وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٩] (٤٠٠) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ (^١)، عَنْ أَنَسٍ (^٢)، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أُنْزِلَتْ عَلَى آنِفًا (^٣) سُورَة"، فَقَرَأَ: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ " فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ (^٤)، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ" (^٥).
زَادَ ابْنُ حُجْرٍ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: "مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ").
_________________
(١) وفي نسخة: "عن المختار بن فُلفل".
(٢) وفي نسخة: "عن أنس بن مالك".
(٣) وفي نسخة: "نَزَلت عليّ آنفًا".
(٤) وفي نسخة: "هو حوضي".
(٥) وفي نسخة: "ما أحدثوا بعدك".
[ ٩ / ٣٢٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصِل، ثقةٌ، له غرائبُ بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث، ثقة [٤] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٥ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد في هذا الكتاب، وهو (٣٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنهم ما بين مروزيّ، ثم بغداديّ، وهو شيخه ابن حُجْر، وكوفيين، وهو أبو بكر، وعليّ بن مسهر، وبصريين، وهما: المختار، وأنس.
٣ - (ومنها): أن فيه أنس بن مالك -﵁-، خادم رسول اللَّه -ﷺ- عشر سنين، وأحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁-، وفي نسخة: "عن أنس بن مالك"، أنه (قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال الجوهريّ -﵀-: "بينا" فَعْلَى، أشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، و"بينما" زيدت عليها "ما"، والمعنى واحد، تقول: بينا نحن نَرْقُبه أتانا، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، والجُمَل مما تُضاف إليها أسماء الزمان، كقولك: أتيتك زمنَ الحجّاج أميرٌ، ثم حذف المضاف الذي هو "أوقات"، وولي الظرف الذي هو "بين" الجملة التي أُقيمت مقام المضاف إليها، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية [يوسف: ٨٢]، وكان الأصمعيّ يخفض ما بعد
[ ٩ / ٣٢٨ ]
"بينا" إذا صلح في موضعه "بين"، ويُنشد قول أبي ذُؤيب بالكسر [من الكامل]:
بَيْنَا تَعَنُّقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
وغيره يرفع ما بعد "بينا"، و"بينما" على الابتداء والخبر. انتهى كلام الجوهريّ -﵀- (^١).
وقد تقدّم البحث في "بينا" و"بينما" مستوفًى غير مرّة، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ذَاتَ يَوْمٍ) "ذات" مقحمةٌ، أي يومًا من الأيّام، وقال الزمخشريّ: هو من إضافة المسمّى إلى الاسم (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، وفي رواية عليّ بن حجر: "بين أظهرنا في المسجد"، يقال: هو نازلٌ بين ظهرَيْهم، وبين ظهرانيهم، وبين أظهُرهم: أي بينهم، قال ابن الأثير -﵀-: "فأقاموا بين ظهرانيهم، وبين أظهرهم"، قد تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد أنهم أقاموا بينهم، على سبيل الاستظهار، والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدًا، ومعناه أن ظهرًا منهم قُدّامهُ، وظهرًا منهم وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم مطلقًا. انتهى كلام ابن الأثير (^٢).
(إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً) أي نام نَوْمةً خفيفةً، يقال: أغفيتُ إغفاءً، فأنا مُغْفٍ: إذا نِمْتَ نومةً خفيفة، قال ابن السكّيت وغيره: ولا يقال: غَفَوتُ، وقال الأزهريّ: كلام العرب أغفيتُ، وقَلَّما غَفَوتُ، قاله الفيّوميّ (^٣).
(ثُمَّ رَفَع رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا) أي حال كونه ضاحكًا قليلًا، يقال: بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضَرَبَ: ضَحِكَ قليلًا من غير صوت، وابتسم، وتبسّم كذلك، ويقال: هو دون الضحك، قاله الفيّوميّ (^٤).
(فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي: أيّ شيء جعلك ضاحكًا؟ (قَالَ: "أُنْزِلَتْ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "نَزَلَتْ"، (عَلَى آنِفًا) أي قريبًا، وهو بالمدّ، ويجوز القصر في لغة قليلة، وقد قرئ به في السبع (^٥)، وقال في
_________________
(١) "الصحاح" ٥/ ١٦٨٣.
(٢) "النهاية" ٣/ ١٦٦.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٠.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٤٩.
(٥) "شرح النوويّ" ٤/ ١١٣.
[ ٩ / ٣٢٩ ]
"اللسان": وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]: معنى ﴿آنِفًا﴾ من قولك: استأنف الشيءَ إذا ابتدأه، وقال ابن الأعرابيّ: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾: أي مُذْ ساعة. انتهى (^١). (سُورَةٌ) بالرفع على أنه نائب فاعل "أُنزلت" (فَقَرَأَ) -ﷺ- (بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾) قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -﵀-: قراءة العامّة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ بالعين، وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف: "أنطيناك" بالنون، وروته أم سلمة عن النبيّ -ﷺ-، وهي لغة في العطاء، أنطيته: أعطيته.
والكوثر: فَوْعَلٌ من الكثرة، مثلُ النَّوْفَل، والْجَوْهَر، من الجهر، والعرب تسمّي كلّ شيء كثير في العدد والقدر والخطَر كَوْثَرًا، قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر، أي بمال كثير، والكوثر من الرجال: السيد الكثيرُ الخيرِ، قال الْكُمَيت [من الطويل]:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا ابْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ … وَكَانَ أَبُوكَ ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا
والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع، والكوثر من الغبار: الكثيرُ، وقد تكوثر: إذا كَثُرَ، قال الشاعر [من الطويل]:
أَبَوْا أَنْ يُبِيحُوا جَارَهُمْ لِعَدُوِّهِمْ … وَقَدْ ثَارَ نَقْعُ الْمَوْتِ حَتَّى تَكَوْثَرَا
(﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾) أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي وُعِدته، فأخلص لربّك صلاتك المكتوبة والنافلة، (﴿وَانْحَرْ﴾) أي اذبَحْ نُسُكك، قال ابن عبّاس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البُدن ونحوها، وكذا قال غير واحد من السلف، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير اللَّه، والذبح على غير اسمه، وقيل: المراد وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يُروَى هذا عن عليّ -﵁-، ولا يصحّ، وعن الشعبيّ مثله، وعن أبي جعفر الباقر، يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقيل: استقبل بنحرك القبلة، وعن عطاء الخراسانيّ: ارفع صُلْبك بعد الركوع، واعتَدِلْ، وأبرِز نحرك -يعني به الاعتدال-.
_________________
(١) "لسان العرب" ٩/ ١٥.
[ ٩ / ٣٣٠ ]
قال الحافظ ابن كثير -﵀-: وكلّ هذه الأقوال غريبة جدًّا، والصحيح القول الأول، وهو أن المراد بالنحر ذبح المناسك.
وقال إمام المفسّرين ابن جرير الطبريّ -﵀-: والصواب قول من قال: إن معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلّها لربك خالصًا، دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان؛ شُكرًا له على ما أعطاك من الكرامة، والخير الذي لا كفاء له، وخصّك به. انتهى.
قال ابن كثير -﵀-: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظيّ وعطاء. انتهى كلام ابن كثير -﵀-، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]) أي إن مبغضك يا محمد، ومُبْغِض ما جئت به من الهدى والحقّ، والبرهان الساطع، والنور المبين، هو الأبتر الأقلّ الأذلّ المنقَطِع ذِكْرُهُ.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومَان قال: كان العاص بن وائل إذا ذَكَر رسول اللَّه -ﷺ- يقول: دَعُوه، فإنه رجل أبتر، لا عَقِب له، فإذا هلك انقطع ذِكْره، فأنزل اللَّه هذه السورة، وقال شَمِر بن عطية: نزلت في عُقبة بن أبي مُعَيط، وقال ابن عباس أيضًا وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من كفار قريش.
وقال البزّار: حدثنا زياد بن يحيى الحسانيّ، حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الْمُنصَبِر الْمُنْبَتِر (^١) من قومه يزعم أنه خير منّا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السِّدانة، وأهل السِّقاية؟ فقال: أنتم خير منه، قال فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، هكذا رواه البزار، وهو إسناد صحيح.
وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول اللَّه -ﷺ-،
_________________
(١) "الْمُنْصَبر": الذي لا عَقِب له، و"الْمُنْبَتِرُ": الذي لا ولد له.
[ ٩ / ٣٣١ ]
فذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتِرَ محمد الليلةَ، فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل، وعنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ يعني عَدُوَّك.
قال ابن كثير -﵀-: وهذا يَعُمّ جميع من اتَّصَف بذلك، ممن ذُكِر وغيرهم. وقال عكرمة: الأبتر الفرد، وقال السُّدّيّ: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بُتِر، فلما مات أبناء رسول اللَّه -ﷺ- قالوا: بُتِرَ محمد، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
قال ابن كثير -﵀-: وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا، وكلّا، بل قد أبقى اللَّه ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رِقَاب العباد مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد. انتهى (^١).
(ثُمَّ قَالَ) النبيّ -ﷺ- موضّحًا لهم معنى ما أنزل اللَّه عليه (أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ ") أي أتعلمون أيُّ شيء معنى الكوثر الذي أعطانيه اللَّه ﷿؟ (فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بمعناه وحقيقته، (قَالَ) -ﷺ- ("فَإِنَّهُ) أي الكوثر (نَهْرٌ) -بفتح النون، وسكون الهاء-: الماء الجاري المتَّسِعُ، والجمع: نُهُرٌ -بضمّتين- وأَنْهُرٌ، و"النَّهَرُ"-بفتحتين- لغة، والجمع: أنهار، مثلُ سَبَب وأَسْباب (^٢).
(وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿) وفي رواية النسائيّ: "وعدنيه ربي في الجنّة" (عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ) وفي نسخة: "هو حوضي" بالإضافة إلى ياء المتكلّم، قال الفيّوميّ: حَوْضُ الماءِ، جمعه أَحْوَاضٌ، وحِيَاضٌ، وأصل حِيَاض الواوُ، لكن قُلِبت ياءً؛ للكسرة قبلها، مثلُ ثواب وأثواب وثيَاب. انتهى (^٣).
(تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي تحضره؛ لتشرب منه، أو تبلغُه، وتوافيه، وهو: بفتح أوله، وكسر ثانيه، مضارع وَرَدَ، يقال: وَرَد زيدٌ علينا وُرُودًا: إذا
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٤/ ٥٦٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٧.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٥٦.
[ ٩ / ٣٣٢ ]
حضَرَ، وورد البعير وغيره الماءَ يَرِدهُ وُرُودًا: إذا بلَغَهُ ووافاه من غير دخول، وقد يحصُلُ دخول فيه، والاسم: الْوِرْد بالكسر، وأوردته الماءَ، فالْوِرْدُ: خلافُ الصَّدَر، والإيراد: خلاف الإصدار، والْمَوْرِدُ، مثلُ مَسْجد: موضع الورود، أفاده الفيّوميّ (^١).
(آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ) مبتدأ وخبر على حذف مضاف، أي عددُ آنيته عددُ النجوم، قال القاري في "شرح المشكاة" بعدما ذَكَر هذا: وفي بعض النسخ بالنصب على نزع الخافض، وهو الأظهر، أي بعدد نجوم السماء. انتهى.
و"الآنية" بالمدّ: جمع إناء، ويُجمع أيضًا على الأواني، والمراد بالآنية: الْكِيزانُ والأباريقُ التي أُعِدَّت للشرب منها.
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو الآتي في "الفضائل": "وكيزانه كنجوم السماء"، وفي حديث ابن عمر الآتي فيه أيضًا: "فيه أباريق كنجوم السماء"، وفي حديث أبيّ ذر الآتي أيضًا: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم وكواكبها"، وفي حديث أنس الآتي فيه أيضًا: "تُرى فيه أباريق الذهب والفضّة كعدد نجوم السماء"، وفي حديث جابر بن سمرة الآتي فيه أيضًا: "كأن الأباريق فيه النجوم"، وفي حديث أبي هريرة المتقدّم في "الطهارة": "ولآنيته أكثر من عدد النجوم"، وفي رواية النسائيّ: "آنيته أكثر من عدد الكواكب".
قال النوويّ -﵀-: المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع عقليّ ولا شرعيّ يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدًا، كما قال -ﷺ-: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء".
وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد وغايتِهِ الكثيرةِ، من باب قوله -ﷺ-: "لا يَضَعُ العصا عن عاتقه"، وهو باب من المبالغة معروف في الشرع واللغة، ولا يُعَدّ كذبًا إذا كان المخبَرُ عنه في حَيِّز الكثرة والعِظَم، ومَبْلَغِ الغاية في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، قال: ومثله كلَّمته ألف مرة، ولقيته مائة كَرّة، فهذا جائز إذا كان كثيرًا، وإلا فلا. انتهى كلام القاضي، قال
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٦٥٤.
[ ٩ / ٣٣٣ ]
النوويّ: والصواب الأول. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ -﵀- من تصويبه كون الحديث على ظاهره وأن المراد منه أن عدد آنية حوضه -ﷺ- أكثر من عدد نجوم السماء حسنٌ جدًّا؛ لأنه ظاهر النصوص، ولا داعي لصرفها عن ظاهرها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُنتزَعُ، ويُقتَطَع من بينهم، قال في "المصباح": خَلَجتُ الشيءَ خَلْجًا، من قتل: انتزعته، واختلجتُهُ مثله، وخالجته: نازعته، واختلج العضو: اضطرب. انتهى (^٢).
(فَأَقُولُ: رَبِّ) بحذف حرف النداء، وهو جائز، كما قال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
وقال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وفي رواية النسائيّ: "يا ربّ"، (إِنَّهُ) أي إن هذا الْمُختَلَج (مِنْ أُمَّتِي) أي فينبغي أن يشرب من حوضي، (فَيَقُولُ) أي اللَّه ﷾ (مَا) نافية (تَدْرِي) أي لا تعلم (مَا أَحْدَثَتْ) أي أمتك، وفي نسخة: "ما أحدثوا" (بَعْدَكَ") أي بعد مفارقتك لهم بالموت، أي من المخالفات لسنّتك، والابتداع في دينك.
وهذا فيه وعيد شديد لمن يُخالف سنّة رسول اللَّه -ﷺ-، ويبتدع في دينه بأهوائه ما لم يأذن به اللَّه تعالى، حيث إنه يُطرد عن ورود حوضه -ﷺ- الذي من شرب منه مرّةً لا يظمأ بعده أبدًا، وهذا هو الخسران المبين، فيا خسارة المبتدعين، ويا هلاك المتمرّدين المنحرفين بابتداع ما لم يأذن به اللَّه تعالى من الدين، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
[تنبيه]: اختُلف في المراد بالذين يذادون عن حوض النبيّ -ﷺ- على أقوال:
_________________
(١) "شرح النووي" ١٥/ ٥٥ - ٥٧.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٧٧.
[ ٩ / ٣٣٤ ]
[أحدها]: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالْغُرّة والتحجيل، فيناديهم النبيّ -ﷺ- للسِّيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وُعِدت بهم، إن هؤلاء بَدَّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
[والثاني]: أن المراد من كان في زمن النبيّ -ﷺ-، ثم ارتدّ بعده، فيناديهم النبيّ -ﷺ-، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء؛ لما كان يعرفه -ﷺ- في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدُّوا بعدك.
[والثالث]: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البِدَع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا القول لا يُقْطَع لهؤلاء الذين يُذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم، ثم يرحمهم اللَّه ﷾، فيدخلهم الجنة بغير عذاب، قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غُرّة وتحجيل، ويَحْتَمِل أن يكون كانوا في زمن النبيّ -ﷺ- وبعده، لكن عَرَفَهم بالسيما.
وقال الإمام الحافظ أبو عُمَر بن عبد البر: كلُّ مَن أحدث في الدين، فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظَّلَمة المسرفون في الْجَوْر، وطَمْس الحقّ، والمعلنون بالكبائر، قال: وكلُّ هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر. انتهى (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وقد تقدّم البحث مستوفًى في "كتاب الطهارة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(زَادَ) عليّ (ابْنُ حُجْرٍ) أي على رواية أبي بكر بن أبي شيبة (فِي حَدِيثِهِ) أي فيما حدّث به عن عليّ بن مُسْهِر (بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ) الزيادة قوله: "في المسجد"؛ لأن قوله: "بين أظهرنا" مذكور في رواية أبي بكر بن أبي شيبة أيضًا (وَقَالَ) أي عليّ بن حجر أيضًا ("مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ") أي بدل قول أبي بكر: "ما أحدثت بعدك"، والضمير فيه لأمته، وأما في "أحدث" فللعبد المختَلَج، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٣/ ١٣٦ - ١٣٧.
[ ٩ / ٣٣٥ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٨٩٩ و٩٠٠] (٤٠٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧٨٤)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٣٣ - ١٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٦٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٢ و١٢٦ و٢١٧ و٢٤٠ و٢٤٥ و٢٩٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٦٥٤ و١٦٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٨٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٤)، وفي "البعث والنشور" (ص ١١٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣/ ٤٩ و٥٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن البسملة في أوائل السور من القرآن، وهو مقصود المصنّف بإدخال الحديث هنا، ووجه الدلالة من الحديث أنه -ﷺ- قال: "أُنزلت عليّ سورة"، ثم بيّن أن البسملة من جملة السورة، فدلّ على أنه ينبغي قراءتها معها.
٢ - (ومنها): جواز النوم في المسجد؛ لأن هذه القصّة وقعت في المسجد، كما بينته رواية عليّ بن حجر المذكورة.
٣ - (ومنها): جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه.
٤ - (ومنها): جواز التبسّم، وهو من صفات النبي -ﷺ-، فقد أخرج الترمذيّ: بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن الحارث بن جَزْء -﵁- قال: "ما كان ضحك رسول اللَّه -ﷺ- إلا تبسُّمًا"، وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ -﵀- في "ألفيّة السيرة"، حيث قال:
لَمْ يُرَ ضَاحِكًا بِمِلْءِ فِيهِ … ضَحِكُهُ تَبَسُّمٌ يُبْدِيهِ
٥ - (ومنها): أنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسّمًا أو غيره مما يقتضي حدوث أمر يُستَحَبّ له أن يسأل عن سببه.
٦ - (ومنها): أن فيه إثباتَ الحوض، وبيان سعته، وكثرة آنيته، والإيمان
[ ٩ / ٣٣٦ ]
به واجب، وسيأتي بسطه حيث ذكر المصنّف -﵀- أحاديثه في آخر الكتاب -إن شاء اللَّه تعالى-.
٧ - (ومنها): بيان كثرة عناية اللَّه تعالى بنبيّه -ﷺ-، وكمال فضله عليه، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٨ - (ومنها): بيان تفسير الكوثر الذي أعطاه اللَّه نبيّه -ﷺ-، وهذا هو التفسير الذي يجب تقديمه على سائر التفاسير الآتية في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٩ - (ومنها): أن الحديث دليل واضح لقول من قال: إن هذه السورة مدنيّة؛ لأن أنسًا -﵁- حضر نزولها، كما بيّنه بقوله: "بينا رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم بين أظهرنا. . ." الحديث، وهو قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد، وقيل: مكيّةٌ، وهو قول ابن عباس، والكلبيّ، ومقاتل، كما عزاه إليهم القرطبيّ في "تفسيره"، والأول أقوى؛ لظهور حجته، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): الوعيد الشديد لمن بدّل سنة النبيّ -ﷺ- وابتدع في دينه ما لم يأذن به اللَّه، حيث إنه يُطرَد عن هذا الحوض الذي يسع أمته -ﷺ- في مثل ذلك اليوم الشديد العطش، نسألك اللهمّ أن تجعلنا ممن يلزم سنة نبيّك -ﷺ-، ويجتنب الابتداع في شريعته حتى نرد حوضه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير الكوثر الذي أُعطيه النبيّ -ﷺ-:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه على سبعة عشر قولًا:
(الأول): أنه نهر في الجنّة.
(الثاني): حوضه -ﷺ-، قاله عطاء.
(الثالث): النبوّة، والكتاب، قاله عكرمة.
(الرابع): القرآن، قاله الحسن.
(الخامس): الإسلام، حكاه المغيرة.
(السادس): تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع، قاله الحسين بن الفضل.
[ ٩ / ٣٣٧ ]
(السابع): كثرة الأصحاب، والأمّة، والأشياع، قاله أبو بكر بن عيّاش، ويمان بن رئاب.
(الثامن): أنه الإيثار، قاله ابن كيسان.
(التاسع): رفعة الذكر، حكاه الماورديّ.
(العاشر): نور في قلبك دلّك عليّ، وقطعك عما سواي.
(الحادي عشر): الشفاعة.
(الثاني عشر): معجزات الربّ، هُدي بها أهلُ الإجابة لدعوتك، حكاه الثعلبيّ.
(الثالث عشر): هو: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، قاله هلال بن يساف.
(الرابع عشر): الفقه في الدين.
(الخامس عشر): الصلوات الخمس.
(السادس عشر): هو العظيم من الأمر، قاله ابن إسحاق.
(السابع عشر): ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عبّاس -﵄- أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه اللَّه إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جُبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنّة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنّة من الخير الذي أعطاه اللَّه إياه.
قال القرطبيّ -﵀-: أصحّ هذه الأقوال الأول والثاني؛ لأنه ثابتٌ عن النبيّ -ﷺ- نصًّا في الكوثر، وسمع أنس -﵁- قومًا يتذاكرون الحوض، فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يَتَمَارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلّي امرأة منهنّ إلا سألت اللَّه أن يسقيها من حوض النبيّ -ﷺ- (^١)، وفي حوضه يقول الشاعر:
يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ مَنْ يُدَانِيكَا … وَأَنْتَ حَقًّا حَبِيبُ بَارِيكَا
قال: وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول اللَّه -ﷺ- زيادةً على حوضه -ﷺ- تسليمًا كثيرًا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^٢).
_________________
(١) قال في "الفتح" (١٣/ ٢٩٩): أخرج نحوه أبو يعلى بسند صحيح. انتهى.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ٢١٦ - ٢١٨.
[ ٩ / ٣٣٨ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أصحّ الأقوال في تفسير الكوثر هو تفسير النبيّ -ﷺ- المذكور في هذا الحديث، وهو أنه نهر في الجنّة، وعده اللَّه تعالى إياه، وهو لا ينافي تفسيره بالحوض، فإن الكوثر يصبّ في الحوض، كما بينته الروايات الأخرى، وأما ما ذُكر في الأقوال الأخرى، وإن كان النبيّ -ﷺ- أُعطيه، لكن كونه هو المراد من الآية المذكورة غير صحيح، فلا ينبغي الالتفات إليه، ويُعتذر عن الذين أقدموا في ذكره تفسيرًا للآية بأنهم لم يبلغهم ما صحّ عن النبيّ -ﷺ-، وإلا فلا يمكن لأحد أن يجترئ في تفسير آية خلاف تفسير النبيّ -ﷺ- الذي وَكَلَ اللَّه تعالى بيان القرآن إليه، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، فهو الأعلم بمراد اللَّه ﷾، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسً بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِغْفَاءَةً، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: "نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿ فِي الْجَنَّةِ، عَلَيْهِ حَوْضٌ" (^١)، وَلَمْ يَذْكُرْ: "آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضَّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفى، صدوق، رمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
والباقيان تقدّما في المسند الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف، كسابقه، وهو (٤٠) من
_________________
(١) وفي نسخة: "عليه حوضي".
[ ٩ / ٣٣٩ ]
رباعيّات الكتاب، وشيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ: "آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ") هكذا قال المصنّف -﵀-، وهذه الرواية بإسقاط هذه الجملة، لم أجدها، والظاهر أن المصنّف وقعت له هكذا، وإلا فالروايات التي اطّلعت عليها فيها ما سيأتي في التنبيه التالي.
[تنبيه]: رواية ابن فُضيل هذه ساقها أبو داود -﵀- في "كتاب السنّة" من "سننه"، فقال:
(٤٧٤٧) حدثنا هَنّاد بن السّريّ، حدثنا محمد بن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: أغفى رسول اللَّه -ﷺ- إغفاءةً، فرفع رأسه متبسمًا، فإما قال لهم، هاما قالوا له: يا رسول اللَّه لِمَ ضَحِكْتَ؟ فقال: "إنه أنزلت عليّ آنفًا سورةٌ"، فقرأ: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ "، حتى ختمها، فلما قرأها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ في الجنة، وعليه خير كثير، عليه حوضٌ تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب".
وأخرجها أيضًا في "كتاب الصلاة"، فقال:
(٧٨٤) حدثنا هناد بن السَّرِيّ، حدثنا ابن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أُنزلت عليّ آنفًا سورةٌ، فقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ " حتى ختمها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة".
ففي الرواية الأولى ذكر "آنيته عدد الكواكب"، والثانية مختصرة، حُذف منها: "وعليه خير كثير. . . إلخ"، وكلاهما مخالف لما أشار إليه المصنّف -﵀-.
وأخرجها أيضًا أحمد في "مسنده"، فقال:
(١١٥٥٨) حدثنا محمد بن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: أغفى النبيّ -ﷺ- إغفاءةً، فرفع رأسه متبسمًا، إما قال لهم، وإما قالوا له: لِمَ ضَحِكتَ؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنه أنزلت عليّ آنفًا
[ ٩ / ٣٤٠ ]
سورة"، فقرأ رسول اللَّه -ﷺ-: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ " حتى ختمها، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة، عليه خير كثير، يَرِد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلج العبد منهم، فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". انتهى.
وهذه أيضًا مخالفة لما أشار إليه المصنّف؛ كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.