رواية أبي الصّدّيق، عن ابن عمر، قال: "رخّص رسول الله - ﷺ - لأمهات المؤمنين شبرًا، ثم استزدنه، فزادهنّ شبرًا، فكن يُرْسِلن إلينا، فنذرع لهنّ ذراعًا".
وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنّه شبران بشبر اليد المعتدلة.
قال الحافظ: ويستفاد من هذا الفهم التعقّب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله خيلاء.
وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في محلّه من "كتاب اللباس" - إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وغيره: وذَكَر إسبال الإزار وحده؛ لأنه كان عامّة لباسهم، وحكم غيره من القميص وغيره حكمه.
قال النوويّ: وقد جاء ذلك مبيّنًا منصوصًا عليه من كلام رسول الله - ﷺ -، من رواية سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، قال: "الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، مَنْ جَرَّ منها شيئا، خُيَلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه بإسناد حسن. انتهى (^١).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب اللباس" - إن شاء الله تعالى -.
(وَالْمَنَّانُ) زاد في الرواية التالية: "الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا، إِلَّا مَنَّهُ".
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "المنّان": فَعّالٌ من الْمَنّ، وقد فسّره في الحديث، فقال: "هو الذي لا يُعطي شيئًا إلا مّنّه": أي إلا امتنّ به على المعطَى له، ولا شكّ في أنّ الامتنان بالعطاء مبطلٌ لأجر الصدقة والعطاء، مؤذٍ للمعطَى له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وإنما كان المنّ كذلك؛ لأنّه لا يكون غالبًا إلا عن البخل، والعجب،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٦.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
والكبر، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يُعظّم في نفسه العطيّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجْبُ يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنّه مُنعِمٌ بماله على الْمُعطَى له، ومتفضِّل عليه، وإن كان له عليه حقّ يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يَحْتَقِر المعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلًا، ومُوجِب ذلك كلّه الجهل، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه؛ إذ قد أنعم عليه مما يُعطي، ولم يَحْرِمه ذلك، وجعله ممن يُعطِي، ولم يجعله ممن يَسْأل، ولو نظر ببصيرته لعلم أنّ المنّة للآخذ؛ لما يُزيل عن المعطي من إثم المنع، وذمّ المانع، ومن الذنوب، ولما يحصل له من الأجر الجزيل، والثناء الجميل.
وقيل: المنّان في هذا الحديث هو من المنّ الذي هو القطع، كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]: أي غير مقطوع، فيكون معناه: البخيل بقطعه عطاءَ ما يجب عليه للمستحقّ، كما جاءفي حديث آخر: "البخيل المنّان" (^١)، فنعته به.
والتأويل الأول أظهر، أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل التأويل الثاني ضعيفٌ جدًّا، ومما يُضعفه ما في الرواية التالية بلفظ: "والمنان الذي لا يُعطي شيئًا إلا منّه"، فإنه ظاهر في المعنى الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الحديث الذي أشار إليه القرطبيّ أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢١٠٢٠) حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء، عن مُطَرّف بن عبد الله بن الشّخّير، قال: بلغني عن أبي ذرّ حديث، فكنت أُحِبُّ أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث، فكنتُ أحبّ أن ألقاك، فأسألَكَ عنه، فقال: قد لقيتَ، فاسأل، قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: "ثلاثة يحبهم الله - ﷿ -، وثلاثة
_________________
(١) رواه أحمد من حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح
(٢) راجع: "المفهم" ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
يبغضهم الله - ﷿ -"، قال: نعم، فما إخالني، أَكْذِب على خليلي محمد - ﷺ -، ثلاثًا، يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم الله - ﷿ -؟، قال: "رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدوَّ، مجاهدًا محتسبًا، فقاتل حتى قُتِل"، وأنتم تجدون في كتاب الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، "ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه، حتى يكفيه الله إياه بموت، أو حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يَشُقّ عليهم "الْكَرَى"، أو "النعاس"، فَيَنْزِلون في آخر الليل، فيقوم إلى وُضوئه، وصلاته"، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: "الفَخُور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، والبخيل الْمَنّان، والتاجر، والبَيّاع الْحَلّاف"، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا، وذَوْدٌ - يعني بالفرق: غنمًا يسيرة - قال: قلت: لست عن هذا أسأل، إنما أسألك عن صامت المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر، ما لك ولإخوتك قريش؟ قال: والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين الله ﵎، حتى ألقى الله ورسوله ثلاثًا يقولها. انتهى (^١).
(وَالْمُنَفِّقُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية في "الْمُنَفِّق" بفتح النون، والفاء مشدّدةٌ، وهي مضاعَفُ نَفَقَ البيعُ يَنْفُقُ: - أي من باب نصر - نَفَاقًا: إذا خرج، ونَفِدَ، وهو ضدّ كَسَدَ، غير أن نَفَقَ المخفَّفُ لازم، فإذا شُدِّدَ عُدّيَ إلى المفعول، ومفعوله هنا "سِلْعَتَهُ". انتهى (^٢).
(سِلْعَتَهُ) بكسر السين المهملة، وسكون اللام: البِضَاعة، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سدر وسِدَرٍ. ومثله سِلْعة الجسد (^٣)، وهي الْغُدَّة، وأما السَّلْعَة بالفتح، فهي
_________________
(١) الحديث رجاله رجال الصحيح، ويزيد هو ابن هارون. والله تعالى أعلم.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٥٩.
(٣) قال في "المصباح": السِّلْعة - أي بكسر، فسكون -: خُرَاجٌ كهيئة الغُدّة، تتحرّك بالتحريك، قال الأطبّاء: هي وَرَمٌ غير ملتزق باللحم، يتحرّك عند تحريكه، وله غلاف، وتقبل التزيّد، لأنها خارجة عن اللحم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن. انتهى. "المصباح" في مادّة سلع.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
الشجّة، وجمعها سَلَعات، مثل سجدة وسَجَدات، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله [من الرجز]:
وَسِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدْ … كُلّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدْ
أَمَّا الَّتِي بِالْفَتْحِ فَهْيَ الشَّجَّهْ … عِبَارَةُ "الْمِصْبَاحِ" فَاسْلُكْ نَهْجَهْ (^١)
(بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ") هو معنى قوله في الرواية التالية: "وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ"، و"الْحَلِفُ": بكسر اللام، وإسكانها، وممن ذكر الإسكان ابنُ السّكّيت في أول "إصلاح المنطق"، قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وَصَفَ "الْحَلِف"، وهي مؤنّثةٌ بـ "الكاذب"، وهو وصف مذكَّرٌ، وكأنه ذهب بالـ "الحلف" مذهب "القول"، فذكّره، أو مذهب المصدر، وهو مثلُ قولهم: أتاني كتابه، فمزّقتُهَا، ذهب بـ "الكتاب" مذهب "الصحيفة" (^٢). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٨/ ٣٠٠ و٣٠١] (١٠٦)، و(أبو داود) في "اللباس" (٤٠٨٧ و٤٠٨٨)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢١١)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٦٣ و٢٥٦٤)، و"البيوع" (٤٤٥٨ و٤٤٥٩)، و"الزينة" (٥٣٣٢ و٥٣٣٣)، وفي "الكبرى" في "الزكاة" (٢٣٤٤ و٢٣٤٥) و"البيوع " (٦٠٥٠ و٦٠٥١ و"الزينة" (٩٧٠١ و٩٧٠٢)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٥٨)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٩/ ٩٢ - ٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٤٨ و١٥٨ و١٦٢ و١٦٨ و١٧٧ و١٧٨)، و(الدارميّ) في "البيوع" (٢٦٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده"
_________________
(١) راجع: "تحفة الحبيب حاشية إقناع الخطيب" في الفقه الشافعيّ ١/ ١٢٢.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٠٩.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
(١١١ و١١٢ و١١٣ و١١٥ و١١٦ و١١٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٨٧ و٢٨٨)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦١٦ و٦١٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٩١)، و"الأسماء والصفات" (١/ ٣٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): أن الله - ﷾ - ينظر إلى عباده المؤمنين المستقيمين، ويزكّيهم، يوم القيامة، وينجيهم من عذابه، وأن من أجرم بالإسبال، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، والمنّان بما أعطى لا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذابٌ أليم.
٣ - (ومنها): أن هذه الأفعال المذكورة من الكبائر؛ لأنه تعالى لا يتوعّد بهذا الوعيد الشديد إلا من ارتكب الذنوب الكبائر.
٤ - (ومنها): أن المنفّق لسلعته بالحلف الكاذب قد جمع بين الاستخفاف بحقّ الله تعالى، والكذب فيما حَلَفَ عليه، وأخذ مال الآخر بغير حقّه، وغُرُوره إياه بيمينه (^١).
٥ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ رحمه الله تعالى: إنما جمع بين الثلاثة، وقرنها؛ لأن المسبل هو المتكبّر المرتفع بنفسه على الناس، ويحتقرهم، والمنّان إنما منّ بعطائه لما رأى من علوّه على الْمُعْطَى له، والحالف البائع يُراعي غِبْطة نفسه، وهَضْمَ صاحب الحقّ، فتحصّل من المجموع احتقار الغير، وإيثار النفس، ولذلك يجازيهم الله تعالى باحتقاره لهم، وعدم التفاته إليهم، كما يُلوّح به قوله: "ولا يُكلّمهم". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٤٥٨.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا، إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِر، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه الكوفيّ [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ) تقدم قريبًا.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ) الْفَزَاريّ الكوفيّ، [٤]، ووهم من ذكره في "الصحابة".
رَوَى عن خَرَشة بن الْحُرّ، وعنه إبراهيم النخعيّ، وهو من أقرانه، والأعمش.
قال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن منده في "كتاب الصحابة"، وخَطّأه أبو نعيم، وقال: بل هو تابعيّ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٢٤٨٤): "أما الطرق التي رأيتَ عن يسارك، فهي طرق أصحاب الشمال … ".
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (لَا يُعْطِي شَيْئًا) ببناء الفعل للفاعل.
وقوله: (إِلَّا مَنَّهُ) أي عدّده على الْمُعْطى له، يقال: مَنَنتُ عليه منًّا: إذا عَدَّدتَ له ما فعلتَ له من الصنائع، مثلُ أن تقول: أعطيتك، وفعلتُ لك، وهو تكديرٌ، وتغييرٌ تنكسر منه القلوب، فلهذا نَهَى الشارع عنه بقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية، ومن هنا يقال: الْمَنُّ أخو المنّ: أي الامتنان
[ ٣ / ٢٨٠ ]
بتعديد الصنائع أخو القطع والْهَدْم، فإنه يقال: مننتُ الشيءَ مَنًّا: إذا قطعته، فهو ممنون، قاله الفيّوميّ (^١).
وقوله: (وَالْمُنَفِّقُ) بتشديد الفاء، من نَفّق السِّلْعَةَ: إذا رَوّجها، قاله في "القاموس"، وفي "المصباح": ونَفَقَتِ السِّلْعَةُ، والمرأة نَفَاقًا بالفتح: كَثُرَ طُلّابها، وخُطّابها. انتهى.
قوله: (سِلْعَتَهُ) بكسر السين، وسكون اللام: البِضَاعَةُ، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، وتقدّم تمام البحث فيها قريبًا.
وقوله: (بِالْحَلِفِ) بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، ويجوز تسكينها: أي اليمين.
وقوله: (الْفَاجِرِ) بالجرّ صفة لـ "الحلِف"، وهو بمعنى الكاذب في الرواية السابقة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ - يَعْني: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ").
رجال هذا الإسناد: أربعة، كلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين، غير:
١ - (بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ) الْعَسكريّ، أبي محمد الفرائضيّ النيسابوريّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْربُ [١٠] (ت ٢٥٣) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠٠.
وقوله: (وَحَدَّثَنِيهِ) الضمير للحديث الماضي الذي رواه عن شيخه أبي بكر بن خلاد الباهليّ.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨١.
[ ٣ / ٢٨١ ]
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد المذكور قبله، وهو إسناد الأعمش، عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرّ - ﵁ -.
وقوله: (وَقَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ" … إلخ) يعني: أن رواية محمد بن جعفر، وإن كان إسناده إسناد سفيان الثوريّ، لكنه يخالفه في المتن، فسفيان قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنّان … إلخ"، وأما محمد، فرواه بلفظ: "ثلاثة لا يكلّمهم الله، ولا ينظر إليه، ولا يُزكّيهم … إلخ".
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر هذه أخرجها الإمام أحمد، فقال في "مسنده":
(٢٠٥٠٧) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَةَ بن الْحُرّ، عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ إزارَهُ، والْمُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب".
وأخرجها أيضًا النسائيّ في "المجتبى" بسند المصنّف، فقال:
(٢٥١٧) أخبرنا بشر بن خالد، قال: حدثنا غُندَر، عن شعبة، قال: سمعت سليمان - وهو الأعمش - عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثة لا يكلمهم الله ﷿ يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ إزاره، والْمُنَفِّق سلعَتَهُ بالحلف الكاذب"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٣] (١٠٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ").
[ ٣ / ٢٨٢ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عزّة الأشجعيّة، ثقةٌ [٣] (ت على رأس المائة) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
[تنبيه]: ذكر النوويّ في "شرحه" أن أبا حازم هو سلمان الأغرّ مولى عزّة، وهذا خطأ؛ لأن سلمان الأغرّ غير سلمان الأشجعيّ، وكلاهما يرويان عن أبي هريرة - ﵁ -، فأبو حازم هو سلمان الأشجعيّ مولى عزّة الأشجعيّة، وأما سلمان الأغرّ فهو أبو عبد الله المدنيّ، مولى جُهَينة، فراجع ترجمتهما في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٦٩ - ٧٠)، و"التقريب" (ص ١٣٠)، والله تعالى أعلم.
٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والباقون تقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي حازم.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى، غير الأعمش، ووكيعٌ معه أبو معاوية.
٦ - (ومنها): أن أبا معاوية أثبت الناس في الأعمش، إلا أن يكون الثوريّ.
٧ - (ومنها): أن أبا حازم ممن لازم أبا هريرة - ﵁ -، وأطال صحبته، فقد جالسه خمس سنين.
٨ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وقد سبق هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لا يكلّمهم أصلًا، أو لا يكلّمهم كلامًا يَسُرُّهم؛ لأنه ثبت أنه يكلّم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وهؤلاء لا يَكُونون أسوأ من الكفّار، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في حديث أبي ذرّ - ﵁ - (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم.
وقوله: (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) إشارة إلى اختلاف وكيع وأبي معاوية في الحديث، فأما أبو معاوية، فزاد في روايته قوله: "ولا ينظر إليهم"، وأما وكيع فلم يذكر ذلك.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٤٦)، فقال:
(١١٤) حدثنا علي بن حرب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا الصاغانيّ، قال: أنبأنا ابن نمير، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملكٌ كَذّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ".
وقال الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه":
(٢٨٩) حدثنا جعفر بن محمد الأحمسيّ، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم - قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم -: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل متكبر".
[فإن قلت]: رواية وكيع ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى كرواية أبي معاوية، وفيها تلك الزيادة، فقال في "مسنده":
(٩٨٣٧) حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة،
[ ٣ / ٢٨٤ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كَذّاب، وعائلٌ مستكبرٌ".
فكيف تجمع بين هذا، وبين ما قاله المصنّف؟.
[قلت]: يمكن أن يُجمع بينهما بأن وكيعًا رَوَى الحديث بالوجهين، فنفي المصنّف يُحمَل على أنه ما وصلت إليه رواية أحمد، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلِمٌ (شَيْخٌ زَانٍ) خبر لمحذوف: أي أحدهم: رجلٌ كبير السنّ الذي بلغ إلى حالة لا يَحتاج فيها كثيرًا إلى النساء (وَمَلِكٌ كَذَّابٌ) وفي رواية النسائيّ: "وَالْإِمَامُ الْكَذَّابُ"، وفي رواية له: "والإمام الجائر".
(وَعَائِلٌ) أي فقير، والْمُعِيل: الكثير العيال. يقال: عال الرجلُ يَعِيل، من باب باع، فهو عائلٌ: إذا افتقر. والْعَيْلَة: الفقر، وأعال فهو مُعِيلٌ: إذا كثر عياله. وجمع العائل: عالةٌ، وهو في تقدير فُعَلَة، مثلُ كافر وكَفَرَة، أفاده في "المصباح".
(مُسْتَكْبِرٌ") أي متكبّر، وعند النسائيّ: و"العائلٌ الْمَزْهُوُّ"، و"المزهُوّ" بصيغة اسم المفعول: أي المتكبّر، من زُهِي الرجل بالبناء للمفعول على الأكثر، أو من زَهَا بالبناء للفاعل، على قلّة.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم": وإنما غُلّظ العقاب على هؤلاء الثلاثة؛ لأن الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة، واستخفاف أمر تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاملٌ حاجيّ، ولا دعتهم إليها ضرورة، كما يدعو من لم يكن مثلهم. وبيان ذلك أن الشيخ لا حاجة، ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعف داعية النكاح في حقّه، ولكمال عقله، ولقرب أجله؛ إذ قد انتهى طَرَفٌ من عمره، ونحو ذلك الملك الكذّاب؛ إذ لا حاجة له إلى الكذب، فإنه يمكنه أن يُمَشِّي أغراضه بالصدق؛ فإن خاف من الصدق مفسدةً ورَّى.
وأما العائل المستكبر، فاستحقّ ذلك لغلبة الكبر على نفسه؛ إذ لا سبب له من خارج يحمله على الكبر، فإن الكبر غالبًا إنما يكون بالمال، والْخَدَم،
[ ٣ / ٢٨٥ ]
والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلّه، فلا موجب له إلا غلبة الكبر على نفسه، وقلّة مبالاته بتحريمه، وتوعُّد الشرع عليه، مع أنّ اللائق به، والمناسب لحاله الرّقّة، والتواضع؛ لفقره وعجزه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما سبب تخصيصه - ﷺ - هؤلاء الثلاثة بالوعيد المذكور أنّ كلّ واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعْدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحد بذنب، لكن لما لم تدعهم إلى هذه المعاصي ضرائر مُزْعِجَة، ولا دواعٍ معتادة، ولا حملهم عليها أسبابٌ لازمةٌ أشبه إقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف بحقّ الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها.
فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبرد مزاجه، وإخلاق جديده عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، ويخلي سرّه منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟ وإنما دواعي ذلك الشباب، والحرارة الغريزيّة، وقلّة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السنّ.
وكذلك الإمام لا يَخشى من أحد من رعيّته، ولا يَحتاج إلى مداهنته، ومصانعته، فإن الإنسان إنما يُداهن، ويصانع بالكذب وشبهه من يَحذَره، ويخشى أذاه، ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة، أو منفعة، وهو غنيّ عن الكذب مطلقًا.
وكذلك العائل المستكبر قد عَدِمَ المال، وإنما سبب الفخر، والخيلاء، والتكبّر، والارتفاع على القرناء إنما هو الثَّرْوَةُ في الدنيا؛ لكونه ظاهرًا فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر، ويحتقر غيره؟، فلم يبق إلا أن في استكبار هذا، وزنا الشيخ الكبير، وكذب الإمام ضربًا من الاستخفاف بحقّ الله تعالى، ومعاندة نواهيه وأوامره، وقلّة الخوف من وعيده؛ إذ لم يبقَ حاملٌ لهم على هذه الأفعال السيّئة إلا هذا، مع ما سبق
_________________
(١) راجع: "المفهم" ١/ ٣٠٥.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
القدر لهم بالشقاء. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى ببعض تصرّف (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٨/ ٣٠٣] (١٠٧)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧٥)، وفي "الكبرى" (٢٣٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٣٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٤)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٨٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤١٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٦١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غلظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه، والشيء ألصق بضدّه.
٢ - (ومنها): بيان أن مرتكبي المعاصي تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي الحاملة لهم على ارتكابها، فمن كان له داعٍ يحمله، ويقهره على ارتكابها، كان أخفّ جُرْمًا ممن لا داعي له إلى ذلك.
٣ - (ومنها): بيان عظمة رحمة الله ﷾ الرؤوف الرحيم بعباده المؤمنين، حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور؛ إذ حامله عليه قهر النفس، والشهوة، وأما من ليس كذلك، فإنه يَعْظُم عقابه، حيث كان حامله على الارتكاب مجرّد الاستخفاف بأمر الله تعالى، وقلّة خوفه منه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٥٨ - ٤٦٠، و"شرح مسلم للنوويّ" ٢/ ٢٩٨ - ٣٠٠.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٤] (١٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ثَلَاث لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاة، يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيل، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْر، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا، إلا:
١ - (أَبَا صَالِحٍ) هو: ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وفي رواية للبخاريّ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة - ﵁ -، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) يعني: أن اللفظ الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأمَا أبو كريب، فرواه بمعناه (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ثَلَاثٌ) هكذا معظم الأصول في هذه الرواية عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: "ثلاث" بحذف الهاء، وكذا وقع في بعض الأصول في الرواية الثانية عن أبي ذر - ﵁ -، وله وجه صحيح، وهو أن يقدّر ثلاث أنفس، و"النفس مؤنّثة"، وإنما جاء الضمير في "يكلّمُهم" مذكّرًا على المعنى، يعني: أن معنى الأنفس مذكّر؛ لأنه بمعنى الأشخاص، أو الناس، والله ﷾ أعلم (^١).
(لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي بكلام مَن رَضِي عنه، وإنما يكلّمهم
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١١٨.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
بكلام مَن سَخِطَ عليه، كما جاء في "صحيح البخاريّ" من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في حديث أبي ذرّ - ﵁ -، فلا تَنْسَ. (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر لطف، ورحمة، وإحسان إليهم؛ إذ نظره تعالى محيط بكل شيء (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُثني عليهم، ومن لم يُثن عليه عذّبه، وقيل: لا يُطهّرهم من خُبث أعمالهم؛ لعظيم جُرْمهم (وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ) أي شديد الألم الموجع (رَجُلٌ) بدل تفصيل من"ثلاثةٌ"، أو خبر لمحذوف: أي أحدهم رجلٌ (عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) من إضافة الصفة للموصوف: أي على ماء فاضل، والوصف بالفضل من باب: زيدٌ عدلٌ، والمراد ما فَضَلَ عن كفايته التي يستحقّها السابقُ للماء، فإنه أحقّ من غيره، حتى يأخذ حاجته منه، فإذا منع المستحقّ بعد أخذه كفايته عما زاد على حاجته، فقد استحقّ هذا الوعيد (بِالفَلَاةِ) بفتح الفاء: هي المفازة، والقفر التي لا أنيس بها، قاله النوويّ (^١)، وقال الفيّوميّ: "الفلاة": الأرض لا ماءَ فيها، والجمع فلًا، مثلُ حَصَاةٍ وحَصًا، وجمع الجمع: أفلاء، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى (^٢). وفي رواية النسائيّ: "بالطريق"، وهو معنى الفلاة هنا (يَمْنَعُهُ) أي فضل الماء (مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر، ولفظ النسائيّ: "يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ"، والمعنى واحد، وإن تغاير المفهومان؛ لتلازمهما؛ لأنه إذا منعه من الماء، فقد منع الماء منه، أفاده في "الفتح" (^٣).
و"ابن السبيل": هو المسافر، و"السبيل": الطريق، وسمّي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تُبْرِزه، وتُظْهِره، فكأنها ولدته، وقيل: سُمّي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال في الغراب: ابن دَأْيَة؛ لملازمته دَأْية البعير الدَّبِرِ لينقُرها (^٤).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٦ - ١١٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٨١.
(٣) "الفتح" ١٣/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٤) "البعير الدبِر": هو الذي تقرّحت دأيته، والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظَلِفَةُ الرحل، فيعقره.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
(وَ) الثاني (رَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا) أي عقد البيع معه (بِسِلْعَةٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه "سِلْعَةً" بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى ساوم، كما جاء في الرواية الأخرى: "ساوم"، مكان "بايع"، وتكون الباء بمعنى: "عن"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي … بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
أي عن النساء. وعلى إسقاطها يكون معنى "بايع" باع، فيتعدّى بنفسه، و"سلعة" مفعوله. انتهى.
وفي رواية جرير الآتية: "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بسلعة"، وهو مفاعلةٌ من السَّوْم، يقال: سام البائع السّلْعة سَوْمًا، من باب قال: إذا عَرضَها للبيع، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون ما طلبه، أفاده الفيّوميّ.
(بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر، وخصّ بعد العصر مبالغةً في الذمّ؛ لأنه وقتٌ يتوب فيه المقصّر تمام النهار، ويشتغل فيه الموفَّقُ بالذكر ونحوه، فالمعصية في مثله أقبح.
وقال النوويّ: وخصّ ما بعد العصر بالحلف؛ لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك.
وقال الخطّابيّ: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرّمة في كلّ وقت؛ لأن الله عظّم شأن هذا الوقت، بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فَغُلِّظت العقوبة فيه؛ لئلا يُقْدِم عليها تجرّؤًا، فإن مَن تجرّأ عليها فيه اعتادها في غيره.
وكان السلف رحمهم الله تعالى يُحَلّفُون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضًا، كما قاله في "الفتح" (^١).
وقال القرطبيّ: وتخصيصه بما بعد العصر يدلّ على أن لهذا الوقت من الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم، ويظهر لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل،
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٢١٦.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
وعظيم القدر أكثر مما لغيرها، فينبغي لمصلّيها أن يَظْهَر عليه عَقِبها من التحفّظ على دينه، والتحرّز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عَقِبَ غيرها؛ لأن الصلاة حقّها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥]: أي تحمل على الامتناع عن ذلك مما يَحْدُث في قلب المصلّي بسببها من النور، والانشراح، والخوف من الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبيّ - ﷺ - بقوله: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدًا" (^١)، وإذا كان هذا في الصلوات كلّها، كانت الوسطى بذلك أولى، وحقّها في ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير، كان إثمه أشدّ، وقلبه أفسد، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٢/ ٢٥٨: رواه الطبرانيّ في "الكبير"، وفيه ليث بن أبي سُليم، وهو ثقة، ولكنه مدلّس، من حديث ابن عباس، ورواه أيضًا من حديث ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح. قال الجامع عفا الله نعالى عنه: بل الحديث ضعيف مرفوعًا، وقوله: ليث بن أبي سليم ثقة، فيه نظر، بل هو متروك؛ لأنه اختلط أخيرا، ولم يتميّز حديثه، فترك، كما قاله الحافظ في "التقريب". أما أثر ابن مسعود - ﵁ - فصحيح، موقوفًا عليه، لكن تكلّم العلماء فيه، قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لأن ظاهره معارض بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن الصلاة مكفّرة للذنوب، فكيف تكون مكفّرة، ويزداد بها بعدًا؟ هذا مما لا يُعقل، ثم قال: وحمل الحديث على المبالغة والتهديد ممكن على اعتبار أنه موقوف على ابن عباس، أو غيره، وأما على أنه من كلامه - ﷺ - فهو بعيد عندي - والله أعلم -. قال: ويشهد لذلك ما ثبت في البخاريّ: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فذكر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. انتهى مختصرًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: هذا الحديث ليس بثابت عن النبيّ - ﷺ -؛ لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي، وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقًا. انتهى. انظر: تفاصيل أقوالهم في "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١/ ١٤ - ١٧ رقم الحديث ٢.
[ ٣ / ٢٩١ ]
قال: وهذا الذي ظهر لي أولى مما قاله القاضي أبو الفضل، فإنه قال: إنما كان ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في ذلك الوقت؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن هذا المعنى موجود في صلاة الفجر؛ لأن النبيّ - ﷺ - قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ثم يجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر"، متفق عليه، وعلى هذا فتبطل خصوصيّة العصر؛ لمساواة الفجر لها في ذلك.
[وثانيهما]: أن حضور الملائكة، واجتماعهم إنما في حال فعل هاتين الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نصّ عليه في الحديث، حين قال: "يجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، وتقول الملائكة: أتيناهم، وهم يصلّون، وتركناهم، وهم يصلّون"، وهذا يدلّ دلالة واضحةً على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرته، فإنه الأنسب الأسلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(فَحَلَفَ لَهُ) أي للذي بايعه (بِاللهِ لَأَخَذَهَا) أي لقد أخذ السلعة، يعني: أنه اشتراها (بِكَذَا وَكَذَا) أي من الثمن، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني: أنه كَذَبَ، فزاد في الثمن الذي اشترى به، فَكَذَبَ، واستخفّ باسم الله تعالى، حين حَلَفَ به على الكذب، وأَخَذَ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائرَ، فاستحقّ هذا الوعيد الشديد. انتهى (^٢).
وفي رواية البخاريّ من طريق أبي حمزة السُّكّريّ، عن الأعمش: "فَحَلَفَ لَهُ بِالله، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا" بضمّ همزة "أُعطي"، وكسر الطاء، مبنيًّا للمفعول: أي أعطاه غيره ثمنًا معيّنًا، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، والضمير للحالف: أي دفع هو ثمنًا معيّنًا، ورجّح في "الفتح" هذا الثاني، قال: ووقع في رواية عبد الواحد، عن الأعمش بلفظ: "لقد أَعْطَيتُ بها"، وفي رواية أبي معاوية: "فَحَلَفَ له بالله لأخذها بكذا"، وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح: "لقد أَعْطَى بها أكثر مما أُعطي"، بفتح الهمزة والطاء، وفي بعضها
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٠٧.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
بضمّ أوله، وكسر الطاء، والأول أرجح، قاله في "الفتح" (^١).
(فَصَدَّقَهُ) أي صدّق المحلوف له الحالف، وقوله: (وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) جملة في محلّ نصبٍ على الحال: أي والحال أن الواقع خلاف ما ذكره، بل كان شراؤه بثمن أقلّ مما حلف عليه، وإنما حلف على ذلك ليوقع صاحبه على شرائه بثمن أكثر.
وفي رواية البخاريّ: "فصدّقه، فأخذَهَا، ولم يُعطِ بها": أي لم يُعْطِ القدر الذي حَلَفَ أنه أَعْطَى عِوَضَها.
(وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا) وفي رواية البخاريّ: "وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لِدُنْيَا"، وفي رواية: "إمامه" (فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا) أي من أغراضه من تلك الدنيا التي بايع من أجلها (وَفَى) أي ما عليه من الطاعة، مع أن الوفاء واجب عليه مطلقًا، وفي رواية البخاريّ: "إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ" (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا) وفي رواية البخاريّ: "وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ": أي ما يريده، فالمفعول الثاني محذوف للعلم به (لَمْ يَفِ)، وللبخاريّ: "لَمْ يَفِ لَهُ".
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا الرواية "وفَى" بتخفيف الفاء، و"يَفِ" محذوف الواو، والياء، مخفّفًا، وهو الصحيح هنا، رواية، ومعنًى؛ لأنه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ بالعهد ممدودًا: ضِدُّ الغدر، ويقال: "أوفى" بمعنى وَفَى، وأما "وفّى" المشدّد الفاء، فهي بمعنى توفية الحقّ، وإعطائه، يقال: وَفّاه حقّه يوفّيه توفيّةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]: أي قام بما كلّفه من الأعمال، كخصال الفطرة، وغيرها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وحكى الجوهريّ: أوفاه. حقّه، قال: وعلى هذا، وعلى ما تقدّم فيكون "أوفى" بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفية الحقّ، والأصل في "أوفى": أطلّ على الشيء، وأشرف عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٢١٤ - ٢١٥.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٤٨/ ٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٦] (١٠٨)، و(البخاريّ) في "المساقاة" (٢٣٥٨ و٢٣٦٩)، و"الشهادات" (٢٦٧٢)، و"الأحكام" (٧٢١٢)، و"التوحيد" (٧٤٤٦)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٧٤)، و(الترمذيّ) في "السير" (١٥٩٥)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٤٤٦٤)، وفي "الكبرى" (٦٠٥٤)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٠٧)، و"الجهاد" (٢٨٧٠)، و"الفتن" (٤٠٣٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨ و١١٩ و١٢٠ و١٢١ و١٢٢)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٠ و٢٩١ و٢٩٢)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦٢٢ و٦٢٥ و٦٢٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٣٠) و(٦/ ١٥٢) و(٨/ ١٦١ و١٧٧ و١٧٨)، وفي "الأسماء والصفات" (١/ ٣٥٢ و٣٥٣)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٦٩ و٢٥١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه؛ إذ من شُعَب الإيمان النصيحة للأئمة، ولعامة المسلمين، فمن فعل هذه الأشياء فقد ترك نصيحتهم، حيث ظلمهم.
٢ - (ومنها): بيان غِلَظ الوعيد الشديد لمن خَدَع مسلمًا في البيع بحلفه الكاذب.
٣ - (ومنها): أن فيه الوعيد الشديد لمن نكث بيعة إمام، وخَرَج عليه؛ وذلك لما فيه من تفريق الكلمة، وشقّ العصى، ونشر الفساد والظلم والفحشاء بين الأمة، وفي الوفاء بالعهد تحصين للفروج، والأموال، وحقن للدماء.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضًا: إنما استحقّ مَن بايع إمامًا للدنيا هذا الوعيد الشديد؛ لأنه لم يَقُم لله تعالى بما وجب عليه من البيعة الدينيّة، فإنها من العبادات التي تجب فيها النيّة، والإخلاص، فإذا فعلها
[ ٣ / ٢٩٤ ]
لغير الله تعالى من دنيا يَقْصِدها، أو غرض عاجل يقصده، بقيت عُهْدَتُها عليه؛ لأنه مُنَافقٌ مُراءٍ غاشٌّ للإمام والمسلمين، غير ناصح في شيء من ذلك، ومن كان هذا حاله كان مُثيرًا للفتن بين المسلمين، بحيث يَسْفِك دماءهم، ويستبيح أموالهم، ويَهْتِك بلادهم، ويسعى في إهلاكهم؛ لأنه إنما يكون مع مَن بلّغه إلى أغراضه، فيبايعه لذلك، وينصره، ويغضب له، ويقاتل مخالِفَهُ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد، وقد تكون هذه المخالفة في بعض أغراضه، فينكُث بيعته، ويطلب هلكته، كما هو حال أهل أكثر هذه الأزمان، فإنهم قد عمّهم الغدر، والخذلان. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
٥ - (ومنها): بيان أن كلّ عمل لا يراد به وجه الله تعالى، بل الغرض الدنيويّ، فإنه وبالٌ على صاحبه، وخسران مبين.
٦ - (ومنها): الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء المسافر المحتاج إلى الماء، قال النوويّ: لكن يُسْتَثْنَى من ذلك الحربيّ، والمرتدّ، إذا أصرّا على الكفر، فلا يجب بذل الماء لهما. انتهى.
٧ - (ومنها): أن هذا الماء الذي ورد الوعيد فيه في هذا الحديث هو الذي قد نَهَى النبيّ - ﷺ - عن منعه بقوله: "لا يُمْنَعُ فضلُ الماء؛ ليُمْنَعَ به الكلأُ"، متّفقٌ عليه.
وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك؛ لأنه مَنْعُ ما لا حقّ له فيه من مستحقّه، وربّما أتلفه، أو أتلف ماله وبهائمه، فلو منعه هذا الماء حتى مات عطشًا قِيد منه، عند مالك؛ لأنه قتله، كما لو قتله بالجوع، أو بالسلاح، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (^٢).
٨ - (ومنها): أنه يستفاد من مجموع أحاديث الباب عشر خصال مذمومة، وهي: (١) الإسبال، و(٢) المنّ بالعطاء، و(٣) تنفيق السلعة بالحلف الكاذب، و(٤) زنا الشيخ، و(٥) كَذِبُ الملك، و(٦) تكبّر الفقير، و(٧) منع فضل الماء من ابن السبيل، و(٨) مبايعة الإمام لأجل الدنيا، و(٩) الحلف بعد العصر على أخذ سلعة بكذا، ولم يأخذها به، و(١٠) الحلف بعد العصر على مال مسلم
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩.
(٢) "المفهم" ١/ ٣٠٦.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
ليقتطعه (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور قبل باب.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الكنديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
[تنبيه]: "الأشعثيّ" بالشين المعجمة، والعين المهملة، والثاء المثلّثة: منسوب إلى جدّه الأشعث بن قيس الكِنديّ، فإنه سعيد بن عمرو بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، قاله النوويّ (^٢).
٤ - (عَبْثَر) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، هو: ابن القاسم الزُّبَيدي - بالضمّ - أبو زُبيد - بالضمّ أيضًا - الكوفيّ، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن حُصين بن عبد الرحمن، والعلاء بن المسيَّب، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وسليمان التيميّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والأجلح بن سِنَان، والأعمش، وأبي إسحاق الشَّيبانيّ، وبُرْد بن أبي زياد، والثوريّ، ويزيد بن أبي زياد، وجماعة.
ورَوَى عنه أحمد بن عبد الله بن يونس، وابنه أبو حُصَين عبد الله بن
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٢١٥ "كتاب الأحكام" رقم (٧٢١٢) فقد ذكره مجملًا، وأنا فصّلته؛ تتميمًا للفائدة، والله تعالى وليّ التوفيق.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١١٥.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
أحمد، وسعيد بن عمرو الأشعثيّ، وأبو نعيم، وعمرو بن عون، ويحيى بن آدم، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وخَلَف بن هشام البزار، وأبو غسان النَّهْديّ، وقتيبة بن سعيد، وهنَّاد بن السَّريّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: صدوقٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثيرَ الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قيل: إنه مات سنة تسع وسبعين ومائة، وقال ابن سعد: تُوُفِّي سنة (١٧٨)، وقال البخاريّ في "تاريخه": يقال: توفي سنة (٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
وقوله: (كِلَاهُمَا) أي جرير، وعبثر.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث الماضي.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ") يعني: أن لفظ رواية جرير بن عبد الحميد مخالَفة لرواية أبي معاوية، فإنه رواها بلفظ: "ورجلّ ساوم رجلًا بسلعةٍ"، بدل قوله: "ورجلٌ بايع رجلًا بسلعة"، وأما عبثرٌ، فقد رواها بلفظ أبي معاوية.
ثم إن معنى بايع، وساوم هنا واحدٌ.
قال ابن الأثير: "المساومة": المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة، وفصلُ ثمنها، يقال: سام يسوم سَوْمًا، وساوم، واستام. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: سام البائع السِّلْعة سَوْمًا، من باب قال: عَرَضَها للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، قاله الفيّوميّ (^٢).
[تنبيه]: رواية جرير التي أشار إليها المصنّف أخرجها الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال:
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٤٢٥.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٧.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
(٢٤٧٦) حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضل ماء بطريق، يمنع منه ابنَ السبيل، ورجلٌ بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وَفَى له، وإلا لم يف له، ورجلٌ ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله، لقد أَعْطَى بها كذا وكذا، فأخذها".
وأما رواية عبثر فلم أجد من أخرجها غير المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعًا، قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْر، عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَهُ … "، وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠١] (ت ٢٣٢) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الْهِلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكّيّ الثقة الحافظ الفقيه الإمام الحجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨)، وله (٩١) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
والباقيان تقدّما قبله، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعًا) الظاهر أن القائل هو سفيان بن عيينة، قال الإمام البخاريّ بعد أن ساق الحديث من طريق عبد الله بن محمد المسنديّ،
[ ٣ / ٢٩٨ ]
عن سفيان، ما نصّه: قال عليّ - يعني: ابن المدينيّ -: حدّثنا سفيان غير مرّة، عن عمرو: أنه سمع أبا صالح، يبلُغ به النبيّ - ﷺ -. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "قال عليّ: حدثنا سفيان غير مرة … إلخ"، يشير إلى أن سفيان كان يُرسل هذا الحديث كثيرًا، ولكنه صَحَّحَ الموصول؛ لكون الذي وصله من الحفاظ، وقد تابعه سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، وعبد الرحمن بن يونس، ومحمد بن أبي الوزير، ومحمد بن يونس فوصلوه، قاله الإسماعيليّ، قال: وأرسله غيرهم.
قال الحافظ: وقد وصله أيضًا عمرو الناقد، أخرجه مسلم عنه - يعني: هذه الرواية - وصفوان بن صالح، أخرجه ابن حبّان من طريقه. انتهى (^١).
وقوله: (فَاقْتَطَعَهُ) أي يأخذه لنفسه متملِّكًا، وهو يَفْتَعِلُ من القطع، قاله ابن الأثير (^٢)، وفي "المصباح": اقتَطَعتُ من ماله قِطعَةً: أخذتها. انتهى (^٣).
وقوله: (وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ) يعني: أن بقيّة متن حديث عمرو بن دينار نحو حديث الأعمش، وفيه ما سيأتي.
[تنبيه]: رواية عمرو بن دينار هذه ساقها الحافظ أبو نُعيم رحمه الله تعالى في "مستخرجه" (١/ ١٧٧)، فقال:
(٢٩٢) حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر، ثنا أحمد بن الحسن الصوفيّ، ثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أُراه رفعه، قال: "ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ حَلَفَ على يمين بعد العصر على مال مسلم ليقطعه، ورجلٌ حَلَف لقد أُعطي بسلعته أكثرَ مما أُعطي، وهو كاذب، ورجل بيع فضل (^٤) ما عنده، قال الله تعالى: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٤ حديث رقم (٢٣٦٩).
(٢) "النهاية" ٤/ ٨٢.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٨.
(٤) هكذا النسخة، والظاهر أنَّها تصحفت من: "ورجل منع فضل ماء عنده"، أو نحو ذلك، فليُحرَّر، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه":
(٢١٩٦) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة - ﵁ -.
[تنبيه آخر]: قوله: "وباقي حديثه نحو حديث الأعمش"، ظاهره أن سياق حديث عمرو بن دينار مثل سياق حديث الأعمش، لكن بين سياقيهما تخالف، فقد ساق متن رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح، الإمام البخاريّ في "الشّرب" و"التوحيد" من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم: رجلٌ حَلَف على سلعة، لقد أَعطَى بها أكثر مما أَعطى، وهو كاذب، ورجلٌ حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
قال الكرماني: ذَكَرَ عوض الرجل الثاني، وهو المبايع للإمام آخر - يعني في رواية البخاريّ - وهو الحالف ليقتطع مال المسلم، وليس ذلك باختلاف؛ لأن التخصيص بعدد، لا ينفي ما زاد عليه. انتهى.
وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون كلٌّ من الراويين، حفظ ما لم يحفظ الآخر؛ لأن المجتمع من الحديثين أربع خصال، وكل من الحديثين مُصَدَّر بـ "ثلاثة"، فكأنه كان في الأصل أربعة، فاقتصر كلٌّ من الراويين على واحد، ضمَّه مع الاثنين اللذين توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة، ويؤيده ما سيأتي في التنبيه التالي.
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": أخرج مسلم هذا الحديث (^١) من رواية الأعمش أيضًا، لكن عن شيخ له آخر، بسياق آخر - يعني الحديث الماضي قبل الحديثين - قال: فذكر من طريق أبي معاوية، ووكيع جميعًا، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، كصدر حديث الباب - يعني حديث أبي صالح هذا -
_________________
(١) يعني: حديث أبي هريرة من رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عنه، وهو آخر الحديث في هذا الباب عند مسلم.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
لكن قال: "شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر"، والظاهر أن هذا حديث آخر، أخرجه من هذا الوجه، عن الأعمش، فقال: عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا، إلا مَنَّهُ، والمنفِّق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره" (^١).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وليس هذا الاختلاف على الأعمش فيه، بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده، بثلاثة طُرُق، ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرًا؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب، مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأن هذا خاص بمن يَكْذِب، في أخبار الشراء، والذي قبله أعمّ منه، فتكون خصلة أخرى. انتهى كلام الحافظ ﵀ "تعالى (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.