وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٢] (١٥٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا مِنَ الأنبِيَاء، مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيتُ وَحْيًا، أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أكثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْث) هو: ابن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبت فقية إمام مشهور [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (سَعِيدُ بْن أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] (ت في حدود ١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
[ ٤ / ٢١٧ ]
٤ - (أَبُوهُ) هو: كيسان، أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أمّ شَرِيك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقة ثبتٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعلي، وعبد الله بن سلام، وأسامة بن زيد، وأبي رافع، مولى النبي - ﷺ -، وأبي هريرة، وأبي شريح الخزاعي، وأبي سعيد الخدري، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن وديعة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه سعيد، وابن ابنه عبد الله بن سعيد، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وأبو الغصن، ثابت بن قيس، وعبد الملك بن نوفل بن مُساحق، وأبو صخر، حميد بن زياد.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة مائة. وقال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وقال النسائي: لا بأس به. وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر، فسمِّي بذلك. وقيل: إن عمر جعله على حَفْرِ القبور، فسمّي المقبري، وجعل نُعيمًا على إجمار المسجد، فسمّي المجمر. قال الحافظ: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيمًا أدرك عمر.
وقال البخاري في "صحيحه": قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سُمِّي المقبري؛ لأنه كان ينزل ناحية المقابر، وزعم الطحاوي في "بيان المشكل" أنه مات سنة خمس وعشرين ومائة، وهو وَهَمٌ منه، فإن ذلك تاريخ وفاة ابنه سعيد، وحاول الطحاوي بذلك إنكار سماعه من أبي رافع، ومن الحسن بن علي، ولا إنكار في ذلك؛ لأن البخاري قد جزم بأن أبا سعيد سمع من عمر، ولو صح ما قال الطحاوي، لكان عمر أبي سعيد أكثر من مائة وعشر سنين، وهذا لم يقله أحد، وقد صرح أبو داود في روايته لحديث أبي سعيد، عن أبي رافع بالسماع.
وفرّق ابن حبان في "الثقات" بين كيسان صاحب العباء الذي رَوَى عن عمر، وعنه أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك، يكنّى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري؛ لأن منزله كان بالقرب من المقابر، فالله أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
[ ٤ / ٢١٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبَغْلانيّ، وليث، فمصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، سعيد، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت جملة ما روى له المصنّف آنفًا.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو سعيد المقبريّ، كيسان، وقد سمع سعيد المقبريّ الكثير من أبي هريرة - ﵁ -، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، ووقع الأمران في "الصحيحين"، وهو دالّ على تثبت سعيد، وتحرّيه (^١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: ("مَا) نافية (مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) بيان مقدّم لـ "نبيّ"، فهو متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه كائنًا من الأنبياء (مِنْ نَبِيٍّ) "من" زائدة كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
والمراد به النبيّ الذي أوحي إليه بتبليغ الرسالة؛ لأنه الذي يدعو للإيمان، فقوله: "نبيّ" مبتد (خبره جملة قوله: (إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْآيَاتِ) أي: المعجزات الخوارق للعادات، وهو دالّ على أن النبي لا بدَّ له من معجزة، تقتضي إيمان مَن شاهدها بصدقه، ولا يضرّه مَن أَصَرّ على
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٦٢١.
[ ٤ / ٢١٩ ]
المعاندة، فقوله: "من الآيات" إعرابه كإعراب "من الأنبياء"، فهو بيان مقدّم لـ "ما" من قوله: (مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ) "ما" موصولةٌ وقَعت مفعولًا ثانيًا لـ "أُعطِي"، والأول هو النائب عن الفاعل، وهو ضمير "نبيّ"، و"مثلُهُ" مبتدأ، و"آمن" خبره، و"المثلُ" يُطْلَق ويراد به عين الشيء، وما يساويه، والمعنى: أنّ كلَّ نبي أُعطِي آية أو أكثرَ، مِن شأن مَن يشاهدها من البشر أن يؤمن به؛ لأجلها، و"عليه" بمعنى اللام، أو الباءِ الموحدة، والنكتةُ بها تضمّنها معنى الغلبة؛ أي: يُؤمن بذلك مغلوبًا عليه، بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يَجْحَدُ فيعاند، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٤].
وقال الطيبيّ - ﵀ -: الراجعُ إلى الموصول ضمير المجرور في "عليه"، وهو حال، أي: مغلوبًا عليه في التحدِّي، والمراد بالآيات المعجزات، وموقع المثل مَوْقِعُهُ من قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] أي: على صفته، من البيان، وعلوّ الطبقة في البلاغة.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" من "صحيحه" قوله: "ما مثلُهُ أُومن، أو آمن عليه البشر"، فقال في "الفتح": "أو" شكّ من الراوي، فالأولى بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وكسر الميم من الأمن، والثانية بالمدّ، وفتح الميم، من الإيمان، وحَكَى ابن قرقول أن في رواية القابسيّ: "أَمِن" بفتح الهمزة، وكسر الميم بغير مدّ، من الأمان، وصوّبها ابنُ التين، فلم يُصِب. انتهى (^١).
(وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ) بحذف العائد، ومثله كثير في الاستعمال، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [المدثر: ١١]، وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - في "الخلاصة" حيث قال:
… وَالحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٢٦٢ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" رقم (٧٢٧٤).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
وفي رواية البخاريّ: "أوتيته" بذكر العائد (وَحْيًا) منصوب على أنه خبر "كان"، وجملة قوله: (أَوْحَى اللهُ إِليَّ) في محلّ نصب صفة لـ "وحيًا"، والعائد محذوف، وقد ذُكر في رواية البخاري، ولفظه: "أوحاه الله إليّ".
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في معناه: أي الذي اختَصَصتُ به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر، أن يُعارِضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزةً عند كثير من العلماء والله أعلم. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: اختُلف في معنى هذا الكلام على أقوال:
[أحدها]: أن كل نبيّ أعطي من المعجزات ما كان مثله من كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة، فهي القرآن الذي لم يُعطَ أحد مثله، فلهذا قال: "أنا أكثرهم تابعًا".
[والثاني]: معناه: أن الذي أوتيته لا يَتطرق إليه تخييل بسحر وشُبْهة، بخلاف معجزة غيري، فإنه قد يُخَيِّل الساحر بشيء، مما يقارب صورتها، كما خَيَّلت السحرة في صورة عصا موسى - ﵇ -، والخيال قد يَرُوج على بعض العوام، والفرق بين المعجزة والسحر والتخييل يَحتاج إلى فكر ونظر، وقد يُخطئ الناظر، فيعتقدهما سواء.
[والثالث]: معناه: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبيّنا - ﷺ - القرآن المستمرّ إلى يوم القيامة، مع خرق العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، وعجز الجنِّ والإنس عن أن يأتوا بسورة من مثله، مجتمعين أو متفرقين، في جميع الأعصار، مع اعتنائهم بمعارضته، فلم يَقدِروا، وهيم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه إعجازه المعروفة. انتهى كلام النوويّ - ﵇ - (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال في الحقيقة لا اختلاف بينها، فأوضحها هو الأول، والقولان بعده بيان وتفصيل لوجه عظمة القرآن، وعدم إعطاء الأولين مثله، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١/ ٣١٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٢/ ١٨٨.
[ ٤ / ٢٢١ ]
وقال في "الفتح" (^١): قوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ"؛ أي: إن معجزتي التي تحدّيت بها الوحيُ الذي أُنزِل عليّ، وهو القرآن؛ لِمَا اشتَمَلَ عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يُؤْتَ من المعجزات ما أُؤيي مَن تقدمه، بل المراد أن القرآن هو المعجزة العظمى التي اختَصَّ بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعْطِيَ معجزةً خاصة به، لم يُعْطَها بعينها غيره، تَحَدَّى بها قومَهُ، وكانت معجزةُ كلَّ نبيّ تقع مُنَاسِبَةً لحال قومه، كما كان السحر فاشيًا عند فرعون فجاءه موسى - ﵇ - بالعصا على صورة ما يَصْنَعُ السحرةُ، لكنها تَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا، ولم يَقع ذلك بعينه لغيره، وكذلك إحياء عيسى - ﵇ - الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لكون الأطباء والحكماء، كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور، فأتاهم من جنس عملهم، بما لم تَصِل قدرتهم إليه، ولهذا لَمّا كان العرب الذي بُعِثَ فيهم النبيّ - ﷺ - في الغاية من البلاغة، جاءهم بالقرآن الذي تحدّاهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يَقْدِروا على ذلك.
وقيل: المراد أن القرآن ليس له مِثْلٌ، لا صورةً ولا حقيقةً، بخلاف غيره من المعجزات، فإنها لا تخلو عن مثل.
وقيل: المراد أن كلَّ نبي أُعطِيَ من المعجزات ما كان مثله من كان قبله صورةً أو حقيقةً، والقرآن لم يُؤتَ أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا".
وقيل: المراد أن الذي أوتيته لا يَتَطَرَّق إليه تَخْييلٌ، وإنما هو كلامٌ معجزٌ لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيَّل من التشبيه به، بخلاف غيره، فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يَقْدِر الساحر أن يُخَيِّل شِبْهه، فيَحتاج مَن يميز بينهما إلى نظر، والنظر عُرْضة للخطأ، فقد يُخطئ الناظر، فيَظُنّ تساويهما.
_________________
(١) وقال في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" في شرح هذا الحديث: ومعنى الحصر في قوله: "إنما كان الذي أوتيته" أن القرآن أعظم المعجزات، وأفيدها، وأدومها؛ لاشتماله على الدعوة، والحجة، ودوام الانتفاع به الى آخر الدهر، فلما كان لا شيءَ يقاربه، فضلًا عن أن يساويه، كان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع. انتهى. "الفتح" (١٣/ ٢٦٢) رقم (٧٢٧٤).
[ ٤ / ٢٢٢ ]
وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يُشاهدها إلا مَن حَضَرها، ومعجزةُ القرآن مستمرَّة إلى يوم القيامة، وخرقُهُ العادةَ في أسلوبه، وبلاغته بيّنة لكلّ من يأتي إلى يوم القيامة، إلى ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، فلا يَمُرُّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أَخبر به أنه سيكون، يَدُلُّ على صدقه - ﷺ -، وصحة نبوّته، وتجدّد الإيمان في قلوب أمته، قال الحافظ - ﵀ -: وهذا أقوى المحتملات، وتكميلُهُ في الذي بعده.
وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية، كانت حسية تُشاهَد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزةُ القرآن تُشاهد بالبصيرة، فيكون مَن يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يُشاهَد بعين الرأس يَنقرض بانقراض مشاهِده، والذي يُشاهَد بعين العقل باقٍ، يشاهده كلُّ من جاء بعد الأول مستمرًّا.
قال الحافظ - ﵀ - بعد ذكره لهذه الأقوال ما نصُّهُ: ويمكن نظم هذه الأقوال كلِّها في كلام واحدٍ، فإن مُحَصَّلها لا ينافي بعضُه بعضًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشرت آنفًا أنه لا اختلاف في الحقيقة بين هذه الأقوال، بل بعضها تفصيل وتكميل لبعضها، فكلّها توضيحٌ وبيانٌ لعظمة معجزة القرآن الذي أوتيه نبيّنا - ﷺ -، وفُضّل به على غيره من الأنبياء، وتفصيل لكيفيّة تلك العظمة، وتحقيق لها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ") رَتَّبَ هذا الكلام على ما تقدم، من معجزة القرآن المستمرّة؛ لكثرة فائدته، وعموم نفعه؛ لاشتماله على الدعوة والحجة، والإخبار بما سيكون، فَعَمَّ نفعه مَن حَضر ومن غاب، ومن وُجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرَّجْوَى المذكورة على ذلك، وهذه الرَّجْوَى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعًا، قال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في "ألفيّة السيرة":
أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى وَرَاءَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٦٢٢ "كتاب فضائل القرآن" رقم (٤٩٨١).
[ ٤ / ٢٢٣ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٤/ ٣٩٢] (١٥٢)، و(البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٤٤٩٨١)، وفي "الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٧٤)، و(النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٧٩٧٧)، و"التفسير" من "الكبرى" (١١١٢٩)، و(أحمد) (٢/ ٣٤١ - ٤٥١)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون القرآن دليلًا قويًّا، وطريقًا سويًّا هَدى الله تعالى به الناس إلى الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة لإيراد الحديث في "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): بيان كون القرآن هو المعجزة الكبرى لنبيّنا - ﷺ -.
٣ - (ومنها): أن القرآن أفضل الكتب المنزّلة على الأنبياء - ﵇ -، حيث جعله الله تعالى مهيمنًا على الكتُب كلِّها، كما قال - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وروي عن ابن عباس - ﵄ - في معنى ﴿مهيمنًا﴾ قال: مؤتمنًا عليه، ورُوي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني: أنه الأمين، وروي عن ابن عباس أيضًا قال: المهيمن: الأمين على كل كتاب قبله، وكذلك عن الحسن قال: مُصَدِّقًا بهذه الكتب، وأمينًا عليها.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: بعد ذكر هذه الأقوال في معنى "المهيمن": فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبةً، ومن أسماء الله تعالى "المهيمن"، ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم: المهيمن، قال المبرِّد، والجوهريّ، وغيرهما: المهيمن في اللغة: المؤتمن، وقال الخليل: الرقيب الحافظ، وقال الخطابي: المهيمن: الشهيد، قال: وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشدوا [من الطويل]:
[ ٤ / ٢٢٤ ]
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ … مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِي الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ
يريد: القائم على الناس بالرعاية لهم.
قال: وهكذ القرآن فإنه قَرَّرَ ما في الكتب المتقدمة، من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبَيَّن الأدلة والبراهين على ذلك، وقرّر نبوّة الأنبياء كلِّهم، ورسالة المرسلين، وقرّر الشرائع الكلية التي بُعِث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبَيَّن عقوبات الله لهم، ونَصْرَه لأهل الكتب المتبعين لها، وبَيَّنَ ما حُرّف منها، وبُدِّل، وما فَعَله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبيّن أيضًا ما كتموه، مما أمر الله ببيانه، وكلَّ ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة، فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقرَّه الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريّات.
وكذلك معنى الشهادة والحكم يتضمن إثبات ما أثبته الله، من صدق، ومحكم، وإبطال ما أبطله من كَذِب، ومنسوخٍ، وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة، بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرًا نسخه الله بالإنجيل، بخلاف القرآن.
ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله، ففيه دعوة الرسول، وهو آية الرسول - ﷺ -، وبرهانه على صدقه ونبوته، وفيه ما جاء به الرسول - ﷺ -، وهو نفسه برهان على ما جاء به.
وفيه أيضًا من ضرب الأمثال، وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول - ﷺ - ما لو جُمِع إليه علوم جميع العلماء، لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن، ومَن تَأَمَّل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين، والعلوم الإلهية، وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق، والسياسات، والعبادات، وسائر ما فيه كمالُ النفوس وصلاحها، وسعادتها، ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي، كالمتفلسفة وغيرهم، إلا بعض ما جاء به القرآن.
ولهذا لم تَحتَج الأمة مع رسولها - ﷺ - وكتابها إلى نبي آخر، وكتاب آخر،
[ ٤ / ٢٢٥ ]
فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يَستقل بنفسه غيره، سواء كان من علم المُحَدَّثين والملْهَمِين، أو من علم أرباب النظر والقياس، الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء، ولهذا قال النبيّ - ﷺ - في الحديث الصحيح: "إنه في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمرُ"، فعَلَّقَ ذلك تعليقًا في أمته، مع جزمه به فيمن تقدم؛ لأن الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدَّثين، كما كانوا محتاجين إلى نبيٍّ بعد نبيٍّ، وأما أمة محمد - ﷺ - فأغناهم الله برسولهم - ﷺ - وكتابهم عن كل ما سواه، حتى إن المُحَدَّثَ منهم كعمر بن الخطاب - ﵁ - إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنة، وإذا حُدِّثَ شيئًا في قلبه لم يكن له أن يَقْبَله حتى يَعْرِضه على الكتاب والسنة، وكذلك لا يقبله إلا إن وافق الكتاب والسنة، وهذا باب واسع في فضائل القرآن على ما سواه. انتهى المقصود من كلام شيخ الإسلام - ﵀ - (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
٤ - (ومنها): بيان إثبات المعجزات لكلّ الأنبياء السابقين حتى تهتديَ أممهم إلى تصديقهم، والإيمان بما جاءوا به، ولا يضرّهم من أصرّ بالمعاندة.
٥ - (ومنها): بيان انقراض معجزات الأنبياء السابقين، وأما معجزة نبيّنا - ﷺ - فباقية إلى قيام الساعة.
٦ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا" فيه عَلَمٌ من أعلام النبوة، فإنه أخبر - ﷺ - بهذا في زمن قِلّة المسلمين، ثم مَنَّ الله تعالى، وفتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر، واتَّسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة، وسائر نعمه التي لا تُحْصَى.
وقد جاء بيان هذه الكثرة التي أشار إليها في هذا الحديث، فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: كنا مع النبيّ - ﷺ - في قبة، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا شطر أهل
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ١٧/ ٤٣ - ٤٦.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر"، لفظ البخاريّ - ﵀ -.
ولفظ مسلم: عن عبد الله - ﵁ - قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في قبة، نحوًا من أربعين رجلًا، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قال: قلنا: نعم، فقال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " فقلنا: نعم، فقال: "والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
وأخرج الترمذيّ - ﵀ - عن عمرانَ بنِ حُصين - ﵄ - حديثًا طويلًا، وفيه: ثمّ قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبَّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة"، فكبَّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة"، فكبَّروا، قال: لا أدري قال: "الثلثين" أم لا؟ قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والدارميّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أهل الجنة عشرون ومائة صفّ، منهم ثمانون من هذه الأمة"، وقال عفانُ مرةً: "أنتم منهم ثمانون صفًّا" (^١).
وأخرج الإمام أحمد أيضًا في "مسنده" (٨٧١٩) بسند فيه ضعف، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤] شَقّ ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠]، فقال: "أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتُقاسمونهم النصف الباقي".
٧ - (ومنها): أن فيه بيان كون نبيّنا - ﷺ - أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والدارميّ بسند صحيح.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
بسبب بقاء المعجزة التي أوتيها، وهي القرآن العظيم الذي أوحاه إليه العليم الحكيم في جميع الأعصار والأمصار، فصار في كلّ عصر ومصر جمّ غفير يهتدون به، ويؤمنون به، قال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣].
٨ - (ومنها): أن القرآن معجزة تحدّى بها النبيّ - ﷺ - العرب، فعجزوا عن الإتيان بمثله، بل لو اجتمع الإنس والجنّ لا يأتون بمثله، كما قال - ﷿ -: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، قال ابن تيميّة - ﵀ -: وهذا التحدّي والتعجيز ثابتٌ في لفظه، ونظمه، ومعناه. انتهى (^١).
٩ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ - ﵀ - أورده في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" من "صحيحه" بعد حديث: "بُعِثتُ بجوامع الكلم"، فقيل: يؤخذ من صنيعه هذا أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن، قال الحافظ - ﵀ -: وليس ذلك بلازم، فإن دخول القرآن في قوله: "بُعثت بجوامع الكلم" لا شك فيه، وإنما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن؟.
وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور: ٥٢].
ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة - ﵂ -: "كلُّ عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وحديث: "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل"، متفق عليهما، وحديث أبي هريرة - ﵁ -: "وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم" متّفق عليه، وحديث المقدام - ﵁ -: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه … " الحديث، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، وغير ذلك مما يكثر بالتتبع.
قال: وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تَقِلّ مخارج الحديث، وتتفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" ٣٣/ ٤٢ - ٤٣.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
إذا كثرت قَلَّ أن تتفق ألفاظه؛ لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى، بحسب ما يظهر لأحدهم أنه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا لا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدث بالمعنى؛ لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه إنه لم يُوفِ بالمعنى. انتهى (^١).
١٠ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضّ - ﵀ -: ووجه آخر - أي: من الأوجه التي ذُكرت في توجيه الحديث - على أحد المذهبين في القول بالصّرفة، وأن المعارضة كانت من جنس قوّة البشر، لكنهم لم يقدروا عليها على أحد قولي الأشعريّ، وصُرِفوا عنها، أو من قدرة البشر، فمُنعوا منها، على قول المعتزلة، فعدولهم عن المعارضة لأحد الوجهين المتقدّمين، ورضاهم بالقتل والجَلاء، ونكولهم عن ذلك، وهو من مقدورهم، أو من جنس مقدورهم أبين في الدلالة من غيرها، من الأمور التي تَختلج في الظنون الكاذبة، ويُموّه فيها المُلْحِد بالشُّبَه المخيَّلة؛ إذ العجز عن المقدور أوقع في النفوس، وأوضح في الدلالة من إبداء الغريب، والمجيء بما لم يُعهَد عند هؤلاء، وإليه نحا أبو المعالي الجُوينيّ في بعض كتبه. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالصرفة، وإن رجحه القاضي هنا، وكذا في كتابه "الشفا" (^٣)، إلا أنه قول مرجوح قد أبطله المحقّقون (^٤)، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد جَمَع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء:
[أحدها]: حُسْنُ تأليفه، والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
[ثانيها]: صورة سياقه، وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظمًا ونثرًا، حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٢٦٢ "كتاب الاعتصام" رقم (٧٢٧٤).
(٢) "إكمال المعلم" ١/ ٦٠٤.
(٣) راجع: "الشفا" ١/ ٢٦٧.
(٤) راجع ما كتبه محقق: "إكمال الإكمال" ١/ ٦٥٣.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
مثله، مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك، وتقريعه لهم على العجز عنه.
[ثالثها]: ما اشتَمَل عليه من الإخبار عما مَضَى من أحوال الأمم السالفة، والشرائع الداثرة، مما كان لا يَعْلَم منه بعضه إلا النادرُ من أهل الكتاب.
[رابعها]: الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبويّ، وبعضها بعده، ومن غير هذه الأربعة آياتٌ وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها، فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه؛ كتمنّي اليهود الموت.
ومنها: الروعة التي تَحصُل لسماعه.
ومنها: أن قارئه لا يَمَلّ من ترداده، وسامعه لا يَمُجّه، ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طَرَاوةً ولذاذةً.
ومنها: أنه آية باقية لا تُعْدَم ما بقيت الدنيا.
ومنها: جمعه لعلوم ومعارف، لا تنقضي عجائبها، ولا تنتهي فوائدها.
انتهى مُلَخَّصًا من كلام عياض وغيره (^١).
وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]:
ثم شرع تعالى في تقرير النبوة، بعد أن قَرَّر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمدًا - ﷺ - ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ من مثل ما جاء به، إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك، قال ابن عباس: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ أعوانكم، وقال السُّدّيّ، عن أبي مالك: شركاءكم؛ أي: قومًا آخرين، يساعدونكم على ذلك، أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك، يُمِدّونكم، وينصرونكم، وقال مجاهد: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ قال: ناس يشهدون به، يعني: حكام الفصحاء، وقد تحداهم الله تعالى بهذا
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ١/ ٦٠٠ - ٦٠٤، و"فتح الباري" ٨/ ٦٢٢ "كتاب فضائل القرآن" رقم (٤٩٨١).
[ ٤ / ٢٣٠ ]
في غير موضع من القرآن، فقال في "سورة القصص": ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٩]، وقال في "سورة سبحان": ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال في "سورة هود": ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]، وقال في "سورة يونس": ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨].
وكلُّ هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك أيضًا في المدينة، فقال في هذه الآية (^١): ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] أي: شك ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] يعني: محمدًا - ﷺ - ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣] يعني: من مثل القرآن، قاله مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير الطبريّ، والزمخشريّ، والرازيّ، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصريّ، وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه، من أحسنها أنه تحدّاهم كلَّهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أمّيّهم وكتابيّهم، وذلك أكمل في التحدّي، وأشمل من أن يَتَحَدَّى آحادهم الأمّيين، ممن لا يَكْتُب، ولا يعاني شيئًا من العلوم، وبدليل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال بعضهم: من مثل محمد - ﷺ -، يعني: من رجل أميٍّ مثلِهِ.
والصحيح الأول؛ لأن التحدِّي عامٌّ لهم كلهم مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرّات عديدة، مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه، ومع هذا عَجَزُوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، و"لن" لنفي التأبيد في المستقبل، أي: ولن تفعلوا أبدًا، وهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا غير خائف، ولا مُشْفِق أن هذا القرآن لا يعارَض بمثله أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وكذلك وَقَع الأمر لم
_________________
(١) يعني في آية البقرة المذكورة أول الكلام.
[ ٤ / ٢٣١ ]
يُعارَض من لدنه إلى زمننا هذا، ولا يُمْكِن، وأنَّى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله، خالق كلِّ شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟!.
قال: ومن تدبر القرآن وَجَد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرةً، وخَفِيّةً، من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]، فأُحكمت ألفاظه، وفُصّلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيحٌ، لا يُحَاذَى، ولا يُدَانَى، فقد أَخْبَرَ عن مغيباتٍ ماضيةٍ، ووقعت طِبْقَ ما أَخبر سواءً بسواء، وأَمَرَ بكل خير، ونَهَى عن كل شرّ، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ أي: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الأحكام، فكلُّهُ حقٌّ وصدقٌ وعدلٌ وهُدًى، ليس فيه مجازفةٌ، ولا كذب، ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم، من الأكاذيب والمجازفات، التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه.
وتَجِد القصيدة الطويلة المديدة، قد استُعْمِل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة، أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة، التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي، أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين، أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هَذرٌ لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيحٌ، في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا، ممن فَهِمَ كلام العرب، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة، أو وجيزةً، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حَلا وعَلا، لا يَخْلُقُ عن كثرة الردّ، ولا يَمَلُّ منه العلماء، وإن أَخَذَ في الوعيد والتهديد، جاء منه ما تَقْشَعِرُّ منه الجبال الصُّمّ الراسيات، فما ظنّك بالقلوب الفاهمات؟ وإن وَعَدَ أتى بما يَفتح القلوب والآذان، ويسوق إلى دار السلام، ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، وقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا
[ ٤ / ٢٣٢ ]
ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ [الإسراء: ٦٨]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]، وقال في الزجر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧].
ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة.
وإن جاءت الآيات في الأحكام، والأوامر، والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف، حَسَنٍ نافعٍ طيب محبوب، والنهي عن كل قبيحٍ رذيلٍ دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سَمِعت الله تعالى يقول في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٥] فأرعها سمعك، فإنها خير يأمر به، أو شَرٌّ ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدَّ الله فيهما لأوليائه وأعدائه، من النعيم، والجحيم، والملاذّ، والعذاب الأليم، بَشَّرت به، وحَذَّرت، وأنذرت، ودَعَت إلى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، وزَهَّدت في الدنيا، ورَغَبت في الأخرى، وثَبَّتَت على الطريقة المثلى، وهَدَت إلى صراط الله المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رِجْس الشيطان الرجيم.
ولهذا ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من نبي من الأنبياء، إلا قد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، لفظ مسلم.
وقوله - ﷺ -: "وإنما كان الذي أتيتُ وحيًا" أي: الذي اختَصَصتُ به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر، أن يُعارِضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزةً عند كثير من العلماء، والله أعلم.
وله - ﷺ - من الآيات الدالة على نبوته، وصدقه فيما جاء به، ما لا يَدخُل تحت حصر، ولله الحمد والمنّة.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
وقد قَرَّر بعض المتكلمين الإعجازَ بطريقٍ يَشْمَلُ قولَ أهل السنة، وقول المعتزلة في الصَّرْفَة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قُوَاهم معارَضتُهُ، فقد حَصَلَ المُدَّعَى، وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يَفعلوا ذلك مع شِدَّة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند الله؛ لصرفه إياهم عن معارضته، مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة، وإن لم تكن مَرْضيَّةً؛ لأن القرآن في نفسه معجزٌ، لا يستطيع البشر معارضته، كما قررنا، إلا أنها تَصْلَح على سبيل التنزل، والمجادلة، والمنافحة عن الحقّ، وبهذه الطريقة أجاب الرازيّ في تفسيره عن سؤاله في السور القصار، كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر. انتهى كلام ابن كثير - ﵀ -، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: معنى القول بالصرْفَة في إعجاز القرآن أن الله - ﷿ - قد سَلَبَ العرب القدرة على معارضة القرآن، ومنعهم منها، وعطّلهم عنها، وزهّدهم فيها، على حين أن القرآن الكريم لم يتجاوز في بلاغته مستوى طاقتهم البشريّة، وأنه كان في مقدورهم معارضته، لولا أن منعهم الله منها.
وهذا القول منسوب إلى المعتزلة عامّةً، ونُقل فيه كلام عدد منهم من متقدّمي مشايخهم، منهم إبراهيم النظّام، وهشام القُوطيّ، وعبّاد بن سليمان، وبه قال المرتضى من الشيعة، وأبو إسحاق الإسفرايينيّ من أهل السنّة، وهو أحد قولي الأشعريّ في هذه المسألة.
والقول بالصرفة في إعجاز القرآن قولٌ فاسدٌ باطلٌ من وجوه كثيرة، وهو مردودٌ عند عامّة أهل السنّة، وقد بالغ المصنّفون في إعجاز القرآن في ردّه، وبيان بطلانه وفساده.
قال الخطّابيّ: إن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، فأشار بذلك إلى أن طريقه التكلّف والاجتهاد، وسبيله التأهّب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدلّ على أن المراد غيرها.
وقال الزركشيّ في "البرهان": وهو قولٌ فاسدٌ، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ
[ ٤ / ٢٣٤ ]
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآية، فإنه يدلّ على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سُلِبوا القدرة لم يَبقَ فائدة لاجتماعهم؛ لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بكبير يُحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقدٌ على إضافة الإعجاز إلى القرآن.
وأيضًا يلزم من القول بالصرفة فساد آخر، وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدّي، وخلوّ القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرقٌ لإجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العُظْمَى، ولا معجزة له باقيةٌ سوى القرآن، وخلوّه من الإعجاز يُبطل كونه معجزةً.
هذا، على أن القول بالصرفة؛ يعني: أن الإعجاز ليس في القرآن نفسه، وإنما هو في منع الله تعالى لهم من معارضته، فلم يتضمّن فضيلةً في نفسه على غيره، وهذا باطلٌ.
وقد اتّفق عامّة أهل السنّة على أن القرآن معجز في نفسه، وأن إعجازه ثابتٌ في لفظه، ونظمه، ومعناه، وبيانه، وأسلوبه، وغير ذلك مما يحتمله لفظ الإعجاز (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.