وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٢] (١١١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: "إِنَّهُ
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٠ - ١٢١.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِلَى النَّارِ"، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْل، لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاح، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولهُ"، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: "إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُوَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الحافظ الْكِسّيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المثبت، تقدّم قريبًا.
٤ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن الْمُسَيّب بن حَزْن بن أبي وهب، الإمام الحجة الشهير، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه شيخان للمصنّف، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجة، والثاني تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن ابن المسيّب.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن هذا أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -، وقيل: أصحّ أسانيده أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وإلى هذا أشار السيوطيّ - ﵀ - في "الفيّة الحديث" حيث قال:
[ ٣ / ٣٣٥ ]
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ … بِمَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حُنَيْنًا) أي غزوة حنين، كذا وقع هنا وعند "أبي نُعيم" في "مستخرجه على صحيح مسلم" بلفظ "شهدنا حنينًا"، ووقع عند البخاريّ من "طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ"، بلفظ "شهدنا خيبر"، وهو الذي عند "أبي عوانة" في "مسنده المستخرج على صحيح مسلم"، وهو الصواب، كما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى.
قال في "الفتح": قوله: "شهِدنا خيبر" أراد جيشها من المسلمين؛ لأن الثابت أن أبا هريرة - ﵁ - إنما جاء بعد أن فُتحت خيبر، ووقع عند الواقديّ أنه قَدِمَ بعد فتح معظم خيبر، فحضر فتح آخرها، ولا يُعارضه ما ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، وهو بخيبر، بعدما افتتحها؛ لإمكان الحمل على معنى بعدما افتتح معظمها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: نسب بعضهم الوَهَمَ في ذكر حنين إلى عبد الرزاق، وهو غير صحيح؛ لأنه وقع في "مصنّفه" على الصواب بلفظ خيبر، ودونك نصّه: (٩٥٧٣) "عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: شهدنا مع رسول الله - ﷺ - خيبر، أو قال: لما كان رسول الله - ﷺ - بخيبر، قال لرجل … " الحديث.
فتبيّن بهذا أن الخطأ ليس من عبد الرزاق، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: غزوة حنين كانت في شوّال سنة ثمان من الهجرة، وحُنين مصغّرًا وادٍ إلى جنب ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وغزوة خيبر كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، وكانت خيبر مدينة كبيرةً، ذات حُصُون ومَزَارع، على مسافة مائة وخمسين كيلو مترًا من المدينة إلى جهة الشام، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ لِرَجُلٍ) أي في شأنه، وفي سببه، فلم يخاطب النبيّ - ﷺ - الرجل، وإنما أخبر الصحابة الحاضرين لديه عن شأنه، ومصيره، فتكون اللام هنا بمعنى "في"، قال الفرّاء، وابنُ الشَّجَريّ، وغيرهما من أهل العربية: اللام قد تأتي بمعنى "في"، ومنه قول الله - ﷿ -: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]: أي فيه (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "لرجل": أي عن رجل، واللام قد تأتي بمعنى "عن"، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢]، ويحتمل أن يكون بمعنى "في": أي في شانه: أي سببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. انتهى (^٢).
واسم الرجل قُزمان، ذكره الخطيب البغداديّ، وتبعه النوويّ، قال الخطيب: وكان من المنافقين (^٣).
(مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلَامِ) ببناء الفعل للمفعول: أي يوصف بأنه مسلم؛ لتظاهره بالإسلام، وفي نسخة: "ممن يَدَّعي الإسلام"، فـ "يَدّعي" بالبناء للفاعل، مضارع ادّعى، من باب الافتعال: أي ينسُبُ نفسه إلى الإسلام، وقوله: ("هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ") مقول "قال" (فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ) هذا مما يؤيّد ما سبق آنفًا من أن أبا هريرة - ﵁ - حضر بعض فتح خيبر، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: "فلما حضر القتالَ"، بالرفع والنصب، قاله في "الفتح" (قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) أي بسبب سهم رُمِي به، وفي رواية البخاريّ المذكورة: "حتى كثُر به الجراحة" (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ) أي قلت في شأنه (آنِفًا) أي قريبًا، وفيه
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٢.
(٢) "الفتح" ٧/ ٥٤٠ "كتاب المغازي" رقم (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤).
(٣) "تنبيه المعلم" ص ٦٥.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
لغتان: المدّ، وهو أفصح، والقصر، قاله النوويّ (^١).
وقال في "القاموس": ﴿قَالَ آنِفًا﴾ كصَاحِب، وكَتِفٍ، وقُرئ بهما: أي مُذْ ساعةً: أي في أوّل وقتٍ يقرُبُ مِنَّا. انتهى (^٢). (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ) هذا قالوه ظنًّا منهم، لا حقيقةً بدليل ما يأتي من قوله: "إنه لَمْ يمت".
ثم إن قولهم هذا ليس سؤال استثبات؛ لأن المعلوم الصدق لا يُستثبتُ، وإنما هو سؤال تعجّب عن كونه من أهل النار مع ما ظهر منه من نُصرة الدين (^٣).
(فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِلَى النَّارِ") أي هو ذاهب إلى النار، قال المهلب رحمه الله تعالى: هذا الرجل ممن أَعْلَمَنا النبيّ - ﷺ - أنه نَفَذَ عليه الوعيدُ من الْفُسّاق، ولا يلزم منه أنّ كُلّ مَن قَتَلَ نفسه يُقضَى عليه بالنار، وقال ابن التين رحمه الله تعالى: يَحْتَمِل أن يكون قوله: "هو من أهل النار": أي إن لَمْ يَغفِر الله له، ويَحتَمِل أن يكون حين أصابته الجراحة ارتاب، وشكّ في الإيمان، أو استَحَلَّ قَتْلَ نفسه، فمات كافرًا، ويؤيده قوله - ﷺ - في بقية الحديث: "لا يدخل الجَنَّة إلَّا نفسٌ مسلمة"، وبذلك جزم ابن الْمُنَيّر.
والذي يظهر - كما قال الحافظ رحمه الله تعالى - أن المراد بالفاجر أعمّ من أن يكون كافرًا أو فاسقًا، ولا يعارضه قوله - ﷺ -: "إنا لا نستعين بمشرك"؛ لأنه محمول على مَن كان يُظهِر الكفر، أو هو منسوخ. انتهى (^٤).
(فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ) قال النوويّ: كذا هو في الأصول "أن يرتاب"، فأثبت "أن"، مع "كاد"، وهو جائز، لكنه قليل، و"كاد" لمقاربة الفعل، ولم يَفْعَل إذا لَمْ يتقدمها نفيٌ، فإن تقدّمها، كقولك: ما كاد يقوم، كانت دالّةً على القيام، لكن بعد بُطْء، كذا نقله الواحديّ وغيره عن العرب، وأهل اللغة. انتهى (^٥).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٢.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٧١٤.
(٣) راجع: "شرح الأبيّ" ١/ ٢٢٥ - ٢٢١.
(٤) "فتح" ٧/ ٥٤٠.
(٥) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٢.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دخول "أن" المصدريّة في خبر "كاد"، جائز في سعة الكلام، وليس خاصًّا بالشعر، كما ادّعاه بعض النحاة، وقد كثر في الأحاديث، ومنه حديث عمر - ﵁ -: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرُب"، متّفقٌ عليه، وحديث أبي بكرة - ﵁ - قال: "لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ - أيام الجمل بعدما كِدتُ أن الحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم … "الحديث، أخرجه البخاريّ.
إلَّا أن الغالب في خبرها تجرّده عنها، كقوله - ﷿ -: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وهذا بخلاف "عسى" فإنها، وإن كانت مثلها في كون خبر كلّ منهما مضارعًا في الغالب، إلَّا أن الغالب في "عسى" اقتران خبرها بـ "أن"، كقوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الآية [المائدة: ٥٢]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٨].
وإلى ما ذكرته من القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
كَـ "كَانَ" "كَادَ" وَ"عَسَى" لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ"الأمْرُ فِيهِ عُكِسَا
(فَبَيْنَمَا) هي"بين"الظرفيّة، زيدت عليها "ما"، وهيّأتها للدخول على الجملة، ويقال فيها: "بينا" بالالف فقط، قال المجد: "بينا نحن كذا": هي "بين" أُشبعت فتحتها، فحَدَثت الألف، و"بينا"، و"بينما" من حروف الابتداء (^١)، والأصمعيّ يخفض بعد "بينا" إذا صَلَح موضعَهُ "بين"، كقوله:
بَيْنَا تَعَنُّفِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِئٌ سَلْفَعُ (^٢)
وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر. انتهى (^٣).
وقال غيره: "بينا"، و"بينما" ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى
_________________
(١) المراد بالحروف: الكلمات، لا الحروف قسيم الأسماء والأفعال، كما بيّنه في "التاج" ٩/ ١٥٠.
(٢) قوله: "تعنّفه" بالفاء، ويُروى "تعنّقه" بالقاف، و"السلفع" كجعفر: الجريء الشجاع.
(٣) "القاموس المحيط" ص ١٠٦٥.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، فيحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، وهو هنا قوله: "إذ قيل: إنه لَمْ يمت" (^١).
وخلاصة القول في "بينما" أنَّها من الظروف الزمانيّة الملازمة للإضافة إلى الجملة، وهو هنا قوله: "هم على ذلك"، ولا بدّ لها من جواب، وهو هنا قوله: "إذ قيل .. إلخ"، والجواب هو العامل فيها إذا كان مجرّدًا من كلمة المفاجأة، وهي "إذ"، كما هنا، أو "إذا"، وإلا فالعامل معنى المفاجأة، كما هنا، والتقدير: فاجأهم قول الناس: إنه لَمْ يمت وقت قرب ارتيابهم، والله تعالى أعلم.
(هُمْ عَلَى ذَلِكَ) أي على حالهم من مراجعة النبيّ - ﷺ - في شأنه (إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ) أي فقولهم: "وقد مات" ظنّ منهم (وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا) فيه تقديم خبر "لكنّ"، مع أن خبر "إنّ" وأخواتها لا يتقدّم على اسمها؛ لكونه جارًّا ومجرورًا، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلَّا فِي الَّذِي … "كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي"
وقوله: "جِرَاحًا" بكسر الجيم: جمع جِرَاحة، قال المجد: جَرَحَه كمَنَعَهُ: كَلَمَهُ، كجَرَّحَهُ، والاسم الْجُرْحُ بالضمّ، جمعه جُرُوحٌ، وقَلَّ أَجْرَاحٌ، والْجِرَاحُ بالكسر: جمع جِرَاحة. انتهى (^٢).
وعند أبي عوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما": "ولكن به جرح شديد" بالرفع، وعليه، فـ "لكن" مخفّفة النون.
وقوله: (شَدِيدًا) صفة لـ "جِراحًا"، وإنما ذكّره مع أن "جِراحًا" جمع، فكان حقّه أن يقال: "شديدة" لعله باعتباره اسم جنس جمعيّ، يفرّق بينه وبين واحده بالتاء، كتمر وتمرة، فإنه يجوز تذكيره وتأنيثه، ونظيره قوله - ﷿ -: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، حيث ذكّر ﴿رَمِيمٌ﴾ ومع كون جمع ﴿الْعِظَامَ﴾، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ) الظاهر أن "من" اسم بمعنى "بعض"، وهو فاعل بـ "كان"، وهي تامّة بمعنى "جاء": أي فلما جاء بعض الليل، أو هي بمعنى:
_________________
(١) راجع: "تاج العروس" ٩/ ١٥٠.
(٢) "القاموس" ص ١٩٥ - ١٩٦.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
"في"، وفاعل "كان" ضمير "الرجل": أيْ فلما استقرّ في الليل، ووصل إليه (لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ) أي لشدّة ألمه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب: "فوجد الرجل ألم الجراحة" (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) أي بنحر نفسه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب المتقدّمة: "فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهمًا، فنَحَرَ بها نفسه".
(فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ) وفي رواية البخاريّ المذكورة: "فاشتدّ رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، صدَّقَ الله حديثك، انتحر فلانٌ، فقتل نفسه" (فَقَالَ) - ﷺ - ("اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ") قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: "الله أكبر إلخ" عند وقوع ما أخبر به من الغيب دليلٌ على أن ذلك من جملة معجزاته - ﷺ -، وإن لَمْ يقترن بها في تلك الحال تَحَدٍّ قوليُّ، وهذا على خلاف ما يقوله المتكلّمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدّي القوليّ بها، فإن لَمْ تكن كذلك فالخارق كرامة، لا معجزة، والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يُشترط، بدليل أن الصحابة - ﵃ - كانوا كلّما ظهر لهم خارقٌ للعادة على يدي النبيّ - ﷺ - استدلّوا بذلك على صدقه، وثبوت رسالته، كما قد اتّفق لعمر - ﵁ -، حين دعا رسول الله - ﷺ - على قليل الأزواد، فكثرت، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنك رسول الله، وكقول أسامة بن زيد - ﵄ -، وبدليل الاتّفاق: على نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ -، وتسبيح الحصى في كفّه، وحَنِين الْجِذع من أظهر معجزاته - ﷺ -، ولم يصدُر عنه مع شيء من ذلك تحدٍّ بالقول عند وقوع تلك الخوارق، ومع ذلك فهي معجزات، والذي ينبغي أن يقال: إن اقتران القول لا يلزم، بل يكفي من ذلك قولٌ كليٌّ يتقدّم الخوارق، كقول الرسول - ﷺ -: الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كلّ ما يظهر على يديه منها بعد ذلك يكون دليلًا على صدقه، وإن لَمْ يقترن بها واحدًا واحدًا قولٌ، ويمكن أن يقال: إن قرينة حاله تدلّ على دوام التحدّي، فيتنزّل ذلك منزلة اقتران القول. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن اشتراط اقتران التحدّي في
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٠١٩ - ٣٢٠.
[ ٣ / ٣٤١ ]
حدوث المعجزة مما لا دليل عليه، وإنما المعجزة تحدث بحسب الحاجة، فمن ذلك أنه - ﷺ - لما فقد شيئًا يستتر به عند قضاء الحاجة، أمر جابرًا - ﵁ - أن يأمر الشجرتين حتى تأتيا، وتستراه، ففعلتا ذلك، ولما فقد الصحابة - ﵃ - ماء للوضوء، ورأى شدّة حاجتهم إليه وضع يده على الإناء، فنبع الماء حتى توضؤوا من عند آخرهم، ولما دعاه جابر - ﵁ - في غزوة الخندق إلى طعام قليل، فرأى شدّة الجوع على أصحابه - ﵃ -، فبرّك في ذلك الطعام حتى أكلوا كلّهم، وشبعوا، وكذلك فَعَلَ في طعام أم سليم - ﵂ -، وطعام وليمة زينب بنت جحش - ﵂ -، وكحنين الجذع، وشكوى البعير الذي يُجيعه صاحبه، وغير ذلك مما ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما، وليس في ذلك كلّه شيء من التحدّي، بل إنما حدث لتقوية إيمان الصحابة، وتثبيته؛ لأنه يزيد بكثرة الأدلّة، وزيادة الآياتِ.
والحاصل أن أكثر معجزات النبيّ - ﷺ - ليس معها تحدّ أصلًا، فمن اشترط ذلك من المتكلّمين فإنما حمله على ذلك جهله بالسنّة، وعدم اطّلاعه على الأخبار التي جاءت ببيان المعجزات، وإنما الغريب على مثل القرطبيّ الذي عنده علم بالسنة، وأخبار المعجزات يذكر مذهب المتكلّمين، ولا يفنّده، بل يأتي بما يقرّره، إن هذا لشيء عُجاب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ أَمَرَ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير النبيّ - ﷺ -، وقوله: (بِلَالًا) - ﵁ - منصوب على المفعولية، ومتعلَّقه محذوف لدلالة ما بعده عليه: أي بالنداء، وفي رواية عند المصنّف: "يا ابن الخطّاب"، وفي رواية عند البيهقيّ: أن المنادي بذلك عبد الرَّحمن بن عوف، ويُجمَعُ بينها بانهم نادوا جميعًا في جهات مختلفة، قاله في "الفتح" (^١). (فَنَادَى فِي النَّاسِ: "إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) يجوز في "إنّه"، وكذا في "إِنّ الله ليؤيّد" كسر همزة "إنّ"، وفتحها، وقد قُرئ في السبع قول الله - ﷿ -: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩] بفتح الهمزة وكسرها، قاله النوويّ (^٢).
_________________
(١) "فتح" ٧/ ٥٤٢ "كتاب المغازي" رقم الحديث (٤٢٠٧ - ٤٢٠٨).
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٢.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
(إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ") وفي رواية للبخاريّ: "لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن".
قال القرطبيّ: قوله: "نفسٌ مسلمة": أي مؤمنة؛ لأن الإسلام الْعَرِيَّ عن الإيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة، ولا يُدخله الجنّة، وذلك بخلاف الإيمان، فإن مجرّده يُدخل صاحبه الجنّة، وإن عُوقب بترك الأعمال، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - فدلّ هذا على أن هذا الرجل كان مرائيًا منافقًا، ومما يدلّ على ذلك أيضًا قوله - ﷺ -: "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، متّفق عليه، وهو الكادر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وإنما أمر النبيّ - ﷺ - بلالًا أن ينادي بذلك القول تنبيهًا على وجوب الإخلاص في الجهاد، وأعمال البرّ، وتحذيرًا من الرياء والنفاق. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم (^١).
(وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ") يحتمل أن تكون "أل" في "الرجل" للعهد، والمراد به قُزمان المذكور، ويحتمل أن تكون للجنس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في "الفتح" (^٢)، وعندي أن كونها للجنس أقرب، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٥٠/ ٣١٢] (١١١)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٣٠٦٢)، و"المغازي" (٤٢٠٣)، و"القدر" (٦٦٠٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٥٧٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٣)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥١٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٢٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٩٨)، و(القضاعيّ) (١٠٩٧)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٢) "فتح" ٧/ ٥٤١.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تعظيم قتل النفس؛ لضجر أصابه مهما بلغت الآلام، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان أن الجَنَّة محرّمة إلَّا على المؤمنين.
٣ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر.
٤ - (ومنها): بيان معجزة النبيُّ - ﷺ - الظاهرة، وآياته الباهرة حيث أخبر بالمغيّبات، فظهر صدقه في حينه.
٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن حال الرجل السيئ إذا كان الإخبار به يُحقّق مصلحة شرعيّة، من تحذير، أو غيره.
٦ - (ومنها): بيان عظمة الإسلام، ومكانته الرفيعة حيث جعله الله تعالى مؤيّدًا، ومؤزّرأ بأهله، وبغير أهله.
٧ - (ومنها): بيان أن العبرة بالخاتمة، فلا ينبغي الحكم بما يظهر من حال المرء حتى يُعلم مصيره، وخاتمته التي خرج بها من الدنيا، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب القدر" من "صحيحه"، "باب العملُ بالخواتيم"، وأورد فيه حديث أبي هريرة، وسهل بن سعد - ﵃ - المذكور في الباب، وفي آخر حديث سهل لجنه ما نصّه: "وإنما الأعمال بالخواتيم"، وأخرج الترمذيّ، وصحّحه من حديث أنس - ﵁ -، مرفوعًا: "إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله"، قيل: كيف يستعمله؟ قال: "يوفّقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه"، وأخرجه أحمد مطوّلًا، وأوله: "لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يُختم له … "، وأخرج البزّار من حديث ابن عمر - ﵄ -، وفيه ذكر الكتابين، وفي آخره: "العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه" (^١).
٨ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز لأحد أن يجزم لأحد من الناس بالجنّة، ولا بالنار، بسبب ما يراه من حال الإنسان من خير أو شرّ، إلَّا لمن حكم له النبيّ - ﷺ -، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
وَلَا تَقُلْ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ … كَلَّا وَلَا هَذَا مِنَ الأَبْرَارِ
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٥٠٧ - ٥٠٨ "كتاب القدر" رقم (٦٦٠٩).
[ ٣ / ٣٤٤ ]
إِلَّا لِمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى … فَالْفَوْزُ وَالنَّارُ لِمَنْ قَدْ وَصَفَا
٩ - (ومنها): بيان وجوب الإخلاص في الأعمال، وأنه لا ينفع منه إلَّا ما كان خالصًا لله تعالى.
١ - (ومنها): بيان خطر الرياء، والسمعة، وأنهما يُفسدان العمل الصالح؛ إذ فيهما من الشرك المحبط للعمل، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان الاختلاف الواقع في هذا الحديث:
(اعلم): أنه وقع اختلاف في هذا الحديث أشار إليه البخاريّ في "كتاب المغازي" من "صحيحه"، ودونك عبارته مع شرح الحافظ له، قال رحمه الله تعالى:
(٤٢٠٤) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة - ﵁ - قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله - ﷺ - لرجل ممن معه يَدَّعِي الإسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حَضَرَ القتالَ، قاتل الرجل أشدّ القتال، حتى كَثُرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فَوَجَد الرجل أَلَمَ الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أَسْهُمًا، فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله صَدَّق الله حديثك، انتَحَر فلان، فقتل نفسه، فقال: "قم يا فلان، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر"، تابعه معمرٌ، عن الزهريّ.
وقال شبيب، عن يونس، عن ابن شهاب: أخبرني ابن المسيب، وعبد الرَّحمن بن عبد لله بن كعب، أن أبا هريرة قال: شَهِدنا مع النبي - ﷺ - حُنَيْنًا.
وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ - ﷺ - تابعه صالح، عن الزهريّ.
وقال الزُّبيديّ: أخبرني الزهريّ، أن عبد الرَّحمن بن كعب أخبره، أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيّ - ﷺ - خيبر.
قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ - ﷺ -. انتهى.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
فقال في "الفتح": قوله: "تابعه معمر": أي تابع شعيبًا، عن الزهريّ: أي بهذا الإسناد، وهو موصول عند المصنف - ﵀ - في آخر "الجهاد"، مقرونًا برواية شعيب، عن الزهري.
وقوله: "وقال شبيب": أي ابن سعيد، عن يونس: أي ابن يزيد، عن ابن شهاب: أي الزهري بهذا الإسناد.
وقوله: "شَهِدنا حنينًا": يريد أن يونس خالف معمرًا وشعيبًا، فذكر بدل "خيبر" لفظة "حنين"، ورواية شبيب هذه وصلها النسائيّ مُقْتَصِرًا على طرف من الحديث، وأوردها الذُّهْليّ في "الزهريات"، ويعقوب بن سفيان في "تاريخه"، كلاهما عن أحمد بن شبيب، عن أبيه بتمامه، وأحمد من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج هذا، وقد وافق يونسُ معمرًا وشعيبًا في الإسناد، لكن زاد فيه مع سعيد بن المسيب عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وساق الحديث عنهما، عن أبي هريرة.
وقوله: "وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ - ﷺ -" يعني: وافق شبيبًا في لفظ "حنين"، وخالفه في الإسناد، فأرسل الحديث، وطريق ابن المبارك هذه وصلها في "الجهاد"، ولم أر فيها تعيين الغزوة.
وقوله: "وتابعه صالح" يعني: ابن كيسان، عن الزهريّ، وهذه المتابعة ذكرها البخاري في "تاريخه"، قال: قال لي عبد العزيز الأُوَيسيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن بعض مَن شَهِد مع النبيّ - ﷺ - قال: إن النبيّ - ﷺ - قال لرجل معه: "هذا من أهل النار … "الحديث، فظهر أن المراد بالمتابعة أن صالحًا تابع رواية ابن المبارك، عن يونس في ترك ذكر اسم الغزوة، لا في بقية المتن، ولا في الإسناد، وقد رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهريّ، فقال: عن عبد الرَّحمن بن المسيب، مرسلًا، وَوَهِمَ فيه، وكأنه أراد أن يقول: عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب، وسعيد بن المسيب، فَذَهِلَ.
وقوله: "وقال الزبيديّ: أخبرني الزهريّ أن عبد الرَّحمن بن كعب، أخبره
[ ٣ / ٣٤٦ ]
أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيِّ - ﷺ - خيبر، قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ - ﷺ -، وفي رواية النسفيّ: عبد الله بن عبد الله، هكذا أورد البخاريّ طريق الزُّبيديَ هذه معلقةً مختصرةً، وأجحف فيها في الاختصار، فإنه لَمْ يفصل بين رواية الزهريّ الموصولة عن عبد الرَّحمن، وبين روايته المرسلة عن سعيد، وعبيد الله بن عبد الله، وقد أوضح ذلك في "التاريخ"، وكذلك أبو نعيم في "المستخرج"، والذُّهليّ في "الزهريات"، فأخرجوه من طريق عبد الله بن سالم الحمصيّ، عن الزُّبيديّ، فساق الحديث الموصول بالقصة، ثم ساق بعده: قال الزُّبَيديّ: قال الزهريّ: وأخبرني عبد الله بن عبد الله، وسعيد بن المسيب: أن رسول الله - ﷺ - قال: "يا بلال قُمْ، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا رجل مؤمن، واللهُ يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، هذا سياق البخاريّ، وفي سياق الذُّهليّ، قال الزهري: وأخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله، وهذا أصوب من عبيد الله بن عبد الله، نَبَّهَ عليه أبو علي الجيانيّ.
وقد اقتضى صنيع البخاريّ ترجيحَ رواية شعيب ومعمر، وأشار إلى أن بقية الروايات محتملة، وهذه عادته في الروايات المختلفة، إذا رَجَحَ بعضُها عنده اعتمده، وأشار إلى البقية، وأن ذلك لا يستلزم القَدْحَ في الرواية الراجحة؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى وجوه الاختلاف، فلا يُرَجَّحَ شيءٌ منها.
وذَكَر مسلم في "كتاب التمييز" فيه اختلافًا آخر على الزهريّ، فقال: حدثنا الحسن بن الحلوانيّ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرَّحمن بن المسيب، أن النبيّ - ﷺ - قال: "يا بلال قُمْ، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن"، قال الحلوانيّ: قلت ليعقوب بن إبراهيم: مَنْ عبدُ الرَّحمن بن المسيب هذا؟ قال: كان لسعيد بن المسيب أخٌ اسمه عبد الرَّحمن، وكان رجل من بني كنانة يقال له: عبد الرَّحمن بن المسيب، فأظنه أن هذا هو الكنانيّ، قال مسلم: وليس ما قال يعقوب بشيء، وإنما سَقَطَ من هذا الإسناد واو واحدة، فَفَحُشَ خطؤه، وإنما هو عن الزهريّ، عن عبد الرَّحمن، وابن المسيب، فعبد الرَّحمن هو ابن عبد الله بن كعب، وابن المسيب، هو سعيد، وقد حدث به عن الزهريّ كذلك
[ ٣ / ٣٤٧ ]
ابن أخيه، وموسى بن عقبة، ويونس بن يزيد، والله أعلم.
وكذا رَجَّحَ الذهليّ رواية شعيب ومعمر، قال: ولا تدفع رواية الأخيرين؛ لأن الزهريّ كان يقع له الحديث من عِدَّة طُرُق، فيحمله عنه أصحابه بحسب ذلك، نعم، ساق من طريق موسى بن عقبة، وابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ موافقةَ الزُّبَيديّ على إرسال آخر الحديث. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا حقّق الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
وحاصله أن الرواية الراجحة هي رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، وقد تابعه معمر وروايته عند مسلم هنا، فالحديث موصول، وأن الغزوة هي خيبر، لا حُنينٌ، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٣] (١١٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَيٌّ مِنَ الْعَرَب، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى عَسْكَرِه، وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفي أَصْحَابِ رَسُول اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ، لَا يَدَع لَهُمْ شَاذَّةً، إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِه، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أنَا لَكُمْ بِه،
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٥٤١ - ٥٤٢ "كتاب المغازي" رقم الحديث (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤).
[ ٣ / ٣٤٨ ]
فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِه، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّار، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حَلِيف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
[تنبيه]: قوله: (حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ) الظاهر أنه من كلام المصنّف، ويحتمل أن يكون من كلام شيخه، يعني أن "القاريّ" بالقاف، وتشديد الياء نسبة إلى قبيلة من قبائل العرب.
قال السمعانيّ في "الأنساب": القاريّ - بالقاف، والراء المهملة المكسورة، وتشديد ياء النسبة، غير مهموزة - هذه النسبة إلى بني قارة، وهم بطن معروف من العرب، قال بعضهم: أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومن قال: أيثع بن الهون، فقد وَهِمَ، قال أبو عُبيدة: أيثع هو القارة، وقال غيره: القارة: هو الديش بن محلم بن غالب بن عايذة بن أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة، وإنما سُمُّوا القارة لأن يعمر بن عوف الشداخ أراد أن يفرقهم في بطون بني كنانة، فقال رجل منهم [من الوافر]:
دَعُونَا قَارَةً لَا تَنْفِرُونَا … فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ
فسُمُّوا القارة، ويعمر بن الشداخ أحد بني الليث، وقيل في المثل السائر: قد أنصف من راماها، يصفهم بالرمي والإصابة. انتهى كلام السمعانيّ (^١).
_________________
(١) "الأنساب" ٤/ ٤٠٦.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) هو: سلمة بن دينار الأعرج الأَفْزر (^١) التَّمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ويقال: مولى بني شِجْع من بني ليث، ومن قال: أشجع فقد وَهِمَ، ثقة عابدٌ [٥].
رَوَى عن سهل بن سعد الساعدي، وأبي إمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، ولم يسمع منهما، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي قتادة، وعبيد الله بن مقسم، وغيرهم.
ورَوَى عنه الزهري، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك، والحمادان، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وسعيد بن أبي هلال، وابناه عبد الجبار وعبد العزيز، وخلق، آخرهم أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي.
قال أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة. وقال ابن خزيمة: ثقة لَمْ يكن في زمانه مثله، وقال ابنه ليحيى بن صالح: مَنْ حَدّثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة، غير سهل بن سعد، فقد كَذَب، وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: أصله فارسيّ، وكان أشقر، أحول، أفزر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان قاصّ أهل المدينة، ومن عبّادهم، وزُهّادهم، بَعَث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري في أن يأتيه، فقال للزهري: إن كان له حاجة فليأت، وأما أنا فمالي إليه حاجة، مات سنة (٣٥)، وقد قيل: سنة (٤)، وقال ابن سعد: كان يقصّ بعد الفجر في مسجد المدينة، ومات في خلافة أبي جعفر، بعد سنة أربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: مات بعد الثلاثين إلى الأربعين، وقال عمرو بن علي: مات سنة (٣٣)، وقال خليفة: سنة (٣٥)، وقال ابن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٠) حديثًا.
_________________
(١) قال في "اللسان" ٥/ ٥٣: الْفُزُور: الشُّقوق والصُّدوع، ويقال: فَزَرْتُ أنف فلان فَزْرًا: أي ضربته بشيء فشققته، فهو مَفْزُورُ الأنف. انتهى.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الساعديّ، أبو العباس، ويقال: أبو يحيى الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -.
رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن أُبَيّ بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عَبَسَة، ومروان بن الحكم، وهو دونه.
ورَوَى عنه ابنه عباس، والزهري، وأبو حازم بن دينار، ووَفَاء بن شُريح الْحَضْرميّ، ويحيى بن ميمون الحضرمي، وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي ذُبَاب، وعمرو بن جابر الحضرميّ، وغيرهم.
قال شعيب، عن الزهري، عن سهل بن سعد: أنّ رسول الله - ﷺ - تُوُفِّي، وهو ابن (١٥) سنة، قال أبو نعيم وغير واحد: مات سنة (٨٨)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩٦) سنة، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة.
قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأيّ سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصحة، وما يخالف ذلك لا يُعَوَّل عليه.
وقال ابن حبّان: كان اسمه حَزْنًا فسماه رسول الله - ﷺ - سَهْلًا، وقال أبو حاتم الرازي: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا، يكون تأخر إلى سنة (٩٦) أو بعدها، وزعم قتادة أنه مات بمصر، وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه وَلَدُهُ عباس بن سهل، انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. انتهى (^١).
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: (السَّاعديّ) نسبة إلى بني ساعدة، قبيلة من الأنصار، وهو: ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٢٤.
(٢) راجع: "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٩٢.
[ ٣ / ٣٥١ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٩) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بَغْلانيّ - بفتح الموحدة، وسكون الغين المعجمة - نسبة إلى قرية من قرى بَلْخَ، والظاهر أنه دخل المدينة؛ للأخذ من مشايخها.
٤ - (ومنها): أنه ليس في الرواة من يُسمّى قُتيبة غير شيخ المصنّف هذا، وقد سبق الخلاف في اسمه آنفًا.
٥ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي حازم في الرواة ستة، وقد تقدّم بيانهم في ترجمة أبي حازم سلمان الأشجعيّ في "الإيمان" (٩/ ١٤٢) وكذا بيان الفرق بين أبي حازم المترجم هنا، والمترجم هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أن سهل بن سعد صحابيّ ابن صحابيّ - ﵄ -، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة - ﵃ -، على الأصحّ، مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، كما بيّنته آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) زاد في رواية عند البخاريّ: "في بعض مغازيه"، قال الحافظ: ولم أقف على تعيين كونها خيبر، لكنه مبني على أن القصة التي في حديث سهل - ﵁ - متحدة مع القصة التي في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقد صُرّح في حديث أبي هريرة أن ذلك كان بخيبر.
وفيه نظر، فإن في سياق سهل أن الرجل الذي قَتَل نفسه اتكأ على حَدِّ سيفه حتى خرج من ظهره، وفي سياق أبي هريرة أنه استخرج أَسْهُمًا من كنانته، فنحر بها نفسه، وأيضًا ففي حديث سهل: أن النبيّ - ﷺ - قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجَنَّة … " الحديث، وفي حديث أبي
[ ٣ / ٣٥٢ ]
هريرة أنه قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: "قُمْ يا بلال، فأَذِّن: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن"، ولهذا جنح ابن التين إلى التعدد.
ويمكن الجمع بأنه لا منافاة في المغايرة الأخيرة، وأما الأُولى فيحتمل أن يكون نَحَرَ نفسه بأسهمه، فلم تُزْهَق روحه، وإن كان قد أشرف على القتل، فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالًا للموت.
لكن جزم ابن الجوزيّ في "مشكله" بأن القصة التي حكاها سهل بن سعد وقعت بأحد، قال: واسم الرجل قُزْمَان الظَّفَريّ، وكان قد تَخَلَّف عن المسلمين يوم أحد، فَعَيَّره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أوَّل مَن رَمَى بسهم، ثم صار إلى السيف، ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كَسَرَ جَفْنَ سيفه، وجَعَلَ يقول: الموت أحسن من الفرار، فَمَرَّ به قتادة بن النعمان، فقال له هنيئًا لك بالشهادة، قال: والله إني ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حَسَب قومي، ثم أقلقته الجراحة، فقتل نفسه.
قال الحافظ: وهذا الذي نقله أخذه من مغازي الواقديّ، وهو لا يُحْتَجُّ به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟.
نعم، أخرج أبو يعلى من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن القاضي، عن أبي حازم حديث الباب، وأوَّله أنه قيل لرسول الله - ﷺ - يوم أحد: ما رأينا مثل ما أَبْلَى فلان، لقد فَرَّ الناسُ، وما فَرَّ، وما ترك للمشركين شاذّةً، ولا فاذَّةً … الحديث بطوله، على نحو ما في "الصحيح"، وليس فيه تسميته، وسعيد مُختَلف فيه، وما أظن روايته خَفِيت على البخاريّ، وأظنه لَمْ يَلتَفِت إليها؛ لأن في بعض طرقه عن أبي حازم: غزونا مع رسول الله - ﷺ -، وظاهره يقتضي أنَّها غير أحد؛ لأن سَهْلًا ما كان حينئذ ممن يُطلِق على نفسه ذلك؛ لصغره؛ لأن الصحيح أن مَوْلِده قبل الهجرة بخمس سنين، فيكون في أحد ابن عشرة، أو إحدى عشرة، على أنه قد حَفِظَ أشياء من أمر أُحُد، مثل غَسْل فاطمة - ﵂ - جراحة النبيّ - ﷺ -، ولا يلزم من ذلك أن يقول: غزونا، إلَّا أن يُحْمَل على المجاز، كما سيأتي لأبي هريرة، لكن يدفعه ما سيأتي من رواية الكشميهني قريبًا (^١).
_________________
(١) يعني: قوله: "فقلت" بضمير المتكلّم.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قصّة سهل - ﵁ - هذه غير قصّة أبي هريرة - ﵁ - التي قبلها، كما لا يخفى ذلك على من تأمّل سياقهما، وأما الجمع بينهما بالتأويل فتكلّفٌ ظاهر، لا داعي إليه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَاقْتَتَلُوا) أي المسلمون، والمشركون، أي قتل بعضهم بعضًا.
[تنبيه]: قال المجد رحمه الله تعالى: تقاتلوا، واقتتلوا بمعنًى، ولم يُدغم؛ لأن التاء غير لازمة، ويقال أيضًا: قَتَّلُوا يُقَتِّلُونَ بنقل حركة التاء إلى القاف فيهما، وبحذف الألف؛ لأنَّها مُجْتَلَبَةٌ للسكون، والفاعل من الأول: مُقَتِّلٌ، ومن الثاني: مُقِتِّلٌ - بكسر القاف - وأهل مكة يقولون: مُقُتِّلٌ، يُتْبِعُون الضمَّةَ الضمَّةَ. انتهى (^١).
(فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى عَسْكَرِهِ) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: اسمه قُزْمان، قاله الخطيب البغداديّ، قال: وكان من المنافقين. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": وقع في كلام جماعة ممن تكلم على هذا الكتاب أن اسمه قُزْمَان - بضم القاف، وسكون الزاي - الظُّفْريّ - بضم المعجمة، والفاء -: نسبة إلى بني ظُفْر بطن من الأنصار، وكان يُكنى أبا الْغَيْدَاق - بمعجمة مفتوحة، وتحتانية ساكنة، وآخره قاف - وَيعكُر عليه ما تقدم (^٣). انتهى (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما على دعوى اتّحاد القصّتين فلا يُشكل، وأما على اختلافهما، وهو الذي رجّحته فيما مرَّ آنفًا، فلا يصحّ كونه قُزمان، فتأملّه، والله تعالى أعلم.
(لَا يَدَعُ) بفتح أوله، وثانيه، مضارع وَدَعَ، وقد زعم بعض أهل النحاة:
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٩٤٢ - ٩٤٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٣.
(٣) لعله أراد قوله فيما سبق: إنه من طريق الواقدي، وهو لا يُحتجّ به، أو أراد ما سبق من الخلاف: هل قصّة سهل هذه هي قصة أبي هريرة الماضية أم لا؟.
(٤) "الفتح" ٧/ ٥٣٩.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
أن العرب أماتت ماضيه، ومصدره، واسم الفاعل منه، لكن الصواب أن ماضيه مستعمل، وقد قُرئ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، ومنه هذا الحديث، وحديث: "لينتهيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الجمعة" (^١)، وقد سبق تحقيق هذا مستوفًى (لَهُمْ) أي للمشركين (شَاذَّةً) هكذا معظم النسخ، ووقع في النسخة التي شرحها الأبيّ بلفظ: "شاذّة، ولا فاذّة"، فزاد "فاذّة"، وكذا هو في "مستخرج أبي نُعيم"، وهو الذي في "صحيح البخاريّ".
قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: "الشّاذّ": الخارج عن الجماعة، والشاذّ: المتفرّق أيضًا، و"الفاذّ": الفرد، ومعناه لا يخلُص منه مَن خَرَج وفَرّ، وأنّث الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذّ الغنم وفاذّتها، وهو بمعنى متَقَصٍّ للقتل، حتى لا يدع أحدًا على طريق المبالغة، قال ابن الأعرابيّ: يقال: فلان لا يدع شاذّةً ولا فاذّةً إذا كان شُجاعًا، لا يلقاه أحد إلَّا قتله. انتهى كلام القاضي (^٢).
وقال في "الفتح": "الشاذّة" - بتشديد الذال المعجمة -: ما انفرد عن الجماعة، و"الفاذّة" - بالفاء - مثله، ما لَمْ يَختَلِط بهم، ثم هما صفة لمحذوف: أي نَسَمَةً، والهاء فيهما للمبالغة، والمعنى: أنه لا يَلْقَى شيئًا إلَّا قتله، وقيل: المراد بالشاذّ والفاذّ: ما كَبُرَ وصَغُرَ، وقيل: الشاذّ: الخارج، والفاذّ: المنفرد، وقيل: هما بمعنًى، وقيل: الثاني إتباع. انتهى (^٣).
(إِلَّا اتَّبَعَهَا) وقوله: (يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون، وفي رواية للبخاريّ: "فقال": أي قائل، وفي رواية الكشميهني: "فقلتُ" بضمير المتكلّم، قال في "الفتح": فإن كانت محفوظةً عُرِف اسم قائل ذلك. انتهى (^٤).
_________________
(١) هو ما يأتي للمصنّف رحمه الله تعالى:
(٢) من طريق الْحَكَم بن مِيناء: أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة حدثاه، أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره: "لَيَنْتَهِيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو لَيَخْتِمَنَّ الله على قلوبهم، ثم لَيَكُونُنَّ من الغافلين".
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
(٤) "الفتح" ٧/ ٥٤٠.
(٥) "الفتح" ٧/ ٥٤٠.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
قال الجامع عفا الله عنه: أراد أن القائل هو سهل بن سعد الراوي، لكن الكشميهني لا يعتمدون على روايته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) بالهمز: أي ما أغنى وكفَى أحدٌ مثلَ غَنائه، وكفايته.
قال القرطبيّ: كذا صحّت روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا، ومعناه: ما أغني، ولا كَفَى، وفي "الصحاح": أجزأني الشيءُ: كفاني، وجزى عنّي هذا الأمر: أي قَضَى، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي، ومنه قوله - ﷺ - لأبي بُردة - ﵁ -: "ولن تَجْزي عن أحد بعدك"، متّفقٌ عليه، قال: وبنو تميم يقولون: أجزأت عنك شاةٌ بالهمز، وقال أبو عبيد: جزأتُ بالشيّ، وأجزأتُ: أي اكتفيتُ به، وأنشد [من الوافر]:
فَإِنَّ اللُّؤْمَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ … وَإِنَّ الْمَرْءَ يَجْزَأُ بِالْكُرَاعِ
أي يكتفي به.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كَـ "إلا" (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ") وفي رواية عند البخاريّ: "فقالوا: أيُّنا من أهل الجَنَّة، إن كان هذا من أهل النار؟ "، وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعيّ، عند الطبرانيّ: قال: قلنا: يا رسول الله، فلان يجزئ في القتال، قال: "هو في النار"، قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلان في عبادته، واجتهاده، ولين جانبه في النار، فأين نحن؟ قال: "ذلك أخباث النفاق"، قال: فكنا نتحفظ عليه في القتال (^١).
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) قال في "الفتح": هذا الرجل هو أكثم بن أبي الجون، كما سيظهر من سياق حديثه (أنا صَاحِبُهُ أَبَدًا) وفي رواية للبخاريّ: "فقال رجل من القوم: لأتبعنه"، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: أي لا أفارقه، وأتتبّع أمره حتى أعرف مآله؛ إذ أخبر النبيّ - ﷺ - بما دلّ على سوء عُقباه وخاتمته، أو سُوء جَرِيرته بكونه من أهل النار، وخبر - ﷺ - صادقٌ، لا شكّ فيه، وكان ظاهره غيرَ ذلك، من نَصْر الدين، وحُسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار؛ ليزداد يقينًا وبصيرة، كما فَعَل وذكر في
_________________
(١) "فتح" ٧/ ٥٤٠.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
نفس الحديث، ولتجديد شهادته بالنبوّة. انتهى (^١).
(قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ) أي ذلك الرجل الذي أخبر عنه النبيّ - ﷺ - بكونه من أهل النار (وَقَفَ مَعَهُ)، أي وقف هذا الرجل الذي وعد أنه يُصاحبه أبدًا (وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ) فعلٌ ونائب فاعله (جُرْحًا شَدِيدًا) الجرح بفتح الجيم مصدرُ جَرَحه من باب نَفَعَ، وبضمها اسم منه، زاد في رواية أكثم: فقلنا: يا رسول الله قد استُشهِد فلان، فقال: "هو في النار" (فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ) أي طلب سرعة موته؛ لشدّة الألم (فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ) وفي نسخة: "في الأرض"، و"النَّصْلُ" بفتح النون، وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم، والرمح، والسيف ما لَمْ يكن له مَقْبِضٌ، أفاده في "القاموس" (^٢)، وقال القرطبيّ: نصلُ السيف: حديدتها كلّها، وأنشدوا:
كَالسَّيْفِ سلَّ نَصْلُهُ مِنْ غِمْدِهِ
ويقال: عليها مُنْصُلٌ، والمراد بالنصل في هذا الحديث: طرف النَّصْلِ الأسفل الذي يُسمّى الْقَبِيعةَ، والرِّئاس (^٣)، وذُبابُهُ: طرفه الأعلى المحدّد المهلَّلُ، وظُبَتاه وغَرْبَاهُ: حدّاه، وصدر السيف: من مَقبضه إلى مَضرِبه، ومضربُهُ: موقعُ الضرب منه، وهو دون الذُّبَاب بشبر. انتهى (^٤).
(وَذُبَابَهُ) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الباء الموحدة المكررة: قال ابن الأثير: ذُبابُ السيف: طرفه الذي يُضرَب به. انتهى (^٥). وقال النوويّ: هو طرفه الأسفل، وأما طرفه الأعلى فَمَقْبِضه (^٦). (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) تثنية "ثَدْي" بفتح الثاء، وهو يُذَكَّر على اللغة الفصيحة التي اقتصر عليها الفَرّاء، وثعلب، وغيرهما، وحَكَى ابن فارس، والجوهريّ، وغيرهما فيه التذكير والتأنيث، قال ابن فارس: الثديُ للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل ثَنْدُوَة، وثُنْدُؤَةٌ بالفتح بلا همزة، وبالضم مع الهمزة، وقال الجوهريّ: والثَّدْيُ للمرأة
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٤٧٦.
(٢) "القاموس" ص ٩٥٧.
(٣) رئاس السيف بالكسر: مقبضه، أو قَبيعته. اهـ. "ق".
(٤) "المفهم" ١/ ٣١٨.
(٥) "النهاية" ٢/ ١٥٢.
(٦) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٢.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وللرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعار الثَّدْي للرجل، وجمع الثَّدْي: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ بضم الثاء، وكسرها، ذكره النوويّ (^١).
وقال الفيّومي: "الثَّدْيُ" بلمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت، ويُذكَّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثَّدْيُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلُهُما أَفْعُل، وفُعُولٌ، مثلُ أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جُمع على ثِدَاء، مثلُ سَهْمٍ ويسِهَامٍ، والثُّنْدُوة وَزْنُها فُنْعُلةٌ بضمّ الفاء والعين، ومنهم من يَجعَل النون أصليّةً، والواو زائدة، ويقول: وزنُها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثّدي، وقيل: هي اللَّحْمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثَّدْي للمرأة، وكان رُؤبة يَهْمِزُها، قال أبو عُبيد: وعامّة العرب لا تَهْمِزُها، وحَكَى في البارع ضمّ الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السّكّيت: وجمع الثُّنْدُوة: ثنَادٍ على النقص. انتهى (^٢).
(ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ) أي كلّف نفسه ما لا تُطيقه، وهو الوقوع على سيفه، قال في "القاموس": تحامل في الأمر، وبه: تكلّفه على مَشَقَّة، وتحاملَ عليه: كلّفه ما لا يُطيق. انتهى (^٣).
(فَقَتَلَ نَفْسَهُ) وفي رواية للبخاريّ: "فوَضَعَ نصاب سيفه في الأرض، وذُبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه"، وفي حديث أكثم: "أخذ سيفه، فوضعه بين ثدييه، ثم اتكأ عليه، حتى خرج من ظهره، فأتيت النبيّ - ﷺ -، فقلت: أشهد أنك رسول الله" (^٤).
(فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أي الذي قال: أنا صاحبه أبدًا (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ) - ﷺ - ("وَمَا ذَاكَ؟ ") أي ما سبب تجديدك للشهادة برسالتي؟ (قَالَ) الرجل (الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) أي قريبًا، وقد تقدّم الكلام عليها (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي عظّموه، وكبُر عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأنهم نظروا إلى سورة الحال، ولم يَعرِفوا الباطن، ولا المال، فأعلم العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمغَيَّب الأمر وعاقبته، وكان ذلك من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٨١.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٨٨٨.
(٤) راجع: "الفتح" ٧/ ٥٤٣.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
أدلّة صدق الرسول - ﷺ -، وصحّة رسالته، ففيه التنبيه، قالهُ القرطبيّ (^١).
(فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ) أي أنا أكفيكم شأنه، وما يؤول إليه أمره (فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِه، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ) أي عندما أخبره الرجل بحال الرجل ("إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ) قال النووي: معناه أن هذا قد يقع (عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا دليلٌ على أن ذلك الرجل لَمْ يكن مُخلِصًا في جهاده، وقد صرّح الرجل بذلك فيما يُروى عنه أنه قال: إنما قاتلتُ عن أحساب قومي، فيتناول هذا الخبر أهل الرياء، فأما حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي قال فيه: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النار، فيدخلها" (^٢)، فإنما يتناول من كان مخلصًا في أعماله، قائمًا بها على شرطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر، فبُدِّلَ به عند خاتمته، كما يأتي تحقيقه في "كتاب القدر" - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ (^٣).
(وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) جملة حاليّة من فاعل "يَعْمَل" (وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ") زاد في حديث أكثم: "تُدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه، فيُختَم له بها"، وسيأتي شرح الكلام الأخير في "كتاب القدر" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣١٨.
(٢) سيأتي هذا الحديث للمصنّف في "كتاب القدر" برقم:
(٣) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجَنَّة، ثم يُختَم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجَنَّة".
(٤) "المفهم" ١/ ٣١٩.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٠/ ٣١٣] (١١٢)، وفي "القدر" (١١٢) مختصرًا (^١)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٩٨)، و"المغازي" (٤٢٠٢ و٤٢٠٧)، و"الرقاق" (٦٤٩٣)، و"القدر" (٦٦٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٥)، و(أبو القاسم البغويّ) في "الجعديَّات" (٣٠٣٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٠٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٨٤ و٥٧٩٨ و٥٧٩٩ و٥٨٠٦ و٥٨٢٥ و٥٨٣٠ و٥٨٩١ و٥٩٥٢ و٦٠٠١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٧٥)، و(ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٢١٦)، و(الآجريّ) في "الشريعة" (ص ١٨٥)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٤/ ٢٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن قتل النفس من الكبائر الموبقة، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزّة والجلال.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "لا يدع لهم شاذّة" جواز الإغياء في الكلام، والمبالغة فيه، إذا احتيج إليه، ولم يكن ذلك تعمّقًا، ولا تشدّقًا، فيجوز أن يُعبَّر بالعموم عن الكثير الغالب، كقوله - ﷺ -: "لا يَضَعُ عصاه عن عاتقه" (^٢).
٤ - (ومنها): بيان أن الأعمال بخواتيمها، فلا ينبغي الاغترار بالأعمال، والركون إليها؛ مخافة من انقلاب الحال عن انقضاء الآجال؛ للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يَقْنَط، ولغيره أن لا يُقنطه من رحمة الله تعالى.
٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يُطلق على من قُتل في الجهاد أنه شهيد؛
_________________
(١) ولفظه: (١١٢) عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجَنَّة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجَنَّة".
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٤٧٤، و"المفهم" ١/ ٣١٧.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
لاحتمال أن يكون مثل هذا الرجل، وإن كان يُعطى في الظاهر أحكام الشهداء في الدنيا، وقد أخرج أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح عن أبي العَجْفاء، قال: سمعت عمر - ﵁ - يقول، فذكر المغالاة في صداق النساء، قال: وأخرى تقولونها في مغازيكم: قُتِل فلان شهيدًا، مات فلان شهيدًا، ولعله أن يكون قد أوقر عَجُزَ دابته أو دَفَّ راحلته ذهبًا وفضةً، يبتغي التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قال محمد - ﷺ -: "من قُتِل في سبيل الله فهو في الجَنَّة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أَولَ الكتاب قال:
[٣١٤] (١١٣) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا الزُّبَيْرِيُّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَة، فَلَمَّا آذَتْهُ، انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِه، فَنكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ"، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِد، فَقَالَ: إِي وَاللهِ لَقَدْ حَدَّثَني بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - في هَذَا الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ المذكور قبل حديث.
٢ - (الزُّبَيْرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَرَ بن دِرْهم الأسديّ مولاهم الزبيريّ، أَبُو أَحْمَدَ الكوفيّ، ثقة ثبت، إلَّا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، ويحيى بن أبي الهيثم العطار، وعيسى بن طهمان، وفِطر بن خليفة، وسفيان الثوري، ومسعر، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس، وإسرائيل بن يونس، وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه طاهر، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وبندار، وأبو موسى، وأحمد بن منيع، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد المسندي، وعَمرو بن محمد الناقد، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وغيرهم.
[ ٣ / ٣٦١ ]
قال نصر بن علي: سمعت أبا أحمد الزبيري يقول: لا أبالي أن يُسرَق مني كتاب سفيان، إني أحفظه كله، وقال ابن نمير: أبو أحمد الزبيري صدوق، في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري، ما علمت إلَّا خيرًا، مشهور بالطلب، ثقة، صحيح الكتاب، وكان صديق أبي نعيم، وأبو نعيم أقدم سماعًا وأسنّ منه، وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: كان كثير الخطأ في حديث سفيان، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة يتشيع، وقال بندار: ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش: صدوق، وقال أبو حاتم: عابد مجتهد، حافظ للحديث، له أوهام، وقال ابن قانع: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن أبي خيثمة عن محمد بن يزيد: كان يصوم الدهر.
قال أحمد بن حنبل وغيره: مات بالأهواز سنة ثلاث ومائتين. وفيها أرّخه ابن سعد، وقال: كان صدوقًا، كثير الحديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة المثبت الفقيه، يرسل، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت ١١٠)، وقد قارب (٩٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٦.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جُنْدَب بن عبد الله بن سفيان الْبَجَليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد الله، وربّما نُسب إلى جدّه، صحابيّ مات - ﵁ - بعد الستّين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له ابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
٤ - (ومنها): أن فيه شيبان النحويّ، وهو منسوب إلى نَحْوَة، بطنٍ من الأزد، لا إلى علم النحو، وإن كان هو المشهور في هذه النسبة، ومثله يزيد النحويّ، ولا ثالث لهما، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن شيبان بن عبد الرَّحمن النحويّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ) البصريّ (يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) قال الحافظ: لَمْ أقف على اسمه (خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ) بفتح القاف، وسكون الراء: واحدة القرُوح، وهي حبات تَخْرُج في بدن الإنسان، وفي الرواية التالية: "كان خُراجٌ" - بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف الراء -: وهي الْقَرْحَةُ، وفي رواية البخاريّ في "ذكر بني إسرائيل": "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرْحٌ" بضم الجيم، وسكون الراء، وفي رواية له في "الجنائز": "به جِرَاحٌ"، قال في "الفتح": وكأنه كان به جُرْح، ثم صار قَرْحَةً، قال: وذكره بعضهم بضم المعجمة، وآخره جيم، وهو تصحيف. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ادّعى التصحيف في "الفتح"، فإن أراد خصوص رواية البخاريّ، فيمكن أن يُسلّم، وإلا فرواية مسلم الآتية بلفظ "خُرَاج" بالضبط المذكور، فلا وجه لإنكارها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ) وفي رواية البخاريّ: "فَجَزعَ، فأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بها يده"، ومعنى "انتزع": أخرج (سَهْمًا) بفتح، فسكون: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْلِ (^٢). (مِنْ كِنَانَتِهِ) بكسر الكاف: هي جَعْبَة النشاب، مفتوح الجيم، سُمّيت كنانةً؛ لأنَّها تَكِنّ السِّهَامَ: أي تستُرُها (فَنكَأَهَا) - بالنون، والهمز -: أي قشّرها، وخرقها، وفَتَحَها، وقيل: معناه: نخس موضع الجرح، وفي رواية البخاريّ: "فأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بها يده"، ويمكن الجمع بأن يكون فَجَّر الجرح بذُبابة السَّهْم، فلم ينفعه، فحَزَّ موضعه بالسكين، ودَلّت رواية البخاريّ هذه على أن الجرح كان في يده، قاله في "الفتح" (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٧٧.
(٢) راجع: "القاموس" ص ١٠١٤، و"المصباح" ٢/ ٢٩٣.
(٣) "الفتح" ٦/ ٥٧٧ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم الحديث (٣٤٦٣).
[ ٣ / ٣٦٣ ]
ولفظ أبي عوانة في "مسنده" "جُرح رجلٌ فيمن كان قبلكم جراحةً، فضجر، فعمد إلى سكّين، فقطع يده، فلم يرقأ الدم حتى مات، فقال الله: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنّة".
وفي رواية لأبي نعيم في "المستخرج": "كان ممن قبلكم رجل جَرَح فخذه بسكّين، فلم يرقأ دمه، فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: "قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنّة". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن قوله: "فخذه" محلّ نظر؛ إذ المذكور في رواية البخاريّ وغيره: "يده"، والله تعالى أعلم.
(فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ) - بالقاف، والهمز -: أي لَمْ ينقطع، يقال: رقأ الدمُ والدَّمْعُ يرقأ رُقُوءًا، مثل ركع يركع رُكوعًا: إذا سكن، وانقطع.
(حَتى مَاتَ) غاية لقوله: "فلم يرقأ" (قَالَ رَبُّكُمْ) زاد في رواية البخاريّ: "قال الله - ﷿ -: بادرني عبدي بنفسه"، وهي رواية أبي عوانة المذكورة آنفًا، وهو كناية عن استعجال الرجل الموتَ وسيأتي البحث فيه (قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ") قال في "الفتح": هو جار مَجْرَى التعليل للعقوبة؛ لأنه لَمّا استعجل الموت بتعاطي سببه، من إنفاذ مقاتله، فجعل له فيه اختيارًا، عصى الله به، فناسب أن يعاقبه، ودَلّ ذلك على أنه قطع يده لإرادة الموت، لا لقصد المداواة التي يَغْلِب على الظن الانتفاع بها.
قال: وقد استُشكِل قوله: "بادرني بنفسه"، وقوله: "حَرَّمتُ عليه الجَنَّة"، لأن الأول يقتضي أن يكون مَن قُتِل فقد مات قبل أجله؛ لما يوهمه سياق الحديث، من أنه لو لَمْ يَقتُل نفسه كان قد تأخر عن ذلك الوقت وعاش، لكنه بادر فتقدم.
والثاني يقتضي تخليد الموحِّد في النار.
والجواب عن الأول أن المبادرة من حيثُ التسببُ في ذلك، والقصد له، والاختيار، وأطلق عليه المبادرة؛ لوجود صورتها، وإنما استَحَقَّ المعاقبة؛ لأن الله لَمْ يُطلِعه على انقضاء أجله، فاختار هو قتل نفسه، فاستحق المعاقبة؛ لعصيانه.
وقال القاضي أبو بكر: قضاءُ الله مطلقٌ، ومقيدٌ بصفة، فالمطلق يَمضِي على الوجه بلا صارف، والمقيّدُ على الوجهين.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
مثاله أن يُقَدَّر لواحد أن يَعِيش عشرين سنة إن قَتَلَ نفسه، وثلاثين سنة إن لَمْ يَقتُل، وهذا بالنسبة إلى ما يَعلَم به المخلوق، كملك الموت مثلًا، وأما بالنسبة إلى علم الله، فإنه لا يقع إلَّا ما عَلِمه.
ونظير ذلك الواجب الْمُخَيَّر فالواقع منه معلوم عند الله تعالى، والعبد مُخَيَّر في أيِّ الخصال يفعل.
والجواب عن الثاني من أوجه:
[أحدها]: أنه كان استَحَلَّ ذلك الفعل، فصار كافرًا.
[ثانيها]: كان كافرًا في الأصل، وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره.
[ثالثها]: أن المراد أن الجَنَّة حُرّمت عليه في وقتٍ ما، كالوقت الذي يَدخُل فيه السابقون، أو الوقت الذي يُعَذَّب فيه المودعدون في النار، ثم يُخْرَجون.
[رابعها]: أن المراد جنة معينة، كالفردوس مثلًا.
[خامسها]: أن ذلك وَرَدَ في سبيل التغليظ والتخويف، وظاهره غير مراد.
[سادسها]: أن التقدير: حَرَّمتُ عليه الجَنَّة إن شئتُ استمرار ذلك.
[سابعها]: قال النوويّ: يحتمل أن يكون ذلك شَرْعَ من مضى: أن أصحاب الكبائر يَكفُرون بفعلها، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب التأويلات عندي هو تأويل مَن أوَّله بأن تحريمها عليه يكون تحريمًا مؤقّتًا، وهو الوقت الذي يُعذّب فيه أصحاب الكبائر، ثم يكون مآله إليها، أو المراد أن ذلك هو الذي يستحقّه؛ لعظم جُرْمه، إلَّا أن الله تعالى تفضّل على الموحِّدين، فجعل آخرهم الجنّة، وعلى أي حال، ففيه بيان عظمة ذنب قاتل نفسه عمدًا بسبب شدّة البلاء، والله تعالى أعلم بالصواب.
(ثُمَّ مَدَّ) الحسن البصريّ (يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، كما قاله في "الفتح" (فَقَالَ: إِيْ) بكسر الهمزة، وسكون المثنّاة التحتانيّة، قال ابن هشام رحمه الله تعالى: "إِيْ " بالكسر والسكون حرف جواب بمعنى "نَعَمْ"، فيكون لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد "قام زيدٌ"،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٧٧ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٦٣).
[ ٣ / ٣٦٥ ]
و"هل قام زيد"، و"اضرب زيدًا"، ونحوهنّ، كما تقع "نعم"، وزعم ابن الحاجب أنَّها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلَّا قبل القسم، وإذا قيل: "إي والله"، ثم أُسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحُها وحذفها، وعلى الأول فيلتقي ساكنان على غير حدّهما. انتهى كلام ابن هشام (^١)، وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط في "نظم المغني"، حيث قال:
… وَ"إِي" بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَارِدَهْ
حَرْفَ جَوَابٍ كَـ "نَعَمْ " ويُشْتَرَطْ … إِتْبَاعُهُ بِقَسَمٍ بِلَا غَلَطْ
وَالْحَرْفُ إِنْ يُحْذَفْ فَيَاءً احْذِفِ … أَوْ سَاكِنًا أَوْ بِانْفِتَاحِهِ يَفِي
(وَاللهِ لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٠/ ٣١٤ و٣١٥] (١١٣)،
و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٤٦٤)، و"أحاديث بني إسرائيل" (٣٤٦٣)، و(ابن حبّان) (٥٩٨٨ و٥٩٨٩)، و(ابن منده) في "الإيمان" (٦٤٧ و٦٤٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٢٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٥٢٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٠١ و٣٠٢)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٦٦٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٤) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم قتل نفس القاتل، وكذا غيره؛ لأنه منافٍ للإيمان بتقدير الله تعالى، وهو وجه المطابقة لذكره هنا.
_________________
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ٧٦ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه تحريم قتل الإنسان غيره بالطريق الأولى؛ لأنه إذا لَمْ يجُز قتل نفسه التي يُتوهّم أنه لا ينازعه فيها أحد، فكيف بالآخرين؟.
٣ - (ومنها): أن فيه الوقوفَ عند حقوق الله، ورحمته بخلقه، حيث حَرَّم عليهم قتل نفوسهم، وأن الأنفس ملك الله تعالى.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث عن الأمم الماضية؛ لأخذ العبرة عما نزل بهم بسبب مخالفتهم.
٥ - (ومنها): أن شريعة من قبلنا شريعة لنا إذا قصّه الرسول - ﷺ - علينا، ولم يأت في شرعنا ما يُعارضه، وهذا هو القول الراجح، كما حقّقته في منظومتي "التحفة المرضيّة" في أصول الفقه، وشرحها.
٦ - (ومنها): بيان فضيلة الصبر على البلاء، وترك التضجر من الآلام؛ لئلا يُفضي إلى أشدّ منها.
٧ - (ومنها): بيان تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى قتل النفس.
٨ - (ومنها): التنبيه على أن حكم السِّرَاية على ما يترتب عليه ابتداء القتل.
٩ - (ومنها): بيان الاحتياط في التحديث، وكيفية الضبط له، والتحفظ فيه بذكر المكان، والإشارة إلى ضبط المحدث، وتوثيقه لمن حَدّثه؛ لِيَرْكَنَ السامع لذلك (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥]- (…) - (وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ، فِي هَذَا الْمَسْجِد، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٥٧٧ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم الحديث (٣٤٦٣).
[ ٣ / ٣٦٧ ]
رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ … "، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّمِيّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شُجَاع الأزديّ، أبو العباس البصري الحافظ، ثقة [٩].
رَوَى عن أبيه، وعكرمة بن عَمّار، وهشام بن حَسّان، وابن عون، وهشام الدستوائيّ، وشعبة، وصَخْر بن جُوَيرية، وموسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأبو خيثمة، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهم.
قال سليمان بن داود القَزّاز: قلت لأحمد: أريد البصرة، عمن أكتب؟ قال: عن وهب بن جرير، وأبي عامر الْعَقَديّ، وقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صدوقٌ، قيل له: وهب بن جرير، ورَوْح بن عبادة، وعثمان بن عمر؟ قال: وهب أحبّ إلي منهما، وهبٌ صالح الحديث، وقال الآجري: سمعت أبا داود يحدث عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، سمع يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الْجَيْشَانيّ، قال أبو داود: جرير بن حازم رَوَى هذا عن ابن لهيعة، أُراها صحيفةً اشتبهت على وهب بن جرير، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ. وقال العجلي: بصري ثقة، كان عفان يتكلم فيه. وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال الْعُقيليّ: قال أحمد: قال ابن مهدي: ها هنا قوم يُحَدِّثون عن شعبة، ما رأيناهم عنده، يُعَرِّض بوهب، وقال أحمد: ما رَوَى وهب قط عن شعبة، ولكن كان وهب صاحب سنّة، حَدّث - زعموا - عن شعبة بنحو أربعة آلاف حديث، قال عفان:
[ ٣ / ٣٦٨ ]
هذه أحاديث عبد الرَّحمن الرصاصيّ، شيخ سَمِعَ من شعبة كثيرًا، ثم وقع إلى مصر، وقال وهب بن جرير: كَتَبَ لي أبي إلى شعبة، فكنت أجيء إليه، فسأله، وقال أحمد بن منصور الرَّمَاديّ: تذاكرت أنا وابنُ وَارَةَ، أيما أثبتُ، وهب، أو أبو النضر؟ فقال هو: أبو النضر، وقلت أنا: وهب.
قال ابن سعد: مات سنة ست ومائتين، وقال الآجري عن أبي داود: قال لي هارون بن عبد الله: مات وهب في المحرم سنة سبع، وفيها أَرّخه غير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٣ - (أَبُوه) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، وقد اختلط، لكنه لَمْ يحدّث بعد اختلاطه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) تقدّم أنه مسجد البصرة.
وقوله: (فَمَا نَسِينَا) أشار به إلى تحقُّقه لِمَا حَدَّث به، وقُرْب عهده به، واستمرار ذكره له.
وقوله: (وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) فيه إشارةٌ إلى أن الصحابة عُدُولٌ، وأنّ الكذب مأمونٌ مِن قِبَلِهم، ولا سيما على النبيِّ - ﷺ -.
وقوله: (خُرَاجٌ) بضم الخاء المعجمة، وتخفيف الراء، وزانُ غُرابٍ: بَثْرٌ - أي قُرُوحٌ -، الواحدة خُرَاجة، قاله في "المصباح" (^١)، وقال في "القاموس": الْخُرَاجُ كالْغُرَاب: الْقُرُوح. انتهى (^٢).
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير شيخه محمد بن أبي بكر، يعني: أنه ذكر نحو متن حديث محمد بن رافع السابق.
ورواية وهب بن جرير هذه ساقها الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٦٦.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٧٠.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
(٥٩٨٨) أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا محمد بن المثنى الزَّمِنُ، حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا جندب بن عبد الله، في هذا المسجد، فما نَسِينا منه، حَدَّثنا، ولا نَخْشَى أن يكون كَذَبَ على رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خَرَجَ برجل خُرَاجٌ، ممن كان قبلكم، فأَخَذَ سِكِّينًا، فَوَجَأَ بها، في رَقَأَ الدم عنه حتى مات، فقال الله ﵎: عبدي بادرني بنفسه، حَرَّمتُ عليه الجَنَّة". انتهى (^١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.