وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٣] (٣٩٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ (^٢)، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
_________________
(١) هكذا وقع في "السنن الكبرى" للنسائي، ووقع في "المجتبى" "عن شعبة" بدل "عن سعيد"، وكذلك أخرجه ابن حزم في "المحلّى" (٤/ ٩٢) من طريق المصنّف، وقد رجّح العلامة أحمد محمد شاكر: كونه سعيدًا فيما كتبه على "المحلّى"، وكنت خالفته فرجّحت في شرحي على "المجتبى" كونه شعبة، ولكن الآن ترجّح لي أن الصواب معه؛ لأن مسلمًا أخرجه هنا كذلك؛ فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: "بِهِمْ".
[ ٩ / ١٩٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) أي كلّما نزل من القيام إلى الركوع، أو السجود، وكلما ارتفع من السجود إلى الجلوس، أو القيام، أو من الجلوس إلى القيام.
وقال في "الفتح": هذا عامّ في جميع الانتقالات في الصلاة، لكن خُصّ منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه شُرع فيه التحميد. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تأتي في الحديث التالي، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣١٦.
[ ٩ / ١٩٣ ]
المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه كنيته، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المخزوميّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين من التابعين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
[تنبيه]: قوله: "عن أبي بكر بن عبد الرحمن" كذا هو هنا من رواية ابن جُريج، عن ابن شهاب، وكذا هو في رواية عُقيل التالية، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وفي رواية مالك المختصرة التي قبل هذا، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وكذا هو في رواية يونس المطوّلة الآتية بعد حديث: عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وكذا من رواية معمر، عن ابن شهاب، عند السرّاج، وليس هذا الاختلاف قادحًا، بل الحديث عند ابن شهاب عنهما جميعًا، ولذا أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: "أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة. . . " الحديث (^١).
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ) فيه التكبير قائمًا، وهو بالاتّفاق في حقّ القادر (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على مقارنة التكبير للحركة، وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمدّه حتى يَصِلَ إلى حدّ الراكع. انتهى.
وتعقّبه في "الفتح"، فقال: دلالته على البسط الذي ذكره غير ظاهرة. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣١٨.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣١٨.
[ ٩ / ١٩٤ ]
وعبارة النوويّ في "شرحه": هذا دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات، وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمدّه حتى يَصِلَ حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الْهُوِيّ إلى السجود، ويمدّه حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود، ويبدأ في قوله: "سمع اللَّه لمن حمده" حين يشرع في الرفع من الركوع، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا، ثم يشرع في ذكر الاعتدال، وهو "ربنا لك الحمد. . . " إلى آخره، ويَشْرَع في التكبير للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة إلَّا ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز -﵀-، وبه قال مالك: إنه لا يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائمًا، ودليل الجمهور ظاهر الحديث. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي الذي قاله النوويّ من أنه يمدّ التكبير حتى تتمّ الحركة ليس في حديث الباب ما يدلّ عليه، كما أشار إليه صاحب "الفتح" آنفًا، وإنما يدلّ على أن التكبير يقارن هذه الانتقالات، فيُستحبّ أن ينتقل من ركن إلى ركن مصاحبًا للذكر المسنون فيه، وأما أن يمدّه حتى يَصِل إلى الركن الذي يليه فمما لا دليل عليه، بل ربّما يؤدّي إلى إخراج الحرف عن المدّ المطلوب فيه، فتبصّر.
وقال الصنعانيّ -﵀- في "حاشية العمدة": ظاهر قوله: يُكبّر حين كذا، وحين كذا أن التكبير يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتدائه للركن، وأما القول بأنه يمدّ التكبير حتى يُتمّ الحركة، فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه، ولا نقصان عنه. انتهى.
وقال صاحب "المنهل": وعلى تسليم ما قاله النوويّ في مدّ التكبير إلى انتهاء حركات الانتقال، فينبغي للمصلّي أن يُسرع بحركات الانتقال، ويُراعي عدم مدّ لفظ الجلالة أزيد من حركتين، فإنه مدّ طبيعيّ، وقد اتّفق القرّاء على أنه لا يجوز مدّه أزيد من حركتين، خلافًا لبعضهم من مبالغتهم في هذا المدّ
_________________
(١) "شرح النووي" ٤/ ٩٩.
[ ٩ / ١٩٥ ]
إلى ستّ حركات، أو أكثر. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله صاحب "المنهل" من الإسراع في الانتقالات فيه نظر لا يخفى؛ لأن الإسراع مخلّ بالطمأنينة، ومخالف للسنة؛ لأن السنّة في الانتقالات وغيرها كونها على سكون وطمأنينة، كما تدلّ عليه الأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي ذلك للمصلّي؛ لأنه ربّما يؤدّي ترك الطمانينة إلى بطلان الصلاة، كما سيأتي في حديث المسيء صلاته؛ فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) فيه دليلٌ على أن التسميع ذكر القيام من الركوع، و"الصُّلْب" بضمّ الصاد المهملة، وسكون اللام: كلُّ ظهر له فَقَارٌ، وتُضمّ اللام للاتباع، قاله في "المصباح" (^٢).
وقال في "القاموس": "الصُّلْبُ" بالضمّ، وكَسُكَّرٍ، وأَمِيرٍ: الشديد، صَلُبَ؛ كَكَرُمَ، وسَمِعَ صَلابةً، وصَلَّبَ تصليبًا، وصَلّبته أنا، وبالضمّ، وبالتحريك: عظْمٌ من لدن الكاهل إلى الْعَجْبِ؛ كالصَّالِيبِ، جمعه: أَصْلُبٌ، وأصلابٌ، وصِلْبَةٌ. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استُفيد من عبارتي "المصباح"، و"القاموس" أن "الصُّلْب" هنا يُضبط بضمّ، فسكون، وبضمّتين، وبفتحتين، وهو معنى التحريك المذكور في "القاموس"؛ فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) فيه دليلٌ على أن التحميد ذكر الاعتدال (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي) أي بفتح الياء: مضارع هَوَى: إذا سقط، وهَبَطَ، يقال: هَوَى يهوي، من باب ضرب هُوِيًّا، بضمّ الهاء، وفتحها، وزاد ابن القوطيّة: هَوَاءً بالمدّ: سقط من أعلى إلى أسفل، قاله أبو زيد وغيره، قال الشاعر [من الوافر]:
هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ
يُروى بالفتح، والضمّ، واقتصر الأزهريّ على الفتح، وهَوَى يَهْوِي أيضًا
_________________
(١) "المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود" ٥/ ٢٧٢.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٥.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ٩٣.
[ ٩ / ١٩٦ ]
هُويًّا بالضمّ لا غير: إذا ارتفع، قاله في "المصباح" (^١).
وقال في "القاموس": هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا بالفتح، والضمّ، وهَوَيَانًا: سقط من عُلو إلى سُفْل، أو الْهَوِيّ بالفتح للإصعاد، والْهُويّ بالضمّ للانحدار. انتهى باختصار (^٢).
والمناسب هنا معنى الانحدار؛ فتنبّه.
(سَاجِدًا) حال من الفاعل، وفيه أن التكبير ذكر الْهَوِيّ، فيبتدئ به حين يشرع في النزول بعد الاعتدال (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي من السجود (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ) أي السجود الثاني (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي من السجود الثاني (ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ) أي الذي تقدّم ذكره من الأذكار (فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا) أي حتى يُتمّ صلاته، يقال: قضى فلانٌ صلاته: أي فرغ منها، قاله في "اللسان" (^٣).
وقال في "المصباح": قَضَيتُ الحجِّ والدّينَ: أَدَّيته، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠] أي أدّيتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة: ١٠]، أي أدّيتموها، واستَعْمَل العلماء القضاء في العبادة التي تُفعَل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداءَ إذا فُعِلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغويّ، لكنه اصطلاحٌ للتمييز بين الوقتين. انتهى (^٤).
(وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى) أي من الثنتين، وفي رواية البخاريّ: "ويكبّر حين يقوم من الثنتين"، وهو معنى قوله الآتي في حديث عمران -﵁-: "وإذا نَهَضَ من الركعتين" (بَعْدَ الْجُلُوسِ) أي لقراءة التشهّد الأول، وهذه الرواية مفسّرة للرواية المختصرة التي قبل هذه الرواية، بلفظ: "فيكبّر كلما خفض، ورَفَعَ" (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، أي بعد أن يُصلّي بهذه الكيفيّة، كما تُرشد إليه رواية أبي سلمة الآتية، وأوضح منها ما أخرجه البخاريّ، من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٣.
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٤٠٤.
(٣) "لسان العرب" ١٥/ ١٨٧.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
[ ٩ / ١٩٧ ]
هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: اللَّه أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة، حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول اللَّه -ﷺ-، إن كانت هذه لصلاته، حتى فارق الدنيا. انتهى (^١).
(إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية أبي سلمة الآتية: "وفإذا قضاها، وسلّم، أقبل على أهل المسجد، فقال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه -ﷺ-"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٨٧٣ و٨٧٤ و٨٧٥ و٨٧٦ و٨٧٧ و٨٧٨] (٣٩٢)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٨٥ و٧٨٩ و٧٩٥ و٨٠٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٣٦)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٣٥)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ٧٦)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨١)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٤٨٥)، (وابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٦ و٤٥٢ و٥٠٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٩١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٧٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٦ و١٧٦٧ و١٧٩٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٩١ و١٥٩٢ و١٥٩٣ و١٥٩٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٦٤ و٨٦٥ و٨٦٦ و٨٦٧ و٨٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في "صحيحه" برقم (٨٠٣) ٢/ ٣٣٨ بنسخة "الفتح".
[ ٩ / ١٩٨ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة التكبير في الصلاة في كل خفض ورفع، إلَّا في رفعه من الركوع، فإنه يقول فيه: "سمع اللَّه لمن حمده"، قال النوويّ: وهذا مُجْمَع عليه اليوم، ومن الأعصار المتقدمة، وقد كان فيه خلافٌ في زمن أبي هريرة -﵁-، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلَّا للإحرام، وبعضهم يزيد عليه بعض ما جاء في حديث أبي هريرة -﵁-، والظاهر أن هؤلاء لَمْ يبلغهم فعل الرسول -ﷺ-، ولهذا كان أبو هريرة -﵁- يقول: إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه -ﷺ-، ثم استقر العمل على ما في حديث أبي هريرة -﵁- هذا، ففي كل صلاة ثُنائية إحدى عشرة تكبيرة، وهي تكبيرة الإحرام، وخمسٌ في كل ركعة، وفي الثُّلاثية سبع عشرة تكبيرةً، وهي تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرُّباعيّة اثنتان وعشرون تكبيرةً، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرةً (^١).
٢ - (ومنها): مشروعيّة التكبير للركوع، وهو مستحبّ عند الجمهور، وأوجبه بعضهم، وسيأتي ترجيحه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان أن الذكر المشروع في الرفع من الركوع أن يقول: "سمع اللَّه لمن حَمِده، ربّنا ولك الحمد"، وسيأتي تحقيق الخلاف، هل يستوي فيه الإمام والمأموم والمنفرد، أم لا؟ -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان أنه يَشرَع في التكبير حين يَشرَع في القيام من التشهّد الأول؛ لقوله: "وحين يقوم من المثنى"، وهو مذهمب العلماء كافّةً، إلَّا ما روي عن عمر بن عبد العزيز -﵀-، وبه قال مالك: إنه لا يكبّر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائمًا، ويردّه ظاهر هذا الحديث، كما بيّنّاه آنفًا.
٥ - (ومنها): العناية بإظهار السنّة التي أهملها الناس؛ تعليمًا للجاهل، وتذكيرًا للعالم بها الناسي لها.
٦ - (ومنها): فضل أبي هريرة -﵁-، وشدّة حرصه على بيان السنّة التي هُجرت، وإحيائها، ونشرها بين الناس.
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٤/ ٩٨.
[ ٩ / ١٩٩ ]
٧ - (ومنها): أنه يستفاد من قول عمران -﵁-: "لقد ذَكَّرني هذا صلاة محمد -ﷺ- " الإشارة إلى ما قدمناه، من أنه كان هُجِرَ استعمال التكبير في الانتقالات لدى كثير من عوامّ الناس، وإن كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عالمين بها، وقائمين بنشرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تكبيرات الانتقالات:
قال النوويّ -﵀-: (اعلم): أن تكبيرة الإحرام واجبة، وما عداها سنةٌ لو تركه صحت صلاته، لكن فاتته الفضيلة، وموافقة السنة، هذا مذهب العلماء كافّة، إلَّا أحمد بن حنبل -﵀- في إحدى الروايتين عنه، أن جميع التكبيرات واجبةٌ. ودليل الجمهور أن النبيّ -ﷺ- عَلَّم الأعرابيّ الصلاة، فعلّمه واجباتها، فذكر منها تكبيرة الإحرام، ولم يذكر ما زاد، وهذا موضع البيان ووقته، ولا يجوز التأخير عنه. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولم يذكر ما زاد" غير صحيح، بل ذكر كل تكبيرات الانتقالات، وبيّنها كما بيّنت ذلك في "شرح النسائيّ"، فالحقّ ما نُقل عن أحمد -﵀-، من وجوبها؛ فتبصّر.
وحَكَى الإمام الترمذيّ -﵀- مشروعيّة التكبير في كل خفض ورفع عن الخلفاء الأربعة -﵃-، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، قال: وعليه عامّة الفقهاء والعلماء.
وحكاه ابن المنذر -﵀- عن أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وقيس بن عُباد، والشعبيّ، وأبي حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز، وهو قول عوامّ أهل العلم من علماء الأمصار، وفي الأخبار الثابتة التي رويناها عن رسول اللَّه -ﷺ- حجّة وكفاية.
قال: وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم نقصوا التكبير، ولا حجة في أحد مع رسول اللَّه -ﷺ-، ولعلّ من ذكرنا عنهم أنهم نقصوا التكبير، إما أن يكونوا غفلوا أو كبّروا، فلم يُؤَدَّ عنهم، أو يكونوا دفعوا ذلك، فغير جائز دفع ما ثبتت به الأخبار عن رسول اللَّه -ﷺ-، وعمن ذكرنا ذلك عنه من
[ ٩ / ٢٠٠ ]
أصحابه بقول أحد (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر -﵀- من ثبوت تكبيرات الانتقالات هو الحقّ الذي لا مَحِيد عنه، فقد صحّت أحاديث كثيرة في هذا الباب، فلا التفات إلى أَيِّ رأَي، وإلى أيّ مذهب خالف؛ فتبصّر.
وقد أشبعت البحث في ذلك في "شرح النسائيّ"، ورجّحت القول بوجوب تكبيرات الانتقالات، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبعض العلماء؛ لظهور أدلّته، وقوّة حجته، فراجعه تستفد (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^٣) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي أَشْبَهُكُمْ (^٤) صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، إلَّا أبا بكر، وأبا هريرة، فقد ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ. . . إلخ) الضمير لعُقيل؛ يعني أن عقيلًا روى هذا الحديث عن ابن شهاب مثل رواية ابن جريج السابقة، إلَّا أنه لَمْ يذكر قول أبي هريرة -﵁-: "إني أشبهكم. . . " إلخ.
[تنبيه]: رواية عُقيل هذه أخرجها الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
_________________
(١) راجع: "الأوسط" ٣/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) راجع: "ذخيرة العقبى" ١٣/ ٤٣ - ٤٦.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٤) وفي نسخة: "لأشبهكم".
[ ٩ / ٢٠١ ]
(٧٨٩) حدثنا يحيى بن بكرٍ، قال: حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع اللَّه لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد اللَّه بن صالح، عن الليث: ولك الحمد-، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس". انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ حِينَ يَسْتَخْلِفُةُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ، إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ. . . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَفِي حَدِيثِهِ: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ، أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَالَ (^١): وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا في الباب.
_________________
(١) وفي نسخة: "فقال".
[ ٩ / ٢٠٢ ]
وقوله: (كَانَ حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ) أي جعله خليفته في الصلاة، و"مروان" هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولّي الخلافة في آخر سنة (٦٤ هـ) ومات في رمضان سنة (٦٥ هـ) وله (٣ أو ٦١) سنة، ولا تثبت له صحبة.
والظاهر أن استخلافه لأبي هريرة -﵁- حينما كان أميرًا على المدينة؛ لأنه كان أمير معاوية -﵁- عليها.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ) الضمير ليونس بن يزيد الأيليّ؛ يعني أن يونس روى هذا الحديث عن ابن شهاب، نحو رواية ابن جريج السابقة، وفيه أن ألفاظهما فيها اختلاف، كما أشار إليه بقوله: "وَفِي حَدِيثِهِ: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ. . . إلخ".
[تنبيه]: رواية يونس هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم -﵀-، في "مستخرجه"، فقال:
(٨٦٦) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن بن قُتيبة، ثنا حرملة بن يحيي، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة كان حين يستخلفه مروان على المدينة، إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ثم يكبر حين يركع، وإذا رفع رأسه من الركعة قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يَهْوِي ساجدًا، ثم يكبر حين يقوم من الثنتين بعد التشهد، ثم يفعل ذلك حتى يقضي صلاته، فإذا قضاها وسلم، أقبل على أهل المسجد، فقال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول اللَّه -ﷺ-. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ
[ ٩ / ٢٠٣ ]
يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ، كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ (^١): إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ٢٢٦.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدِّمَشقيّ، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه الإمام، ثقةٌ حافظ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطاليّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤٢٤.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ) هو بمعنى ما سبق: "كلّما خفض، ورفع"، أي في جميع الانتقالات، ولكن خُصّ منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنّ المشروع فيه التسميع والتحميد، لا التكبير، فتنبّه.
وقوله: (إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي هذه الصلاة التي اشتملت على هذا التكبير في كل رفع ووضع هي الصلاة التي كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلّيها حتى فارق الدنيا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- (^٢) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ).
_________________
(١) وفي نسخة: "فقال".
(٢) وفي نسخة: "يعقوب بن عبد الرحمن".
[ ٩ / ٢٠٤ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد اللَّه بن عَبْدٍ القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والحديث تقدّم شرحه ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٩] (٣٩٣) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، أَوْ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى). التميميّ تقدّم في الباب.
٢ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثَعْلب البزّار المقرئ البغداديّ، له اختيارات في القراءة، ثقةٌ [١٠] (٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (غَيْلَانُ) بن جرير الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٨.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
٥ - (مُطَرِّف) بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْن) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخيه أيضًا؛ فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّف) بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير -﵀-، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا) أكّد به الضمير المتّصل؛ ليعطف عليه ما بعده، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) -﵁-، والظرف متعلّق بـ "صلَّيتُ".
قيل: استُدِلّ به على أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، خلافًا لمن قال: يجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله.
وتعقّبه في "الفتح"، فقال: وفيه نظرٌ؛ لأنه ليس فيه أنه لَمْ يكن معهما غيرهما. انتهى.
[تنبيه]: صلاة عليّ -﵁- هذه كانت بالبصرة، ففي رواية البخاريّ من طريق أبي العلاء، عن مطرّف، عن عمران بن حُصين قال: "صلّى مع عليّ -﵁-
[ ٩ / ٢٠٦ ]
بالبصرة. . . "، قال في "الفتح": يعني بعد وقعة الجمل، وكذا رواه سعيد بن منصور، من رواية حميد بن هلال، عن عمران، ووقع لأحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن غيلان: بالكوفة، وكذا لعبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، وغير واحد، عن مُطَرِّف، فيَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين. انتهى (^١).
(فَكَانَ) عليّ -﵁- (إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ) من باب قَعَدَ: أي قام (مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) أي شرع في القيام منهما (كَبَّرَ) قال في "الفتح": قد ذكره في رواية أبي العلاء بصيغة العموم -أي بقوله: "كان يكبّر كلّما رَفَعَ، وكلّما وَضَعَ"- وخصّه هنا بذكر السجود، والرفع منه، والنهوض من الركعتين فقط، ففيه إشعار بأن هذه المواضع الثلاثة هي التي كان تُرِكَ التكبير فيها حتى تذَكَّرها عمران بصلاة عليّ -﵄-.
(فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ) وفي رواية للبخاريّ: "فلما قضى الصلاة" (قَالَ) مطرّف (أَخَذَ عِمْرَانُ) بن حُصينٍ -﵄- (بيَدِي) إنما أخذ بيده تنبيهًا له على ما سيُلقيه إليه (ثُمَّ قَالَ) عمران -﵁- (لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا) يعني عليًّا -﵁- (صَلَاةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا) وفي رواية للبخاريّ: "لقد ذكّرني هذا" (صَلَاةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-) فيه إشارة إلى أن تكبيرات الانتقالات كانت مهجورةً عند بعض الأئمة في ذلك الوقت، وقد روى أحمد، والطحاويّ بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: ذَكّرنا عليٌّ صلاةً كنا فصليها مع رسول اللَّه -ﷺ- إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا.
وأخرج الإمام أحمد من وجه آخر، عن مُطَرِّف قال: قلنا -يعني لعمران بن حصين-: يا أبا نُجيد -هو بالنون والجيم مصغرًا-: مَن أوّلُ من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفّان حين كَبِرَ، وضَعُف صوته، وهذا يَحْتَمِل إرادة ترك الجهر.
ورَوَى الطبرانيّ عن أبي هريرة -﵁- أن أول من ترك التكبير معاوية.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣١٥.
[ ٩ / ٢٠٧ ]
ورَوَى أبو عبيد أنّ أول من تركه زياد، وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زيادًا تركه بترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان.
وقد حَمَل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويُقوّيه ما أخرجه البخاريّ من طريق فُلَيح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: صلى لنا أبو سعيد -يعني الخدريّ- فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيت النبيّ -ﷺ-، وزاد الإسماعيليّ في آخره: "فلما انصرف، قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام عند المنبر، فقال: إني واللَّه ما أبالي، اختَلَفت صلاتكم، أم لَمْ تَخْتَلف؟، إني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- هكذا يصلّي".
قال في "الفتح": والذي يظهر أن الاختلاف بينهم كان في الجهر بالتكبير، والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أميّة يُسرّونه (^١).
لكن حَكَى الطحاويّ أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعل، وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر، وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام، وفرّق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجَّهه بأن التكبير شُرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد، لكن استقرّ الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصلّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام، وعن أحمد، وبعض أهل العلم بالظاهر يجب كلّه (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الحقّ ما قاله الإمام أحمد، ومن معه، من إيجاب تكبيرات الانتقالات؛ لأنه -ﷺ- أمر به المسيء صلاته، وأمره للوجوب، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ٣١٥ - ٣١٦.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٨٧٩] (٣٩٣)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٨٤ و٧٨٦ و٨٢٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٣٥)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٤ و٣/ ٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٨ و٤٢٩ و٤٣٢ و٤٤٥ و٤٤٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٨١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٩٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٦٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تكبيرات الانتقالات، وقد تقدّم أن الراجح القول بوجوبها؛ لقوّة أدلّته.
٢ - (ومنها): بيان أن بعض الأئمة في عهد السلف كانوا قد ضَيَّعوا بعض الأفعال التي ثبتت عن رسول اللَّه -ﷺ-؛ تأوّلًا، أو جهلًا بها.
٣ - (ومنها): بيان فضل عليّ بن أبي طالب -﵁-، حيث كان يحفظ سنّة رسول اللَّه -ﷺ-، ويَعمَل بها، ويُحييها في وقت تركها فيه كثير من الناس جهلًا بها، حتى كان كثير من العوامّ ينكرون على من يفعلها؛ لخفائها عليهم بسبب قلّة من يعمل بها.
٤ - (ومنها): ما قال ناصر الدين ابن الْمُنَيِّر -﵀-: الحكمة في مشروعية التكبير في الخفض والرفع، أن المكلف أُمِر بالنية أوَّل الصلاة، مقرونةً بالتكبير، وكان من حقّه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأُمر أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. انتهى (^١).
وقيل: الحكمة في شرعيّة تكرار التكبير تنبيه المصلّي على أن اللَّه -﷾- الذي قام بين يديه يناجيه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، فلا ينبغي شغل القلب عن مناجاته بشي من الأشياء، بل ينبغي الإقبال عليه بالقلب والقالب، والخضوع، والخشوع فيها؛ تعظيمًا له -﷾-، وطلبًا لمرضاته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٣١٥ - ٣١٦.
[ ٩ / ٢٠٩ ]