وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٢١] (٥٤٤) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ، مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٣١٥ ]
إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ وَمَنْ عَمِلَهُ؟، وَرَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَ يَوْم جَلَسَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، فَحَدِّثْنَا، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى امْرَأَةٍ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ: "انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا، أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا"، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ (^١)، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا؛ لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠.
٢ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سُفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٣ - (سَهْلُ بْنُ سَعْد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الْخَزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كالإسنادين التاليين، وهو (٧٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
_________________
(١) وفي نسخة: "ثم رجع القهقرى، ثم سجد".
[ ١٢ / ٣١٦ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغلانيّ، وقد دخلا المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (أَنَّ نَفَرًا) لم تعرف أسماؤهم (جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) -﵄- (قَدْ تَمَارَوْا) جملة حاليّة من الفاعل، أي تجادلوا، وتنازعوا، يقال: ماريته أُماريه مماراةً ومِرَاءً: إذا جادلته، ويقال: ماريته أيضًا: إذا طعنتَ في قوله تزييفًا، وتصغيرًا للقائل، ولا يكون المراء إلا اعتراضًا بخلاف الجدال، فإنه يكون ابتداءً واعتراضًا، قاله الفيّوميّ (^١).
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "وقد امتروا"، وهو افتعال، من المِرْيَة، قال الراغب الأصفهانيّ في "مفردات القرآن": المِرْية: التردد في الأمر، وهي أخصّ من الشك، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥] والامتراء، والمماراة: المجادلة فيما فيه مِرْيَةٌ، قال تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]. وأصله من مَرَيْتُ الناقة: إذا مَسَحْت ضرعها. اهـ كلام الراغب باختصار (^٢).
وقال ابن منظور: والامتراء في الشيء: الشك فيه، وكذلك التماري. والمراء: المماراة، والجدَلُ، والمراء أيضًا: من الامتراء، والشكّ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]؛ قال: وأصله في اللغة: الْجِدال، وأن يستخرج الرجل من مُنَاظِرِه كلامًا، ومعاني الخصومة، وغيرها من مَرَيت الشاة: إذا حلبتها، واستخرجت لبنها، وقد ماراه مماراةً، وميراءً، وامترى فيه، وتمارى: شك؛ قال سيبويه: وهذا من الأفعال التي تكون للواحد. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٠.
(٢) "مفردات القرآن" (ص ٧٦٦).
(٣) "لسان العرب" ٤١٩٠.
[ ١٢ / ٣١٧ ]
(فِي الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ "تماروا"، وهو بكسر الميم، وسكون النون، وفتح الموحّدة آخره راء: مِرْقاة الخاطب، سُمِّي منبرًا؛ لارتفاعه وعُلُوّه، وانتبر الأمير: ارتفع فوق المنبر، قاله في "اللسان" (^١).
وقال في "المصباح": وكلُّ شيء رُفِعَ فقد نُبِرَ، ومنه المنبر؛ لارتفاعه، وكُسرت الميم على التشبيه بالآلة. انتهى (^٢).
(مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟) مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور قبله، وفي رواية البخاريّ: "وقد امتروا في المنبر ممّ عوده؟ "، أي من أيّ شيء عود ذلك المنبر؟ (فَقَالَ) سهل -﵁- (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ "ألا" (وَاللَّهِ إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في جواب القسم، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(لَأَعْرِفُ) اللام هي لام الابتداء المزحلقة من اسم "إنّ" إلى خبرها؛ لئلا يتوالى حرفا تأكيد، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ "إِنّي لَوَزَرْ"
وإنما أتى بالقسم مؤكّدًا بالجملة الاسميّة، وبكلمة "إنّ" التي هي للتحقيق، وبلام التأكيد في الخبر؛ لإرادة التأكيد فيما قاله للسامع، قاله في "العمدة" (^٣).
(مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟) جملة اسميّة كنظيره الماضي، مفعول "أعرف" معلّق عنها العامل للاستفهام، وقوله: (وَمَنْ عَمِلَهُ؟) "من" استفهاميّة مبتدأ خبرها جملة "عَمِله" وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب تَعِبَ، والجملة معطوفة على جملة الاستفهام قبله، أي أعرف أيُّ شخص عمله، ويَحْتَمِل أن تكون "من" موصولة معطوفة على المفعول، أي وأعرف الشخص الذي عمله (وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "رأيتُ"، أي رأيته في أول يوم، وقوله: (جَلَسَ عَلَيْهِ) صفة لـ "يوم" بتقدير عائد، أي فيه، فقوله: "ورأيت رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ" زيادة على السؤال.
_________________
(١) "لسان العرب" ٥/ ١٨٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٠.
(٣) "عمدة القاري" ٦/ ٣٠٩.
[ ١٢ / ٣١٨ ]
وفي رواية البخاريّ: "ولقد رأيته أوّل يوم وُضِعَ، وأوّل يوم جلس عليه رسول اللَّه -ﷺ-".
قال في "العمدة": وفائدة هذه الزيادة المؤكدة باللام، وكلمة "قد" الإعلام بقوة معرفته بما سألوه.
(قَالَ) أبو حازم (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ) كنية سهل بن سعد -﵄- (فَحَدِّثْنَا) أمر من التحديث، والفاء فيه فاء الفصيحة، أي إذا كنت تعرف هذا المنبر الذي تمارينا فيه هذه المعرفة المتميّزة، حيث عرفت من أي شيء عوده؟، ومن عَمِله؟، وأول يوم جلس عليه رسول اللَّه -ﷺ-، فحدّثنا بهذا كلّه حتى ينقطع عنا النزاع والجدال.
(قَالَ) سعد -﵁- (أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى امْرَأَةٍ) قال في "الفتح": لا يعرف اسمها، لكنها أنصارية.
(قَالَ أَبُو حَازِمِ: إِنَّهُ) أي سهلًا (لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ) أي يوم أن أخبرنا بهذا الخبر.
وفي رواية البخاريّ: "أرسل رسول اللَّه -ﷺ- إلى فلانة امرأة قد سمّاها سهلٌ"، فقوله: "إلى فلانة" كناية عن اسم المرأة، ممنوع من الصرف لوجود علتين فيه، العلمية، والتأنيث، وقوله: "امرأة" بالجر بدل عن "فلانة"، ويحتمل الرفعَ على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي امرأة، والنصبَ على أنه مفعول لفعل محذوف، أعني امرأة.
قال النوويّ -﵀-: قوله: "أرسل رسول اللَّه -ﷺ- إلى امرأة انظري غلامك النجار. . . إلخ" هكذا رواه لسَهْل بن سعد -﵄-، وفي رواية جابر -﵁- في "صحيح البخاريّ" وغيره: "أن المرأة قالت: يا رسول اللَّه، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟؛ فإن لي غلامًا نَجّارًا، قال: إن شئتِ، فعملت المنبر"، وهذه الرواية في ظاهرها مخالفة لرواية سهل، والجمع بينهما أن المرأة عَرَضت هذا أوّلًا على رسول اللَّه -ﷺ-، ثم بَعَث إليها النبيّ -ﷺ- يطلُب تنجيز ذلك. انتهى (^١)، وهو جمع حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٣٤.
[ ١٢ / ٣١٩ ]
("انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ) بالنصب؛ لأنه صفة لـ "غلام".
قال الفيوميّ -﵀-: نَجَرْتُ الخشبة، نَجْرًا، من باب قتل، والفاعل نَجَّار، والنِّجارة، مثلُ الصِّنَاعة. انتهى. وفي "اللسان": النَّجْرُ: نَحْتُ الخشبة، نَجَرَهَا، ينجُرها، نَجْرًا: نَحَتَها، ونُجَارةُ العُودِ: ما انتُحِتَ منه عند النَّجْر. انتهى.
[تنبيه]: أشبه الأقوال بالصواب في اسم الغلام قول من قال: إنه ميمون، قال في "الفتح": وسماه عباسُ بن سهل، عن أبيه، فيما أخرجه قاسم بن أصبغ، وأبو سعد في "شرف المصطفى" جميعًا من طريق يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة: حدثني عُمَارة بن غَزِيَّةَ، عنه، ولفظه: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يخطب إلى خشبة، فلما كثر الناس قيل له: لو كنت جعلت منبرًا. . .، قال: وكان بالمدينة نَجَّار واحد، يقال له: ميمون"، فذكر الحديث. وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن سعد الأنصاري، عن ابن عباس، نحو هذا السياق، ولكن لم يسمه. وفي الطبراني من طريق أبي عبد اللَّه الغفاري: سمعت سهل بن سعد، يقول: كنت جالسًا مع خال لي من الأنصار، فقال له النبيّ -ﷺ-: "اخرج إلى الغابة، وائتني من خشبها، فاعمل لي منبرًا" الحديث.
وجاء في صانع المنبر أقوال أخرى:
أحدها: أن اسمه إبراهيم. أخرجه الطبراني في "الأوسط" من طريق أبي نضرة، عن جابر، وفي إسناده العلاء بن مسلمة الرَّوَّاس، وهو متروك.
ثانيها: بَاقُول -بموحدة، وقاف مضمومة- رواه عبد الرزاق بإسناد ضعيف منقطع، ووصله أبو نعيم في "المعرفة"، لكن قال: باقوم -آخره ميم- وإسناده ضعيف أيضًا.
ثالثها: صُبَاح -بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة، وآخره مهملة أيضًا- ذكره ابن بشكوال بإسناد مرسل.
رابعها: كلاب مولى العباس، روى ابن سعد في "الطبقات" من حديث أبي هريرة: أن النبيّ -ﷺ- كان يخطب، وهو مُستَنِد إلى جِذْع، فقال: "إن القيام قد شق علي"، فقال له تميم الداريّ: ألا أعمل لك منبرًا، كما رأيتُ
[ ١٢ / ٣٢٠ ]
يُصْنَع بالشام؟ فشاور النبيّ -ﷺ- المسلمين في ذلك، فَرَأَوْا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له: كلاب أعْمَلُ الناسِ، فقال: "مره أن يعمل"، الحديث، ورجاله ثقات إلا الواقدي.
خامسها: تميم الداري، رواه أبو داود مختصرًا، والحسن بن سفيان، والبيهقي، من طريق أبي عاصم، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر: أن تميمًا الداري قال لرسول اللَّه -ﷺ- لَمّا كثر لحمه: ألا نتخذ لك منبرًا يحمل عظامك؟، قال: "بلى"، فاتخذ له منبرًا، الحديث، وإسناده جيد.
سادسها: ميناء، ذكره ابن بشكوال عن الزبير بن بكار: حدثني إسماعيل، هو ابن أبي أويس، عن أبيه، قال: عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار، من بني سَلِمَةَ، أو من بني ساعدة، أو امرأة لرجل منهم، يقال له: ميناء. انتهى.
قال الحافظ: وهذا يَحْتَمِل أن يعود الضمير فيه على الأقرب، فيكون ميناء اسم زوج المرأة، وهو بخلاف ما حكيناه عن ابن التين أن المنبر عمله غلام سعد بن عبادة، وجوّزنا أن تكون المرأة زوج سعد.
قال: وليس في جميع الروايات التي سُمِّيَ فيها النجارُ شيء قويّ السند، إلا حديث ابن عمر، وليس فيه التصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم الداريّ، بل قد تبيّن من رواية ابن سعد أن تميمًا لم يعمله.
قال: وأشبه الأقوال بالصواب قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضًا، وأما الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لِوَهَائها، ويَبْعُد جدًّا أن يُجْمَع بينها بأن النجّار كانت له أسماء متعددة، وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيَمْنَع منه قوله في كثير من الروايات: "لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد"، إلا إن كان يُحْمَل على أن المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن، واللَّه تعالى أعلم.
ووقع عند الترمذيّ، وابن خزيمة، وصححاه من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: "كان النبيّ -ﷺ- يقوم يوم الجمعة، فيسند ظهره إلى جِذْع منصوب في المسجد، يخطب، فجاء إليه رُومِيّ، فقال: ألا نصنع لك منبرًا"، الحديث، ولم يسمّه، فيَحْتَمِل أن يكون المراد بالرومي تميم الداري؛ لأنه كان كثير السفر إلى أرض الروم، وقد عرفت مما تقدم سبب عمل المنبر.
[ ١٢ / ٣٢١ ]
وجزم ابن سعد بأن ذلك كان في السنة السابعة، وفيه نظر؛ لذكر العباس، وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع، وجزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان، وفيه نظر أيضًا؛ لما ورد في حديث الإفك في "الصحيحين" عن عائشة، قالت: "فثار الحيان، الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه -ﷺ- على المنبر، فنزل، فخفَّضهم، حتى سكتوا"، فإن حُمِل على التجوز في ذكر المنبر، وإلا فهو أصحّ مما مضى.
وحَكَى بعض أهل السير أنه -ﷺ- كان يخطب على منبر من طين قبل أن يُتَّخذ المنبر من خشب، ويعكُر عليه أن في الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.
ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ستّ درجات من أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بعث معاوية إلى مروان، وهو عامله على المدينة أن يَحْمِل إليه المنبر، فأمر به، فقُلِعَ، فأظلمت المدينة، فخرج مروان، فخطب، وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نَجّارًا، وكان ثلاث درجات، فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم، ورواه من وجه آخر، قال: "فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم، وقال: فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس".
قال ابن النجّار، وغيره: استَمَرّ على ذلك إلا ما أصْلِحَ منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحتَرَق، ثم جَدَّد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفَّر، فلم يزل إلى هذا العصر، فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبرًا جديدًا، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرًا جديدًا إلى مكة أيضًا، شكر اللَّه له صالح عمله آمين، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٤.
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
وقال في "العمدة": فإن قلت: رَوَى أبو داود عن ابن عمر: "أن النبيّ -ﷺ- لما بَدَّنَ قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول اللَّه، يَجْمَع -أو يَحْمِل- عظامك؟، قال: "بلى" فاتخذ له منبرًا مِرْقاتين". أي اتخذ له منبرًا درجتين، فبينه وبين ما ثبت في الصحيح أنه ثلاث درجات منافاة.
قلت: الذي قال: مرقاتين لم يَعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها -ﷺ-. انتهى (^١).
(يَعْمَلْ لِي) بجزم الفعل في جواب الأمر، وهو "انظري"، ويَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا على الاستئناف البيانيّ، كما مرّ نظيره غير مرّة.
(أَعْوَادًا) بالنصب على المفعوليّة، وهو بالفتح: جمع عُود بالضمّ، وهو الخشب، ويُجمع أيضًا على عِيدان، والمراد أن يجمع الأعواد، ويرتّبها، ويصنعها على وجه يُمكن الجلوس عليها.
وفي رواية البخاريّ: "مُري غلامك النجّار أن يَعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ إذا كلّمت الناس".
(أُكُلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا") جملة في محلّ نصب صفة لـ "أعوادًا"، أي أخطب الناس على تلك الأعواد، أي على المنبر المصنوع منها، ويَحتمل أن تكون الجملة مستأنفةً استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل له: ما تصنع بالأعواد؟ فقال: أكلّم الناس عليها.
(فَعَمِلَ هَذ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ) هكذا الرواية في "صحيح مسلم"، بتنكير "درجات"، قال النوويّ -﵀-: هذا مما يُنكره أهل العربيّة، والمعروف عندهم أن يقول: "ثلاث الدرجات"، أو "الدرجات الثلاث"، وهذا الحديث دليلٌ لكونه لغةً قليلةً. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القاعدة في هذه المسألة أن العدد إذا كان مضافًا، وأردت تعريفه عرّفت الآخر، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافًا إلى معرفة، فتقول: "ثلاثة الأثواب"، و"مائة الدرهم"، و"ألف الدينار"، وأجاز الكوفيّون الثلاث الأثواب بتعريف الجزأين.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ٣١١.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ٣٤ - ٣٥.
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
وأما ما وقع هنا فقد عرّف المضاف، ونكَر المضاف إليه، ونظيره ما وقع في "صحيح البخاريّ" في قصّة الرجل الذي استسلف ألف دينار، فقال: "ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار"، وأوّله الدمامينيّ بتقدير مضاف من المعرّف، أي بالألف ألف دينار، قال: ولا يقال: إن "أل" زائدة؛ لأن ذلك لا ينقاس. انتهى.
وقد تقدّم البحث في هذه المسألة في هذا الشرح مستوفى، في "كتاب الإيمان" برقم (٧١/ ٣٨٨)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ أَمَرَ بِهَا) أي بتلك الأعواد المصنوع منها المنبر (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَوُضِعَتْ) بالبناء للمفعول (هَذَا الْمَوْضِعَ) منصوب على الظرفيّة لـ "وُضعت"، وهو مقيسٌ؛ لوجود شرطه، وهو كونه من مادَّته، كما قال في "الخلاصة":
وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ وَمَا … يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إِلَّا مُبْهَمَا
نَحْوُ الْجِهَاتِ وَالْمَقَادِيرِ وَمَا … صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ كَمَرْمًى مِنْ رَمَى
وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَعْ … ظَرْفًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ
والمعنى: أن تلك الأعواد وُضِعت في محلّها التي هي فيه حينما حدّثهم سهل -﵁- بالحديث، ولا زال موضعها إلى الآن.
(فَهِيَ) أي تلك الأعواد المصنوع منها المنبر (مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ) وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عيَينة، عن أبي حازم: "هو من أثل الغابة".
و"الطَّرْفَاء" -بفتح الطاءَ، وسكون الراء المهملتين، وبعد الراء فاء ممدودة- قال سيبويه: الطرْفاء: واحدٌ، وجمعٌ، والطرفاء: اسم للجمع، وقيل: واحدتها: طرْفَاءة، وقال ابن سِيدَه: والطرَفَة: شجرة، وهي الطَّرَف، والطرْفاء: جماعة الطَّرَفَة، وبها سمي طَرَفَة بن العبد، والطَّرَفُ -بفتحتين-: اسم يُجْمَعُ على طَرْفَاء، وقَلّمَا يُسْتَعمَل في الكلام إلا في الشعر، والواحدة طَرَفَة، وقياسه قَصَبَة، وقَصَب، وقَصْبَاء وشجَرَة، وشَجَرٌ، وشَجْراء، أفاده في "اللسان".
و"الأثْلُ" -بفتح، فسكون-: شَجَرٌ يُشْبِهُ الطَّرفاء، إلا أنه أعظم منه، وأكرم، وأجود عُودًا، تُسَوَّى به الأَقْداح الصُّفْر الجِيَاد، وفي "الصحاح": هو نوع من الطرفاء، والأثْلُ: أصول غليظة، يُسَوَّى منها الأبواب، وغيرها، ووَرَقُهُ عَبْلٌ كوَرَق الطرْفَاء.
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
وقال أبو حنيفة -الدّينَوَريّ-: قال أبو زياد: من العِضَاة: الأثْلُ، وهو طُوَال في السماء، مستطيل الخشب، وخشبه جيد يُحمَل إلى القرى، فتُبْنى عليه بيوتُ المَدَر، وورَقُه هَدَبٌ طوال دُقَاق، وليس له شوك، ومنه تُصنع القِصَاع والجِفَان، وله ثمر حمراء، كأنها أُبْنَة -يعني عُقْدة الرِّشاء- واحدته أثْلَة، وجمعه: أُثُول، كتَمْر، وتُمُور، قاله في "اللسان" (^١).
و"الغابة" -بالغين المعجمة، وبعد الألف باء موحدة-: هي أرض عَلَى تسعة أميال من المدينة، كانت بها إبل النبيّ -ﷺ- مُقِيمة بها للمَرْعَى، وبها وقعت قِصّةُ العُرَنيين الذين أغاروا على سَرْحِه. وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقال الزمخشري: الغابة بَرِيد من المدينة، من طريق الشام. وفي "الجامع": كل شجر مُلْتَفٍّ فهو غابة، وفي "المحكم": الغابة: الأجَمَةُ التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة، وقال أبو حنيفة الدينوريّ: هي أجَمَة القصب، قال: وقد جُعِلَت جماعة الشجر غابًا، مأخوذًا من الغيابة، والجمع غابات، وغاب، ذكره في "العمدة" (^٢).
و"الأجَم": الشجر المُلْتَفُّ، جمعه أَجَمٌ، كقصبة، وقصب، والآجام جمع الجمع. قاله في "المصباح".
(وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ عَلَيْهِ) أي على المنبر المصنوع من تلك الأعواد (فَكَبَّرَ) أي تكبيرة الإحرام (وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة من الفاعل (ثُمَّ رَفَعَ) هكذا الرواية هنا "رَفَع" بالفاء مبنيًّا للفاعل، أي رفع -ﷺ- رأسه من الركوع، وفي رواية البخاريّ: "ثم رأيت رسول اللَّه -ﷺ- صلّى عليها، وكبّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر".
قال الحافظ -﵀-: لم يذكر القيام بعد الركوع في هذه الرواية، وكذا لم يذكر القراءة بعد التكبيرة، وقد تَبَيَّن ذلك في رواية سفيان، عن أبي حازم، ولفظه: "كبر، فقرأ، وركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى"، وفي رواية هشام بن سعد، عن أبي حازم، عند الطبرانيّ: "فخطب الناس عليه، ثم أقيمت
_________________
(١) "لسان العرب" ١/ ٢٨.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ٢١٦.
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
الصلاة، فكبر، وهو على المنبر"، فأفادت هذه الرواية تقدُّم الخطبة على الصلاة. انتهى (^١).
(فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى) أي نزل من المنبر نزولًا إلى جهة ورائه؛ لئلا يستدبر القبلة.
و"القَهْقَرى": الرجوعُ إلى خَلْفُ، فإذا قلت: رَجَعتُ القَهْقَرى، فكأنك قلت: رجعت الرجوعَ الذي يُعرفُ بهذا الاسم؛ لأن القهقرى ضرب من الرجوع، وقَهْقَرَ الرجلُ في مِشيته: فَعَلَ ذلك. وتقهقر: تراجع على قفاه، والقَهْقرى: مصدر قَهْقَرَ: إذا رجع على عقبيه. قاله في "اللسان" (^٢).
وقال في "العمدة": قيل: يقال: رجع القهقرى، ولا يقال: نزل القهقرى؛ لأنه نوع من الرجوع، لا من النزول.
وأجيب بأنه لما كان النزول رجوعًا من فوق إلى تحت صحّ ذلك (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره العينيّ لا حاجة إليه؛ لأن معنى القهقرى موجود في حال النزول، إذ هو الرجوع إلى خلفُ، ونزول النبيّ -ﷺ- كان إلى جهة خلفه، وإنما فعل ذلك محافظة على استقبال القبلة، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
(حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ) أي على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه (ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ فِيْ آخِرِ صَلَاِتِهِ) يعني أنه -ﷺ- رجع إلى درجات المنبر بعد القيام من السجدة الثانية، ثم فعل هكذا إلى أن انتهى من تلك الصلاة.
قال السنديّ -﵀-: وهذا العمل القليل لا يبطل الصلاة، وقد فعله -ﷺ- لبيان كيفية الصلاة، وجواز هذا العمل، فلا إشكال، ويُفْهَم منه أن نظر المقتدي إلى إمامه جائز. انتهى.
(ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) وفي رواية البخاريّ: "فلَمّا فرغ أقبل على الناس" (فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا) وفي رواية البخاريّ: "إنما صنعت هذا" بدون "إنّي" (لِتَأْتَمُّوا بِي) -بكسر اللام-: أي لتقتدوا بأفعالي (وَلِتَعَلَّمُوا
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٤٦٤.
(٢) "لسان العرب" ٥/ ٣٧٦٥.
(٣) "عمدة القاري" ٦/ ٢١٦.
[ ١٢ / ٣٢٦ ]
صَلَاِتِي") -بكسر اللام، وفتح التاء المثناة من فوقُ، وتشديد اللام- وأصله لتتعلموا، فحذفت إحدى التاءين، تخفيفًا لتوالي المثلين، كما قال ابن مالك:
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
وعطف جملة "لتعلَّمُوا" على ما قبلها للتأكيد.
يعني أنه -ﷺ- إنما صلى على المنبر على هذه الكيفية؛ للتعليم، حتى يَرَى جميعهم أفعاله -ﷺ-، بخلاف ما إذا صلى على الأرض، فإنه لا يراه إلا مَن قرب منه.
قال ابن حزم -﵀-: وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد، والشافعي، والليث، وأهل الظاهر، ومالك، وأبو حنيفة لا يجيزانها.
وقد ردّ العيني هذا على ابن حزم، وقال: هذا غير صحيح، بل مذهب أبي حنيفة الجواز مع الكراهة.
وقال ابن التين: الأشبه أن ذلك كان -ﷺ- خاصة (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الخصوصية غير صحيحة، فالصواب جواز ذلك لكل من احتاج للتعليم بهذا الطريق لمن لا يعلم كيفية الصلاة، ولذا قال -ﷺ-: "إنما صنعت هذا لتأتمّوا بي، ولتعلّموا صلاتي"، فأطلقه، فلو كان خاصًّا به، لبيّنه بأنه لا يحلّ ذلك لغيره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعدي -﵄- هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٢٢١ و١٢٢٢] (٥٤٤)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٧٧)، و"الجمعة" (٩١٧)، و"البيوع" (٢٠٩٤)، و"الهبة" (٢٥٦٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٠٨٠)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٧٣٩)، و"الكبرى" (٨١٨)، و(ابن ماجه) فيها (١٤١٦)، و(الشافعيّ) في
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ٣١٢.
[ ١٢ / ٣٢٧ ]
"مسنده" (١/ ١٣٨)، و(الحميدي) في "مسنده" (٩٢٦)، و(أحمد) (٥/ ٣٣٠ و٣٣٩)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٢٦١)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٣١١ و٣١٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٧٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٤٤ و١٧٤٥ و١٧٤٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٩٧ و١١٩٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٠٨)، و"دلائل النبوّة" (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٥٢ و٥٧٩٠ و٥٨٨١ و٥٩٧٧ و٥٩٩٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز اتخاذ المنبر، واستحباب كون الخطيب ونحوه على مرتفع كمنبر، أو غيره.
٢ - (ومنها): جواز الصلاة على المنبر، وقد عَلّل النبيّ -ﷺ- صلاته عليه، وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له، والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم لغير حاجة كمثل هذا كُرِه، وبه قال الشافعىّ، وأحمد، والليث، وعن مالك، والشافعيّ، المنع، وبه قال الأوزاعيّ.
٣ - (ومنها): جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل، قال البخاري في "صحيحه": قال علي بن عبد اللَّه -يعني ابن المديني-: سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ قال: إنما أردتّ أن النبيّ -ﷺ- كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث؟ قال: فقلت: إن سفيان بن عيينة كان يُسأل عن هذا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا. انتهى.
ولابن دقيق العيد في ذلك بحث، فإنه قال: من أراد أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم؛ لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر، تقتضي المناسبةُ اعتبارَه، فلا بد منه.
وقال النوويّ -﵀-: وفيه جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين، ولكنه يكره ارتفاع الإمام على الماموم، وارتفاع المأموم على الإمام لغير حاجة، فإن كان لحاجة بأن أراد تعليمهم أفعال الصلاة لم يكره، بل يُسْتَحَبّ لهذا الحديث، وكذا إن أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإمام،
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
واحتاج إلى الارتفاع. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): جواز العمل اليسير في الصلاة، فإن الخطوتين لا تبطل بهما الصلاة، ولكن الأولى تركه إلا لحاجة، فإن كان لحاجة فلا كراهة فيه، كما فعل النبيّ -ﷺ-، وكذا الفعل الكثير كالخطوات وغيرها إذا تفرقت لا تبطل الصلاة؛ لأن النزول والصعود قد تكرر، وجملته كثيرة، ولكن أفراده المتفرّقة كلّ واحد منها قليلٌ.
٥ - (ومنها): جواز الصلاة على الخشب، وكَرِهَ ذلك الحسن، وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وأخرج أيضًا عن ابن مسعود، وابن عمر نحوه، وعن مسروق أنه كان يَحْمِل لَبِنةً ليسجد عليها إذا رَكِب السفينة، وعن ابن سيرين نحوه، قال الحافظ: والقول بالجواز هو المعتمد.
٦ - (ومنها): جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وأن ذلك لا يَقْدَح في صلاته، ولا يكون من باب التشريك في العبادة، بل هو كرفع الصوت بالتكبير؛ ليُسمعهم.
٧ - (ومنها): أن مَن فَعَلَ شيئًا يخالف العادة يُبَيِّن حكمته لأصحابه.
٨ - (ومنها): استحباب اتّخاذ المنبر لكل خطيب خليفةً كان، أو غيره؛ لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب، والسماع منه.
وقال ابن بطال: إن كان الخطيب هو الخليفة، فسنته أن يخطب على المنبر، وإن كان غيره يُخَيَّر بين أن يقوم على المنبر، أو على الأرض.
وتعقبه الزين ابن الْمُنَيِّر بان هذا خارج عن مقصود الترجمة (^٢)، ولأنه إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء، فإن كان من الخلفاء الراشدين، فهو سنة متبعة، وإن كان من غيرهم، فهو بالبدعة أشبه منه بالسنة.
قال الحافظ: ولعل هذا هو حكمة هذه الترجمة -يعني ترجمة البخاري بقوله: "باب الخطبة على المنبر"- أشار بها إلى أن هذا التفصيل غير مستحبّ، ولعل مراد من استحبّه أن الأصل أن لا يرتفع الإمام عن المأمومين، ولا يلزم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٣٤.
(٢) يعني ترجمة البخاريّ في "صحيحه" بقوله: "باب الخطبة على المنبر".
[ ١٢ / ٣٢٩ ]
من مشروعية ذلك للنبيّ -ﷺ-، ئم لمن ولي الخلافة أن يُشْرَع لمن جاء بعدهم، وحجة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السامعين، وتعليمهم بعض أمور الدين.
٩ - (ومنها): استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد، إما شكرًا، وإما تبركًا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في "الفتح"، وفي هذا الاستنباط نظر لا يخفى؛ لأنه -ﷺ- بَيّن سبب صلاته على المنبر، وهو أن يتعلّم الناس صلاته، ولم يقل: إنه افتتح به للتبرّك، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): جواز نظر المأموم إلى إمامه في الصلاة؛ ليتعلم منه، وأن ذلك لا ينافي الخشوع.
١١ - (ومنها): أن فيه التصريح بأن منبره -ﷺ- كان ثلاث درجات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ (^١) الْقُرَشِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حَلِيف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
والإسناد أيضًا من الرباعيّات، كسابقه، ولاحقه، وهو (٧٣) من رباعيّات الكتاب.
_________________
(١) بتخفيف الراء، وتشديد الياء التحتانيّة: نسبة إلى قارة قبيلة معروفة بجودة الرمي.
[ ١٢ / ٣٣٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[. . .] (. . .) - (قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَسَأَلُوهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ مِنْبَرُ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَسَاقُوا الْحَدَيثَ نَحْوَ (^١) حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان ينبغي أن أجعل لهذا السند رقمًا مستقلّا، إلا أني لَمّا رأيت المصنّف جمع بينهم بالتحويل، وجعل الضمير في قوله: "وساقوا الحديث" في الأخير راجعًا إليهم معًا جعلت لهما رقمًا واحدًا، فتنبّه.
وقوله: "قال" من كلام الراوي عن المصنّف، وفاعله ضمير يعود إلى المصنف.
ورجال الإسناد: أربعة أيضًا، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فأبو بكر تقدّم قبل باب، وزُهير قبل بابين، وابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى العدنيّ، وسفيان في الباب الماضي، والباقيان في هذا الباب.
والسند أيضًا من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٧٤) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (وَسَاقُوا الْحَدِيثَ) قال النوويّ -﵀-: قوله: "وساقوا الحديث نحو حديث ابن أبي حازم" هكذا هو في النسخ: "وساقوا" بضمير الجمع، وكان ينبغي أن يقول: وساقا؛ لأن المراد بيان رواية يعقوب بن عبد الرحمن، وسفيان بن عيينة، عن أبي حازم، فهما شريكا ابن أبي حازم في الرواية، عن أبي حازم، ولعله أتى بلفظ الجمع، ومراده الاثنان، وإطلاق الجمع على الاثنين جائز بلا شكّ، لكن هل هو حقيقة، أم مجاز؟ فيه خلاف مشهور، والأكثرون أنه مجاز.
_________________
(١) وفي نسخة: "بنحو".
[ ١٢ / ٣٣١ ]
قال: ويَحْتَمِل أن مسلمًا أراد بقوله: "وساقوا" الرواةَ عن يعقوب، وعن سفيان، وهم كثيرون، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم نظير هذا البحث في الباب الماضي عند قوله بعد سوقه رواية سعيد المقبريّ: "بنحو حديثهم"، وهو يرجع إلى اثنين، وهما: عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وبكير بن الأشج، فتفطّن لدقائق الإسناد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ) وفي بعض النسخ: "بنحو حديث ابن أبي حازم".
[تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن هذه ساقها أبو داود في "سننه" بسند المصنّف -﵀-، فقال:
(١٠٨٠) حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ القرشيّ، حدَّثني أبو حازم بن دينار، أن رجالًا أَتَوْا سهل بن سعد الساعديّ، وقد امْتَرَوا في المنبر مِمَّ عوده؟، فسألوه عن ذلك؟ فقال: واللَّه إني لأعرف مما هو؟ ولقد رأيته أوَّلَ يومٍ وُضِعَ، وأوّلَ يومٍ جلس عليه رسول اللَّه -ﷺ-، أرسل رسول اللَّه -ﷺ- إلى فلانة، امرأة قد سماها سهل، أَنْ مُرِي غلامك النجّار، أن يَعْمَل لي أعوادًا أجلس عليهنّ، إذا كلمتُ الناس، فأمرته، فعملها من طَرْفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلته إلى النبيّ -ﷺ-، فأَمَرَ بها، فَوُضِعَتْ ها هنا، فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- صلى عليها، وكَبّر عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسَجَدَ في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "أيها الناس، إنما صنعت هذا؛ لتأتموا بي، ولتَعَلَّمُوا صلاتي". انتهى.
وأما رواية سفيان بن عُيينة -﵀-، فساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٧٠) فقال:
(١٧٤٤) حدّثنا بشر بن موسى، قال: ثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو حازم، قال: سألوا سهل بن سعد من أيِّ شيء المنبر؟ قال: ما بقي في الناس أعلم مني، من أَثْل الغابة، عَمِله فلان، مولى فلانة، لرسول اللَّه -ﷺ-، فقام عليه رسول اللَّه -ﷺ- حين عُمِلَ، ووُضِعَ، فاستقبل القبلة،
[ ١٢ / ٣٣٢ ]
وكَبّر، وقام الناس خلفه، فقرأ، وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع، فرجع القهقرى، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى، حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.