وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٠٦] (٦١٨) - (حَدَّثَنَا (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ (ح) قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (ح) قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ (^٣)، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار) بن عثمان الْعَبديّ، المعروف ببُندار أبو بكر البصريّ، ثقة فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن فَرُّوخ الْقَطَّانُ التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٤٥.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "عن سماك بن حرب".
[ ١٣ / ٤٨٥ ]
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظ متقنٌ، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتّش بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السنّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٦ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، مضطرب في عكرمة خاصّةً [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٧ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، وسماك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيّان.
٥ - (ومنها): كتابة (ح) مرّتين، وفائدة التحويل بيان اختلاف شيخه ابن المثنّى في كيّفية التحمّل والأداء عن شيخيه: يحيى القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ.
ففي التحويل الأول بيّن أنه سمعه من يحيى القطّان وحده، ولذا قال: "حدّثني يحيى بن سعيد"، ونسبه إلى أبيه أيضًا، وصرّح شعبة بتحديث سماك له، وفي التحويل الثاني بيّن أنه سمعه من عبد الرحمن بن مهديّ مع غيره، ولذا قال: "وحدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ"، وعنعن بعده، وأما محمد بن بشّار فالظاهر ما فصّل هذا التفصيل، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٣ / ٤٨٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄- أنه (قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ") وفي رواية أبي داود من طريق هشام الدستوائيّ، عن شعبة، بلفظ: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا دَحَضت الشمس صلى الظهر، وقرأ بنحو من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، والعصر كذلك، والصلوات كذلك، إلا الصبح، فإنه كان يطيلها".
وقوله: "دَحَضَت" -بفتح الدال والحاء المهملة-: أي زَلَقَت وزالت عن كَبِد السماء، والدَّحْضُ: الزّلَقُ، قال القرطبيّ -﵀-: وكان هذا منه -ﷺ- في زمن البرد، كما قد رواه أنسّ -﵁-: "أنه إذا كان الحرّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عَجَّلَ"، رواه النسائيّ.
وفيه دليلٌ على استحباب تقدم صلاة الظهر في أول وقتها، وبه قال الشافعيّ والجمهور، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وأخرج ابن عبد البرّ -﵀-: عن الأثرم قال: قلت لأبي عبد اللَّه -يعني أحمد بن حنبل-: أيُّ الأوقات أعجب إليك؟ قال: أول الأوقات أعجب إليَّ في الصلوات كلِّها إلا في صلاتين: صلاة العشاء الآخرة، وصلاة الظهر في الحرّ يبرد بها، وأما في الشتاء فيعجل بها. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٢١.
(٢) راجع: "التمهيد" لابن عبد البر ٥/ ٧ - ٨.
[ ١٣ / ٤٨٧ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٤٠٦] (٦١٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٠٦)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٧٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٠٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٨٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٣٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٠٧] (٦١٩) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ) الحنفيّ الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ وَهْبِ) الْهَمْداني الْخَيْوَانيّ -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء التحتانيّة- ابن أبي خَيْرة، يقال له: القُرَاد -بضم القاف، وتخفيف الراء- الكوفي، ثقة مخضرم من [٢].
أدرك زمن النبيّ -ﷺ-، وسمع من معاذ بن جبل باليمن في حياة النبيّ -ﷺ-، وعن ابن مسعود، وعليّ، وسلمان، وأبي مسعود، وحذيفة، وخباب بن الأرت، وأم سلمة -﵃-.
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وأبو إسحاق، وعُمارة بن عُمير، والسّريّ بن إسماعيل.
قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: عُرِف بالقُراد للزومه عليّ بن أبي
[ ١٣ / ٤٨٨ ]
طالب -﵁-، ووثقه العجليّ، وابن نمير، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وهو الذي يقال له: سعيد بن أبي خيرة. انتهى.
قال ابن أبي عاصم: توفي سنة ٧٥، وقال عمرو بن علي: سنة ٧٦.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
٥ - (خَبَّاب) بن الأَرَتّ بن جَندَلة بن سعد التميميّ، أبو عبد اللَّه، شهد بدرًا، وكان قَيْنًا في الجاهلية.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، ورَوَى عنه أبو أمامة الباهليّ، وابنه عبد اللَّه بن خبّاب، وأبو معمر عبد اللَّه بن سَخْبرة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة بن قيس، وأبو وائل، وحارثة بن مُضَرِّب، وأبو الْكَنُود الأزديّ، وأبو ليلى الكِنديّ، وأرسل عنه، ومجاهد، والشعبي، وسليمان بن أبي هند، ويقال: ابن أبي هندية، نزل الكوفة، ومات بها سنة (٣٧) وهو ابن (٧٣) سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين، وصَلَّى عليه عليّ بن أبي طالب، وكان من المهاجرين الأولين. قال ابن سعد: أصابه سِبَاءٌ، فبيع بمكة، ثم حالف بني زُهْرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه -ﷺ- دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يُعَذَّبون بمكة، وحَكَى الباروديّ أنه أسلم سادس ستة، وحَكَى ابن عبد البر في "الاستيعاب" أنه شَهِد صِفِّين مع عليّ، ثم قال: وقيل: مات سنة (١٩)، وصلى عليه عمر، وقال أبو الحسن ابن الأثير: الصحيح أنه لم يشهد صفين، منعه من ذلك مرضه، وقال ابن حبان: مات منصرف عليّ من صفين، وصلى عليه عليّ، وقيل: توفي سنة (١٩)، والأول أصح.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦١٩) وأعاده بعده، و(٩٤٠) و(٢٦٨١) (٢٧٩٥).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وسعيد بن وهب فانفرد به هو والنسائيّ.
[ ١٣ / ٤٨٩ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن سعيد بن وهب، وخبابًا هذا أول محل ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لسعيد هذا الحديث فقط، ولخباب -﵁- أربعة أحاديث.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، وفيه التحديث، والعنعنة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ) وقد صرّح أبو إسحاق بالسماع من سعيد بن وهب، وسماع سعيد من خبّاب، ولفظه من طريق شعبة، عنه: "قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبّابًا يقول. . . " (عَنْ خَبَّاب) بن الأَرَتّ -﵁- أنه (قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-) يقال: شَكَوته، شَكْوًا، من باب قَتَلَ، والاسم شَكْوَى، وشِكَايَةَ، وشَكَاةً، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكِيٌّ، واشتكيت منه، والشَّكِيَّة اسم للمَشْكُوّ، كالرّمِيَّة: اسمٌ للمَرميّ، والشَّكِيّ: الشاكي، والشَّكِيّ: الْمَشْكُوُّ، وأشكيته بالألف: فعلت به ما يُحْوِج إلى الشَّكْوَى، وأشكيته: أزلتُ شِكَايته، فالهمزة للسلب، مثلُ أعربته: إذا أزلت عَرَبَه، وهو فساده، ومنه: "شَكَونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- حَرَّ الرَّمْضَاء في جباهنا، فلم يُشْكِنَا"، أي لم يُزِلْ شِكَايتنا، وشكا إليّ، فما أشكيتُ، أي لم أَنْزِع عمّا يشكو، قاله في "المصباح" (^١).
وقال ابن بَرِّيّ: الشِّكَايةُ، والشَّكِيّةُ: إظهار ما يَصِفُك به غيرُك من المكروه، والاشتكاءُ: إظهار ما بك من مكروه ومَرَضٍ، ونحوه، قاله في "اللسان".
ومعنى الحديث كما قال ابن الأثير في "النهاية": أنهم شَكَوا إليه حَرّ الشمس، وما يصيب أقدامهم منه إذا خرجوا إلى صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها قليلًا، فلم يُشْكِهم: أي لم يُجِبهم إلى ذلك، ولم يُزِل شكواهم.
قال ابن الأثير -﵀-: وهذا الحديث يُذكَر في مواقيت الصلاة لأجل قول
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٢١.
[ ١٣ / ٤٩٠ ]
أبي إسحاق لما قيل له: في تعجيلها؟ قال؟ نعم، والفقهاء يذكرونه في السجود، فإنهم كانوا يضعون أطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدّة الحر، فنُهُوا عن ذلك، وإنهم لما شَكَوا إليه ما يجدون من ذلك لم يَفْسَح لهم أن يسجدوا على أطراف ثيابهم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن الأثير نقلًا عن الفقهاء غير صحيح؛ لمخالفته ما صحّ من حديث أنس -﵁- أنه قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- في شدّة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه"، رواه مسلم.
ودعوى كون المراد بالثوب الثوب المنفصل -كما قالت الشافعية- مما لا دليل عليه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون هذا منه -ﷺ- قبل أن يؤمروا بالإبراد، ويَحْتَمِل أنهم طلبوا زيادة تأخير الظهر على وقت الإبراد، فلم يُجبهم إلى ذلك، وقد قال ثعلب في قوله: فلم "يُشْكِنا": أي لم يُحْوِجنا إلى الشكوى، ورَخَّص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج، وعلى هذا تكون الأحاديث كلها متواردة على معنى واحد. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تفسير ثعلب يرده -كما قال الحافظ- أن في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: "فلم يُشْكِنا" وقال: "إذا زالت الشمس فصلُّوا"، فالأولى أن يحمل معنى "فلم يُشْكِنا" على المعنى الأول، فيكون المعنى: لم يُزِلْ شكوانا، وذلك أنهم طلبوا منه تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حرّ الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلم يجبهم إليه، واللَّه تعالى أعلم.
(الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ) بضاد معجمة بوزن الحمراء: هي الرمل الحارّ لحرارة الشمس، قاله السندي. وفي "المصباح": الرمضاء: الحجارة الحامية من حرّ الشمس.
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٤٩٧.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٤٧.
[ ١٣ / ٤٩١ ]
والمعنى: أنهم شَكَوا إليه شدّةَ ما يَلْقَونَ من حرّ الأرض الحماة بالشمس في أقدامهم إذا صَلَّوْا.
(فَلَمْ يُشْكِنَا) -بضمّ أوله-: مضارع أشكى رباعيًّا، يقال: أشكيت فلانًا: إذا أزلت شكايته، فالهمزة للسلب، مثل أعربته: إذا أزلت عَرَبه، وهو فساده. قاله في "المصباح"، وتقدم أنه يقال: أشكيته بالألف: إذا فعلت به ما يحوج إلى الشكوى، فهو من الأضداد.
وقال القرطبيّ -﵀- (^١): قوله: "لم يُشكنا": أي لم يُسْعِفْ طَلَبَنا، ولم يُجبنا إلى مطلوبنا، يقال: شكوت إلى فلان: إذا رفعت إليه حاجتك، وأشكيته: إذا نزعت عنه الشَّكْوى، وأشكيته: إذا ألجأته إلى الشكوى، كما قال [من البسيط]:
تُشْكِي الْمُحِبَّ وَتَشْكُو وَهْيَ ظَالِمَةٌ … كَالْقَوْسِ تُصْمِي الرَّمَايَا وَهْيَ مِرْنَانُ (^٢)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث خباب -﵁- من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٤٠٧ و١٤٠٨] (٦١٩)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٤٩٧)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٦٧٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٥٥)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٥٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٥٢ و١٥٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٠٨ و١١٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٦٧٦ و٣٦٧٨ و٣٦٨٦ و٣٧٠٤)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٨٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٣٨ -
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٤٧.
(٢) يقال: أصميتُ الصيد: إذا رميته، فقتلته، وأنت تراه، وأصمى الرميّة: أنفذها، و"الْمِرْنان: مِن أنّت القوسُ في إنباضها: إذا صَوَّتت".
[ ١٣ / ٤٩٢ ]
٤٣٩ و٢/ ١٠٤ - ١٠٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب التعجيل بصلاة الظهر في شدة الحر، وقد تقدّم أن هذا كان قبل الأمر بالإبراد، فالصحيح أن هذا الحديث منسوخ بأحاديث الأمر بالإبراد، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من مراجعتهم للنبيّ -ﷺ- فيما أشكل عليهم، ولا يتقدمون بين يديه؛ امتثالًا لقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١].
٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يُكَلِّف نفسه تَحَمُّل ما يَشُقّ عليها في طاعة اللَّه تعالى؛ لينال به الأجر العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر الحافظ ابن رجب -﵀-: أنه استَدَلّ بعضُ من لم ير السجود على الثوب بحديث خبّاب -﵁- هذا، قالوا: المراد بذلك أنهم شَكَوْا إليه -ﷺ- مشقّة السجود على الحصى في شدّة الحرّ، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم، فلم يُجبهم إلى ما سألوا، ولا أزال شكواهم، واستدلُّوا على ذلك بما روى محمد بن جُحَادة، عن سليمان بن أبي هند، عن خبّاب -﵁- قال: شكونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- شدّة الحرّ في جباهنا وأكفّنا، فلم يُشكنا.
قال: ويُجاب عن ذلك بأن حديث خبّاب اختُلِف في إسناده على أبي إسحاق، فرُوي عنه، عن سعيد بن وهب، عن خبّاب -﵁-، ورُوي عنه، عن حارثة بن مُضرِّب، عن خبّاب، وقد قيل: إنهما من مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لمن يَرْوِ عنهم غيره.
وفي إسناده اختلاف كثيرٌ، ولذلك لم يُخرّجه البخاريّ.
قال: وأما معنى الحديث، فقد فسَّره جمهور العلماء بأنهم شَكَوْا إلى رسول اللَّه -ﷺ- في شدّة الحرّ، وطلبوا منه الإبراد بها، فلم يُجبهم، وبهذا فسّره رُواةُ الحديث، منهم أبو إسحاق، وشَرِيك.
[ ١٣ / ٤٩٣ ]
وقد أخرجه البزّار في "مسنده"، وزاد فيه: "وكان رسول اللَّه -ﷺ- يُصلّي الظهر بالهَجِير" (^١).
وأخرجه ابن المنذر، وزاد في آخره: "وقال: إذا زالت الشمس فصلُوا" (^٢).
وأما رواية من زاد فيه: "في جِبَاهنا وأكفّنا"، فهي منقطعةٌ، حَكَى إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: هي مرسلةٌ - يعنى أن سليمان بن أبي هند لم يسمع من خبّاب (^٣).
وعلى تقدير صحّتها فقد يكون شَكَوا إليه ما يلقونه من شدّة حرّ الحصى في سجودهم، وأنه لا يقيهم منه ثوب ونحوه، وأيضًا فلو كانوا قد طلبوا منه السجود على ثوب يقيهم حرّ الرمضاء لأمرهم بالسجود على ثوب منفصل؛ فإن ذلك لا يُكره عند الشافعيّ ولا عند غيره لشدّة الحرّ كما سبق.
[فإن قيل]: فحمله على هذا ترُدّه أحاديث الأمر بالإبراد بالظهر في شدّة الحرّ.
[قيل]: عنه جوابان:
أحدهما: أن ذلك كان قبل أن يُشرع الإبراد، ثمّ نُسخ، وقد رُوي من حديث المغيرة ما يدلّ على ذلك.
والثاني: أن شدّة الحرّ في الصيف لا يزول في المدينة إلا بتأخير الظهر إلى آخر وقتها، وهو الذي طلبوه، فلم يُجبهم إلى ذلك، وإنما أمرهم بالإبراد اليسير، ولا يزول به شدّة حرّ الحصى.
وقد قيل: إنهم إنما شَكَوا إليه أنهم كانوا يُعذَّبون في اللَّه بمكة في حرّ الرمضاء قبل الهجرة، وطلبوا منه أن يدعو لهم، ويستنصر، فأمرهم بالصبر في اللَّه، وقد رَوَى قيس بن أبي حازم عن خبّاب هذا المعنى صريحًا، وبهذا فسّره ابن المدينيّ وغيره، والصحيح الأول. انتهى كلام ابن رجب -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "مسند البزّار" ٦/ ٧٨.
(٢) "الأوسط" ٢/ ٣٥٨.
(٣) "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص ٨٤).
[ ١٣ / ٤٩٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ عَوْنٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَاللَّفْظُ لَهُ: حَدَّثَنَا زُهَبْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا، قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس بن عبد اللَّه بن قيس التميميّ الْيَرْبُوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٣ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبىِ إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: [إن قلت]: كيف أخرج المصنّف رواية زُهير، عن أبي إسحاق، مع أن سماعه بآخره بعد اختلاطه؟.
[قلت]: إنما أخرج له متابعة لأبي الأحوص، وأيضًا روى الحديث شعبة والثوريّ، عن أبي إسحاق، وهما ممن روى عنه قبل اختلاطه، قال الإمام أحمد -﵀- في "مسنده":
(٢٠٥٤٧) حدّثنا سليمان بن داود، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبّابًا يقول: شكونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- الرمضاء، فلم يُشكِنا، قال شعبة: يعني في الظهر. انتهى.
وقال أيضًا:
(٢٠٥٥٨) حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان (ح) وابنُ جعفر قال: حدّثنا
[ ١٣ / ٤٩٥ ]
شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خبّاب، قال: شكونا إلى النبيّ -ﷺ- شدّة الرَّمْضَاء، فما أشكانا، يعني في الصلاة، وقال ابن جعفر: فلم يشكنا. انتهى.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (حَرَّ الرَّمْضَاءِ) أي الرجل الذي اشتدّت حرارته.
وقوله: (فَلَمْ يُشْكِنَا) أي لم يُزل شكوانا.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن معاوية.
وقوله: (قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ) أي السبيعيّ.
وقوله: (أَفِي الظُّهْرِ؟) أي أكان طلبهم تأخير الصلاة في صلاة الظهر؟.
وقوله: (أَفِي تَعْجِيلِهَا؟) أي أكانت الشكوى في شأن تعجيل صلاة الظهر؟.
وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) أي قال أبو إسحاق: نعم، كانت في ذلك.
وحاصل المعنى: أن زهيرًا لَمّا حدّثه أبو إسحاق بهذا الحديث، قال له: هل هذه الشكوى من أجل تعجيل صلاة الظهر الذي تسبب لإيذاء حر الرمضاء لهم؟، فقال أبو إسحاق: نعم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٠٩] (٦٢٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُوَل اللَّهِ -ﷺ- فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (غَالِبٌ الْقَطَّانُ) بن خُطَاف -بضم المعجمة، وقيل: بفتحها، وتشديد
[ ١٣ / ٤٩٦ ]
الطاء- ابن أبي غَيْلان القَطّان أبو سليمان البصريّ، مولى ابن كُرَيز، وقيل: مولى بني تَمِيم، وقيل غير ذلك، صدوق [٦].
رَوَى عن أنس، فيما قيل، ومحمد بن سيرين، والحسن، وبكر بن عبد اللَّه المزنيّ، وغيرهم. وعنه شعبة، وابن عُلَيّة، وخالد بن عبد الرحمن السلميّ، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال عمار بن عمر بن المختار، عن أبيه: حدثنا غالب القَطّان، وكان واللَّه من خيار الناس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال ابن عديّ بعد أن ساق له أحاديث: الضُّعْفُ على أحاديثه بيّنٌ، وفي حديثه النكرة، ثم أورد له حديثًا منكرًا، الحمل فيه على الراوي عنه، عمر بن المختار، وقال الذهبي: لعل الذي ضعّفه ابن عديّ آخر.
أخرج له الجماعة، وليس له عند المصنّف، والنسائي إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: "خطّاف" ضبطه أحمد بالفتح، وابن المديني، وابن معين بالضم.
و"القطان": نسبة إلى بيع القطن (^١).
٤ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المزَنيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) (خت م ٤) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٢.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الصحابيّ الشهير، مات -﵁- (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
_________________
(١) راجع: "لب اللباب" ٢/ ١٨٣.
[ ١٣ / ٤٩٧ ]
٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) وفي رواية النسائيّ: "كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- بالظهائر"، وهي: جمع ظَهِيرة، وهي شدة الحرّ نصفَ النهار، ولا يقال في الشتاء: ظهيرة (فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ) أي من شدّة الحرّ (بَسَطَ ثَوْبَهُ) قال في "الفتح": والثوب في الأصل يُطْلَق على غير المخيط، وقد يُطْلَق على المخيط مجازًا. انتهى.
ثم إن الظاهر أن المراد بالثياب الثيابُ التي هم لابسوها، ضرورةَ أن الثياب في ذلك الوقت قليلة، فمن أين لهم ثياب فاضلة؟، فهذا يدلّ على جواز أن يسجد المصلي على ثوب، هو لابسه، كما عليه الجمهور، أفاده السنديّ -﵀-.
(فَسَجَدَ عَلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: "كنّا نصلّي مع النبيّ -ﷺ-، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ في مكان السجود"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
[تنبيه]: قد كتب الإمام ابن رجب -﵀- على هذا الحديث بحثًا مفيدًا، حيث قال بعد أن ساق نصّ البخاريّ عن أبي الوليد -هشام بن عبد الملك- عن بشر بن المفضّل بسند المصنّف ومتنه:
وقد خرّجه في موضع آخر من كتابه من طريق ابن المبارك، عن خالد بن عبد الرحمن -وهو ابن بكير السلميّ البصريّ: حدّثني غالب القطّان، عن بكر المزنيّ، عن أنس قال: كنّا إذا صلّينا خلف رسول اللَّه -ﷺ- بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ.
ثم أورد رواية مسلم هذه، ثم قال: وخرّجه البخاريّ في أواخر الصلاة
[ ١٣ / ٤٩٨ ]
كذلك، وقد خرّجه الترمذيّ من طريق خالد بن عبد الرحمن، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
قال: وإنما ذكرت هذا؛ لأن الْعُقيليّ قال: حديث أنس في هذا فيه لينٌ، ولعلّه ظنّ تفرّد خالد به، وقد قال هو في خالد: يخالف في حديثه، وقد تبيّن أنه تابعه بشر بن المفضّل على جلالته وحفظه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن حديث أنس -﵁- هذا لا كلام فيه، وأن تليين العقيليّ له غير مقبول، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وقد أدخل بعض الرواة في إسناد هذا الحديث الحسن البصريّ بين بكر وأنس، وهو وَهَمٌ، قاله الدارقطني (^١).
قال: وقد رُوي عن أنس -﵁- حديث يخالف هذا، أخرجه أبو بكر بن أبي داود في "كتاب الصلاة": ثنا محمد بن عامر الأصبهانيّ، حدّثني أبي، ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن عثمان الطويل، عن أنس بن مالك قال: "كنّا نصلّي مع النبيّ -ﷺ- في الرمضاء، فإذا كان في ثوب أحدنا فضلة، فجعلها تحت قدميه، ولم يجعل تحت جبينه؛ لأن صلاة النبيّ -ﷺ- كانت خفيفة في إتمام".
قال: سنةٌ تفرّد بها أهل البصرة.
قال ابن رجب: يشير إلى تفرّد عثمان الطويل به عن أنس، وهما بصريّان، وعثمان هذا قد رَوى عنه شعبة وغيره، وقال أبو حاتم: هو شيخٌ.
وأما من قبل عثمان فهم ثقاتٌ مشهورون، فعنبسة هو ابن سعيد قاضي الريّ، أصله كوفيّ ثقةٌ مشهور، وثّقه أحمد، ويحيى، ويعقوب هو الْقُمّيّ ثقةٌ مشهور أيضًا، وعامرٌ هو ابن إبراهيم الأصبهانيّ، ثقةٌ مشهورٌ من أعيان أهل أصبهان، وكذلك ابنه محمد بن عامر.
ولكن إسناد حديث بكر أصحّ، ورُواته أشهر، ولذلك خُرَّج في "الصحيح" دون هذا، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التحقيق الذي ذكره ابن رجب -﵀- حسنٌ جدًّا، حاصله أن حديث أنس -﵁- الذي أخرجه الشيخان هو الأصحّ والأرجح
_________________
(١) راجع: "علل الدارقطنيّ" ٤/ ٤٠.
(٢) "فتح الباري" ٣/ ٣٥ - ٣٧.
[ ١٣ / ٤٩٩ ]
مما أخرجه أبو بكر بن أبي داود، فلا معارضة بينهما، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ١٤٠٩] (٦٢٠)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٨٥)، و"المواقيت" (٥٤٢)، و"العمل في الصلاة" (١٢٠٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٦٠)، و(الترمذيّ) فيها (٥٨٤)، و(النسائيّ) في "الافتتاح" (١١١٦)، و"الكبرى" (٧٠٣)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٦٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٣٤٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤١٥٢ و٤١٥٣)، و(ابن خزيمة) (٦٧٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٥٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٨٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٠٥ - ١٠٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز استعمال الثياب وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض؛ لاتقائه بذلك حرّ الأرض وكذا بردها.
٢ - (ومنها): أن مباشرة ما باشر الأرض بالجبهة واليدين هو الأصل؛ لأنه علّق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، وذلك يُفهم منه أن الأصل والمعتاد عدم بسطه، قاله ابن دقيق العيد -﵀-.
٣ - (ومنها): جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي. قال النوويّ -﵀-: وبه قال أبو حنيفة، والجمهور، وحمله الشافعيّ على الثوب المنفصل. انتهى.
قال في "الفتح": وأيَّد هذا الحمل البيهقيُّ بما رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: "فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه، وسجد عليه"، قال: فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.
وتُعُقِّب باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة، يسجد عليها، مع بقاء سترته له. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: يَحتاج من استَدَلّ به على الجواز إلى أمرين:
[ ١٣ / ٥٠٠ ]
(أحدهما): أن تكون لفظة "ثوبه" دالّة على المتصل به، إما من حيث اللفظ، أو من أمر خارج عنه، ونعني بالخارج قلة الثياب عندهم، ومما يدلّ عليه من جهة اللفظ قوله: "بسط ثوبه، فسجد عليه" يدلّ على أن البسط معَقّب بالسجود عليه، لدلالة الفاء على ذلك ظاهرًا.
(الثاني): أن يدلّ الدليل على تناوله لمحل النزاع؛ إذ من منع السجود على الثوب المتصل به يشترط في المنع أن يكون متحركًا بحركة المصلي، وهذا الأمر الثاني سهل الإثبات؛ لأن طول ثيابهم إلى حيث لا تتحرك بالحركة بعيد. انتهى كلام ابن دقيق -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يُستفاد من كلام ابن دقيق العيد -﵀- هذا أن استدلال من استَدَلّ بهذا الحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي الذي يتحرك بحركته ظاهر؛ إذ تعقيبه بالفاء التعقيبية في قوله: "بسط ثوبه، فسجد عليه" كما في رواية مسلم ظاهر في ذلك، ويؤيد ذلك قلة ثيابهم، ويؤيده أيضًا بُعْدُ حمله على غير المتحرك بحركته؛ لأن طول ثيابهم بهذا القدر بعيد كل البعد.
والحاصل أن مذهب الجمهور هو الراجح؛ لظهور دليله، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): جواز العمل القليل في الصلاة، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأن الظاهر أن صنيعهم هذا لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض.
٥ - (ومنها): تقديم الظهر في أول الوقت، لكن يعارض هذا ما ورد من الأحاديث في الأمر بالإبراد.
قال في "الفتح": فمن قال: الإبراد رخصة، فلا إشكال، ومن قال: سنة، فإما أن يقول: التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول: منسوخ بالأمر بالإبراد.
وأحسن منهما أن يقال: إن شدّة الحرّ قد توجد مع الإبراد، فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى؛ لأنه قد يستمرّ حره بعد الإبراد، وتكون فائدة الإبراد وجود ظل يُمْشَى فيه إلى المسجد، أو يُصَلَّى فيه في المسجد، أشار إلى هذا الجمع القرطبيّ، ثم ابن دقيق العيد -رحمهما اللَّه تعالى- وهو أولى من دعوى تعارض الحديثين. انتهى.
[ ١٣ / ٥٠١ ]
٦ - (ومنها): أن قول الصحابيّ: "كنا نفعل كذا" من قبيل المرفوع؛ لاتفاق الشيخين على تخريج هذا الحديث في "صحيحيهما"، بل ومعظم المصنفين، لكن قد يقال: إن في هذا زيادة على مجرد الصيغة، لكونه في الصلاة خلف النبيّ -ﷺ-، وقد كان يرى فيها مَنْ خلفه كما يرى مَنْ أَمَامه، فيكون تقريره فيه مأخوذًا من هذه الطريق، لا من مجرد صيغة "كنا نفعل"، قاله في "الفتح"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في سجود المرء على ثوبه في الحرّ والبرد، فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵀- يقول: إذا اشتدّ الحر، فليسجد على ثوبه، وقال عباس بن سهل: أدركت الناس في زمن عثمان بن عفان -﵀- يضعون أيديهم على الثياب، يتقون بها حرّ الحصى.
وممن رَخَّص في السجود على الثوب في الحرّ والبرد إبراهيم النخعي، والشعبي، ورَخَّص طاوس، وعطاء في السجود على الثوب في الحرّ، وكان مالك بن أنس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي لا يرون بأسًا بالسجود على الثوب في الحر والبرد.
وكان الشافعي يقول: ولو سجد على جبهته، ودونها ثوب لم يجزه. إلا أن يكون جريحًا، فيكون ذلك عذرًا، وأحب أن يباشر براحتيه الأرض، فإن سترهما من حرّ، أو برد، فسجد عليهما، فلا إعادة عليه.
قال ابن المنذر -﵀-: أقول كما قال عمر بن الخطاب -﵁-، ومن تبعه من أهل العلم.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجَّحه الإمام ابن المنذر -﵀- من جواز السجود على الثوب المتصل، سواء تحرك بحركة المصلي أم لا، هو الحقّ عندي؛ لوضوح حجّته، وهو ظاهر حديث أنس -﵁- المذكور في الباب، كما أسلفنا تحقيقه في المسألة الماضية.
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: ومن تأول حديث أنس -﵁- هذا على أنهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم، فقد أبعد، ولم يكن أكثر
[ ١٣ / ٥٠٢ ]
الصحابة -﵃-، أو كثير منهم يَجِد ثوبين يصلّي فيهما، فكانوا يصلّون في ثوب واحد -كما سبق- فكيف كانوا يجدون ثيابًا كثيرةً يصلّون في بعضها، ويتّقون الأرض ببعضها؟. انتهى (^١).
والحاصل أن أرجح المذاهب في المسألة مذهب الجمهور، وهو صحّة السجود على الثوب المتّصل بالمصلي، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في السجود على كَوْر العمامة:
قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في السجود على كَوْر العمامة، فرُوي عن عليّ -﵁- أنه قال: ليرفعها عن جبهته، ويسجد على الأرض، وحَسَر عبادة بن الصامت -﵁- العمامة عن جبهته، وكره السجود عليها ابن عمر -﵄-.
وقال مالك: أُحِبّ أن يرفعها عن بعض جبهته حتى يمس بعض جبهته الأرض.
وقال الشافعيّ: لا يجوز السجود عليها، وقال أحمد: لا يُعجبني إلا في الحرّ والبرد، وكذلك قال إسحاق.
ورخصت طائفة في السجود على كور العمامة، وممن رخص فيه الحسن البصريّ، ومكحول، وعبد الرحمن بن يزيد. وكان شريح يسجد على برنسه. انتهى كلام ابن المنذر -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الراجح عندي قول من قال بجواز السجود على كور العمامة؛ لدلالة حديث أنس -﵁- المذكور في الباب، ولما أخرجه البيهقيّ عن الحسن بسند صحيح: "كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يسجدون، وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على عمامته"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "فتح الباري" ٣/ ٣٦.
[ ١٣ / ٥٠٣ ]