وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٢] (١٤٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ".
[ ٤ / ١٥٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصّفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٣ - (حَمَّادٌ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِثٌ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع وعشرين ومائة) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أنس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الصحابيّ الشهير - ﵁ - (ت ٢ أو ٩٣) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وحماد بن سلمة، وإن كُتِب له في "التهذيب"، والتقريب" علامة التعليق للبخاريّ، إلا أن الأصحّ أنه روى له أيضًا حديثًا واحدًا في "كتاب الرقاق".
٣ - (ومنها): أنه وإن اشتبه حماد بن سلمة بحمّاد بن زيد؛ لاشتراكهما في الطبقة، والشيوخ، والرواة، إلا أنه هنا هو ابن سلمة بدليل أن الراوي عنه عفّان؛ لأنه يُميَّز بينهما بالرواة، كما أشار إلى ذلك السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَتَارَةً فِي اسْمٍ فَقَطْ ثُمَّ السِّمَهْ … حَمَّادُ لابْنِ زَيْدِ وَابْنِ سَلَمَهْ
فَإِنْ أَتَى عَنِ ابْنِ حَرْبٍ مُهْمَلَا … أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلَا
أَوْ هُدْبَةٍ أَوِ التَّبُوذَكِيِّ أَوْ … حَجَّاجٍ أَوْ عَفَّانَ فَالثَّانِ رَأَوْا
فـ "ابنُ حرب": هو سليمان، و"عارمٌ": هو محمد بن الفضل السدوسيّ،
[ ٤ / ١٦٠ ]
و"هدبة" هو ابن خالد، و"التبوذكيّ": هو موسى بن إسماعيل، و"حجّاج": هو منهال، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٥ - (ومنها): أن حماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت، وثابتٌ من ألزم الناس لأنس - ﵁ -، يقال: إنه لزمه أربعين سنة.
٦ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - ذو مناقبَ جمّة، أشهرها أنه خدم النبيّ - ﷺ - عشر سنين، ودعا له بالبركة في المال والأهل.
فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" أن النبيّ - ﷺ - دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، قال: "أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم"، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خُوَيِّصةً، قال: "ما هي؟ "، قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دنيا، إلا دعا لي به، قال: "اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له فيه"، فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أُمَينة أنه دُفِن لصلبي مَقْدَم حجَّاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة.
وأخرج مسلم، عن أنس - ﵁ - أن أمه قالت: يا رسول الله، خادمك أنس، ادعُ الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته"، وفي رواية: فقال: "اللهم أكثر ماله وولده"، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي، لَيَتَعَادون على نحو المائة اليوم.
وأخرج عنه أيضًا قال: مَرّ رسول الله - ﷺ -، فسمعت أمي أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيسٌ، فدعا لي رسول الله - ﷺ - ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة.
وهو من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة - ﵃ -، ومن المعمّرين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ" بالرفع مكرّرًا، وهو مبتدأ خبره محذوفٌ؛ أي: الله ربيّ،
[ ٤ / ١٦١ ]
وفي الرواية التالية: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله"، قال النوويّ - ﵀ -: هو برفع اسم الله تعالى، وقد يَغْلَطُ فيه بعض الناس، فلا يرفعه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا غلّط النوويّ من لم يرفع لفظ "الله الله"، وقد عارضه القرطبيّ، حيث صوّب النصب، واستبعد الرفع، ودونك نصّه، قال: "اللهَ اللهَ" كذا صوابه بالنصب، وكذلك قيّدناه عن محقّقي من لقيناه، ووجهه أن هذا مثلُ قول العرب: "الأسدَ الأسدَ"، و"الجدارَ الجدارَ"، إذا حذّروا من الأسد المفترس، والجدار المائل، فهو منصوب بفعل مُضمر، كأنهم قالوا: احذر الأسد المفترس، لكنّهم التزموا إضماره هنا لتكرار الاسم، ونصبه، كما قال الشاعر [من الطويل]:
أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَا لَهُ … كَسَاعٍ إِلَى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ
فإن أفردوا ذَكَرُوا الفعل، فقالوا: اتّق الأسدَ، واحذر الجدارَ، واحفظ أخاك.
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى ما ذُكر، وغيره من أحكام التحذير والإغراء أشار ابن مالك - ﵀ - في "الخلاصة"، فقال:
"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ" وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لِـ"إِيَّا" انْسُبْ وَمَا … سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ العَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كَـ"الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي"
وَشَذَّ "إِيَّايَ" وَ"إِيَّاهُ" أَشَذْ … وَعَنْ سَبِيلِ القَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ
وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا "إِيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصَّلَا
قال القرطبيّ: وقيّده بعضهم: "اللهُ اللهُ" بالرفع على الابتداء، وحذف الخبر، وفيه بُعْدٌ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن العمدة في ذلك صحة الرواية، وظاهر كلام القرطبيّ ثبوت النصب رواية، وكلام النوويّ يفيد ثبوت الرفع كذلك، فإذا ثبتت الرواية بهما، فالوجهان صحيحان دون أيّ استبعاد لهما، فأما النصب فعلى الوجه الذي ذكره القرطبيّ، وهو النصب على التحذير؛ أي:
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
[ ٤ / ١٦٢ ]
اتّقوا اللهَ، وأما الرفع فعلى أنه خبر لمحذوف، أي: اللهُ ربّي، أو نحو ذلك، والتكرار للتأكيد.
وأما ما ذكره بعض الشارحين من أن لفظ الجلالة الأولُ مبتدأ، والثاني خبره، فبُعده مما لا يخفى على بصير.
ومعنى الحديث: أن القيامة لا تقوم على من يقول: "الله الله"، والمراد به: لا إله إلا الله، كما جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى، وأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق، وقد تقدّم حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تَدَعُ أحدًا في قلبه مثقالُ حبة"، وفي رواية: "مثقال ذَرّة من إيمان إلا قبضته"، وتقدّم الجمع بينه وبين حديث: "لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، وفي رواية: "حتى تقوم الساعة" بأن المراد بإتيان الساعة إتيان علاماتها، ومقدّماتها.
والحاصل أن هذه الطائفة هي التي تقاتل الدجّال، وتجتمع بعيسى ﵇، ثم لا تزال على هذه الصفة التي وصفها به النبي - ﷺ - إلى أن يَبعث الله تعالى تلك الريح، فيقبضهم، وذلك عند قُربِ الساعة بعد أن ظهرت أشراطها، ووقعت علاماتها.
[تنبيه]: (اعلم): أن الروايات كلَّها متّفقةٌ على أن الحديث بلفظ: "الله الله"، مكرّرًا في الروايتين، قال النوويّ - ﵀ -: وهكذا هو في جميع الأصول، وقال القاضي عياضٌ - ﵀ -: وفي رواية ابن أبي جعفر (^١) يقول: "لا إله إلا الله". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا اللفظ الذي عزاه القاضي عياض إلى ابن أبي جعفر في رواية مسلم وقع في رواية أحمد في "مسنده" (١٣٤٢١) قال - ﵀ -: حدثنا عَفّان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابتٌ، عن أنس، قال: قال
_________________
(١) هو: عبد الله بن أبي جعفر الخُشَنيّ، شيخ القاضي عياض، وقد قرأ عليه "صحيح مسلم".
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٧٨.
[ ٤ / ١٦٣ ]
رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله".
ووقع أيضًا عند ابن حبّان في "صحيحه" (٦٨٤٨) من طريق معمر، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: لا إله إلا الله"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: جرت مناظرة بين عبد الله بن عمرو، وبين عقبة بن عامر في حديث: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق"، أخرجها المصنّف في "كتاب الإمارة"، من طريق عبد الرحمن بن شِماسة المَهْريّ، قال: كنت عند مَسْلَمة بن مُخَلَّد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يَدْعُون الله بشيء إلا رَدَّه عليهم"، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأَمّا أنا فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوّهم، لا يضرُّهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك" (^١).
فقال عبد الله: أَجَلْ، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مَسُّها مَسُّ الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقالُ حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤/ ٤٥٦)، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهذا من غفلته - ﵀ -، فقد، أخرجه المصنّف سندًا ومتنًا، ومن الغريب أن الذهبيّ سكت عليه، بل قال بعدما ساقه موافقًا ما نصّه: صحيح؛ فتنبّه.
ومن الغريب أيضًا أن الحافظ عزا هذا الحديث في "الفتح" (^٢) إلى "المستدرك" مع أن المصنّف أخرجه، فكان الأولى أن يعزوَه إليه؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) سيأتي للمصنّف - ﵀ - في "كتاب الإمارة" برقم (١٩٢٤).
(٢) راجع: "الفتح" ١٤/ ٥٨٣ - ٥٨٥ "كتاب الفتن".
[ ٤ / ١٦٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٠/ ٣٨٢ و٣٨٣] (١٤٨)، و(الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٠٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٨٤٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٧ - ١٦٢ - ٢٦٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٥٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨٤٨ و٦٨٤٩)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٣ و٢٩٤)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧٣ و٣٧٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٨٤)، و(الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (٣/ ٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذهاب الإيمان عن أهل الأرض آخر الزمان، وذلك بعد وقوع طلوع الشمس من مغربها، حين لا ينفع نفسًا إيمانُها، لم تكن آمنت من قبلُ، كما بيّنه الله ﷿ في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
٢ - (ومنها): بيان فضل المؤمنين، حيث إن الله ﷾ أكرمهم، ولم يُهنهم بإقامة الساعة عليهم، وهم أحياء، بل أكرمهم ببعث ريح ليّنة تقبض أرواحهم، فتريحهم من تعب الدنيا، وشدائدها، وأهوال القيامة، وفزعها، فأبعدهم عن ما يحزنهم، أو يُهمهم، كما وعدهم بذلك حيث قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
٣ - (ومنها): بيان فضل ذكر الله تعالى، حيث لا تقوم الساعة وفي الأرض من يذكر الله تعالى.
٤ - (ومنها): أنه وردت أحاديث كثيرة بمعنى هذا الحديث في "الصحيحين" وفي غيرهما.
(فمنها): الحديث الماضي في مناظرة عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر - ﵄ - عند المصنّف - ﵀ -.
[ ٤ / ١٦٥ ]
(ومنها): ما أخرجه المصنّف أيضًا في "كتاب الفتن" من حديث النّوّاس بن سِمْعان - ﵁ - الطويل، وفيه: "إذ بَعَثَ الله ريحًا طيبةً، فتأخذهم تحت آباطهم، فتَقْبِض رُوح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تَهارُج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة" (^١).
و(منها): ما أخرجه البخاريّ من طريق الزبير بن عَدِيّ، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نَلْقَى من الحجَّاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شرّ منه، حتى تَلْقَوا ربكم، سمعته من نبيكم - ﷺ - (^٢).
(ومنها): ما أخرجه أيضًا من حديث مِرْدَاس الأسلميّ - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "يذهب الصالحون، الأولَ فالأولَ، ويبقى حُفَالة كحَفَالة الشعير - أو التمر (^٣) - لا يباليهم الله بَالَةً".
(ومنها): ما أخرجه أيضًا عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "مِن شِرَار الناس مَن تُدْركهم الساعة، وهم أحياء" (^٤).
(المسألة الرابعة): أنه مما ينبغي له التنبّه ما استنبطه بعض جَهَلَة الصوفيّة من هذا الحديث، وهو مشروعيّة الذكر بلفظ "الله" مفردًا، بل جعله أفضل من الذكر بـ "لا إله إلا الله"، بل أغرب من هذا أن بعضهم يرى الذكر بلفظ "هو" مفردًا أيضًا، وكلّ هذا خلاف ما شرعه الله تعالى على لسان نبيّه - ﷺ -، فيكون من البدع المنكرة، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنّ "لا إله إلا الله أفضل الذكر"، فقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن جابر - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"، وهو حديث حسن (^٥)، وثبت عنه - ﷺ - أيضًا غير هذا من أنواع الذكر، فينبغي التقيّد بما ثبت
_________________
(١) سيأتي للمصنّف - إن شاء الله تعالى - في "كتاب الفتن، وأشراط الساعة" برقم (٢٩٣٧).
(٢) أخرجه البخاريّ في "كتاب الفتن" برقم (٧٠٦٨).
(٣) الحُفَالة: هو ما يتساقط من قشور الشعير، أو التمر.
(٤) أخرجه البخاريّ في "الفتن" (٧٠٦٧).
(٥) حديث حسن، أخرجه الترمذيّ برقم (٣٣٠٥)، وابن ماجه برقم (٣٧٩٠).
[ ٤ / ١٦٦ ]
عنه - ﷺ -؛ إذ من المعلوم أن العبادة توقيفيّة، فما لم يَرِد الشرع به، فهو بدعة وضلالة، والذكر بلفظ "الله" مفردًا، أو بـ "هو" كذلك مما لم يُشْرَع في الكتاب، ولا في السنّة، ولا هو مأثورٌ عن السلف، وأيضًا إن الذكر ثناء، وهو لا يكون إلا بجملة تامّة يحسُن السكوت عليها، مثل: "لا إله إلا الله"، و"الله أكبر"، و"سبحان الله"، و"الحمد لله"، و"لا حول ولا قوّة إلا بالله"، وأما الاسم المفرد، فلا يحسن السكوت عليه؛ إذ ليس جملة تامّة، ولا كلامًا مفيدًا، كما هو معلوم عن أهل العلم بالعربيّة.
وبالجملة إن مثل هذا الذكر من محدثات الأمور التي حذّر النبيّ - ﷺ - منها أمته، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه بسند صحيح من حديث الِعرْباض بن سارية - ﵁ - الطويل، وفيه: "فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
وفي رواية عند النسائيّ بسند صحيح زيادة: "وكلّ ضلالة في النار".
والحاصل أن من قال بمشروعيّة الذكر بالاسم المفرد، أو بـ "هو"، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله ﷾، وضلّ، وأضلّ، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم جنّبنا البدَع، وارزقنا التمسّك بالسنّة، أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا، آمين آمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٣] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ، يَقُولُ: اللهُ اللهُ").
[ ٤ / ١٦٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. وشرحُ الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].