وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٥] (١٥٠) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَعْطِ فُلَانًا، فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: "أَؤ مُسْلِمٌ"، أقُولُهَا ثَلَاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثًا: "أَوْ مُسْلِمٌ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
_________________
(١) "شرح الأشمونيّ على الخلاصة" مع حاشية الصبّان عليه ١/ ١٨٦ - ١٨٨.
[ ٤ / ١٧٧ ]
٥ - (أَبُوهُ) هو: سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مكيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة - ﵃ -، وهو آخرهم موتًا، مات بالعقيق، ثم نُقل إلى المدينة، فدفن بها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قول المصنّف - ﵀ -: "حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهريّ … إلخ.
قال أبو عليّ الغسانيّ: قال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ: هذا الحديث إنما يرويه سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ، قاله الحميديّ، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن الصبّاح الجَرْجَرائيّ، كلّهم عن سفيان، عن معمر، عن الزهريّ، بإسناده سواء.
وهذا هو المحفوظ عن سفيان، حدّثناه حاتم بن محمد، قال: نا أحمد بن إبراهيم بن فِراس، قال: أنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدَّيْبُليّ، قال: نا سعيد بن عبد الرحمن، قال: نا سفيان، عن معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: "قسم رسول الله - ﷺ - قَسْمًا … " الحديث.
وكذلك قال عليّ بن عمر (^١) في كتاب "الاستدراكات" في هذا الإسناد. انتهى (^٢).
_________________
(١) يعني الدارقطنيّ.
(٢) "تقييد المهمل" ٣/ ٧٨٢.
[ ٤ / ١٧٨ ]
قال النوويّ - ﵀ -: وهذا الذي قاله هؤلاء في هذا الإسناد، قد يقال: لا ينبغي أن يوافقوا عليه؛ لأنه يَحْتَمِلُ أن سفيان سمعه من الزهريّ مرًّة، وسمعه من معمر، عن الزهريّ مرًّة، فرواه على الوجهين، فلا يقدح أحدهما في الآخر، ولكن انضمت أمورٌ اقتَضَت ما ذكروه، منها: أن سفيان مُدَلِّسٌ، وقد قال: "عن".
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه مما لا يخفى ضعفه؛ لأنه وإن وُصف بالتدليس، لكنه لا يُدلّس إلا عن تقة، حتى ادّعى ابن حبّان بأن ذلك خاصّ به، وإنما القدح الصحيح هو مخالفته جماهير الرواة، كما بيّنه بقوله: ومنها: أن أكثر أصحابه رووه عن معمر، وقد يجاب عن هذا بما قدمناه، من أن مسلمًا - ﵀ - لا يروي عن مُدَلّسٍ قال: "عن" إلا أن يثبت أنه سمعه ممن عَنْعَنَ عنه، وكيف كان فهذا الكلام في الإسناد لا يُؤثِّر في المتن، فإنه صحيح على كل تقدير مُتَّصِلٌ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": ورواه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، ووقع فيه وَهَمٌ منه، أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في الجوامع، والمسانيد، عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ بزيادة معمر بينهما، وكذا حدّث به ابن أبي عمر، شيخُ مسلم في "مسنده" عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" من طريقه.
وزعم أبو مسعود في "الأطراف" أن الوَهَم من ابن أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لَمّا حَدّث به مسلمًا، لكن لم يتعين الوهم في جهته.
وحمله الشيخ محيي الدين على أن ابن عيينة حَدّث به مرَّةً بإسقاط معمر، ومرًّة بإثباته، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط، كما قدمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتابي "تغليق التعليق". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما عزاه إلى النوويّ من حمله على المرتين، فيه
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٢.
(٢) "الفتح" ١/ ١٠٢ - ١٠٣.
[ ٤ / ١٧٩ ]
نظر لا يخفى؛ لأنه لم يذكر هذا اعتمادًا عليه، بل إنما ذكره في مَعْرِض الردّ والاستبعاد، كما سبقت عبارته قريبًا، فتأملها بإمعان.
وخلاصة القول أن سند المصنّف فيه سقطٌ، والظاهر أن السهو منه، وأما كونه من شيخه ابن أبي عمر، وإن ذكروه احتمالًا، إلا أنه يُبْعِده ثبوته في "مسنده" على الصواب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: ("أَوْ مُسْلِمٌ") هكذا في هذه الرواية بالرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو مسلم، و"أو" بسكون الواو بمعنى "بل".
وقوله: (أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ) بفتح حرف المضارعة، مضارع كبّه، يقال: أكبّ الرجلُ، وكبّه الله، وهذا بناء غريب، جاء على خلاف العادة؛ إذ هي أن يكون الثلاثيّ لازمًا، والرباعيّ متعدّيًا، وهنا بالعكس، فالثلاثيّ متعدّ، والرباعيّ لازم.
وتمام شرح الحديث، ومسائله ستأتي في الحديث التالي، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا مما هنا، فكان الشرح أليق به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٦] (…) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيه، سَعْدٍ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهُمْ مَن لَمْ يُعْطِه، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَالله، إِنَي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ").
[ ٤ / ١٨٠ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] (ت ١٥٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢.
والباقون تقدّموا قبله، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -، فهو أنزل من السند السابق.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، ويعقوب، فمدنيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بأربعة كلهم زهريون، فابن أخي الزهريّ، فمن فوقه كلهم زهريون، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رَوَى هذا الحديثَ ابنُ وهب، ورِشْدِين بن سعد جميعًا، عن يونس، عن الزهري بسند آخر، قال: "عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه"، أخرجه ابن أبي حاتم، ونقل عن أبيه أنه خطأ من راويه، وهو الوليد بن مسلم عنهما، أفاده في "الفتح" أيضًا، يعني: أن الصواب: "عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه"، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى رَهْطًا) "الرَّهْطُ": عدد من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، قال القزاز: وربما جاوزوا
[ ٤ / ١٨١ ]
ذلك قليلًا، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته، وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب: "أنه جاءه رهطٌ، فسألوه، فأعطاهم، فَتَرَك رجلًا منهم".
وانتصاب "رَهطًا" على أنه مفعول أول لـ "أعطى"، ومفعوله الثاني محذوف؛ لأن باب "أعطى" يجوز فيه حذف المفعولين، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥]، وحذف الأول كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أي حتى يُعطوكم الجزية، وحذف الثاني كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، أي يعطيك ما يُرضيك.
وقال العينيّ - ﵀ -: فيه حذف المفعول الثاني من باب أعطيت في الموضعين: الأول في قوله: "أعطى رهطًا"، والثاني في قوله: "إني لأعطي الرجل"؛ تنبيهًا على التعميم بأيّ شيء كان، أو جعل المتعدّي إلى اثنين كالمتعدّي إلى واحد، والمعنى إيجاد هذه الحقيقة؛ يعني: إيجاد الإعطاء، والفائدة فيهما قصد المبالغة. انتهى (^١).
(وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ) جملة في محلّ نصب على الحال، وفيه تجريدٌ؛ لأن الظاهر أن يقول: وأنا جالسٌ، قاله في "الفتح".
وقال العينيّ: فيه وجهان:
الأول: أن يكون فيه التفاتٌ على قول صاحب "المفتاح" (^٢) من التكلّم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة، وأما على قول غيره، فليس فيه التفاتٌ؛ لأنهم يشترطون أن يكون الالتفات من التكلّم والخطاب والغيبة محقّقًا، وصاحب "المفتاح" لم يشترط ذلك، بل قال: الالتفات أعمّ من أن يكون محقّقًا أو مقدَّرًا.
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٣٠٩.
(٢) هو يوسف بن أبي بكر بن محمد بن عليّ السكّاكيّ الخُوارزميّ الحنفيّ، أبو يعقوب سراج الدين، وُلد سنة (٥٥٥ هـ)، وتوفّي سنة (٦٢٦ هـ) مولده ووفاته بخوارزم. راجع: "هديّة العارفين" ٦/ ٥٥٣، "معجم الأعلام" ص ٩٦٢.
[ ٤ / ١٨٢ ]
والوجه الثاني: أن يكون من باب التجريد، وهو أن يُجرِّد من نفسه شخصًا، ويُخبِر عنه، وذلك أن القياس في قوله: "وسعد جالسٌ" أن يقول: وأنا جالسٌ، ولكنه جرّد من نفسه ذلك، وأخبر عنه بقوله: "وسعد جالسٌ"، وهو من مُحسّنات الكلام، من الضروب المعنويّة الراجعة إلى وظيفة البلاغة. انتهى (^١).
(قَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقّاص - ﵁ - (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهُمْ) أي: أولئك الرهط (مَنْ لَمْ يُعْطِهِ) "من" اسم موصول مفعول "ترك" (وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) فيه التفاتٌ، إذ الظاهر أن يقول: إليه؛ لقوله: "وسعدٌ جالسٌ"، ولم يقل: وأنا جالسٌ، وهو التفاتٌ من الغيبة إلى التكلّم.
وفي رواية صالح بن كيسان الآتية بعده: "أعطى رسول الله - ﷺ - رهطًا، وأنا جالسٌ فيهم"، فساقه بلا تجريد، ولا التفات، وزاد فيه: "فقمت إلى رسول الله - ﷺ -، فساررته … "، وهذه الزيادة عند البخاريّ أيضًا في "كتاب الزكاة"، وغَفَلَ بعضهم، فعزاها إلى مسلم فقط، والرجل المتروك اسمه جُعَيل بن سُرَاقة الضَّمْريّ، سمَّاه الواقديّ في "المغازي"، قاله في "الفتح" (^٢).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أَيْ: أَيُّ سبب لعُدُولك عنه إلى غيره؟، قال العينيّ - ﵀ -: كلمة "ما" للاستفهام، واللام تتعلّق بمحذوف، وكذلك كلمة "عن"، وهو "حَصَلَ" في اللام، و"أعرضتَ"، ونحوه في "عن". انتهى (^٣).
ولفظ "فلان" كناية عن اسم أُبْهِم بعد أن ذُكِرَ (فَوَ اللهِ) فيه القسم في الإخبار على سبيل التأكيد (إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِنًا) قال القرطبيّ - ﵀ -: الرواية بضمّ همزة "أُراه"، بمعنى أظنّه.
وهو مِن حلف سعد على ما ظنّه، فكانت هذه اليمين لاغيةً، ولذلك لم يُنكرها النبيّ - ﷺ -، ولا أمره بكفّارة عنها، فكان فيه دليلٌ على جواز الحَلِف
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٣٠٩.
(٢) "الفتح" ١/ ١٠٠ "كتاب الإيمان" رقم (٢٧)
(٣) "عمدة القاري" ١/ ٣٠٧.
[ ٤ / ١٨٣ ]
على الظنّ، وأنها هي اللاغية، وهو قول مالك، والجمهور. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" قوله: "لأراه" وَقَعَ في روايتنا من طريق أبي ذرّ وغيره بضم الهمزة هنا، وفي "الزكاة"، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح الهمزة، أي: لأعلمه، ولا يجوز ضمها، فيصيرَ بمعنى أظنه؛ لأنه قال بعد ذلك: "غَلَبِني ما أعلم منه"، ولأنه راجع النبيّ - ﷺ - ثلاث مرّات، ولو لم يكن جازمًا باعتقاده لَمَا كرّر المراجعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول النووي هذا نظر لا يخفى، أما استدلاله على تعيّن الفتح بقوله: "لأعلمه"، فالجواب عنه أنه لا دلالة فيه عليه؛ لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
سَلَّمنا، لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنيةً، فيكون نظريًّا، لا يقينيًّا، وهو الممكن هنا.
وأما استدلاله عليه بتكرار مراجعته، فلا مانع أيضًا من أن يكرّر ذلك؛ بناءً على ما غلب على ظنّه (^٣).
والحاصل أن ضمّ الهمزة هنا متعيّنٌ؛ لثبوت الرواية به، كما نصّ عليه القرطبيّ في كلامه السابق، وسبق في كلام الحافظ بالنسبة للبخاريّ أيضًا، وأما الفتح، فإن ثبتت الروايةُ به، فوجهه واضح، وإلا فما صحّت به الرواية هو المتّبَعُ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوْ مُسْلِمًا") "أَوْ" هنا للإضراب، بمعنى "بل"، قال القرطبي - ﵀ -: الرواية بسكون الواو، وقد غَلِطَ مَن فَتَحها، وأحال المعنى؛ لأن النبيّ - ﷺ - لم يُرِد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختصّ بالظاهر الذي يُمكن أن يُدرَكَ، فجاء بـ "أو" التي للتقسيم والتنويع. انتهى (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ١/ ٣٦٧.
(٢) "الفتح" ١/ ١٠٠ - ١٠١.
(٣) هكذا تعفب الحافظ على النوويّ ببعض ما ذكرته، وللعينيّ كعادته اعتراضٌ عليه، لا جدوى فيه لمن تأمله، فعليك بالإنصاف، ودع اللجاج والاعتساف.
(٤) "المفهم" ١/ ٣٦٦.
[ ٤ / ١٨٤ ]
وقال النوويّ - ﵀ -: وأما قوله - ﷺ -: "أو مسلمًا"، فليس فيه إنكارُ كونه مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان، وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلومٌ بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن، لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد زَعَم صاحب "التحرير" أن في هذا الحديث إشارةً إلى أن الرجل لم يكن مؤمنًا، وليس كما زَعَمَ، بل فيه إشارة إلى إيمانه، فإن النبيّ - ﷺ - قال في جوابه سعد: "إني لأُعطي الرجلَ، وغيره أحبُّ إليّ منه"، ومعناه: أُعطي مَن أخاف عليه؛ لضعف إيمانه أن يَكْفُر، وأَدَعُ غيره، ممن هو أَحَبُّ إليّ منه؛ لما أعلمه من طمأنينة قلبه، وصلابة إيمانه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "فقال: أَوْ مسلمًا" هو بإسكان الواو، لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معًا؛ لأنه أحوط، ويَرُدُّ هذا رواية النسائيّ في "المجتبى" (^٢)، وابنِ الأعرابيّ في "معجمه" في هذا الحديث: "فقال: لا تقل: مؤمنٌ، وقل: مسلمٌ"، وفي لفظ: "بل قل: مسلم"، فوضح أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يُخْتَبَر حالُه الخِبْرَةَ الباطنةَ أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين مُلَخَّصًا.
وتعقّبه الكرمانيّ بأنه يلزم منه أن لا يكون الحديث دالًّا على ما عُقِدَ له الباب (^٣)، ولا يكون لردّ الرسول - ﷺ - على سعد فائدةٌ.
قال الحافظ: وهو تعقُّبٌ مردودٌ، وقد بَيّنّا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبلُ (^٤).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨١ - ١٨٢.
(٢) أخرجه النسائيّ في "المجتبى" برقم (٤٩٩٥).
(٣) يعني الباب الذي عقده الإمام البخاريّ - ﵀ - بقوله: "باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة … " إلخ.
(٤) والجواب ما قاله: ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرةٌ من حيث إن المسلم يُطلق على من أظهر الإسلام، وإن لم يُعلم باطنه، فلا يكون مؤمنًا؛ لأنه ممن لم يصدُق عليه الحقيقة الشرعيّة، وأما اللغويّة فحاصلة. انتهى. "الفتح" ١/ ١٠٠. وللعينيّ مناقشة لهذه المناسبة على عادته المستمرّة في ردّ توجيه الحافظ؛ تكديرًا، لا تحريرًا، فتنبّه.
[ ٤ / ١٨٥ ]
قال: ومُحَصَّل القصة أن النبيّ - ﷺ - كان يُوسع العطاء لمن أظهر الإسلام؛ تَألُّفًا، فلما أعطى الرهط، وهم من المؤلفة، وتَرَكَ جُعَيلًا، وهو من المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يَرَى أن جُعيلًا أحقُّ منهم؛ لِمَا اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مَرَّة، فأرشده النبيّ - ﷺ - إلى أمرين
[أحدهما]: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك، وحِرْمان جُعيل، مع كونه أحبَّ إليه ممن أَعْطَى؛ لأنه لو تَرَك إعطاء المؤلَّف لم يُؤمَن ارتداده، فيكون من أهل النار.
[ثانيهما]: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن، دون الثناء بالأمر الظاهر، فوَضَحَ بهذا فائدةُ رَدِّ الرسول - ﷺ - على سعد، وأنه لا يَستَلزم محضَ الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشُورة بالأَوْلى، والآخر على طريق الاعتذار.
[فإن قيل]: كيف لم تُقْبَل شهادة سعد لجعيل بالإيمان، ولو شهد لي بالعدالة لقُبِل منه، وهي تستلزم الإيمان؟
[فالجواب]: أن كلام سعد لم يَخْرُج مخرجَ الشهادة، وإنما خَرَج مَخْرَج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حتى ولو كان بلفظ الشهادة، لَمَا استلزمت المشورةُ عليه بالأمر الأَوْلَى رَدَّ شهادته، بل السياق يُرْشِد إلى أنه قَبِلَ قولَه فيه، بدليل أنه اعتذر إليه.
قال: ورَوَينا في "مسند محمد بن هارون الرُّويانيّ" وغيره بإسناد صحيح إلى أبي سالم الجَيْشانيّ، عن أبي ذرّ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال له: "كيف تَرَى جُعَيلًا؟ "، قال: قلت: كشكله من الناس؛ يعني: المهاجرين، قال: "فكيف تَرَى فلانًا؟ "، قال: قلت: سيّدٌ من سادات الناس، قال: "فجُعيل خيرٌ من ملء الأرض من فلان"، قال: قلت: ففلان هكذا، وأنت تصنع به ما تصنع؟ قال: "إنه رأس قومه، فأنا أتأَلَّفُهم به"، فهذه منزلةُ جُعيل المذكور عند النبيّ - ﷺ - كما تَرَى، فظَهَرت بهذا الحكمةُ في حِرْمانه، وإعطاء غيره، وأن ذلك لمصلحة التأليف، كما قررناه. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - (^١).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٠١ "كتاب الإيمان" رقم (٢٧).
[ ٤ / ١٨٦ ]
(قَالَ) سعد - ﵁ - (فَسَكَتُّ قَلِيلًا) نُصب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي سُكوتًا قليلًا (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ) "ما" موصولة في محلّ رفع على الفاعليّة بـ "غلبني" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أيْ: أيُّ شيء ثبت لك معرضًا عن إعطاء فلان؛ أي: وهو جُعيل المذكور (فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ) سعد - ﵁ - (فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَالله، إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ) فيه حذف المفعول الثاني؛ للتعميم، أَيْ: أَيَّ عَطاء كان (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، وفي رواية للبخاريّ: "وغيرُه أعجب إليّ"، وذكر في "الفتح"، أن رواية أكثر الرواة بلفظ "أحبّ"، قال: ووقع عند الإسماعيلي بعد قوله: "أحبّ إليّ منه": "وما أُعطيه إلا مخافةَ أن يكبه الله … إلخ"، ولأبي داود من طريق معمر: "إني أعطي رجالًا، وأَدَعُ مَن هو أحب إليّ منهم، لا أُعطيه شيئًا؛ مخافةَ أن يُكَبُّوا في النار على وجوههم".
(خَشْيَةَ) منصوب على أنه مفعول لأجله لـ "أُعطي"؛ أي: لأجل خشية أن يكبّه الله في النار، فـ "خشيةَ" مضاف إلى (أَنْ يُكَبَّ) و"أن" مصدريّة، و"يُكبّ" بالبناء للمفعول (فِي النَّارِ) متعلّق بـ "يُكبّ"، وكذا قوله: (عَلَى وَجْهِهِ") قال العينيّ - ﵀ -: "خشية" مضاف إلى ما بعده، "وأن" مصدريّة، والتقدير لأجل خشية كبّ الله إياه في النار.
قال: وفيه من باب الكناية، وهو في قوله: "خشية أن يكبّه الله"؛ لأن الكبّ في النار لازم الكفر، فأطلق اللازم، وأراد الملزوم، وهو كناية، وليس بمجاز.
[فإن قلت]: الكبّ قد يكون للمعصية، فلا يستلزم الكفر.
[قلت]: المراد من الكبّ كبٌّ مخصوص، لا يكون إلا للكافر، وإلا فلا تصحّ الكناية.
وإنما قلنا: إن المراد كبٌّ مخصوص؛ لأن معنى قوله: "خشية أن يكبّه الله في النار" مخافةً من كفره الذي يؤدّيه إلى كبّ الله إياه في النار، والضمير في "يَكُبّه" للرجل في قوله: "إني لأعطي الرجل"، أي: أتألّف قلبه بالإعطاء؛
[ ٤ / ١٨٧ ]
مخافةً من كفره إذا لم يُعطَ، والتقدير: أنا أُعطي مَن في إيمانه ضعفٌ؛ لأني أخشى عليه لو لم أعطِه أن يَعرِض له اعتقادٌ يَكفُرُ به، فيَكُبّه الله تعالى في النار، كأنه أشار إلى المؤلّفة، أو إلى مَن إذا مُنِع نَسَبَ الرسول - ﷺ - إلى البخل، وأما مَن قَوِيَ إيمانه فهو أحبّ إليّ، فأَكِلُه إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رُجوعًا عن دينه، ولا سوء اعتقاده، ولا ضرر له فيما يحصُل له من الدنيا. انتهى (^١).
[تنبيهان]:
(الأول): قال في "الفتح": قوله: "أن يكبه الله" هو بفتح أوله، وضمّ الكاف، يقال: أكب الرجل: إذا أَطْرَق، وكبه غيره: إذا قَلَبه، وهذا على خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقَصُرَ، وقد ذكر البخاريّ هذا في "كتاب الزكاة"، فقال: يقال: أكب الرجلُ إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل، قلت: كَبّه، وكببته، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة، منها: أنسل رِيش الطائر، ونسلته، وأنزفتِ البئرُ ونزفتها، وحَكَى ابن الأعرابي في المتعدي كَبّه، وأكبّه معًا. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: وقد جاء قسم تَعَدَّى ثلاثيه، وقَصُر رباعيه، عكسَ المتعارَف، نحو أجفل الطائرُ، وجفلته، وأقشع الغيمُ، وقَشَعتهُ الريحُ، وأنسل ريشُ الطائر؛ أي: سقط، ونَسَلته، وأَمْرَت الناقةُ: دَرَّ لبنها، ومريتها، وأظأرتِ الناقةُ: إذا عَطَفَت على بَوِّها (^٣)، وظأرتها ظَارًا: عَطْفْتُها، وأعرض الشيءُ: إذا ظهر، وعَرَضته: أظهرته، وأنقع العطشُ: سَكَن، ونقعه الماء: سَكَّنه، وأخاض النهرُ، وخضته، وأحجم زيد عن الأمر: وَقَفَ عنه، وحَجَمْتُهُ، وأكب على وجهه، وكببته، وأصرم النخلُ والزرعُ، وصرمته؛ أي: قطعته، وأمخض اللبنُ، ومخضته، وأثلثوا: إذا صاروا بأنفسهم ثلاثةً، وثَلَثْتُهُم: صِرْتُ ثالثهم، وكذلك إلى العشرة، وأبشر الرجلُ بمولود: سُرَّ به، وبَشَرته، واسم الفاعل من الثلاثيّ
_________________
(١) "عمدة القاري" ١/ ٣٠٩ - ٣١٠.
(٢) "الفتح" ١/ ١٠٢.
(٣) قال في "القاموس" ص ١١٣٨: "الْبَوُّ": ولد الناقة، وجِلْد الحُوَار يُحْشَى ثُمَامًا، أو تِبْنًا، فيُقَرَّبُ من أمّ الفَصِيل، فتَعطِفُ عليه، فتُدرّ، والرماد، والأحمقُ. انتهى.
[ ٤ / ١٨٨ ]
والرباعيّ على قياس البابين، وريش منسول، من الثلاثي، ومُنسِلٌ اسم فاعل من الرباعيّ؛ أي: مُنقَلِع.
وأفهم كلام بعضهم أن ذلك على معنيين، فقولهم: أنسل الريشُ، وأخاض النهرُ ونحوه، معناه: حان له أن يكون كذلك، فلا يكون مثل: قام زيدٌ، وأقمته، وقد نَصُّوا في مواضع على معنى ذلك. انتهى كلام الفيّوميّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه القاعدة المخالفة للقياس، فقلت:
اعْلَمْ بِأَنَّ أَظْأَرَتْ وَأَقْشَعَا … أَخَاضَ أَعْرَضَ أَمْرَتْ أَنْقَعَا
وَأَبْشَرَتْ وَأَصْرَمَتْ وَأَنْسَلَا … وَأَمْخَضَتْ وَأَحْجَمَتْ وَأَجْفَلَا
وَأَثْلَثُوا صَارُوا ثَلَاثَةَ إِلَى … عَشَرَةٍ كَذَا أَكَبَّ نُقِلَا
فَهَذه قَدْ خَالَفَتْ قِيَاسَ مَا … أَتَى عَنِ العُرْب طَرِيقًا مُحْكَمَا
إِذِ الثُّلَاثِيُّ لَدَيْهِمُ لَزِمْ … أَمَّا التَّعَدِّيَ لِلرُّبَاعِيِّ عُلِمْ
وَهَكَذَا صَرَّحَ فِي "المِصْبَاحِ" … قَرَبْتُ كَي تَحْفَظَهَا يَا صَاحِ
(التنبيه الثاني): أنه روى هذا الحديث أحمد، والحميديّ، وغيرهما عن عبد الرزّاق، عن معمر، وفيه من الزيادة: قال الزهري: "فَنَرَى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل".
وقد استُشكل هذا بالنظر، إلى حديث سؤال جبريل، فإن ظاهره يخالفه، ويمكن أن يكون مراد الزهري أن المرء يُحكم بإسلامه، ويُسَمّى مسلمًا، إذا تلفظ بالكلمة؛ أي: كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنًا إلا بالعمل، والعمل يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل على صدقه، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل - ﵇ -، فهو الشرعي الكامل، المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ذكره في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٨٧.
(٢) "الفتح" ١/ ١٠٣.
[ ٤ / ١٨٩ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٢/ ٣٨٥ و٣٨٦ و٣٨٧ و٣٨٨] (١٥٠) وكرّره في "الزكاة"، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٢٧) و"الزكاة" (١٤٧٨)، و(أبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٣)، و(النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ١٠٣ - ١٠٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٦٧ و٦٨ و٦٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٧ - ١٨٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٣)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١٦١ و١٦٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٧٦ و٣٧٧ و٣٧٨ و٣٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تألّف قلوب من يُخاف على إيمانه؛ لضعفه.
٢ - (ومنها): النهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع.
٣ - (ومنها): بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، وقد تقدم تحقيق ذلك في المسائل المذكورة في أوائل "كتاب الإيمان".
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً لمذهب أهل الحقّ في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافًا للكرَّامِيَّة، وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا خطأ ظاهرٌ يردّه إجماع المسلمين، والنصوص في إكفار المنافقين.
٥ - (ومنها): مشروعيّة الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما يعتقد الشافع جوازه.
٦ - (ومنها): مراجعة المشفوع إليه في الأمر، إذا لم يؤدّ إلى مفسدة.
٧ - (ومنها): تنبيه المفضول الفاضلَ على ما يراه مصلحةً، ويظنُّ أنه ذَهِلَ عنه.
٨ - (ومنها): أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، كما يأتي في
[ ٤ / ١٩٠ ]
الرواية التالية: "فقمت إلى رسول الله - ﷺ -، فساررته"، وقد يتعين إذا جَرّ الإعلان إلى مفسدة.
٩ - (ومنها): أن الفاضل لا يَقبَل ما يشار عليه به مطلقًا، بل يتأمله، فإن لم تظهر مصلحته لم يعمل به.
١٠ - (ومنها): أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحةً لا يُنكَر عليه، بل يُبَيَّن له وجه الصواب.
١١ - (ومنها): الاعتذار إلى الشافع، إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عيب على الشافع إذا رُدّت شفاعته لذلك.
١٢ - (ومنها): الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يُعلَم القطع فيه.
١٣ - (ومنها): أن الإمام يَصْرِف المال في مصالح المسلمين، الأهمّ، فالأهمّ، وإن خفي وجه ذلك على بعض الرعيّة.
١٤ - (ومنها): أنه لا يُقطَع لأحد بالجنة على التعيين إلا مَن ثَبَتَ فيه نصٌّ، كالعشرة وأشباههم، وهذا مجمعٌ عليه عند أهل السنة، هكذا قال النوويّ - ﵀ -.
وتعقّبه الحافظ، ودونك نصّه: وفيه ترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم يُنَصّ عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحًا، وإن تَعَرَّض له بعض الشارحين، نعم هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النصّ. انتهى.
١٥ - (ومنها): أن البخاريّ - ﵀ - استنبط منه استحباب ترك الإلحاح في السؤال، ووجه ذلك أنه - ﷺ - ضرب بيده بين عُنُق سعد - ﵁ - وكتفه لَمّا ألحّ عليه بالمراجعة، ثم قال له: "أقتالًا أي سعدُ"، فدلّ على استحباب ترك الإلحاح في السؤال.
١٦ - (ومنها): أن القرطبيّ استنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن؛ لأن النبيّ - ﷺ - ما نهاه عن الحلف، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه أقسم على وجدان الظنّ، وهو كذلك، ولم يُقْسِم على الأمر المظنون كما ظُنَّ. انتهى.
١٧ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض - ﵀ -: هذا الحديث أصحّ دليل
[ ٤ / ١٩١ ]
على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطنٌ، ومِن عمل القلب، والإسلام ظاهرٌ، ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنٌ إلا مسلمًا، وقد يكون مسلمٌ غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدلّ عليه (^١).
وقال الخطّابيّ - ﵀ -: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإسلام والإيمان، فيقال له: مسلم؛ أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهذا معنى الحديث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] أي: استسلمنا، وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مؤمن، وللمؤمن: مسلم (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق ذلك مستوفًى في المسائل المذكورة في أول "كتاب الإيمان"، فراجعه، تستفد.
١٨ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضٌ أيضًا: فيه حجة لقول من يُجيز إطلاق: "أنا مؤمن" دون استثناء، وردّ على من أَبَى ذلك، وهي مسألة اختُلف فيها من زمان الصحابة - ﵃ - إلى هلُمّ جرًّا، وكلّ قول إذا حُقّق كان له وجهٌ، وفي طرفٍ لا يُنافي القول الآخر، فمن لم يستثنِ أخبر عن حكم نفسه في الحال، وأما المآل فإلى العالم به، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له في اللوح المحفوظ، وإلى التوسعة في القولين ذهب من السلف الأوزاعيّ وغيره، وهو قول أهل التحقيق؛ نظرًا إلى ما قلناه، ورفعًا للخلاف. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم أيضًا تحقيق هذه المسألة مستوفًى في المسائل المذكورة في أول "كتاب الإيمان"، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٧] (…) - (حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٥٨٨.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ١/ ٢٢٤.
(٣) "إكمال المعلم" ١/ ٥٨٩.
[ ٤ / ١٩٢ ]
شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ، أنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَهْطًا، وَأنا جَالِسٌ فِيهِمْ … بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، وَزَادَ: "فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ الله، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ … ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِي الْحُلْوَانِيّ) نزيل مكّة، أبو عليّ الخَلال، ثقة حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ المذكور قبل بابين.
٣ - (أَبُو يعقوب) هو: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِح) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠، وقيل: ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، ورواية صالح عن الزهريّ من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صالحًا أكبر من الزهريّ.
قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "كتاب الزكاة" من "صحيحه" بعد إخراجه حديث الباب من طريق صالح، عن ابن شهاب، ما نصّه: قال أبو عبد الله: صالح بن كيسان أكبر من الزهريّ، وقد أدرك ابن عمر. انتهى.
قال في "الفتح": يعني في السنّ، ومثلُ هذا جاء عن أحمد، وابن معين، وقال عليّ بن المديني: كان أسنّ من الزهريّ، فإن مولده - يعني: الزهريّ - سنة خمسين، وقيل: بعدها، ومات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة أربع، وأما صالح بن كيسان فمات سنة أربعين ومائة، وقيل: قبلها، وذكر الحاكم في مقدار عمره سِنًّا تعقبوه عليه.
وقوله: "أدرك ابن عمر" يعني: أدرك السماع منه، وأما الزهري فمختلَف
[ ٤ / ١٩٣ ]
في لُقِيِّه له، والصحيح أنه لم يَلْقَه، وإنما يروي عن ابنه سالم عنه. انتهى (^١).
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَمِّهِ) يعني: أن رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهريّ مثل رواية ابَن أخي ابن شهاب، عن عمّه.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير صالح، أي: زاد صالح في روايته على رواية ابن أخي ابن شهاب قوله: (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ الله، فَسَارَرْتُهُ) أي: كلّمته سرًّا.
[تنبيه]: رواية صالح التي أحالها المصنّف - ﵀ - هنا أخرجها الإمام البخاريّ - ﵀ - في "كتاب الزكاة" من "صحيحه"، فقال:
(١٤٧٨) حدثنا محمد بن غُرَير الزهريّ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه، قال: أعطى رسول الله - ﷺ - رهطًا، وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله - ﷺ - منهم رجلًا، لم يعطِه، وهو أعجبهم إليّ، فقمت إلى رسول الله - ﷺ -، فساررته، فقلت: ما لك عن فلان؟، والله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أو مسلمًا"، قال: فسكتّ قليلًا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أو مسلمًا"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أو مسلمًا"، يعني فقال: "إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه، خشيةَ أن يُكَبَّ في النار على وجهه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٨] (…) - (وَحَدَّثنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانيُّ، حَدَّثنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: "أَقِتَالًا، أَيْ سَعْدُ؟ إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ").
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠ "كتاب الزكاة" رقم (١٤٧٨).
[ ٤ / ١٩٤ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، غير اثنين، هما:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة حجة [٤].
رَوَى عن أنس، وأبيه محمد، وعمَّيْهِ: عامر ومصعب، وحمزة بن المغيرة، وحميد بن عبد الرحمن، وجماعة.
ورَوَى عنه الزهريّ، وهو من أقرانه، وابنه أبو بكر بن إسماعيل، وصالح بن كيسان، وعبد الله بن جعفر المخزوميّ، وسليمان بن بلال، وابن عيينة، وابن جريج، ومالك، وغيرهم.
ذكره معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث، وقال ابن عيينة: كان إسماعيل بن محمد من أرفع هؤلاء، وقال ابن المديني: من كبار رجال ابن عيينة، وهو قديم لم يلقَه شعبة، ولا الثوريّ، وقال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال عمرو بن علي وغيره: مات سنة (١٣٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا برقم (١٥٠)، وأعاده في "الزكاة"، وحديث (٢٧٤): "قد أصبتم، يغبطهم أن صلوا … "، و(٥٨٢): "يسلّم عن يمينه، وعن يساره … "، و(٩٦٦): "الحدوا لي لحدًا … "، و(١٣٥٢): "مكث المهاجر بمكة بعد … "، و(١٣٦٤): "معاذ الله أن أردّ شيئًا … ".
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب: ظلّ الشيطان؛ لقصره، ثقة [٣].
أرسل عن النبيّ - ﷺ -، ورَوَى عن أبيه، وعثمان، وأبي الدرداء.
ورَوَى عنه ابناه: إسماعيل، وإبراهيم، وأبو إسحاق السبيعيّ، ويونس بن جبير، ويوسف بن الحكم الثقفي، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وإسماعيل بن أبي خالد، وخالد بن أبي مالك، وأبو ظَبْيان، حُصَين بن جندب، وغيرهم.
قال الزبير بن بكار: قتله الحجَّاج، وقال العجليّ: تابعيٌّ ثقةٌ، وقال ابن
[ ٤ / ١٩٥ ]
سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ليست بالكثيرة، وكان قد خَرَج مع ابن الأشعث، وشَهِدَ دَيْرَ الجماجم، فأُتِي به الحجَّاج فقتله، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا برقم (١٥٠)، وأعاده في "الزكاة"، و(١٠٨٦): "الشهر هكذا، وهكذا … "، وأعاده بعده، و(٢٢٥٨): "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا … "، و(٢٣٩٧): "ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا … ".
وقوله: (ثُمَّ قَالَ: "أَقِتَالًا) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و"قتالًا" بالتاء من القتل، وهو مفعول مطلق لعامل محذوف، أي: أتقاتلني قتالًا.
وفي رواية البخاريّ: "ثم قال: أَقْبِلْ أي سعد"، أمر من الإقبال، أو القبول، قاله في "الفتح" (^١).
[تنبيه]: قوله: "أقتالًا" بالتاء المثنّاة من فوقُ، هكذا النسخ، ووقع في "الفتح" ما نصّه: ووقع عند مسلم: "إقبالًا أي سعد" على أنه مصدر، أي: أتقابلني إقبالًا بهذه المعارضة. انتهى، وهذا الذي قاله لم يقع في النسخ التي بين أيدينا؛ إذ كلها بالتاء، لا بالموحّدة، والله أعلم.
وقوله: (أَيْ سَعْدُ) "أي" حرف نداء، أي يا سعد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾