وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٢٧] (٥٤٧) - (حَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الأصبحيّ، رأس المتثبّتين، وكبير المتقنين، الإمام المشهور [٧] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٩٩.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ٣٤٧ ]
٣ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٧٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان نيسابوريًّا إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد على الإطلاق كما نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀-، قال يحيى بن بُكير لأبي زرعة الرازيّ: ليس ذا زَعْزَعَة عن زَوْبَعة (^١)، وإنما ترفع السترة، فتنظر إلى النبيّ -ﷺ- وأصحابه: مالك، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- (^٢)، وإذا زيد قبله أحمد، عن الشافعيّ، سُمّي سلسلة الذهب، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ … وَزِيدَ مَا لِلشَّفِعِي فَأَحْمَدِهْ
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى بُصَاقًا) بضمّ الموحّدة، وبالصاد المهملة: لغة في الْبُزاق -بالزاي- يقال: بَصَقَ يَبْصُقُ
_________________
(١) "الزعزعة": الاضطراب، والتحريك الشديد، و"الزَّوْبَعة": الإعصار التي ترفع التراب إلى الهواء.
(٢) "تدريب الراوي" ١/ ٧٨.
[ ١٢ / ٣٤٨ ]
بَصْقًا، من باب نصر، قال في "القاموس": الْبُصَاق كغُرَاب، والْبُسَاقُ، والْبُزَاق: ماء الْفَمِ إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريقٌ. انتهى.
(فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ) متعلّق بـ "رأى"، وفي الرواية التالية: "رأى نُخامة في قبلة المسجد"، وفي رواية البخاريّ: "في جدار المسجد" (فَحَكَّهُ) أي قَشَرَهُ، يقال: حَكَكت الشيءَ حكًّا، من باب قتل: قَشَرْتُهُ. قاله في "المصباح".
ولم يُبَيِّن في هذه الرواية بأي شيء حَكَّه، وسيأتي في حديث أبي سعيد -﵁- الآتي "أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة في المسجد فحكها بحصاة"، وفي حديث أنس -﵁- عند البخاري "أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة في المسجد فحكه بيده"، وفي حديث جابر -﵁- عند أبي داود "أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة في المسجد فحكها بعُرْجُون".
فالظاهر حمل المطلق هنا على المقيد في هذه الروايات، وأما اختلافها في كون الحكّ باليد، أو الحصى، أو العُرْجون، فيحمل على تعدد الواقعة، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ) بكسر القاف، وفتح الباء: أي جهة قُدّامه.
وفيه تعظيم المساجد عن أثْفَال البدن، وعن القاذورات بالطريق الأولى، وفيه احترام جهة القبلة، وقد بيّن علة النهي بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ) هذا وأمثاله من أحاديث الصفات مما يجب الإيمان به، وإثباته كما صح عن رسول اللَّه -ﷺ-، بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جملة كلامه في آيات الصفات وأحاديثها ما نصه: وكذلك قوله -ﷺ-: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن اللَّه قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه. . . " الحديث حقّ على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَل وجه المصلي.
بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو
[ ١٢ / ٣٤٩ ]
يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكان أيضًا قبل وجهه.
وقد ضرب النبيّ -ﷺ- المثل بذلك -وللَّه المثل الأعلى- ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه؛ لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبيّ -ﷺ-: "ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًا به. . . "، فقال له أبو رَزِين الْعُقَيليّ -﵁-: كيف يا رسول اللَّه، وهو واحد ونحن جميع؟، فقال النبيّ -ﷺ-: "سأنبيك بمثل ذلك في آلاء اللَّه، هذا القمر كلُّكم يراه مُخليًا به، وهو آية من آيات اللَّه، فاللَّه أكبر". انتهى كلامه باختصار، فإن أردت تمام كلامه فارجع إلى "مجموع الفتاوى"، فقد حقق هذا الموضوع فيه تحقيقًا بالغًا لا تجده عند غيره ممن تكلم فيه (^١).
وقال في "الفتح": قال الخطابي: معناه أنَّ توجهه إلى القبلة مُفْضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: فإن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف، أي عظمة اللَّه، أو ثواب اللَّه.
وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نَزَعَ به بعض المعتزلة القائلين بأن اللَّه في كل مكان، وهو جهل واضح؛ لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصّلُوه، وفيه الردّ على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تُؤُوّل به هذا جاز أن يتأول به ذاك، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وقد رد على ما ذكره صاحب "الفتح" هنا العلّامة المحقّق عبد العزيز بن باز -﵀-، فقال: ليس في الحديث المذكور ردّ على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته؛ لأن النصوص من الآيات، والأحاديث في إثبات استواء الرب على العرش بذاته محكمة قطعية واضحة لا تحتمل أدنى تأويل.
وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها، والإيمان بما دلّت عليه على الوجه الذي يليق باللَّه سبحانه من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته.
وأما قوله في هذا الحديث: "فإن اللَّه قبل وجهه إذا صلى"، وفي لفظ:
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" ٥/ ١٠٧.
[ ١٢ / ٣٥٠ ]
"فإن ربه بينه وبين القبلة" فهذا لفظ مُحْتَمِلٌ أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة، كما أشار الإمام ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعية المحكمة الصريحة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلامه -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الردّ حسنٌ جدًّا، إلا قوله: "بذاته" فإنها وإن وُجِدت في عبارة بعض العلماء لإيضاح المعنى، فلا ينبغي ذكرها؛ لئلا يكون زيادة على النصّ، وقد أنكر الحافظ الذهبيّ -﵀- في كتابه "العلو للعلي الغفار" على من قال: "هو تعالى فوق عرشه بذاته"؛ لعدم ورودها عن السلف، واعتبرها من فضول الكلام (^١).
وأما ما نقله في "الفتح" عن الخطابيّ، وكذا قول السنديّ: إنه يناجيه، ويقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق إلقاء البصاق فيها. انتهى، ففيه نظر لا يخفى.
والحاصل أن الصواب في هذا الباب إثبات النصوص كما وردت على ظاهر معناها على الوجه الذي أراده اللَّه تعالى مع اعتقاد تنزيه اللَّه تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، واللَّه تعالى أعلم.
(إِذَا صَلَّى) أي دخل في الصلاة، ونصّ في الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة، لفضيلة تلك الحال على سائر الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممنوع مطلقًا، في الصلاة وغيرها، وفي المسجد وغيره، كما يأتي قريبًا، خلافًا لمن خَصّه بقبلة المسجد، أو حال الصلاة.
وقال الباجيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون خَصّ بذلك حال الصلاة؛ لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة، وفي سائر الأحوال قد تكون عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) انظر: "مختصر العلو" للعلامة الألباني -﵀- (ص ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٢) ذكره في: "المنهل العذب المورود" ٤/ ٩٩.
[ ١٢ / ٣٥١ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٢٧ و١٢٢٨] (٥٤٧)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٠٦ و٧٥٣ و١٢١٣ و٦١١١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٧٩)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٧٢٤)، و"الكبرى" (٨٠٣)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥٣٣٤)، (وأبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٠٣ و١٢٠٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٠٠ و١٢٠١ و١٢٠٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٢٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن البصاق في الصلاة؛ لمنافاته التعظيم للَّه ﷿؛ إذ المصلي يناجي ربّه ﷿.
٢ - (ومنها): مشروعية إنكار المنكر لمن راَه، وإزالته باليد، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". أخرجه مسلم وأصحاب السنن.
٣ - (ومنها): غضب الإمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالًا بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود: "فتغيّظ على الناس"، وفي حديث أنس -﵁- في الصحيح: "فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه".
٤ - (ومنها): وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد عَلَّل ذلك بقوله: "فإن اللَّه ﷿ قِبل وجهه".
قال في "الفتح": وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أو لا، ولا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم؟.
وفي "صحيح ابن خزيمة"، و"ابن حبان" من حديث حذيفة -﵁- مرفوعًا: "من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه"، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: "يبعث صاحب النخامة في القبلة
[ ١٢ / ٣٥٢ ]
يوم القيامة، وهي في وجهه"، ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد -﵁-: "أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول اللَّه -ﷺ- ينظر، فقال رسول اللَّه -ﷺ- حين فرغ: "لا يصلي لكم" فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول اللَّه -ﷺ- فذكر ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "نعم"، وحسبت أنه قال: "إنك آذيت اللَّه ورسوله -ﷺ-" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر ابن عبد البرّ -﵁- في "التمهيد" عند هذا الحديث إجماع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها.
قال العراقيّ -﵀-: فما أدري هل أراد بالعمل القليل نفس البصاق، أو أراد ما ورد في حديث آخر من كونه يبصق في ثوبه، أو أراد أن النبيّ -ﷺ- حكّه من القبلة، وهو في الصلاة؟ وهو الظاهر، فقد روى البخاريّ من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، قال: "رأى رسول اللَّه -ﷺ- نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي، فحتها، ثم قال حين انصرف. . . " الحديث.
وفي بعض طرقه أنه كان لِخطب، كما رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-: "بينما رسول اللَّه -ﷺ- يخطب يومًا إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على الناس، ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران، فلطخه به". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الحافظ العراقيّ -﵀-: اختَلَفت الأحاديث في البصاق الذي وجده النبيّ -ﷺ- في القبلة، هل كان ذلك في مسجده -ﷺ-، أو في مسجدآخر؟.
فقيل: إنه كان في مسجد الأنصار، بدليل ما رواه مسلم، وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد، قال: أتينا جابرًا، وهو في مسجده، فقال: أتانا رسول اللَّه -ﷺ- في مسجدنا هذا، وفي يده عُرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون. . . " الحديث. لفظ أبي داود.
_________________
(١) حديث حسن، راجع: "صحيح أبي داود" للشيخ الألبانيّ -﵀- ١/ ٩٥.
[ ١٢ / ٣٥٣ ]
وظاهر ما تقدم من كونه كان في الخطبة أنه كان في مسجد المدينة، والظاهر أنهما واقعتان، أو وقائع، ففي قصة مسجد الأنصار أنه حتّها بالعرجون، وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-: رأى رسول اللَّه -ﷺ- نخامة في المسجد فحكها بحصاة، وفي قصة مسجد الأنصار: "أروني عبيرًا"، فقام فتى من الحيّ يشتد إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول اللَّه -ﷺ-، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة.
وعند النسائيّ من حديث أنس -﵁- أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما أحسن هذا".
وفي بعضها أنه كان في الصلاة، وفي بعضها أنه كان يخطب، كما تقدم، فهذا يدلّ على اختلاف واقعتين، أو وقائع من غير تعارض. انتهى كلام العراقيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (^٢)، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا (^٣) ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ -يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ- (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، إِلَّا الضَّحَّاكَ، فَإِن فِي حَدِيثِهِ نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٢) وفي نسخة: "قتيبة بن سعيد".
(٣) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٢ / ٣٥٤ ]
رجال هذا الإسناد: عشرون:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة تقدّم قبل باب.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل بابين.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر المذكور قريبًا.
٨ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المذكور قريبًا أيضًا.
٩ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر قبل بابين.
١٠ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) تقدّم قريبًا.
١١ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
١٢ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع، تقدّم قريبًا أيضًا.
١٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
١٤ - (الضَّحَّاكُ بْنَ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
١٥ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
١٦ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثقةٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
١٧ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ
[ ١٢ / ٣٥٥ ]
مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، لكنه يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
١٨ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (جَمِيعًا) يعني أن عبد اللَّه بن نمير، وأبا أسامة معًا رويا عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) أي كلّ هؤلاء الخمسة: عُبيد اللَّه، والليث بن سعد، وأيوب، والضحّاك بن عثمان، وموسى بن عقبة رووا عن نافع، عن ابن عمر -﵄-.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ) يعني أن حديث هؤلاء الخمسة عن نافع يوافق معنى حديث مالك عنه.
[تنبيه]: رواية عبيد اللَّه بن عمر هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٥١٣٠) حدّثنا يحيى، عن عبيد اللَّه، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نُخامة في قبلة المسجد فحَتّها، ثم قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يتنخم، فإن اللَّه تعالى قِبَل وجه أحدكم في الصلاة". انتهى.
وأما رواية الليث بن سعد، فساقها أيضًا الإمام أحمد -﵀-، فقال:
(٥٣٨٥) حدثنا أبو سلمة (^١)، أخبرنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ -ﷺ- رأى نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي بين يدي الناس، فحتّها، ثم قال حين انصرف من الصلاة: "إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن اللَّه ﷿ قِبَل وجهه، فلا يَتَنَخّمنّ أحد قِبَل وجهه في الصلاة". انتهى.
وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام البخاريّ -﵀-، فقال:
(١٢١٣) حدّثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- أن النبيّ -ﷺ- رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على أهل المسجد، وقال: إن اللَّه قِبَل أحدكم، فإذا كان في صلاته، فلا يبزقنّ، أو قال:
_________________
(١) هو منصور بن سلمة الخزاعيّ.
[ ١٢ / ٣٥٦ ]
لا يتنخمنّ، ثم نزل، فحتّها بيده، وقال ابن عمر -﵄-: إذا بزق أحدكم فليبزق على يساره. انتهى.
وأما رواية الضحّاك بن عثمان، وموسى بن عقبة، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٢٩] (٥٤٨) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- (^٢) رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ (^٣) عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم أول الباب.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي
٣ - (عَمْرو الناقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (تخ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا.
٦ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣ (^٤)] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "أن رسول اللَّه -ﷺ-".
(٣) وفي نسخة: "ليبزُق".
(٤) جعله في التقريب من الثانية، والذي يظهر لي أنه من الثالثة، فتأمل.
[ ١٢ / ٣٥٧ ]
الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل، فقال: قال يحيى: "أخبرنا سفيان بن عيينة" إيضاحًا بأنه صرّح بالإخبار، ونسب شيخه إلى أبيه، بخلاف الآخرين.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وابن عيينة مكيّ، ويحيى نيسابوريّ، وأبو بكر كوفيّ، وعمرو بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن حميد.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-) وفي نسخة: "أن رسول اللَّه -ﷺ-" (رَأَى نُخَامَةً) بضم النون، وتخفيف الخاء المعجمة كالنُّخَاعة وزنًا ومعنى، يقال: تنخّم الرجل: إذا تنخع، وفي "المطالع": النُّخَامة: ما يخرج من الصدر، وهو البلغم اللَّزِج، وفي "النهاية": النخامة: البَزْقَة التي تخرج من الرأس، ويقال: النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاقُ: ما يخرج من الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف. قاله في "العمدة" (^١).
(فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) متعلق بـ "رأى"، أو بمحذوفٍ صفةٍ لـ "نخامة"، أي نخامةً كائنةً في حائط قبلة المسجد النبويّ.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ١٤٩.
[ ١٢ / ٣٥٨ ]
(فَحَكَّهَا) أي قَشَرَ تلك النخامة (بِحَصَاةٍ) هي واحدة الحصى، وهي صغار الحجارة.
[فإن قيل]: ظاهر هذا الحديث كحديث ابن عمر -﵄- الماضي يدلّ على أن الذي تولى إزالتها هو النبيّ -ﷺ- بنفسه، ورواية أنس عند النسائيّ بلفظ: "فقامت امرأة من الأنصار، فحكّتها، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما أحسن هذا! " يدلّ على أن الذي باشر ذلك امرأة من الأنصار، فكيف التوفيق بينهما؟.
[أجيب]: بحمل الاختلاف على تعدد الواقعة، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ نَهَى) بالبناء للفاعل، أي منع النبيّ -ﷺ- (أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) وعلة النهي عنه كونه محل ملَك، فعند أبي داود من طريق ابن عجلان، وصححه الحاكم على شرط مسلم: أن النبيّ -ﷺ- كان يُحِبّ العَرَاجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد، فرأى نُخامة في قبلة المسجد، فحَكّها، ثم أقبل على الناس مُغْضَبًا، فقال: "أَيَسُرُّ أحدكم أن يُبصَقَ في وجهه؟، إن أحدكم إذا استقبل القبلة، فإنما يستقبل ربه ﷿، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه، ولا في قبلته، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل هكذا"، ووصف لنا ابن عجلان ذلك أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض.
(أَوْ أَمَامَهُ) وعلة النهي هو قوله في حديث أبى داود المذكور: "فإنما يستقبل ربّه ﷿"، وفي حديث ابن عمر -﵄- الماضي: "فإن اللَّه قبل وجهه" (وَلَكِنْ يَبْزُقُ) وفي نسخة: "لِيَبْزُق"، وهو بضمّ الزاي، يقال: بزق يَبْزُق من باب نصر بُزَاقًا: بَصَقَ، وهو إبدال منه (عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) ووقع عند البخاريّ في رواية أبي الوقت: "وتحت قدمه"، بالواو، وفي حديث أبي هريرة -﵁- الآتي للمصنّف من طريق أبي رافع، عنه: "ولكن عن يساره تحت قدمه" بحذف "أو"، وفي حديث أنس -﵁-: "ولكن عن شماله تحت قدمه".
قال في "الفتح": والروايات التي فيها "أو" أعم؛ لكونها تَشْمَل ما تحت القدم، وغير ذلك. انتهى.
وقال صاحب "المفهم": وظاهر "أو" الإباحة، أو التخيير ففي أيهما بصق
[ ١٢ / ٣٥٩ ]
لم يكن به بأس، قال: وإليه يرجع معنى قوله: "عن شماله تحت قدمه"، فقد سمعنا من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب، أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إن كان في المسجد بُسُط، وما له بالٌ من الْحُصُر مما يُفسده البصاق، ويقذّره، فلا يجوز؛ احترامًا للماليّة. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدري -﵁- مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٢٩ و١٢٣٠] (٥٤٨)، و(البخاريّ) (٤٠٨ و٤٠٩ و٤١٠ و٤١١ و٤١٤)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٧٢٥)، و"السنن الكبرى" (٨٠٤)، (وابن ماجه) في "الصلاة" (٧٦١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٨١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٢٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٦٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦ و٥٨ و٨٨ و٩٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٢٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٩٧٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٧٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٥٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٦٨ و٢٢٦٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٩٥ و١١٩٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٠٥ و١٢٠٦ و١٢٠٧)، و(البيهقيّ) (٢/ ٢٩٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن البزاق في المسجد في الصلاة أو غيرها.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن البزاق بين المصلّي وقبلته؛ لأنه يناجي ربّه.
٣ - (ومنها): النهي عن البزاق عن يمين المصلّي؛ لأنه مكان الملك.
٤ - (ومنها): بيان طهارة البصاق والنخامة؛ إذ لو لم يكن طاهرًا لما أمر
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٦٠.
[ ١٢ / ٣٦٠ ]
بدفنه في المسجد، ولا بأن يبصق في ثوبه ويدلكه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهو كذلك.
قال ابن عبد البرّ -﵀-: ولا أعلم خلافًا في طهارة البصاق، إلا شيئًا يُرْوَى عن سلمان -﵁-، والسنن الثابتة ترده، وحكاه الزكيّ عبد العظيم في "حواشيه" على "السنن" عن النخعيّ أيضًا.
٥ - (ومنها): تفقُّد الإمام أحوال المساجد، وتعظيمها، وصيانتها.
٦ - (ومنها): أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة، ولا تفسد صلاته.
٧ - (ومنها): أن البصاق طاهرٌ، وكذا النخامة والمخاط، خلافًا لمن يقول: كلُّ ما تستقذره النفس حرام.
٨ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع، فان جهة اليمين مفضَّلة على اليسار، وأن اليد مفضلة على القدم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قصر في "الفتح" التحسين والتقبيح على الشرع فقط، وهو مذهب الأشاعرة، والحقّ أن التحسين والتقبيح بالشرع والعقل، وإنما الذي يختصّ بالشرع هي الأحكام الشرعيّة، من الإيجاب والتحريم، ومقدار الثواب والعقاب، ونحو ذلك، وقد حقّقت المسألة في "التحفة المرضيّة" و"شرحها"، فراجعهما تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): الحث على الاستكثار من الحسنات، وإن كان صاحبها مليًّا؛ لكونه -ﷺ- باشر الحك بنفسه، وهو دالّ على عِظَم تواضعه -ﷺ-، زاده اللَّه تشريفًا وتعظيمًا -ﷺ-.
١٠ - (ومنها): أن في أمره -ﷺ- بدفن النخامة في المسجد دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر، ورَوَى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة لقالت: "أمر رسول اللَّه -ﷺ- ببناء المساجد في الدور، وأن تُنَظّف، وتُطَيَّب" (^١).
وقال ابن عبد البرّ -﵀-: وفي حكم البصاق في المسجد تنزيهه عن أن
_________________
(١) حديث صحيح.
[ ١٢ / ٣٦١ ]
يؤكل فيه مثل البَلُّوط نوع من الشجر والزبيب لعَجَمِه -أي نواه- وما له دسم وتلويث، وحَبّ رقيق، وما يَكْنُسُه المرء من بيته.
١١ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: فيه أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة إذا لم يبصق قبل وجهه، ولا يقطع ذلك صلاته، ولا يفسدها إذا غلبه ذلك، واحتاج إليه، ولا يبصق قبل وجهه الْبَتَّةَ.
١٢ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ: أيضًا في إباحة البصاق في المسجد لمن غلبه ذلك دليل على أن النفخ، والتنحنح في الصلاة إذا لم يقصد به صاحبه اللعب والعبث، وكان يسيرًا، لا يضر المصلي في صلاته، ولا يفسد شيئًا منها؛ لأنه قلما يكون بصاق، إلا ومعه شيء من النفخ، والنحنحة، والبصاق، والنخاعة، والنخامة كل ذلك متقارب.
قال: والتنخم، والتنخع ضرب من التنحنح، ومعلوم أن للتنخم صوتًا كالتنحنح، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق، فإن قصد النافخ أو المتنحنح في الصلاة بفعله ذلك اللعب، أو شيئًا من العبث أفسد صلاته، وأما إذا كان نفخه تأوُّهًا من ذكر النار إذا مرّ به ذكرها في القرآن، وهو في الصلاة فلا شيء عليه.
ثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يقطع الصلاة النفخ والتنحنح، وروى ابن عبد الحكم، وابن وهب أنه لا يقطع الصلاة النفخ، والتنحنح، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: يقطع النفخ إن سمع، وقال أحمد وإسحاق: لا يقطع، وقال الشافعي: ما لا يُفْهِم منه حروف الهجاء فليس بكلام.
قال ابن عبد البر: وقول مَن راعى حروف الهجاء، وما يُفْهَم من الكلام أصحّ الأقاويل، إن شاء اللَّه. انتهى.
ومذهب الشافعي في النحنحة، والضحك، والبكاء، والنفخ، والأنين أنه إن بان منه حرفان بطلت ما لم يكن معذورًا بغلبة، أو تعذر قراءة الفاتحة ما لم يكثر الضحك، وإن كان مغلوبًا فإنه يضر. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "طرح التثريب" ٢/ ٣٨٠ - ٣٨٦.
[ ١٢ / ٣٦٢ ]
(المسألة الرابعة): هل المراد بقوله في حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاري: ". . . فإنه مُنَاجٍ للَّه ﷿ ما دام في مصلاه"، أي المكان الذي صلى فيه، أو المسجد الذي صلى فيه، أو المراد بالمصلَّى نفس الصلاة؟ والأول هو الحقيقة، فحمله عليه أولى، ويدل على الثاني قوله في حديث ابن عمر -﵄-: "فإن اللَّه قِبَل وجهه إذا صلى"، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ -﵀-: قوله: "ما دام في مصلاه" يقتضي تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، لكن التعليل المتقدم بأذى المسلم يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقًا، ولو لم يكن في صلاة، فيُجْمَع بأن يقال: كونه في الصلاة أشدّ إثمًا مطلقًا، وكونه في جدار القبلة أشدّ إثمًا من كونه في غيرها من جدار المسجد، فهي مراتب متفاوتة مع الاشتراك في المنع. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ثبت في رواية أبي داود تعليل النهي عن البصاق في اليمين بأن فيه ملكًا، قال الحافظ -﵀-: فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد يُسْتَشْكَل اختصاصه بالمنع مع أن عن يساره ملكًا آخر.
وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفًا له وتكريمًا، هكذا قال جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أمّ الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويَشهَد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي اللَّه، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره". انتهى.
فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحوّل في الصلاة إلى اليمين، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢)، وهو توجيه حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أَطْلق في هذا الحديث الإذن في أن يبصق عن
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٧٣ - ٧٤.
(٢) "الفتح" ٢/ ٧٤.
[ ١٢ / ٣٦٣ ]
يساره، وهو محمول على ما إذا كان جهة يساره فارغًا من المصلين، بدليل ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من حديث طارق بن عبد اللَّه المحاربيّ -﵁- وفيه: ". . . ولكن تلقاء يساره، إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى".
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذا يدل عليه قوله في بعض طرق حديث أبي هريرة الآتي للمصنّف، بلفظ: "فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا" أي فإن لم يجد جهة شماله فارغًا، قاله العراقيّ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قد ذكر العراقيّ في "طرح التثريب" فوائد تتعلق بحديث الباب، أحببت إيرادها هنا، مع المناقشة لبعضها، وإن كان بعضها تقدم تكميلًا للفوائد، وتكثيرًا للعوائد، قال -﵀-:
[الأولى]: هذا النهي في البصاق أمامه، أو عن يمينه، هل يفيد كونه في المسجد أو عام في المصلين في أيّ موضع كانوا؟.
الظاهر أن المراد العموم؛ لأن المصلي مُنَاجٍ للَّه تعالى في أي موضع صلى، والملك الذي عن يمينه معه، أيّ موضع صلى، ولكن البخاريّ بوّب على هذا الحديث: "باب دفن النخامة في المسجد"، وإنما قيّده البخاريّ بالمسجد؛ لأنه لم يأمر بدفن النخامة في غير المسجد.
ويدل عليه ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد أنه -ﷺ- رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحَكّها، فقال: "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمنّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى". لفظ البخاريّ، ولم يَسُق مسلم لفظه.
[الثانية]: هل المراد بالقيام للصلاة يعني قوله: "إذا قام أحدكم للصلاة فلا يبصق أمامه" الدخول فيها، أو النهوض، والانتصاب لها ولو قبل الإحرام؟.
والجواب: أنه إن كان في غير المسجد، أو غيره، فلا حرج في ذلك قبل الشروع في الصلاة إذا كان في غير المسجد، وإن كان المراد بذلك تقييد كونه في المسجد، فسواء في ذلك بعد الإحرام، أو قبله، بل دخول المسجد كان في
[ ١٢ / ٣٦٤ ]
النهي عن البزاق فيه، وإن لم يكن قام إلى الصلاة، كما ثبت في حديث أنس المتفق عليه: "البزاق في المسجد خطيئة".
[الثالثة]: هذا النهي عن بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه، هل هو على التحريم، أو التنزيه؟.
قال القرطبيّ -﵀-: إن إقباله -ﷺ- على الناس مُغْضبًا يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة، وعلى أنه لا يُكَفَّر بدفنه، ولا بحكه، كما قال في جملة المسجد: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها".
قال العراقيّ -﵀-: ويدل على تحريم البصاق في القبلة ما رواه أبو داود بإسناد جيِّد من حديث السائب بن خلاد -﵁-: أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول اللَّه كليم ينظر إليه، فقال حين فرغ: "لا يصلي لكم. . . " الحديث. وفيه أنه قال له: "إنك آذيت اللَّه ورسوله".
وأطلق جماعة من الشافعيين كراهية البصاق في المسجد، منهم المحامليّ، وسُلَيم الرازيّ، والرويانيّ، وأبو العباس الجرجانيّ، وصاحب "البيان" ﵏، وجزم النوويّ -﵀- في "شرح المهذَّب"، و"التحقيقِ" بتحريمه، وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح: "إنه خطيئة".
وقال أبو الوليد الباجيّ -﵀-: فأما من بصق في المسجد، وستر بصاقه، فلا إثم عليه، وحكى القرطبيّ -﵀- أيضًا عن ابن مكيّ إنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه، قال القرطبيّ: وقد دل على صحة هذا قوله في حديث أبي ذرّ -﵁- عند مسلم: "ووجدت في مساوي أعمالها: النخامة تكون في المسجد، لا تدفن"، فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة.
قال العراقيّ -﵀-: ويدل عليه أيضًا إذنه -ﷺ- في ذلك في حديث الباب بقوله: "أو تحت رجليه، فيدفنه"، إن حملنا الحديث على إرادة كونه في المسجد، كما تقدم، وهو مصرح به في حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة -﵁-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التفصيل عندي هو الأولى جمعًا بين الأحاديث.
[ ١٢ / ٣٦٥ ]
والحاصل أن البصاق في المسجد محرَّم إذا لم يدفن، واللَّه تعالى أعلم.
[الرابعة]: علَّل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجيًا للَّه تعالى، وفي حديث ابن عمر بأن اللَّه قِبَل وجهه إذا صلى، وفي حديث أبي هريرة الآتي: "ما بال أحدكم يقوم مستقبلًا ربه، فيتنخع أمامه".
ولا منافاة بين ذلك، فإن المراد إقبال اللَّه تعالى عليه، كما سيأتي.
وقال ابن عبد البر -﵀-: وهذا كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وإكرامها، قال: وقد نزع بهذا الحديث بعض من ذهب مذهب المعتزلة إلى أن اللَّه تعالى في كل مكان، وليس على العرش، قال: وهذا جهل من قائله، لأن قوله في الحديث: "يبصق تحت قدمه، وعن يساره" ينقض ما أصَّلُوه في أنه في كل مكان.
قال العراقي: هذا كلام ابن عبد البر، وهو أحد القائلين بالجهة، فاحذره، وإنما ذكرته لأنّبه عليه؛ لئلا يُغْتَرّ به، والصواب ما قدمناه بدليل ما أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح من حديث حذيفة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: "إذا قام الرجل في صلاته أقبل اللَّه تعالى عليه بوجهه، فلا يبزقن أحدكم في قبلته. . . " الحديث.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله العراقيّ ردًّا على ابن عبد البر، وصوّبه غير صواب؛ بل الصواب مع ابن عبد البر، وهو الذي عليه أهل الحديث، وهو مذهب سلف هذه الأمة، وذلك أن ابن عبد البرّ من كبار المحدثين، ومن محققي الفقهاء والأصوليين، ومذهب هؤلاء: الإيمان بما وصف اللَّه تعالى به نفسه في كتابه، أو صحّ عن رسول اللَّه -ﷺ- وصفُهُ به، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.
فيا أيها العقلاء، ويا أصحاب الألباب، فهل من يؤمن بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] الآية، بأن اللَّه تعالى استوى على العرش على معناه اللغويّ العربيّ، استواء يليق بجلاله، وبقوله -ﷺ- في الحديث الذي اتفقت الأمة على صحته وقبوله: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا. . . " الحديث، بأن اللَّه تعالى ينزل نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله من غير
[ ١٢ / ٣٦٦ ]
تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه، ولا تمثيل، فهل هو على الصواب؟ أم من يعتقد أن معنى استوى: استولى، وأن معنى ينزل: ينزل ملكه، ويسلك مسلك التحريف والتأويل هو الذي على الصواب؟! فباللَّه أنصفوا، وقولوا الحق، أيهما على الصواب؟، وأيهما معه الحق؟! ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢].
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغَيْب والشَّهادَة، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهْدِنَا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وقال صاحب "المفهم": إنه لما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده وكلّيته إلى هذه الجهة؛ نزّلها في حقه وجود منزلة اللَّه تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، كما قال: "الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض"، أي بمنزلة يمين اللَّه.
قلت: وقد أوّل الإمام أحمد هذا الحديث. قال القرطبي: وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه، أو رحمة ربه، كما قال في الحديث الآخر: "فلا يبصق قبل القبلة، فإن الرحمة تواجهه".
قال العراقي: ولا أحفظ هذا اللفظ في البصاق، وإنما هو في مسح الحصى، كما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذرّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصا فإن الرحمة تواجهه". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كلام صاحب "المفهم" هو عين ما قاله العراقي فتنبه.
وأما قوله: وقد أوَّل الإمام أحمد هذا الحديث، فقد ردّه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (٥/ ٣٩٨). قال -﵀-: وأما ما حكاه أبو حامد الغزاليّ عن بعض الحنابلة: أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء: "الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض"، و"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع
[ ١٢ / ٣٦٧ ]
الرحمن"، و"إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين"، فهذه الحكاية كَذِبٌ على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد؛ ولا يُعرَف أحد من أصحابه نَقَل ذلك عنه، وهذا الحنبليّ الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يُعْرَف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال. انتهى كلام شيخ الإسلام، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، فتمسّك به تسلم من التدليس والتلبيس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ (^٢)، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ، أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى نُخَامَةً، بِمِثْلِ (^٣) حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ الحافظ الفقيه، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٢) وفي نسخة: "وحرملة بن يحيى".
(٣) وفي نسخة: "مثلَ".
[ ١٢ / ٣٦٨ ]
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا) يعني يونس، وإبراهيم بن سعد.
[تنبيه]: رواية يونس بن يزيد هذه، ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٣٥) فقال:
(١١٩٥) حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدّثني حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد الخدريّ يقولان: رأى رسول اللَّه -ﷺ- نُخامةً في القبلة، فتناول حصاةً فحَكّها، ثم قال: "لا يتنخم أحدكم في القبلة، ولا عن يمينه، وليبصُقْ عن يساره، أو تحت رجله". انتهى.
وأما رواية إبراهيم بن سعد هذه فساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٤٠٩) حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه، أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاةً، فحكها، فقال: "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣١] (٥٤٩) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مُخَاطًا، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
[ ١٢ / ٣٦٩ ]
٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، توُفيت سنة (٥٧) أو بعدها، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وقُتيبة، وإن كان بَغْلانيًّا إلا أنه دخل المدينة.
٣ - (ومنها): أن رواته كلهم رواة الجماعة.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠).
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى بُصَاقًا) بالضمّ: هو البزاق، قال النوويّ -﵀-: قال أهل اللغة: المخاط من الأنف، والبصاق والبزاق من الفم، والنخامة، وهي النُّخاعة من الرأس أيضًا، ومن الصدر، ويقال: تنخَّم، وتنخَّع. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: النُّخاعة، والنّخامة: ما يخرُج من الصدر، يقال: تنخّم، وتنخّع بمعنى واحد، والبُصاق بالصاد والزاي: ما يخرُج من الفم، والمخاط: ما يخرُج من الأنف، ويقال: بَصَقَ الرجل يبصُقُ، وبزَقَ كذلك، وتَفَلَ بفتح العين يَتْفِلُ بكسرها، وبالتاء المثنّاة، ونفث ينفُث، قال ابن مكيّ في "تثقيف اللسان": التَّفَل بفتح الفاء: نفخٌ لا بُصاق معه، والنفثُ: لا بدّ أن
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٣٨ - ٣٩.
[ ١٢ / ٣٧٠ ]
يكون معه شيء من الريق، قاله أبو عُبيد، وقال الثعالبيّ: الْمَجّ: الرمي بالريق، والتفلُ أقلُّ منه، والنفث أقلّ منه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "يَتْفُل بكسر التاء" فيه قصور، فإن فيه الضم أيضًا، قال في "المصباح": تَفَلَ تَفْلًا، من بابي ضَرَبَ وقَتَلَ، من البُزاق، يقال: بَزَقَ، ثم تَفَلَ، ثم نَفَثَ، ثم نفَخَ. انتهى (^٢).
(فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ) متعلّق بصفة لـ "بُصاقًا"، أي كائنًا في جدار المسجد من جهة القبلة (أَوْ مُخَاطًا، أَوْ نُخَامَةً) وفي رواية البخاريّ: "رأى في جدار القبلة مُخاطًا، أو بُصاقًا، أو نُخامةً"، قال في "الفتح": كذا هو في "الموطّأ" بالشكّ، وللإسماعيلي من طريق مَعْن، عن مالك: "أو نُخاعًا"، بدل "مُخاطًا"، وهو أشبه، قال: والفرق بينهم أن النخاعة ما يخرُج من الصدر، وقيل: النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس. انتهى (^٣).
(فَحَكَهُ) وفي رواية: "فحتّها" وهما بمعنى واحد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٣١] (٥٤٩)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٠٧)، و(ابن ماجه) فيها (٧٦٤)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ١٩٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢٥٢٠٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٠٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٥٧.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٧٦.
(٣) "الفتح" ١/ ٦٠٥ و٦٠٧.
[ ١٢ / ٣٧١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٢] (٥٥٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى نُخَامَة فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ، فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا"، وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ مِهْرَانَ) الْقَيسيّ، مولى بني قيس بن ثَعْلَبة، خال هُشيم، ثقةٌ (^١) [٦].
رَوَى عن أبي رافع الصائغ، وعنه شعبة، وعبد الوارث، وهُشيم، وعبد اللَّه بن دُكين الكوفيّ، وإسماعيل ابن علية.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس عندهم إلا هذا الحديث فقط.
٢ - (أَبُو رَافِع) نُفَيعٌ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لاختلاف صيغ الأداء.
_________________
(١) قال عنه في "التقريب": صدوقٌ، وعندي أنه ثقة؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن معين، وأخرج له المصنّف -﵀-، وقال أبو حاتم: صالح، ولم يتكلّم فيه، فهو ثقة، فتنبّه.
[ ١٢ / ٣٧٢ ]
٢ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى نُخَامَةً) تقدّم أنها ما يكون من الرأس كالنخاعة (فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) أي في الجهة التي هي قبلة المسجد النبويّ (فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "مَا بَالُ أَحَدِكُمْ) "ما" استفهاميّة"، والاستفهام إنكاريّ، أي ما شأنه، وما حاله، وقوله: (يَقُومُ) جملة حالية من "أحدكم"، وقوله: (مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ) منصوب على الحال من فاعل "يقوم" (فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ) أي جهة قُدّامه (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ) بالبناء للمفعول، أي يستقبله أحد من الناس (فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟) بالبناء للمفعول أيضًا، والمعنى: أنه كما يكره، أن يقابله أحد، ثم يتنخّع في وجهه، كذلك ينبغي له أن يعظمّ ربّه، ويعظم القبلة التي يواجه فيها ربّه (فَإِذَا تَنَخَّعَ) أي أراد أن يتنخّع (أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ) قال النوويّ -﵀-: فيه نهي المصلي عن البصاق بين يديه، وعن يمينه، وهذا عامّ في المسجد وغيره.
وقوله -ﷺ-: "وليبزق تحت قدمه وعن يساره" هذا في غير المسجد، أما المصلي في المسجد فلا يبزق إلا في ثوبه؛ لقوله -ﷺ-: "البزاق في المسجد خطيئة"، فكيف يأذن فيه -ﷺ-؟.
وإنما نُهِي عن البصاق عن اليمين؛ تشريفًا لها، وفي رواية البخاريّ: "فلا يبصق أمامه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا".
قال القاضي عياض: والنهي عن البزاق عن يمينه هو مع إمكان غير اليمين، فإن تعذر غير اليمين بأن يكون عن يساره مصل، فله البصاق عن يمينه، لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما أمكن. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول القاضي: فله البصاق عن يمينه، فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه -ﷺ- أرشد فيما إذا لم يمكن البصاق عن اليسار بأن يتنخّع في ثوبه، ثم يدلُكه، ولم يبح التفل في يمينه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٣٩.
[ ١٢ / ٣٧٣ ]
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا") أي فليتفُل، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو شائع، وقد سبق تحقيقه غير مرّة.
ولفظ أبي نعيم في "مستخرجه" من طريق هشيم، عن القاسم بن مِهْران: "فإن لم يستطع فليبزُق في ناحية ثوبه، ثم ليردّ بعضه على بعض".
(وَوَصَفَ الْقَاسِمُ) بن مِهْران كيفيّة ما أشار إليه -ﷺ- بقوله: "فليقل هكذا" (فَتَفَلَ) تقدّم أنه من بابي ضرب، وقَتَل (فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ) يعني أنه دلك ذلك التفل حتى يتلاشى، ويذهب أثره، فلا يظهر عليه قبح المنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٣٢ و١٢٣٣] (٥٥٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٩٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٠٩ و١٢١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٩١ و٢٩٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَرُدُّ ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد، تقدم قريبًا أيضًا.
[ ١٢ / ٣٧٤ ]
والباقون تقدّموا قريبًا، فمن قبل القاسم تقدّموا قبل أربعة أبواب، ومنه ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ) الضمير لعبد الوارث، وهُشيم، وشعبة.
[تنبيه]: رواية عبد الوارث، وشعبة ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٣٦) فقال:
(١١٩٧) حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة وأبيه، عن القاسم بن مِهْران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى نخامة، أو بزاقًا في القبلة، فحكّها، وقال: "أيسُرُّ أحدكم إذا قام يصلي أن يأتيه رجل، فيتنخع في وجهه؟ فإذا قام أحدكم فلا يتنخعنّ، أو يبزقنّ بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره تحت قدمه، فإذا لم يجد فليفعل هكذا"، وبزق في ثوبه، ثم دلكه.
وأما رواية هشيم، فساقها أبو عوانة أيضًا (١/ ٣٣٧) فقال:
(١١٩٩) حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا هشيم، عن القاسم بن مِهْران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: رأيت النبيّ -ﷺ- بزق في ثوبه، وهو في الصلاة، فلقد رأيته يرُدّ بعضه على بعض. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٤] (٥٥١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
[ ١٢ / ٣٧٥ ]
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة الناقد البصير [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبت، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) بن سِنان الصحابيّ الشهير، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والسماع، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه أحد المشايخ التسعة الذين اشترك أصحاب الكتب الستّة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، أحد المكثرين السبعة (٢٢٨٦) حديثًا، وخدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، وهو من المعمّرين، قد جاوز المائة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ) وفي رواية البخاريّ من طريق حميد، عن أنس: "أن النبيّ -ﷺ- رأى نُخامة في القبلة، فشقّ ذلك عليه حتى رُؤي في وجهه، فقام. فحكّه بيده، فقال: "إن أحدكم إذا قام في صلاته. . . " (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) أي يُسارّه، تقول: ناجيته: إذا ساررته، والاسم النجوى، وتناجى القومُ: ناجى بعضهم بعضًا (فَلَا يَبْزُقَنَّ)
[ ١٢ / ٣٧٦ ]
بضم الزاي، من باب نصر (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي قُدّامه؛ لأن اللَّه قِبَل وجهه، وفي رواية البخاريّ: "فلا يبزقنّ قِبَل قبلته" (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) لأن الملك عن يمينه (وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ) أي ليبزُق من جهة شماله؛ لكونها مكان قرينه من الشيطان (تَحْتَ قَدَمِهِ") وتقدّم أن أكثر الروايات "أو تحت قدمه" بـ "أو"، وهي أعمّ؛ لكونها تشمل من تحت القدم وغير ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٣٤] (٥٥١)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٠٥ و٤١٢ و٤١٣ و٤١٧) و"المواقيت" (٥٣١ و٥٣٢) و"العمل في الصلاة" (١٢١٤)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٦٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٦٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٢٣١٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٦ و٢٧٣ و٢٧٨ و٢٩١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٠٣ و١٢٠٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢١١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٦٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٥٥ و٢/ ٢٩٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩١ و٤٩٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٥] (٥٥٢) - (وَحَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا").
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٢ / ٣٧٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٧٦) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْبُزَاقُ) مبتدأ (فِي الْمَسْجِدِ) متعلّق بـ "البُزاق"، وفيه بيان أنه لا يشترط كون الفاعل في المسجد، وإنما الشرط كون الفعل فيه، حتى لو بصق مَن هو خارج المسجد فيه تناوله النهي، أفاده في "الفتح" (^١).
وقوله: (خَطِيئَةٌ) خبر المبتدأ، أي ذنب ومعصيةٌ.
قال القاضي عياض -﵀-: كونه خطيئة إنما هو لمن تَفَل فيه، ولم يَدفِن؛ لأنه يُقذِّر المسجد، ويتأذّى به من يَعْلَق به، أو رآه، كما جاء في الحديث الآخر: "لئلا تُصيب جلد مؤمن، أو ثوبه، فتؤذيه" (^٢)، فأما من اضطرّ إلى ذلك، فدَفَنَ، وفَعَل ما أمر به، فلم يأت خطيئةً، فكأن بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفّرها، لو قدّرنا بصاقه فيه، ولم يَدفنه، وأصل التكفير: التغطية، فكأن دفنها غطاء لما يُتصوّر عليه من الذّمّ، والإثم لو لم يَفعل، وهذا كما سُمّيت تَحِلّةُ
_________________
(١) ١/ ٦١٠.
(٢) هو ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (١٥٤٦) بسند صحيح، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه سعد -﵁-، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إذا تنخم أحدكم في المسجد، فليغيّب نخامته، أن تصيب جلد مؤمن، أو ثوبه فتؤذيه".
[ ١٢ / ٣٧٨ ]
اليمين كفّارةً، وليست اليمين بمأثم فتُكفَّرَ، ولكن لَمَّا جعلها اللَّه تعالى فُسحةً لعباده في حَلّ ما عقده من أيمانهم، ورفعًا لحكمها سمّاها كفّارةً، ولهذا جاز إخراجها قبل الحنث، وسقوط حكم اليمين بها عند جماعة من العلماء، وهو الأصحّ، هذا هو تأويل لفظها إلا على قول من أثبتها خطيئةً، وإن اضطرّ إليها، لكن تُكفّرها التغطيةُ. انتهى كلام القاضي -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ مفيدٌ.
وقال النوويّ: -﵀-: اعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إلى البزاق، أو لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق، هذا هو الصواب أن البزاق خطيئة، كما صرح به رسول اللَّه -ﷺ-، وقاله العلماء، وللقاضي عياض فيه كلام باطل، حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة، واستَدَلّ له بأشياء باطلة، فقوله هذا غلطٌ صريحٌ مخالف لنصّ الحديث، ولما قاله العلماء، نبهت عليه؛ لئلا يُغْتَرَّ به. انتهى كلام النوويّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ردّ النوويّ على القاضي غير مسلَّم، بل ما قاله هو الحقّ، كما يتبيّن تحقيقه، بعدُ، فتنبّه.
وقال في "الفتح": قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا، ورَدّه النوويّ، فقال: هو خلاف صريح الحديث.
قلت: وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضا، وهما قوله: "البزاق في المسجد خطيئة"، وقوله: "وليبصُق عن يساره، أو تحت قدمه"، فالنوويّ يجعل الأول عامًّا، ويخُصّ الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عامًّا، ويخص الأول بمن لم يُرِد دفنها.
وقد وافق القاضي جماعة، منهم ابن مكيّ في "التنقيب"، والقرطبيّ في "المفهم"، وغيرهما، ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن، من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- مرفوعًا قال: "مَن تنخّم في المسجد، فَلْيُغَيِّب نخامته، أن تصيب جِلْدَ مؤمن، أو ثوبه فتؤذيه".
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ٢/ ٤٨٧.
[ ١٢ / ٣٧٩ ]
وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضًا، والطبرانيّ بإسناد حسن، من حديث أبي أمامة -﵁- مرفوعًا قال: "من تنخع في المسجد، فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة"، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديثُ أبي ذرّ -﵁- الآتي للمصنّف بعد حديث مرفوعًا قال: "ووجدت في مساوي أعمال أمتي النخاعةَ، تكون في المسجد لا تُدْفَنُ".
قال القرطبيّ: فلم يُثبِت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غير مدفونة. انتهى.
ورَوَى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح -﵁- أنه تنخَّم في المسجد ليلةً، فنَسِيَ أن يَدْفِنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شُعْلةً من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد للَّه الذي لم يكتب عليّ خطيئة الليلة.
فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها، لا بمن دفنها، وعلة النهي ترشد إليه، وهي تأذِّي المؤمن بها.
ومما يدل على أن عمومه مخصوصٌ جواز ذلك في الثوب، ولو كان في المسجد بلا خلاف.
وعند أبي داود من حديث عبد اللَّه بن الشِّخِّير -﵁- أنه صلى مع النبيّ -ﷺ-، فبصق تحت قدمه اليسرى، ثم دلكه بنعله -﵀-، وإسناده صحيحٌ، وأصله في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد، فيؤيِّد ما تقدم.
وتوسط بعضهم، فحَمَل الجواز على ما إذا كان له عذر، كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنعَ على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسنٌ واللَّه أعلم.
وينبغي أن يُفَصَّل أيضًا بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل، كمن حَفَر أوّلًا ثم بصق، ووارى، وبين من بصق أوّلًا بنية أن يدفن مثلًا، فيجري فيه الخلاف، بخلاف الذي قبله؛ لأنه إذا كان المكفِّر إثم إبرازها هو دفنها، فكيف يأثم من دفنها ابتداء؟. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن قول القاضي
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٠٩ - ٦١٠.
[ ١٢ / ٣٨٠ ]
عياض، ومن قال بقوله من أن كون البزاق في المسجد خطيئةً خاصّ بمن لا يُريد دفنها هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، وأن قول النوويّ: "إنه باطلٌ" غير مقبول، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
(وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا") مبتدأ وخبر، وأنّث الضمير مع أن البُزاق مذكّر؛ نظرًا لمعنى الخطيئة، أي مُزيل هذه الخطيئة سترها ذلك البُزاق بالدفن.
وقال النوويّ -﵀-: معناه: أن من ارتكب هذه الخطيئة، فعليه تكفيرها، كما أن الزنى والخمر وقتل الصيد في الإحرام محرَّمات وخطايا، واذا ارتكبها فعليه عقوبتها.
واختَلَف العلماء في المراد بدفنها، فالجمهور قالوا: المراد دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاته، إن كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها، وإلا فيُخرِجها، وحَكَى الرويانيّ من أصحابنا قولًا أن المراد إخراجها مطلقًا، واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول الرويانيّ بإخراجها مطلقًا مبنيّ على تصويب النووي كون البزاق في المسجد خطيئة مطلقًا، أراد دفنها أم لا، وقد عرفت ما فيه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١٢٣٥ و١٢٣٦] (٥٥٢)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤١٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٧٤ و٤٧٥ و٤٧٦ و٤٧٧)، و(الترمذيّ) فيها (٥٧٢)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٥٠ - ٥١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٩٧)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٨٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٦٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٣ و٢٣٢ و٢٧٤ و٢٧٧ و٢٨٩)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٠٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٣٥ و١٦٣٧)،
[ ١٢ / ٣٨١ ]
و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٩١)، و(الطبرانيّ) في "الصغير" (١/ ٤٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٠٣ و١٢٠٤ و١٢٠٥ و١٢٠٦ و١٢٠٧ و١٢٠٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢١٢ و١٢١٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٨٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَأَلْتُ قَتَادَة، عَنِ التَّفْلِ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) قال النوويّ -﵀-: فيه تنبيه على أن قتادة سمعه من أنس؛ لأن قتادة مُدَلِّس، فإذا قال: "عن" لم يَتَحَقَّق اتصاله، فإذا جاء في طريق آخر سماعه تحققنا به اتصال الأول. انتهى (^١).
وقوله: (التَّفْلُ) -بفتح التاء المثناة فوقُ، وإسكان الفاء-: هو البُصاق كما في الحديث الآخر: "البزاق في المسجد خطيئة"، قاله النوويّ.
وقال في "الفتح": التَّفْلُ -بالمثناة من فوقُ- أخفُّ من البزاق، والنفثُ بمثلثة آخره أخفّ منه. انتهى.
وقال القاضي عياضٌ -﵀-: قوله: "التفل في المسجد خطيئة" بفتح التاء
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٤١ - ٤٢.
[ ١٢ / ٣٨٢ ]
المثنّاة، وسكون الفاء: هو البزاق، كما جاء بهذا اللفظ في الحديث الآخر، قال ابن مكيّ في "تثقيف اللسان": قوله -ﷺ-: "فليتفل عن يساره"، وقوله: "التفل في المسجد" هذا مما يَغْلَط فيه الناس، فيجعلونه بالثاء، ويضمّون الفعل في المستقبل يقولونه: ثَفَل الرجل: إذا بصق، والصواب تَفَلَ بالتاء يَتْفِل بالكسر في المستقبل لا غير، وأما النفث بالثاء المثلّثة، فهو كالتفل إلا أن التفل نفخٌ لا بُصاق معه، والنفث لا بدّ أن يكون معه شيء من الريق، هذا قول أبي عُبيد. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، شرحه، ومسائله تقدّمت قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٧] (٥٥٣) - (حَدَّثَنَا (^٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ (^٣)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ، تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٣ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٨٦.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "الدُّؤَلِيّ".
[ ١٢ / ٣٨٣ ]
٤ - (وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ) -بتحتانيّة مصغَّرًا- ابن المهلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن يحيى بن عُقَيل الْخُزاعي، والحسن بن أبي الحسن، ورجاء بن حَيْوة، وأبي الزبير المكيّ، وعدّة.
وروى عنه هشام بن حسان، وهو من أقرانه، ومهديّ بن ميمون، وحماد بن زيد، وشعبة، وعبد الوارث، وخالد بن عبد اللَّه، وعباد بن عباد، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وكذا قال إسحاق، عن ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البزار: ليس بالقويّ، وقد احتُمِل حديثه، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، ورَوَى محمد بن نصر في "قيام الليل" من طريق ابن مهديّ: كان واصل لا ينام من الليل إلا يسيرًا، فغاب غيبة إلى مكة، فكنت أسمع القراءة من غرفته على نحو صوته، فلما جاء ذَكَرت له، فقال: هؤلاء سكان الدار.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٥٣) و(٧٢٠) و(١٠٠٦) و(٢٨٧٧).
٥ - (يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ) -بالتصغير- الْخُزاعيّ البصريّ، نزيل مَرْوَ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن عمران بن حصين، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، ويحيى بن يعمر، وعدّة.
وروى عنه سليمان التيميّ، وعَزْرَة بن ثابت، وعبد اللَّه بن كيسان المروزيّ، وواصل مولى أبي عُيينة، والحسين بن واقد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٥٣) و(٧٢٠) و(١٠٠٦) و(٢٦٥٠).
٦ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) -بفتح التحتانيّة، والميم، ويجوز ضمّها، بينهما
[ ١٢ / ٣٨٤ ]
مهملة ساكنة- البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، وكان يُرسل [٣] مات قبل المائتين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٧ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ) اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان، أو عثمان بن عمرو البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ مخضرم [٢] (ت ٦٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
٨ - (أَبوُ ذَرٍّ) جُنْدَب بن جُنَادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك في اسمه واسم أبيه، الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات -﵁- (٣٢) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ -﵁-.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ) -بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة، ويقال: الدُّؤَليّ بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة- كما وقع في بعض النسخ هنا، وهو نسبة إلى الدُّئِل بن كنانة (^١). (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب جُنادة الغفاريّ -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (أَعْمَالُ أُمَّتِي) وقوله: (حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا) بدل من "أعمالُ" (فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى) بفتحتين، قال في "المصباح": أَذِيَ الشيءُ أَذًى، من باب تَعِبَ: بمعنى قَذِرَ، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: أي مستقذَرٌ، وأَذِي الرجلُ أذًى: وَصَلَ إليه المكروه، فهو أَذٍ، مثلُ عَمٍ، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: آذيته إيذاءً، والأَذِيّة: اسم منه، فتأذَّى هو. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: "الأذى": هو كلّ ما يُتأذَّى به، من عظم، أو حجر، أو نجاسة، أو قَذَر، أو غير ذلك. انتهى (^٣).
_________________
(١) "اللباب" ١/ ٣٤٧.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٠.
(٣) "المفهم" ٢/ ١٦١.
[ ١٢ / ٣٨٥ ]
وقوله: (يُمَاطُ عَنِ الطَرِيقِ) بالبناء للمفعول، أي يُزال، ويُنحَّى ذلك الأذى عن طريق المسلمين، والجملة حال من "الأذى" (وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ) بالنصب على المفعوليّة، وتقدّم قريبًا أن النخاعة هي النخامة ما نزل من الرأس (تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) اسم "تكون" ضمير "النخاعة"، وخبرها الجارّ والمجرور، ويَحْتَمِل أن تكون "تكون" تاقة، أي توجد تلك النخاعة في المسجد، والجملة حال من "النخاعة"، وكذا قوله: (لَا تُدْفَنُ") بالبناء للمفعول، قال النوويّ -﵀-: هذا ظاهره أن هذا القبح والذم لا يختص بصاحب النخاعة، بل يدخل فيه هو وكلُّ من رآها، ولا يزيلها بدفن، أو حَكّ، ونحوه. انتهى، وهو بحثٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٣٧] (٥٥٣)، و(ابن ماجه) في (٣٦٨٣)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٣٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٧٨ و١٨٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١١)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٢١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٤٠ و١٦٤١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٩١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٨٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قبح النخاعة في المسجد.
٢ - (ومنها): أن قوله: "لا تُدْفَن" يؤيّد ما سبق من ترجيح قول القاضي: أن كون النخاعة في المسجد خطيئة لمن لا يُريد دفنها، وإلا فلا، قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على صحّة التأويل المذكور؛ لأنه لم يُبت لها حكم السيّئة لمجرّد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة. انتهى (^١).
_________________
(١) راجع: "المفهم" ٢/ ١٦١.
[ ١٢ / ٣٨٦ ]
٣ - (ومنها): بيان فضل إماطة الأذى عن الطريق، وقد سبق حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، وأخرج الشيخان، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "بينما رجل يمشي بطريق، وَجَدَ غُصْن شوك على الطريق، فأخّره، فشكر اللَّه له، فغفر له".
٤ - (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى على نبيّه -ﷺ-، حيث يُطلعه على المغتبات من أحوال أمته، وغير ذلك، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٨] (٥٥٤) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَأَيْتُهُ تَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاد بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (كَهْمَس) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) -بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين- العامريّ، أبو العلاء البصريّ، ثقةٌ [٢] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٠/ ٧٨٣.
٥ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن الشخّير بن عوف بن كعب بن وَقْدان بن الْحَرِيش الْحَرَشِيّ العامريّ، له صحبة، رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وروى عنه بنوه: مُطَرِّف، وهانئ، ويزيد، وعِداده في أهل البصرة، وذكره ابن سعد في طبقة مسلمة الفتح، وقال ابن منده: وفدَ في وفدِ بني عامر.
[ ١٢ / ٣٨٧ ]
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٥٤)، وأعاده بعده، و(٢٩٥٨).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستّة من يُسمّى بكهمس، إلا هذا عندهم، وإلا كهمس بن المنهال السّدوسيّ البصريّ، عند البخاريّ، له عنده حديث واحد فقط.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا تسعة أحاديث فقط، راجع: "تحفة الأشراف" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ) -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَأَيْتُهُ تَنَخَّعَ) أي أخرج النُّخاعة (فَدَلَكَهَا) بتخفيف اللام: أي مَرَسها، يقال: دَلَكتُ الشيءَ دَلْكًا، من باب نصر: إذا مَرَسْتَه بيدك، ودلكتُ النعل بالأرض: إذا مسحتها بها (^٢)، ويَحْتَمِل أن يكون بتشديد اللام؛ للمبالغة (بِنَعْلِهِ) وفي الرواية التالية: "فدلكها بنعله اليُسرى"، فتبيّن بها أن السنّة دلكها بالنعل اليُسرى، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" من طريق أبي العلاء بن الشِّخِّير، عن أبيه، قال: "رأيتُ النبيّ -ﷺ- يُصلي، ثم تَفَلَ تحت قدمه اليسرى، فحكِّها بنعله في الصلاة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن الشِّخِّير -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "تحفة الأشراف" ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٧.
(٢) راجع: "المصباح" ١/ ١٩٩.
[ ١٢ / ٣٨٨ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٣٨ و١٢٣٩] (٥٥٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٨٢ و٤٨٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنفه" (١٦٨٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٥ - ٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٧٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٠٩ و١٢١٠)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٢١٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (^١) يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: فَتَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٢ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بضمّ الجيم- سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٣ - (أَبُو الْعَلَاءِ، يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢] (ت ١١١) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٠/ ٧٨٣.
والباقيان ذُكرا في الباب، وشرح الحديث، ومسائله تقدمت قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.