[تنبيه]: ترجم النوويّ -﵀- وتبعه الشرّاح هنا بقوله: (بَابُ وَضْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ تَحْتَ الصَّدْرِ فَوْقَ سُرَّتِهِ، وَوَضْعِهِمَا فِي السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ) وهذا هو الذي أشرت إليه في المقدّمة بأن بعض تراجم الشرّاح -كالنوويّ- ليست كما ينبغي؛ إذ يترجمون على حسب مذهبهم، لا على حسب ما اقتضاه الحديث المذكور في الباب، فهنا الحديث لا يدلّ على كون الوضع تحت الصدر وفوق السرّة، وإنما هذا جار على ما يراه النووي في مذهبه، فالأولى إسقاط هذا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠١] (٤٠١) - (حَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثنَا عَفَّانُ، حَدَّثنَا هَمَّامٌ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، حَدَّثَنِي (^١) عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، وَمَوْلًى لَهُمْ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- رفَعَ يَدَيْهِ حِينَ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ٩ / ٣٤١ ]
دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ، وَصَفَ هَمَّامٌ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) -بضمّ الجيم، وتخفيف الحاء المهملة- الأوديّ، أو الإياميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وزياد بن عِلاقة، وعطاء بن أبي رَبَاح، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، ونافع مولى ابن عمر، وأبي حازم الأشجعيّ، وعبد الجبار بن وائل بن حُجْر، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وشعبة، وإسرائيل، وهمام، وعمران القطان، والسفيانان، وزهير بن معاوية، وشَريك النخعيّ، وعبد الوارث بن سعيد، وجماعة.
قال أبو طالب، عن أحمد: محمد بن جُحَادة من الثقات، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صدوقٌ ثقةٌ، محلُّه محل عمرو بن قيس الملائيّ، وقال محمد بن حُميد الرازيّ، عن جرير: رأيته وكان زاهدًا يلبس الْخُلْقان يغسلها، وقال في موضع: نظيف الثياب، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان لا يأخذ عن كل أحد، وأثنى عليه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في طبقة أتباع التابعين: كان عابدًا ناسكًا، مَن زَعَم أنه سمع من أنس بن مالك، فقد وَهِم، تلك الروايات ينفرد بها يحيى بن
[ ٩ / ٣٤٢ ]
عقبة بن أبي العيزار، وهو وَاهٍ، وقال العجليّ، وعثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ، زاد عثمان: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة، وقال أبو عوانة: كان يغلو في التشيع، نقله عنه العقيليّ، واللَّه أعلم.
قال القرّاب: إنه مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا وحديث (١٣٢١): "نُقَلِّدُ الشاءَ، فنرسل بها، ورسول اللَّه -ﷺ- حلال. . .".
٥ - (عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِل) بن حُجْر الْحَضْرميّ الكوفيّ، أبو محمد، ثقةٌ، لكنه أرسل عن أبيه [٣].
رَوَى عن أبيه، وعن أخيه علقمة، وعن مولى لهم، وعن آل بيته، وعن أمه أم يحيى، وقيل: لم يسمع من أبويه.
وروى عنه ابنه سعيد، والحسن بن عبد اللَّه النخعيّ، ومحمد بن جُحَادة، وأبو إسحاق السبيعيّ، وفِطْر بن خَلِيفة، ومسعر بن كِدَام، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، ولم يسمع من أبيه شيئًا، وقال أبو داود، عن ابن معين: مات وهو حمل، وقال رَقَبَة بن مَصْقَلة: سمعت طلحة بن مُصَرِّف يقول: ما بالكوفة رجلان يزيدان على محمد بن سُوقة وعبد الجبار بن وائل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال غيره: وُلد بعد موت أبيه، قال الحافظ المزيّ: وهذا القول ضعيف جدًّا، فإنه قد صح أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول، ونص أبو بكر البزار على أن القائل: "كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي" هو علقمة بن وائل، لا أخوه عبد الجبار، وقال الترمذيّ: سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولا أدركه، وقال ابن حبان في "الثقات": من زعم أنه سمع أباه فقد وَهِمَ؛ لأن أباه مات وأمه حامل به، وقال البخاريّ: لا يصح سماعه من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء اللَّه تعالى، قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون: لم يلقه، وبمعنى هذا قال أبو حاتم، وابن جرير الطبريّ، والجريريّ، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب ابن شيبة، والدارقطنيّ، والحاكم، وقبلهم ابن المدينيّ، وآخرون.
[ ٩ / ٣٤٣ ]
أخرج له المصنّف والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِل) بن حُجْر الْحَضْرميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣] (ي م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٧ - (وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ) -بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم- ابن سعد بن مسروق الحضرميّ الصحابيّ الجليل، وكان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، مات -﵁- في ولاية معاوية -﵁- تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من محمد بن جُحادة، وشيخه نسائيّ، ثم بغداديّ، والباقيان بصريّان.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: محمد بن جُحادة، عن عبد الجبّار، عن علقمة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الأخ عن أخيه، عن أبيهما: عبد الجبّار، عن علقمة، عن أبيه -﵁-.
[تنبيه]: قال في "التقريب": لم يسمع علقمة من أبيه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال، وهو قول ابن معين، وقد خالفه الأكثرون، فأثبتوا سماعه، فممن أثبته الإمام البخاريّ، فقد قال في "التاريخ الكبير" (٤/ ٤١): سمع أباه، والترمذيّ في "جامعه"، فقال في "باب ما جاء في المرأة إذا استُكرهت على الزنا": علقمة بن وائل سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبّار بن وائل، وعبد الجبّار لم يسمع من أبيه، وأثبته أيضًا ابن حبّان فقال في "الثقات" (٥/ ٢٠٩): علقمة سمع من أبيه.
وقد وقع التنصيص بسماعه عند المصنّف، فسيأتي في "كتاب الحدود": وحدّثنا عبيد اللَّه بن معاذ العنبريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو يونس، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل حدّثه أن أباه حدّثه، قال: "إني لقاعد مع النبيّ -ﷺ-. . ." الحديث.
وتقدّم أنه أخرج له عن أبيه في "كتاب الإيمان" (٦٤/ ٣٧٠) في الأصول،
[ ٩ / ٣٤٤ ]
وكذا يأتي له في مواضع في الأصول، فلولم يثبت عنده أنه سمع منه لما أخرج له في الأصول.
ووقع أيضًا تصريحه بالسماع عند النسائيّ في "المجتبى" (٢/ ١٩٤) قال: أخبرنا سُويد بن نصر، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، عن قيس بن سُليم العنبريّ، حدثني علقمة بن وائل، حدّثني أبي، قال: "صلّيت خلف رسول اللَّه -ﷺ-. . ." الحديث، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أيضًا البخاريّ في "جزء رفع اليدين" قال: حدّثنا أبو نُعيم الفضل بن دُكين، أنبأنا قيس بن سُليم العنبريّ، قال: "سمعت علقمة بن وائل بن حُجر، حدّثني أبي. . ." الحديث.
والحاصل أن الصحيح سماع علقمة من أبيه، ولم ينف سماعه منه إلا ابن معين فيما أظنّ كما قاله في "الميزان" (٣/ ١٠٨)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، وَمَوْلًى لَهُمْ) لا يُعرف، كما نبّه عليه صاحب التنبيه" (^١)، ولكن لا يضرّ إبهامه؛ لأنه متابع لعلقمة، فتنبّه. (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِيهِ) الضمير لعبد الجبّار، ويحتمل أن يكون لعلقمة، والأول أوضح (وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) -بضمّ، فسكون- (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَفَعَ يَدَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ لأن "رأى" هنا بصريّة، فتتعدّى إلى مفعول واحد (حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ) الظرف متعلّق بـ "رَفَع"، وقوله: (كَبَّرَ) جملةٌ حاليّة إما من فاعل "رأى"، فتكون من الأحوال المترادفة، أو من فاعل "رَفَعَ"، فتكون من الأحوال المتداخلة.
(وَصَفَ هَمَّامٌ) أي ابن يحيى الراوي عن محمد بن جُحادة (حِيَالَ أُذُنَيْهِ) بكسر الحاء المهملة: أي قُبالتهما، ويقال: قعد حِيَاله، وبحيَاله: أي بإزائه (^٢).
فقوله: "وصف همام" من كلام عفّان بن مسلم أدخله بين المتعاطفين
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ١٢٢.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ٣/ ٣٦٤.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
-أعني قوله: "كبّر"، "ثم التحف"-؛ لبيان وصف شيخه همام كيفيّة الرفع.
يعني أن همّامًا بيّن كيفيّة رفع يديه بكونهما مقابلَ أذنيه، وفيه أن رفع اليدين يكون بمقابلة الأذنين.
وفي رواية النسائيّ من طريق عبد الجبّار بن وائل، عن أبيه: "رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمتي أذنيه"، وفي لفظ: "فلما كبر رفع يديه أسفل من أذنيه"، وفي رواية أبي داود: "رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبّر".
وقد تقدّم في حديث ابن عمر -﵄- أنه -ﷺ- رفع يديه حذو منكبيه، وتقدّم أن الأحسن في الجمع بينه وبين حديث وائل هذا الحمل على اختلاف الأوقات، وأنه يجوز أن يعمل بهما في أوقات مختلفة.
وقد جمع الإمام الشافعيّ -﵀- بوجه آخر، وهو أن يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تُحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، ويؤيّد جمعه هذا رواية أبي داود المذكورة.
قال النوويّ -﵀-: وأما صفة الرفع، فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تُحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم: حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعيّ -﵀- بين روايات الأحاديث، فاستحسن الناس ذلك منه. انتهى (^١).
(ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ) بالبناء للفاعل: أي تغطّى به، يقال: لَحَفه، كمنعه: غطّاه باللِّحَاف ونحوه، والتحف به: تغطَّى، واللِّحَاف ككتاب: ما يُلْتَحَف به (^٢).
(ثُمَّ وَضَعَ) -ﷺ- (يَدَهُ الْيُمْنَى) أي كفّه اليمنى، ففيه إطلاق الكلّ وإرادة الجزء، كما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩] أي أناملهم (عَلَى الْيُسْرَى) أي على كفّ يده اليسرى (فَلَمَّا أَرَادَ) -ﷺ- (أَنْ يَرْكَعَ، أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا) أي ليمكنه تمام الرفع إلى حيال أذنيه؛ لأنه لا يمكنه ذلك مع الالتحاف (ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"،
_________________
(١) " شرح النووي" ٤/ ٩٥.
(٢) راجع: "القاموس" ٣/ ١٩٤ - ١٩٥.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ) أي أراد أن يسجد (سَجَدَ بَيْنَ كفَّيْهِ) أي وضع جبهته بين كفّيه، ففيه استحباب السجود بين الكفّين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث وائل بن حُجْر -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٩٠١] (٤٠١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧٢٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣١٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٩٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٨٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٦٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ٦١)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٩١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكمه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها؛ لقوله: "كَبَّرَ، ثم التَحَف".
٣ - (ومنها): استحباب رفع يديه عند الدخول في الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
٤ - (ومنها): استحباب كشف اليدين عند الرفع، ووضع الجبهة بينهما في السجود.
٥ - (ومنها): مشروعيّة التكبير في الدخول في الصلاة، وهو فرض، لا تصحّ الصلاة إلا به عند الجمهور، وتقدّم بيان الخلاف في ذلك في محلّه.
٦ - (ومنها): مشروعيّة التكبير للركوع، والتسميع في الرفع منه.
٧ - (ومنها): ما قاله العلماء: الحكمة في وضع اليدين إحداهما على
[ ٩ / ٣٤٧ ]
الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀- ما حاصله: قد ثبت أن النبيّ -ﷺ- كان يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة، وكذا نقول.
وممن رأى أن توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: مالك بن أنس، وأحمد، وإسحاق، وحُكي ذلك عن الشافعيّ، وقال أصحاب الرأي: يُستحبّ أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى، وهو قائم في الصلاة.
وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يُرسلون أيديهم في الصلاة إرسالًا، ولا يجوز إغفال من أغفل استعمال السنّة، أو نسيها، أو لم يعملها حجةً على من علمها وعمل بها.
فممن روينا عنه أنه كان يرسل: عبد اللَّه بن الزبير، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وابن سيرين، ورُوي أنّ سعيد بن جبير رأى رجلًا يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، فذهب ففرّق بينهما. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- (^٢).
وقال في "الفتح": هو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في "الموطأ"، ولم يَحْك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة.
ومنهم من كره الإمساك، ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يُمسك معتمدًا؛ لقصد الراحة. انتهى (^٣).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀- في "التمهيد" (٢٠/ ٧٤): لم تَختلف الآثار عن النبيّ -ﷺ- في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٤/ ١١٥.
(٢) "الأوسط" ٣/ ٩٢ - ٩٣.
(٣) "الفتح" ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥.
[ ٩ / ٣٤٨ ]
ذلك خلافًا إلا شيءٌ رُوي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه، وعلى هذا جمهور التابعين، وأكثر فقهاء المسلمين، من أهل الرأي والأثر.
فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب: فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، والليثُ بن سعد إلى سَدْل اليدين في الصلاة، قال مالك: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يُفْعَل ذلك في النوافل من طول القيام، قال: وتركه أحب إلي، هذه رواية ابن القاسم عنه، وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة، وهي رواية المدنيين عنه.
وقال الليث: سدل اليدين في الصلاة أحب إلي إلا أن يطيل القيام فَيَعْيَا، فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى، قال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج يصلي في إزار ورداء مسدلًا يديه.
وقال الأوزاعيّ: من شاء فَعَل، ومن شاء تَرَك، وهو قول عطاء.
وقال سفيان الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود بن عليّ، والطبريّ: يضع المصلي يمينه على شماله في الفريضة والنافلة، وقالوا كلهم: وذلك سنة مسنونةٌ.
قال الشافعيّ: عند الصدر، ورُوي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على صدره، وعن طاوس قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشدُّهما على صدره، وهو في الصلاة.
وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق: أسفل السُّرَّة، وروي ذلك عن عليّ، وأبي هريرة، والنخعيّ، ولا يثبت ذلك عنهم، وهو قول أبي مِجْلَز، وقال أحمد بن حنبل: فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير، قال أحمد بن حنبل: وإن كانت تحت السرة فلا بأس به.
قال أبو عمر -﵀-: قد ذكرنا أن الصحابة لم يُرْوَ عن أحد منهم في هذا الباب خلاف لِمَا جاء عن النبيّ -ﷺ- فيه.
ورُوي عن الحسن -﵀- وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة،
[ ٩ / ٣٤٩ ]
وليس هذا بخلاف؛ لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يُرسل العالم يديه لِيُري الناسَ أن ليس ذلك بحتم واجب.
وقد ذكر ابن أبي شيبة عن جرير، عن مغيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم قال: لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وذَكَر عن عمر بن هارون، عن عبد اللَّه بن يزيد قال: ما رأيت سعيد بن المسيِّب قابضًا يمينه على شماله في الصلاة، كان يرسلهما، وهذا أيضًا يَحْتَمِل ما ذكرنا.
وذَكَر عن يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن الْعَيْزار قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأى رجلًا يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهب ففرّق بينهما ثم جاء، وهذا يَحْتَمل أن يكون رأى يُسْرَى يديه على يمينه، فانتزعها على نحو ما رُوِي عن النبيّ -ﷺ- أنه صنعه بابن مسعود، وقد رُوي عن سعيد بن جبير ما يُصَحِّح هذا التأويل؛ لأنه ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السُّرّة.
فهذا ما رُوي عن بعض التابعين في هذا الباب، وليس بخلاف؛ لأنه لا يثبت عن واحد منهم كراهيةٌ، ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجةٌ؛ لأن الحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولا سيما سنةٌ لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن المذهب الصحيح هو ما عليه الجمهور، من مشروعيّة وضع اليمنى على اليُسرى في الصلاة؛ لوضوح أدلّته، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في محلّ وضع اليدين في الصلاة:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه على مذاهب:
_________________
(١) "التمهيد" ٢٠/ ٧٤ - ٧٦.
(٢) راجع: "ذخيرة العقبى" ١١/ ١٣٦ - ١٤٠.
[ ٩ / ٣٥٠ ]
(الأول): مذهب الحنفيّة، قالوا: يضع الرجل تحت السرّة، والمرأة على الصدر.
(الثاني): مذهب المالكيّة، والمشهور عن مالك فيه الإرسال، وقيل عنه: يضع تحت الصدر وفوق السرّة، وعنه التخيير بين الوضع والإرسال.
(الثالث): مذهب الشافعيّة، والذي ذكره الشافعيّ -﵀- في "الأمّ" أن يضع فوق السرّة، وقيل: يضع على الصدر، وقيل: تحت السرّة.
(الرابع): مذهب الحنبليّة، والمشهور عن أحمد: أنه يضع تحت السرّة، وعنه: تحت الصدر، وعنه: التخيير بينهما.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح هذه الأقول قول من قال: إنه يضع على الصدر؛ لحديث وائل بن حجر -﵁- المذكور في الباب، فقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، بلفظ: "صلّيت مع النبيّ -ﷺ-، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره".
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح عن قبيصة بن هُلْب، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- ينصرف عن يمينه، وعن يساره، ورأيته يضع هذه على صدره، ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل.
وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن طاوس قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشُدُّ بينهما على صدره، وهو في الصلاة"، وهو مرسل صحيح، والمرسل حجة إذا اعتضد، وهنا قد عضده حديثا وائل وهُلْب المذكوران.
والحاصل أن الصحيح أن يضع يمينه على شماله على الصدر، وأما ما عدا ذلك من الأقوال، فأدلّتها كلّها معلولة لا تعارض هذه الأحاديث الصحيحة.
وقد استوفيت ذكره مع مناقشتها في "شرح النسائيّ" (^١)، فارجع إليه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ١١/ ١٤٠ - ١٥٠.
[ ٩ / ٣٥١ ]