وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٩] (٤٦٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَن قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَّاخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بنَا، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيِّ -ﷺ- غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الْبَجَليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٩.
٢ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] (ت بعد ٩٠) وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٥.
٣ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- بالكوفة، وقيل: بالمدينة قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٥٨.
[ ١١ / ٢٩ ]
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وهُشيمٍ، فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل، عن قيس.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعي الذي انفرد بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة على الصحيح، ولا مشارك له في ذلك، خلافًا للحاكم صاحب "المستدرك" حيث ادّعى ذلك، وقد أشار السيوطيّ -﵀- إلى ذلك في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ مَعْ خَمْسَةٍ … أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ
وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ
٦ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بنسبته إلى بدر، فعدّه البخاريّ في "صحيحه"، ومسلم في "الكنى": ممن شَهِد غزوة بدر، وقال الأكثرون: لَمْ يشهدها، وإنما نزل ماءً ببدر، فنُسب إليها، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو (الْأَنْصَارِيِّ) البدريّ -﵁- أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ -﵀-: لَمْ أقف على اسمه، ووَهِم مَن زعم أنه حَزْم بن أُبَيّ بن كعب؛ لأن قصته كانت مع معاذ، لا مع أُبَيّ بن كعب. انتهى (^١). (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) ولفظ البخاريّ: "إني لأتأخَّر عن صلاة الغداة"، أي فلا أحضرها مع الجماعة؛ لأجل التطويل، وفي رواية للبخاريّ أيضًا من طريق ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد: "واللَّه
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٣٢.
[ ١١ / ٣٠ ]
لأتأخر" بزيادة القسم، وفيه جواز مثل ذلك؛ لأنه لَمْ يُنْكِر عليه النبيّ -ﷺ-، وفي رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن إسماعيل: "إنى لا أكاد أدرك الصلاة".
قال القاضي عياض -﵀-: ظاهره مشكل؛ لأن التطويل يقتضى الإدراك لا عدمه، قال: فكأن الألف زيدت بعد "لا"، وكأن "أُدْرِك" كانت "أَتْرُك".
قال الحافظ: هو توجيه حسن لو ساعدته الرواية، وقال أبو الزناد بن سراج: معناه أنه كان به ضعف، فكان إذا طوَّل به الإمام في القيام، لا يبلغ الركوع إلَّا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يتم معه الصلاة.
قال الحافظ أيضًا: وهو معنى حسن، لكن رواه البخاريّ، عن الفريابيّ، عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: "إني لأتأخر عن الصلاة"، فعلى هذا فمراده بقوله: "إني لا أكاد أدرك الصلاة"، أي لا أقرُب من الصلاة في الجماعة، بل أتأخر عنها أحيانًا؛ من أجل التطويل (^١).
قال: ويَحْتَمل أيضًا أن يكون المراد أن الذي أَلِفَه من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجيء في أول الوقت؛ وثوقًا بتطويله، بخلاف ما إذا لَمْ يكن يطوِّل، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أوّل الوقت، وكأنه يَعْتَمِد على تطويله، فيتشاغل ببعض شغله، ثم يتوجه، فيصادف أنه تارةً يدركه، وتارة لا يدركه، فلذلك قال: "لا أكاد أدرك مما يُطَوّل بنا"، أي بسبب تطويله. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في هذا الاحتمال من البعد، فالأول هو الوجه، فتأملّ، واللَّه تعالى أعلم.
وإنما خص الصبح بالذكر؛ لأنَّها تطوَّل فيها القراءة غالبًا، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها.
(مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ) هو كناية عن اسم سُمّي به المحدّث عنه، ويقال في غير الآدميّ: الفلان معرّفًا بالألف واللام، قاله الكرمانيّ -﵀- (^٣).
والمراد بفلان هنا هو: أُبيّ بن كعب -﵁-، قال في "الفتح": ووَهِمَ مَن
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٢٤ "كتاب العلم" رقم الحديث (٩٠).
(٢) "الفتح" ٢/ ٢٣٢ "كتاب الأذان" رقم (٧٠٢).
(٣) "شرح الكرمانيّ" ٢/ ٧٨.
[ ١١ / ٣١ ]
فَسَّر الإمام المبهم هنا بمعاذ، بل المراد به أُبَيّ بن كعب، كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن، من رواية عيسى بن جارية -وهو بالجيم- عن جابر، قال: كان أُبّيّ بن كعب يصلّي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلةً، فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتَلَ من صلاته، فغضب أُبَيّ، فأتى النبيّ -ﷺ- يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أُبَيًّا، فغضب النبيّ -ﷺ- حتى عُرِف الغضب في وجهه، ثم قال: "إن منكم منفرين، فإذا صلّيتم فأوجزوا، فإن خلفكم الضعيفَ، والكبيرَ، والمريضَ، وذا الحاجة"، فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب: "مما يطيل بنا فلان"، أي في القراءة، واستفيد منه أيضًا تسمية الإمام، وبأيّ موضع كان، وفي الطبرانيّ من حديث عديّ بن حاتم: "مَن أَمّنا، فَلْيُتِمّ الركوع والسجود". انتهى (^١).
وقوله: (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) "من" هنا للتعليل، و"ما" مصدريّة، و"يُطيل" من الإطالة، أي من أجل إطالته القراءة في الصلاة علينا، وفي رواية البخاريّ: "مما يُطوّل"، من التطويل.
(فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غَضَبًا أشدّ، أو منصوب على الحال من "النبيّ -ﷺ-".
وسببه إما لمخالفة الموعظة، أو للتقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلمه، كذا قاله ابن دقيق العيد.
وتعقّبه تلميذه أبو الفتح اليعمريّ بأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ما ظهر من الغضب؛ لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه؛ ليكونوا من سماعه على بالٍ؛ لئلا يعود مَن فَعَل ذلك إلى مثله.
قال الحافظ -﵀-: وأقول: هذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونه أشدّ فالاحتمال الثاني أوجه، ولا يَرِدُ عليه التعقب المذكور. انتهى (^٢).
(مِمَّا غَضِبَ) "من" صلة "أشدّ"، و"ما" مصدريّة، أي غضبه (يَوْمَئِذٍ) أي يوم أُخبر بذلك (فَقَالَ) أي النبيّ -ﷺ- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وفي رواية البخاريّ: "أيها الناس" بحذف حرف النداء.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٣٢.
(٢) "الفتح" ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
[ ١١ / ٣٢ ]
[فائدة]: المقصود بالنداء في نحو قوله: "يا أيها الناس"، هو "الناس"، وإنما جاءوا بـ"أيّ" ليمكن الوصول إلى نداء ما فيه "أل"؛ لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء، وأداة التعريف، فكأن المنادى هو الصفة، و"ها" مُقْحَمة للتنبيه، أفاده في "العمدة" (^١).
(إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع، والنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، وهو من التنفير، وهو التفريق، قال في "القاموس": النَّفْرُ: التفرّق، نَفَرت الدابّة تَنْفِرُ وتَنْفُرُ -أي من بابي ضرب، وقعد- نَفْرًا، ونُفُورًا، ونِفَارًا، فهي نافرةٌ، ونَفُورٌ: جَزِعَتْ، وتباعدت، قال: ونَفَرَ الظبيُ: شَرَدَ، ونفّرتُهُ، واستنفرته، وأنفرته. انتهى ملخّصًا (^٢).
والمعنى: أن منكم من يفرّق الناس، ويُبعدهم عن الجماعة بسبب تطويله.
وقال في "الفتح": قوله: "إن منكم منفرين" فيه تفسير للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ -﵁-: "أفتّان أنت"، ويحتمل أن تكون قصة أُبَيّ هذه بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ واجهه وحده بالخطاب، وكذا ذَكَر في هذا الغضب، ولم يذكره في قصة معاذ، وبهذا يتوجه الاحتمال الأول؛ لابن دقيق العيد، يعني ما ذكر في سبب شدّة غضبه. انتهى (^٣).
وإنما خاطب الكلّ، ولم يُعيّن المطوِّل فقط؛ كرَمًا منه، ولطفًا عليه، وكانت هذه عادته -ﷺ- غالبًا حينما كان يوجّه العتاب والتأديب لمن يستحقّه حتى لا يحصل له الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد، أفاده الكرمانيّ -﵀- (^٤).
(فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ) وفي رواية البخاريّ: "فأيُّكم ما صلّى بالناس" أي أيُّ واحد منكم، و"ما" زائدة، وزيادتها بعد "أيٍّ" الشرطيّة كثيرةٌ، وفائدتها التوكيد، وزيادة التعميم، قاله الكرمانيّ (^٥).
(فَلْيُوجِزْ) من الإيجاز، وهو الاختصار، ولفظ البخاري: "فليتجوّز"، أي فليُخفّف، وأصل اللام الكسر، ويجوز فيها السكون؛ تخفيفًا.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ١٦٠.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ٢/ ١٤٦.
(٣) "الفتح" ٢/ ٢٣٣.
(٤) "شرح الكرماني" ٢/ ٧٨ - ٧٩.
(٥) "شرح الكرماني" ٥/ ٨٢.
[ ١١ / ٣٣ ]
قال ابن دقيق العيد -﵀-: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلًا بالنسبة لعادة آخرين، قال: وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلًا.
قال الحافظ -﵀-: وأولى ما أُخِذ حدُّ التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائيّ، عن عثمان بن أبي العاص -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال له: "أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم"، وإسناده حسنٌ، وأصله في مسلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث عثمان بن أبي العاص -﵁- يأتي في هذا الباب بعد حديث أبي هريرة -﵁-.
ثم ذكر علّة أمره بالإيجاز والتخفيف، فقال:
(فَإِنَّ) الفاء للتعليل، أي لأن (مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخَّرًا، وما بعده عطف عليه.
ومقتضى هذا التعليل أنه متى لم يكن فيهم مُتَّصِف بصفة من المذكورات، لم يضرّ التطويل، لكن فيه أنه يمكن مجيء من يتصف بإحداها.
وقال اليعمريّ -﵀-: الأحكام إنما تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا، قال: وهذا كما شُرع القصر في صلاة المسافر، وعُلِّل بالمشقة، وهو مع ذلك يُشْرَع، ولو لم يَشُقّ؛ عملًا بالغالب؛ لأنه لا يُدرَى ما يَطْرأ عليه، وهنا كذلك. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(وَالضَّعِيفَ) أي المريض، وفي حديث عثمان بن أبي العاص الآتي: "فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم المريضَ، وإن فيهم الضعيفَ، وإن فيهم ذا الحاجة"، فيكون المراد بالضعيف هناك الضعيف في خِلْقته، كالنحيف، والسمين.
وزاد في رواية الطبرانيّ في حديث عثمان المذكور: "والحامل،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٣٣.
[ ١١ / ٣٤ ]
والمرضع"، وله من حديث عديّ بن حاتم: "والعابر السبيل"، أفاده في "الفتح" (^١).
(وَذَا الْحَاجَةِ") بالنصب أيضًا؛ لما ذُكر، وهذا من عطف العامّ على الخاصّ؛ لأن ذا الحاجة يعمّ الكبير، والضعيف، وغيرهما.
وإنما اقتصر على ذكر هذه الثلاثة؛ لأنها متناولة لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف، فإن المقتضي له إما في نفسه أولًا، والأول إما في ذاته، وهو الضعف، أو بسبب العارض لذاته، وهو المرض، أو لما يشمل هذين، وغيرهما، وهي الحاجة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٤٩ و١٠٥٠] (٤٦٦)، و(البخاريّ) في "العلم" (٩٠) و"الأذان" (٧٠٢ و٧٠٤) و"الأدب" (٦١١٠) و"الأحكام" (٧١٥٩)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٨٤)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٣١ و١٣٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٦٠٧)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧٢٦)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١٨ و١١٩ و٥/ ٢٧٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٢٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٣٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٥٥٥ و٥٥٦ و٥٥٧ و٥٥٨ و٥٥٩ و٥٦٠ و٥٦١ و٥٦٢ و٥٦٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٥٣ و١٥٥٤ و١٥٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١١٥)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٨٤٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) ٢/ ٢٣٤.
[ ١١ / ٣٥ ]
١ - (منها): بيان الأمر للأئمة بتخفيف الصلاة حتى لا يتضرّر المأمومون، لكن بشرط أن لا يُخلّ بسننها، وآدابها، ومقاصدها، وأما إذا أدّى التخفيف إلى نقص شيء من ذلك، كما يفعله بعض الجهلة مغترّين بظاهر قوله -ﷺ-: "فليُخفّف"، فيتلاعبون بالصلاة، فهذا من تلبيس الشيطان، واستيلاء الجهل بالسنّة، وغلبة الهوى، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
٢ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة أمر الدين، حيث أمر النبيّ -ﷺ- الأئمة بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، حتى لا تحصل مشقّة على الضعفاء، كالمريض، والصغير، والكبير، وذي الحاجة.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدْخِل عليهم ما يشقّ عليهم، وإن كان يسيرًا من غير ضرورة. انتهى.
٤ - (ومنها): جواز التأخّر عن صلاة الجماعة، إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير.
٥ - (ومنها): جواز ذكر الإنسان بفلان ونحوه في معرض الشكوى، والاستفتاء.
٦ - (ومنها): جواز الغضب لما يُنْكَر من أمور الدين، والغضب في الموعظة.
٧ - (ومنها): أن فيه حكم النبيّ -ﷺ- في حال غضبه، ولا يعارضه قوله -ﷺ-: "لا يقضينّ حكم بين اثنين، وهو غضبان"، متّفقٌ عليه؛ لأنه -ﷺ- معصوم فلا يصدر منه في حال غضبه ما يخالف الشرع، بخلاف غيره.
والحاصل أن الحكم في حال الغضب خاصّ بالنبيّ -ﷺ-، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٨ - (ومنها): جواز الإنكار على مَن ارتَكَبَ ما يُنْهَى عنه، وإن كان مكروهًا غير محرَّم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قالوا، لكن تقدّم أن كون هذا من المكروهات محلّ نظر، بل هو من المحرّمات إذا تضَرَّر به المأمومون، أو
[ ١١ / ٣٦ ]
بعضهم، وكيف لا يكون محرّمًا، وقد غضب النبيّ -ﷺ- غضبًا شديدًا، وصفه الصحابيّ بأنه لم يره غضب قبله مثله، وقال: "فأيُّكم أم الناس فليتجوّز"، وأمره للوجوب، كما أن نهيه للتحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
٩ - (ومنها): أن الأرجح كون الأمر بالتخفيف للوجوب، قال العراقيّ -﵀-: هذا الأمر بالتخفيف صَرَّح أصحابنا -يعني الشافعيّة- وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب، وذهب جماعة إلى الوجوب؛ تمسكًا بظاهر الأمر، قال ابن حزم الظاهريّ -﵀-: يجب على الإمام التخفيف، إذا أمَّ جماعةً، لا يَدْري كيف طاقتهم.
وقال ابن عبد البرّ المالكيّ -﵀-: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف؛ لأمر رسول اللَّه -ﷺ- إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل، وكذا قال ابن بطّال في "شرح البخاريّ": فيه دليل أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف؛ لأمر رسول اللَّه -ﷺ- لهم بذلك. انتهى كلام العراقيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي قول من قال بالوجوب؛ عملًا بظاهر الأمر؛ إذ لا صارف له عن الوجوب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة التعزير على إطالة الصلاة، إذا لم يَرْضَ المأموم به، وجواز التعزير بالكلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر ما جاء عن أهل العلم في تخفيف الصلاة:
(اعلم): أن أحاديث الباب فيها الأمر للأئمة بتخفيف الصلاة؛ مراعاةً لحال المأمومين.
قال الترمذيّ -﵀- في "جامعه": وهو قول أكثر أهل العلم، اختاروا أن لا يُطيل الإمام الصلاة؛ مخافة المشقّة على الضعيف، والكبير، والمريض. انتهى.
وقال العراقيّ -﵀- في "شرح التقريب" بعد نقل كلام الترمذيّ المذكور: وهو يقتضي خلافًا في ذلك بين أهل العلم، ولا أعلم فيه خلافًا، قال ابن
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٤٨.
[ ١١ / ٣٧ ]
عبد البرّ: التخفيف لكل إمام أمر مُجْمَعٌ عليه، مندوب عند العلماء إليه، وقال أيضًا: لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أمّ قومًا على ما شرطنا من الائتمام بأقل ما يُجزئ، وساق الكلام على ذلك، وكأن الترمذيّ توهم الخلاف في ذلك من قول ابن أبي شيبة في "مصنفه" في التبويب: "التخفيفُ في الصلاة"، "من كان يُخَفِّفها"، وليس ذلك صريحًا في وجود خلاف، ولم يبوّب ابن أبي شيبة على التطويل المقابل للتخفيف، ولو كان ثَمّ قائل به لَبَوَّب عليه، وذكره.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة في الباب المذكور، عن ثابت البنانيّ قال: صلّيت مع أنس -﵁- العَتَمَة، فتجوَّز ما شاء اللَّه، وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي إذا صلّى في المسجد خَفَّف الركوع والسجود، وتجوَّز، وإذا صلّى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له؟، فقال: إنا أئمة يُقْتَدَى بنا، وعن أبي رجاء، وهو العطارديّ قال: رأيت الزبير بن العوّام صلّى صلاةً خفيفةً، فقلت: أنتم أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أخفّ الناس صلاةً، فقال: إنا نُبادر هذا الوسواس، وعن عمار بن ياسر، أنه قال: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تخفيف الصلاة من أجل مبادرة الوسواس يحتاج إلى دليل، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم
وعن حذيفة أنه عَلَّمَ رجلًا، فقال: إن الرجل ليخفف الصلاة، ويُتِمُّ الركوع والسجود، وعن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة -﵁- صلّى صلاةً تجوّز فيها، فقلت له: هكذا كانت صلاة النبيّ -ﷺ-؟ قال: نعم، وأجوز، وعن عمرو بن ميمون: لَمّا طُعِن عمر، وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، وعن إبراهيم النخعيّ أنه كان يخفف الصلاة، ويتمّ الركوع والسجود، وعن أبي مِجْلَزٍ قال: كانوا يُتِمّون، ويوجزون، ويبادرون الوسوسة.
قال الجامع: مبادرة الوسوسة محلّ نظر، كما أسلفته آنفًا، فليُتنبّه.
وعن عمرو بن ميمون، قال: ما رأيت الصلاة في موضع أخفّ منها فيما
[ ١١ / ٣٨ ]
بين هاتين الحائطين، يعني مسجد الكوفة الأعظم، وعن النعمان بن قيس، قال: كُنّ النساء إذا مررن على عَبِيدة، وهو يصلّي قُلْن: خففوا، فإنها صلاة عَبِيدة، يعني مِن خفتها، رواها كلها ابن أبي شيبة.
وحَكَى ابن حزم في "الْمُحَلَّى" عن عمرو بن ميمون أنه قال: لو أن رجلًا أخذ شاة عزوزًا لم يفرُغ من لبنها حتى أُصلي الصلوات الخمس، أُتِمُّ ركوعها وسجودها، والْعَزُوز -بالعين المهملة، والزاي المعجمة المكررة-: الضيِّقة الإحليل، وعن علقمة: لو أُمر بذبح شاة، فأُخذ في سَلْخها لصلّيت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يُفْرَغ منها.
ويَحْتَمِل أن ابن أبي شيبة إنما بَوّب تخفيف الصلاة مع الانفراد، أو مع إمامة المحصورين، فذكر فيه من كان يؤثر تخفيفها، ولو مع هذه الحالة، فنقله الترمذيّ إلى أئمة العامة، وأولئك لا خلاف فيهم كما تقدم. انتهى كلام العراقيّ -﵀- (^١)، وهو بحث نفيس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): المراد من الأمر بتخفيف الصلاة -كما قال أهل العلم- أن يكون بحيث لا يُخِلّ بسننها ومقاصدها، ففي "الصحيحين" عن أنس -﵁- قال: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يأمرنا بالتخفيف، ويؤمّنا بالصّافّات".
وقال العلّامة ابن القيّم -﵀-: إذا أمرهم بالتخفيف، وأمرهم أن يصلّوا كصلاته في قوله: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلّي"، عُلِمَ بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أَمَرَ به، يوضّح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويُسمّى تخفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسمّى تطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخفّ منه، فلا حدّ له في اللغة يُرجَع إليه، وليس من الأفعال المعروفة التي يُرْجَع فيها إلى العرف كالْحِرْز، والقَبْض، وإحياء الموات، والعباداتُ ترجع إلى الشارع في مقدارها، وصفاتها، وهيآتها، كما يُرجَع إليه في أصلها، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس وعوائدهم في مسمّى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافًا بيِّنًا لا ينضبط.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٨.
[ ١١ / ٣٩ ]
ولهذا لَمّا فَهِمَ بعض من نَكَّس اللَّه قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يُمكن من التخفيف، اعتَقَدَ أن الصلاة كلّما خُفّفت، وأُخِّرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمرّ فيها مرّ السَّهْم، ولا يزيد على "اللَّه أكبر" في الركوع والسجود بسرعة، فكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربّما ظنّ الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث.
ويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنه رأى غُلامًا له يَطمئنّ في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئًا عن شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كلُّه تلاعب بالصلاة، وتعطيلٌ بها، وخِدَاعٌ من الشيطان. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العلّامة ابن القيّم -﵀- هو الحقّ، وإن اعتَرَض عليه الصنعانيّ، وطوّل الكلام في الرّدّ عليه في كتابه "العدّة حاشية العمدة" (^١).
وخلاصة ما أشار إليه ابن القيّم: أن ما ثبت عن النبيّ -ﷺ- من كيفيّة الصلاة هو الذي أمر به، فقد كان يُخفّف أحيانًا، ويُطوّل أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين، فقد ثبت أنه -ﷺ- خفّف صلاته، فقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾، وكان ذلك في السفر، وقد روي أنه قرأ بها في المغرب، ولم يُذكر السفر، وعن أبي هريرة -﵁- أنه كان يقرأ بقصار المفصّل، ولا يُعارضه حديث زيد بن ثابت -﵁- أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصّل؛ لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في "الصحيح" أنه قرأ فيها ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلّى الصبح بـ "الزلزلة" في الركعتين، وقرأ فيه أيضًا "المعوّذتين"، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار.
وثبت عنه -ﷺ- أنه طوّل في بعض الأحيان، فقرأ في المغرب ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، و﴿الطُّورِ﴾، وبطولى الطوليين، وظاهره أنه أتمّها، فقول القاضي عياض: إن المراد بعضها خلاف الظاهر، وكان يطوّل في الصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستّين والمائة، وصلاها أيضًا بـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى إذا جاء ذكر
_________________
(١) راجع: "العدّة على عمدة الأحكام" ٢/ ٢٦١ - ٢٦٤.
[ ١١ / ٤٠ ]
موسى وعيسى أخذته سعلة، فركع، وقرأ فيها أيضًا ﴿ق﴾، وقرأ فيها ﴿الطُّورِ﴾.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- أنهم قدّروا قراءته في الظهر في الأوليين بقدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وفي الأخريين بقدر النصف من ذلك، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة.
والحاصل أنه -ﷺ- قد خفّف، وهو الغالب منه، وطوّل أحيانًا، حيث يرى نشاط المأمومين، وأمر أمته أن يقتدوا به في التخفيف والتطويل، فقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي".
وخلاصة القول أن كلّ ما ثبت عن النبيّ -ﷺ- ينبغي العمل به؛ لأنه التخفيف الذي أمر به الأئمة، قال أنس -﵁-: "ما صلّيت وراء إمام قطّ أخفّ صلاةً ولا أتمّ من النبيّ -ﷺ-، وإن كان ليسمع بكاء الصبيّ فيخفِّف؛ مخافة أن تفتن أمه"، متّفق عليه.
وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان النبيّ -ﷺ- يراعي ذلك، فقد قال: "إني لأقوم في الصلاة، أريد أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأتجوّز في صلاتي؛ كراهية أن أشقّ على أمه"، أخرجه البخاريّ، فإن خفي على الإمام حالهم، فليُخفّف احتياطًا.
وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" مسائل مفيدةً، فراجعها (^١) تستفد علمًا جَمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، وَوَكِيعٌ،
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ١٠/ ١٦٨ - ١٧١.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١١ / ٤١ ]
قَالَ: (ح) (^١) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون تقدّموا، فأبو بكر، ووكيع تقدّما قبل باب، والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وابن نمير هو: محمد، وأبوه هو: عبد اللَّه بن نُمير، وسفيان هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: إنما ذكر هُشيمًا هنا مع أنه تقدّم في السند الماضي؛ لاختلاف شيخيه عليه، وذلك أن يحيى بن يحيى حدّثه عنه وحده، وقال: أخبرنا هُشيم؛ ليُبيّن أنه أخذ عنه قراءةً، وأما أبو بكر، فحدّثه عنه مقرونًا بوكيع، وقال: حدّثنا هُشيم، ووكيع؛ ليُبيّن أنه أخذ عنهما سماعًا، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قال: ح إلخ) هذا من الراوي عن المصنّف، أي قال المصنّف: ح وحدّثنا ابن نمير إلخ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ) أي كلّ هؤلاء الأربعة: هُشيم، ووكيع، وعبد اللَّه بن نُمير، وسفيان بن عيينة رووه عن إسماعيل بن أبي خالد.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء متعلّق بحال مقدّر من إسماعيل بن أبي خالد، أي حال كونه مخبرًا بهذا الإسناد السابق، وهو: عن قيس، عن أبي مسعود -﵁-.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ) يعني الذي قبل هذا، وهو متعلّق بـ "حدّثنا".
[تنبيه]: رواية هشيم هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٨٣) فقال:
(١٠٣٠) وحدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد (ح) وحدّثنا حبيب، ثنا يوسف القاضي، ثنا مسدّد، ثنا يحيى، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي
_________________
(١) وفي نسخة: تأخير "قال" على الحاء.
[ ١١ / ٤٢ ]
مسعود، قال: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، إني لأتأخر عن صلاة الغداة، مما يطيل بنا فلان فيها، قال: فقام النبيّ -ﷺ-، فما رأيته في موعظة أشدَّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، وأيُّكم صلّى بالناس، فليتجوَّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ وذا الحاجةِ"، قال: لفظ هشيم. انتهى.
وأما رواية وكيع، فقد ساقها ابن حبّان في "صحيحه" فقال:
(٢١٣٧) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه إني لأتأخر عن صلاة الغداة، مما يطيل بنا فلان، فقام رسول اللَّه -ﷺ-، فما رأيته في موعظة أشدّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "أيها الناس إنّ منكم منفرين، فأيُّكم ما صلّى بالناس، فليتجوّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى.
وأما رواية ابن نمير، فساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(٩٨٤) حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود، قال: أتى النبيّ -ﷺ- رجل، فقال: يا رسول اللَّه، إني لأتأخر في صلاة الغداة، من أجل فلان؛ لما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- قطُّ في موعظة أشدّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إنّ منكم منفرين، فأيّكم ما صلّى بالناس فَلْيُجَوِّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، فساقها أبو عوانة -﵀- في "مسنده" (١/ ٤١٩) فقال:
(١٥٥٣) حدّثنا علي بن حرب، وشعيب بن عمرو الدمشقيّ قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، قال: قال رجل للنبيّ -ﷺ-: إني لأتأخر عن صلاة الصبح، مما يُطَوِّل بنا فلان، فقال النبيّ -ﷺ-: "إنّ منكم منفرين، فأيُّكم أمّ للناس، فليخفِّفْ، فإن فيهم الضعيف، والمريضَ، وذا الحاجة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١١ / ٤٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥١] (٤٦٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الْحِزاميّ المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدوسيّ الصحابيّ الشهير -﵁- مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀- أنه قال: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ٤٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ) وفي رواية همّام بن منبّه التالية: "إذا ما قام أحدكم للناس"، وفي رواية أبي سلمة الثالثة: "إذا صلّى أحدكم للناس"، واللام بمعنى الباء.
[تنبيه]: هل المراد بصلاته للناس أن يكون إمامًا منصوبًا للإمامة من جهة الإمام الأعظم، أو من جهة ناظر المسجد الذي يصلّي به، بحيث لا يتمكن غيره من الإمامة في ذلك المحلّ، أو أعم من ذلك، ومن كون أهل المحلة نصبوه للإمامة بهم، بحيث لو شاءوا لَغَيَّروه، وأقاموا غيره في ذلك، أو أعمّ من ذلك، ومِن أن يتقدم للإمامة بغير تقديم أحد، أو كونه صار إمامًا، ولو لم يقصد التقدُّم لذلك من الأول، بل تقدَّم ليصلّي منفردًا فتابعه غيره، فنوى الإمامة به، أو لو لم ينو الإمامة به، بل نوى المأموم الائتمام فقط؛ لأنه يصير بذلك عند الشافعي وجماعة إمامًا، ولو لم ينو هو الإمامة، غايته أنه لا يحصل له فضيلة الجماعة إذا لم ينو الإمامة؟.
هذه احتمالات خمسة، قال العراقيّ -﵀-: وأرجحها عندي الرابع، فمتى صار إمامًا بنيته للإمامة على أيّ وجه تقدَّم يستحب له التخفيف، وأما إذا لم ينو هو الإمامة، فالظاهر أنه لا يستحب له التخفيف باقتداء غيره به. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وعندي الأرجح إجراؤه على عمومه؛ فيعُمّ جميع الأقسام الخمسة، فعلى الجميع التخفيف؛ لعموم قوله -ﷺ-: "إذا أمّ أحدكم الناس"، فالمعتبر كونه إمامًا، سواء نوى ذلك، أم لم ينو، فقصره على الذي نوى الإمامة تخصيص بلا دليل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قوله: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ"، قال العراقيّ -﵀-: لم يذكر الصلاة، فتناول الفرائض والنوافل التي يُشْرَع لها الجماعة، كالعيد، والتراويح، ونحوهما؛ لأن حذف المعمول يدل على العموم، بدليل صحة الاستثناء، فإنه معيار العموم، نعم يُسْتَثنى من ذلك صلاة الكسوف؛ لمشروعية تطويل القراءة فيها، فلا يُسَنّ النقص عن المشروع في ذلك، وكأنه لم يستثنها؛ لندورها،
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٤٨.
[ ١١ / ٤٥ ]
والاهتمام بشأنها؛ للأمر العارض. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ.
(فَلْيُخَفِّفْ) أي القراءة والأذكار، بحيث لا يُخلّ بأركانها، وسننها، وآدابها؛ لأن النبيّ -ﷺ- قد نهى عن نقرة الغراب، وقال للمسيء صلاته: "صلّ، فإنك لم تصلّ"، متّفقٌ عليه، وقال: "لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود" (^٢)، وقال: "لا ينظر اللَّه ﷿ إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" (^٣).
فالذي يُخلّ بشيء مما ذُكِر لم يُصلّها، فينبغي لمن يريد التخفيف مراعاة ما ذُكر حتى لا يقع في شيء من المحظور، وما أكثر من يقع في ذلك من الجهلة، وذوي الغفلة الذين ناصيتهم بيد الشيطان، فهو الذي يتصرّف في رفعها ووضعها، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
(فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ) المراد به ضعف الْخِلْقة (وَالْمَرِيضَ) وفي رواية أبي سلمة الآتية: "فإن في الناس الضعيف، والسقيم"، والسقيم بمعنى المريض، وعطف المريض على الضعيف، من عطف العامّ على الخاصّ.
قال في "المصباح": الضَّعْف بفتح الضاد في لغة بني تميم، وبضمّها في لغة قريش: خلاف القوّة والصّحّة، فالمضموم مصدر ضَعُف، مثالُ قَرُبَ قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضعيفٌ، والجمع ضُعَفَاءُ، وضِعَافٌ أيضًا، وجاء ضَعَفَةٌ، وضَعْفَى. انتهى.
وقال في مادّة مَرِضَ: مَرِضَ الحيوان مَرَضًا، من باب تَعِبَ، والمرَضُ: حالةٌ خارجةٌ عن الطبع ضَارّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام، والأَوْرَامَ أعراضٌ عن المرض، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصّحّة، من علّة، أو نفاق، أو تقصير في أمرٍ (^٤).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٥٠.
(٢) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في "سننه" برقم (٨٧١).
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (١٠٣٨٠) بسند صحيح.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٢ و٥٦٨.
[ ١١ / ٤٦ ]
(فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ) "كيف" هنا استفهاميّة، أي على أيّ كيفيّة أرادها، من التطويل والتخفيف؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وفي رواية همّام بن منبّه التالية: "فليُطل صلاته ما شاء"، وفي "مسند السرّاج": "فليُطِل إن شاء".
قال العراقيّ -﵀-: هل هذا الأمر أمرُ استحباب كالمذكور قبله، أو أمر إباحة، وترخيص؟ يترجح الأول؛ لكونه أمرًا في عبادة، ويترجح الثاني لتعليقه بمشيئة المصلّي، ولو كان للاستحباب لم يُعَلَّق بمشيئته، ولا يحتمل هنا أن يكون للوجوب كما قيل به في الأمر الذي قبله. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر العراقيّ الاحتمالين بدون ترجيح لأحدهما، والذي يظهر لي ترجيح الثاني؛ لأن الغالب من صلاته -ﷺ- وحده التطويل، لا التخفيف، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: الإطالة المذكورة مشروطة بأن تؤدّي إلى خروج الوقت، وإلا فلا، وجوّز بعضهم الإطالة، ولو خرج الوقت، وهو المصحّح عند بعض الشافعيّة، وفيه نظرٌ؛ لأنه يعارضه عموم قوله -ﷺ- في حديث أبي قتادة -﵁-، مرفوعًا: "إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقتُ الصلاة الأخرى"، رواه مسلم، ولفظ أبي داود: "إنما التفريط في اليقظة أن تُؤَخَّر صلاةٌ حتى يدخل وقت أخرى"، أفاده في "الفتح" (^١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-.
[تنبيه آخر]: قال العراقيّ -﵀-: هذا التطويل إنما هو في الأركان التي تَحْتَمِل التطويل، وهي القيام، والركوع، والسجود، والتشهد، دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العراقيّ من تقييده التطويل ببعض الأركان مما لا دليل عليه، بل الأدلّة بخلافه، فقد أخرج الشيخان عن البراء -﵁- قال: "كان ركوع النبيّ -ﷺ-، وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريبًا من السواء"، وفي رواية لمسلم: عن البراء بن عازب -﵄-
_________________
(١) ٢/ ٢٣٤.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٣٥٣.
[ ١١ / ٤٧ ]
قال: "رَمَقت الصلاة مع محمد -ﷺ-، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء".
وأخرجا عن ثابت، قال: كان أنس -﵁- ينعت لنا صلاة النبيّ -ﷺ-، فكان يصلّي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي.
فهذا وأمثاله من الأحاديث في "الصحيحين"، وغيرهما دليلٌ على أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الأركان التي تطوّل، ولذا قال الحافظ في "الفتح" في شرح حديث أبي هريرة -﵁- هذا ما نصّه: واستُدلّ بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ.
والحاصل أن الحقّ أن الاعتدال، والجلوس بين السجدتين مما يُشرع فيه التطويل، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٥١ و١٠٥٢ و١٠٥٣ و١٠٥٤] (٤٦٧)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧٩٤ و٧٩٥)، و(الترمذيّ) فيها (٢٣٦)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٩٤)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٣٤)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٣٢)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧١٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٠ و١٥٦١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣١ و١٠٣٢ و١٠٣٣ و١٠٣٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٠ و٢١٣٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٣٤.
[ ١١ / ٤٨ ]
(المسألة الثالثة): قال العراقيّ -﵀-: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم والضعيف والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحدٌ من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورَضُوا بالتطويل طَوَّل؛ لانتفاء العلة، وبذلك صَرَّح أصحابنا وغيرهم.
وقال ابن عبد البرّ -﵀-: قد بان في هذا الحديث العلة الموجِبَة للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن عَلِمَ قُوّةَ مَن خلفه، فإنه لا يَدري ما يحدُث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: "فإذا صلّى أحدكم لنفسه، فليطوِّل ما شاء"؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يحدث لظاهر القوّة، ومَن يَعْرِف منه الحرص على طول الصلاة حادث من شُغْل، وعارض من حاجة، وآفة من حدَث وبول أو غيره. انتهى.
وتبعه على ذلك ابن بطّال، فذكر مثل هذا الكلام.
قال العراقيّ -﵀-: وهو ضعيف، فإن الاحتمال الذي لم يَقُم عليه دليل، لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون ورَضُوا بالتطويل، لا نأمر إمامهم بالتخفيف؛ لاحتمالِ عارضٍ لا دليل عليه، وحديثُ أبي قتادة يَرُدُّ على ما ذكراه، فإنه -ﷺ- قال: "إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطوِّل فيها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأتجوَّز كراهية أن أشقّ على أمه".
فإرادته -ﷺ- أوّلًا التطويل يدلُّ على جواز مثل ذلك، وما تركه إلا لدليل قام على تضرّر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبيّ الذي يشغل خاطر أمه، واللَّه أعلم. انتهى كلام العراقيّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العراقى: حسنٌ جِدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال ابن حزم -﵀-: حدُّ التطويل ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، ثم استدَلّ على ذلك بأن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى الظهر في الوقت الذي صلّى فيه العصر بالأمس، وقال -ﷺ-: "وقتُ الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرُب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نُور الشفق، ووقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل"، قال: فصحّ يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها، فإنما يصلّي باقيها في وقت الأخرى، أو في
[ ١١ / ٤٩ ]
وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلًا، وقد صَحّ عن النبيّ -ﷺ- أن التفريط أن تُؤَخَّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى، فصحّ أن له إذا في خل في الصلاة في وقتها أن يطوِّل ما شاء إلا تطويلًا مَنَعَ النصّ منه، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط. انتهى كلامه.
وتعقّبه العراقيّ -﵀-، فقال: وهو ضعيف، والذي ينبغي أن يقال في حدّ التطويل المباح أنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها، ولو جوّزنا له أن يُخْرِج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدةٌ، وقد قال -ﷺ-: "الوقت ما بين هذين".
وأما استدلاله على ذلك بأنه -ﷺ- صلّى الظهر في الوقت الذي صلّى فيه العصر بالأمس، فقد تقرَّر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله: "صلّى الظهر" أي ابتدأها، وقوله: "صلّى العصر" أي فرغ منها.
وفعلها يصلح للابتداء والشروع، فحُملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت.
وعلى تقدير أن لا نؤَوِّله، وَيجْعَل بين الصلاتين اشتراكٌ في الوقت، كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصةً، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم، وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت، فلا قائل به، ولا دليل يَعْضِده، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول القياس، فكيف بمن ينكره.
والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله -ﷺ-: "إنما التفريط أن تُؤَخَّر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى".
قال: وهذا عليه لا له، فإنه دالّ على أن غاية التأخير المباح دخول وقت الأخرى، لا فراغه، ولا تضييقه، وما ذكره ابن حزم مبنيّ على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة، لا للفراغ منها، وهو مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولها، ووسطها، وآخرها.
قال: وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يَحْرُم تأخير الصلاة إلى حدٍّ يَخرُج بعضها عن الوقت، وهو موافقٌ لما ذكرته، لكنهم قالوا: إنه لو شَرَع في
[ ١١ / ٥٠ ]
الصلاة، وقد بقي من الوقت ما يسع جميعها، فَمَدَّ هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في "تعليقه"، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج، أو للدخول فقط، وهل يُكْرَه ذلك؟ فيه وجهان، أصحهما عندهم لا يكره، لكن قال النوويّ في "شرح المهذب": إنه خلاف الأولى.
قال: وعندي أن تجويزهم تطويل القراءة حتى يخرج الوقت مخالف لقوله -ﷺ-: "إنما التفريط أن تؤخر صلاةٌ حتى يدخل وقت أخرى"، ولقوله: "الوقت ما بين هذين".
قال: والصحيح أن هذه الأوقات للدخول والخروج. انتهى كلام العراقيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي صحّحه الحافظ العراقيّ -﵀- من كون الأوقات للدخول والخروج هو الراجح عندي، فلا يجوز تطويل القراءة حتى يخرج وقت الصلاة المحدود لها بنصّ الحديث المتقدّم، وما ذكره ابن حزم من أن المراد خروج وقت الصلاة التي تليها خلاف الصواب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا (^٣) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ (^٤) لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَفِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ (^٥) مَا شَاءَ").
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٤) وفي نسخة: "إذا أمّ أحدكم".
(٥) وفي نسخة: "فليُصلّ صلاته".
[ ١١ / ٥١ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام، تقدّم قبل باب.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل باب.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
وقوله: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلخ) تقدّم البحث فيه مستوفًى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين.
وقوله: (إِذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ) من القاعدة المشهورة: "ما" بعد "إذا" زائدة، وفي نسخة: "إذا أمّ أحدكم".
وقوله: (فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ) من الإطالة، وفي نسخة: "فلْيُصلّ صلاته".
وقوله: (مَا شَاءَ) "ما" موصولة، أي يصلّ الصلاة التي شاء أن يصلّيها طويلة، وقال بعض الشرّاح: "ما" زمانيّة، أي المدّة التي يشاؤها (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ في النَّاسِ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَذَا الْحَاجَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا قبل باب.
_________________
(١) راجع: "فتح المنعم" ٣/ ٣١.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١١ / ٥٢ ]
وقوله: (لِلنَّاسِ) أي إمامًا لهم.
وقوله: (وَالسَّقِيمَ) كالمريض وزنًا ومعنًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^١) عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ "السَّقِيمَ": "الْكَبِيرَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفهميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠.
والباقون تقدّموا قبل باب.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن الماضي.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لأبي بكر بن عبد الرحمن.
وقوله: (بَدَلَ "السَّقِيمَ": "الْكَبِيرَ") "بدل" مضاف إلى "السقيم" وهو
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١١ / ٥٣ ]
مجرور بالكسرة، ويجوز نصبه على الحكاية، و"الكبيرَ" مقول "قال" منصوب لا غير، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن عبد الرحمن التي أحالها المصنّف على رواية أبي سلمة، أخرجها البيهقي -﵀- في "السنن الكبرى" (٣/ ١١٥)، فقال:
(٥٠٤٩) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ثنا حسين بن حسن بن مهاجر، ومحمد بن إسماعيل بن مِهْران، قالا: ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدَّثني يونس، عن ابن شهاب، ثنا أبو بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا صلّى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٥] (٤٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: "أُمَّ قَوْمَكَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: "ادْنُهْ"، فَجَلَّسَنِي (^١) بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "تَحَوَّلْ"، فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَل كَيْفَ شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [٦] (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
٢ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد اللَّه التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد
_________________
(١) وفي نسخة: "فأجلسني".
[ ١١ / ٥٤ ]
المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢]، ويقال: إنه وُلد في عهد النبيّ -ﷺ- (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ) الطائفيّ، أبو عبد اللَّه، استعمله النبيّ -ﷺ- على الطائف، وأقرّه أبو بكر وعمر -﵄-.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أمه، قالت: شَهِدت آمنة لَمّا ولدت رسول اللَّه -ﷺ-، ورَوَى عنه ابن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاص، وسعيد بن المسيِّب، ونافع بن جبير بن مُطْعِم، ومُطَرِّف، وأبو العلاء: ابنا عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وموسى بن طلحة بن عبيد اللَّه، ومحمد بن عياض، والحسن، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن جَوْشَن الغَطَفانيّ، وآخرون.
قال محمد بن عثمان بن أبي صفوان: مات سنة (٥١) وأَرَّخه ابن الْبَرْقيّ، وخليفة، ومصعب، وابن قانع: سنة (٥٥)، وقال ابن حبان في "الصحابة": أقام على الطائف إلى أيام عمر، ومات في ولاية معاوية بالبصرة، انتقل إليها في آخر أمره، وأعقب بها.
وقال ابن سعد: كتب إليه عمر: استَخْلِف على الطائف، وأَقْبِل، فاستَخْلَف أخاه الحكم، وأقبل إلى عمر، فوجَّهه إلى البصرة، فابتنى بها دارًا، وبقي ولده بها.
وقال العسكريّ: استعمله عمر: على عُمَان، ومات سنة (٥٥) أو نحوها.
وقال ابن عبد البر: هو الذي افتتح توج، وإصطخر في زمن عثمان، قال: وهو الذي أمسك ثَقِيفًا عن الردَّة، قال لهم: يا معشر ثقيف، كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا (^١).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٦٨) وأعاده بعده، وحديث (٢٢٠٢): "ضَعْ يدك على الذي تألم. . . "، و(٢٢٠٣): "ذاك شيطان، يقال له: خَنْزَب. . . ".
والباقيان تقدّما في هذا الباب.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٧/ ١١٧.
[ ١١ / ٥٥ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عمرو بن عثمان، فانفرد به الشيخان، والنسائيّ، والصحابيّ، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فطائفيّ، ثم بصريّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة سوى نحو (١٢) حديثًا (^١)، وقد عرفت آنفًا أن له في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بن عبيد اللَّه التيميّ أنه قال: (حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: "أُمَّ قَوْمَكَ) بضمّ الهمزة، وتشديد الميم، أمر من أمّ، يقال: أمّه، وأمّ به، من باب نصر: إذا صلّى به إمامًا (^٢).
وهذا الأمر من النبيّ -ﷺ- إنما صدر بعدما سأله عثمان -﵁- أن يجعله إمامًا، فقد أخرج أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، عن عثمان بن أبي العاص -﵁- قال: قلت: يا رسول اللَّه اجعلني إمام قومي، فقال: "أنت إمامهم، واقتَدِ بأضعفهم، واتخِذْ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا".
وأخرجه أحمد أيضًا بإسناد صحيح، عن عثمان بن أبي العاص، أن وفد ثَقِيف قَدِموا على رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزلهم المسجد؛ ليكون أَرَقّ لقلوبهم، فاشترطوا على النبيّ -ﷺ- أن لا يُحْشَرُوا (^٣)، ولا يُعْشَروا (^٤)، ولا يُجَبُّوا (^٥)، ولا يُسْتَعْمَل عليهم غيرهم، قال: فقال: "إن لكم أن لا تُحْشَروا، ولا تُعْشَروا، ولا
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٦/ ٥٢٤ - ٥٣٠.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٣.
(٣) أي لا يُنَفَّروا، وقيل: لا يُحشروا لعامل الزكاة.
(٤) أي لا يؤخذ عشر أموالهم.
(٥) أي لا يُصلُّوا.
[ ١١ / ٥٦ ]
يُسْتَعمَل عليكم غيركم"، وقال النبيّ -ﷺ-: "لا خير في دين لا ركوع فيه"، قال: وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول اللَّه، عَلِّمني القرآن، واجعلني إمام قومي.
(قَالَ) عثمان -﵁- (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا) قيل: يَحْتَمِل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقدمه على الناس، فأذهبه اللَّه تعالى ببركة كفّ رسول اللَّه -ﷺ- ودعائه.
ويَحْتَمِل أنه أراد الوسوسة في الصلاة، فإنه كان موسوسًا، ولا يصلح للإمامة الموسوس، فقد ذكر مسلم في "الصحيح" بعد هذا، عن عثمان بن أبي العاص -﵁- هذا، قال: قلت: "يا رسول اللَّه، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسها عليّ. . . ".
قال القاضي عياض -﵀- بعد ذكر نحو هذين الاحتمالين ما نصّه: والأول أظهر معاني هذه اللفظة، أو يكون غيرَ ذلك من المعاني، فصنع النبيّ -ﷺ- ما صنع؛ ليُذهب اللَّه تعالى عنه ببركة يده ودعائه -ﷺ-. انتهى (^١).
(قَالَ) -ﷺ- ("ادْنُهْ") فعل أمر من دنا، يقال: دنا منه، ودنا إليه يَدْنُو دُنُوًّا، من باب قعد: قَرُب، فهو دَانٍ (^٢)، والهاء للسكت، وهي ساكنة، كما قال في "الخلاصة":
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كـ "عِ" أَوْ … كَـ "يَعِ" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا
(فَجَلَّسَنِي) بتشديد اللام، من التجليس، وفي نسخة: "فأجلسني"، من الإجلاس (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمامه (ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ) بفتح الكاف، وتشديد الفاء، قال في "القاموس": الكفّ: اليد، أو إلى الكوع، جمعه أَكُفّ، وكُفُوفٌ، وكُفٌّ بالضمّ. انتهى (^٣).
وقال في "المصباح": الكفّ من الإنسان وغيره أُنثى، قال ابن الأنباريّ: وزعم من لا يوثق به أن الكفّ مذكّرٌ، ولا يَعْرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٣٨٤، و"المفهم" ٢/ ٧٩، و"شرح النوويّ" ٤/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٢) راجع: "المصباح" ١/ ٢٠١.
(٣) "القاموس المحيط" ٣/ ١٩٠.
[ ١١ / ٥٧ ]
قولهم: كفٌّ مُخَضَّبٌ فعلى معنى ساعِدٍ مُخَضَّبٍ، قال الأزهريّ: الكفّ: الراحة مع الأصابع، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تكفّ الأذى عن البدن. انتهى (^١).
(فِي صَدْرِي) أي على صدري، ففي بمعنى "على"، كما في قوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقولِ الشاعر [من الطويل]:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ … فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
و"الصدر": مذكَّرٌ، وجمعه صدور، كفَلْسٍ وفُلُوس (^٢).
(بَيْنَ ثَدْيَيَّ) ظرف متعلّق بـ "وَضَعَ"، و"ثدييّ" بتشديد الياء، على التثنية، قال النوويّ -﵀-: وفيه إطلاق اسم الثَّدْي على حَلَمَة (^٣) الرجل، وهذا هو الصحيح، ومنهم من منعه. انتهى (^٤).
وقال في "المصباح": الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال للرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت، ويُذَكَّر ويؤنّث، فيقال: هو الثديُ، وهي الثديُ، والجمع: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثلُ أَفْلُس وفُلُوس، وربّما جُمع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَامٍ. انتهى (^٥).
(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- ("تَحَوَّلْ") أي إلى الجهة الأخرى، أي اجعل صدرك جهة ظهرك، وظهرك جهة صدرك (فَوَضَعَهَا) أي كفّه، وأنّث ضميرها؛ لأنها مؤنّثة، كما أسلفته آنفًا (فِي ظَهْرِي) بفتح، فسكون: خلاف البطن، وجمعه أظهُرٌ، وظُهُورٌ، مثلُ فلس وأفلُس وفُلُوس، وجاء ظُهْرَانُ أيضًا بالضمّ، و"في" بمعنى "على" كما سبق آنفًا أي على ظهري، وقوله: (بَيْنَ كَتِفَيَّ) بدل اشتمال من الجارّ والمجرور، وهو تثنية كَتِفٍ، قال في "القاموس": الْكَتِفُ، كفَرِح -أي بفتح، فكسر- ومِثْلٍ -أي بكسر، فسكون- وحَبْلٍ -أي بفتح، فسكون- جمعه كقِرَدَة، وأصحاب. انتهى (^٦).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٢) راجع: "القاموس" ٢/ ٦٨، و"المصباح" ٢/ ٣٣٥.
(٣) الْحَلَمة بفتحتين: رأس الثدي، أفاده في "المصباح" ١/ ١٤٩.
(٤) "شرح النوويّ" ٤/ ١٨٥.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ٨٠.
(٦) "القاموس المحيط" ٣/ ١٨٨.
[ ١١ / ٥٨ ]
(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- ("أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ) ثم علّل الأمر بالتخفيف بقوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ) كرّر "إن" في المعطوفات للتأكيد (وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ") أي على أيّ صفة أرادها، من التطويل، والتخفيف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عثمان بن أبي العاص -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٥٥ و١٠٥٦] (٤٦٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٣١)، و(الترمذيّ) فيها (١٩٣)، و(النسائيّ) في "الأذان" (٦٧٢)، و"الكبرى" (١/ ٥٠٩)، و(ابن ماجه) (٩٨٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ٤٠٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢١ و٢١٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٥٢)، و"الأوسط" (٢/ ١١٠ و١١١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٥٦ و١٥٥٧ و١٥٥٨ و١٥٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣٥ و١٠٣٦)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٣١٤ و٣١٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٢٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أمر الأئمة بتخفيف الصلاة مراعاة لحقّ الضعفاء حتى لا يشقّ عليهم.
٢ - (ومنها): جواز طلب الإمامة في الصلاة، وليس كسائر طلب الإمارة، فإن ذلك منهيّ عنه، حيث قال النبيّ -ﷺ-: "لا تسأل الإمارة. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، كذلك طلب العمل، فقد قال -ﷺ- للأشعريين اللذين جاءا إليه مع أبي موسى الأشعريّ -﵁-، وطلبا منه أن يولّيهما بعض أعماله: "لن نستعمل على عملنا من أراده"، متّفقٌ عليه.
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من تأليف الناس على الإسلام، فإن
[ ١١ / ٥٩ ]
هذا الصحابيّ، وقومه أرادوا أن لا يتولّى عليهم غيرهم، فأجابهم -ﷺ- إلى ما طلبوا؛ ترغيبًا لهم في الإسلام، وتثبيتًا لقلوبهم على محبّته.
٤ - (ومنها): إثبات عَلم من أعلام النبوّة، ومعجزة من معجزات النبيّ -ﷺ-، حيث كان عثمان يجد في نفسه مرضًا، فدعا اللَّه تعالى، ومسحه بيده المباركة، فأذهب اللَّه عنه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: حَدَّثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا، فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب الْمَخْزُومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا قبل باب.
وقوله: (آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) "آخرُ" مبتدأ، و"ما" موصولة، و"عَهِدَ" بفتح أوله، وكسر ثانيه، يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ، من باب تَعِبَ: إذا أوصاه (^٢)، والجملة صلة "ما"، والعائد محذوف، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
أي عهده.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٣٥.
[ ١١ / ٦٠ ]
وقوله: (إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا إلخ) خبر المبتدأ محكيّةٌ؛ لقصد لفظها، أي آخرُ الأمر الذي عهده إليّ رسول اللَّه -ﷺ- هو هذا القول.
وقوله: (فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ) بفتح الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، أمر من أخفّ رباعيًّا، والتخفيف ضدّ التثقيل، أي خفّف الصلاة، ولا تُثقِلها عليهم بالتطويل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٧] (٤٦٩) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ (^١)، وَيُتِمُّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثَعْلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٥ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة، وهو (٥٨) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
_________________
(١) وفي نسخة: "كان يوجز الصلاةَ".
[ ١١ / ٦١ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه خلف، فبغداديّ، وأبو الربيع بصريّ، نزيل بغداد.
٤ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- هو المشهور بالخادم، خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ) وفي نسخة: "يوجز الصلاة"، وهو من الإيجاز، قال الفيّوميّ -﵀-: وَجُز اللفظُ بالضمّ وَجَازةً، فهو وَجِيزٌ: أي قصير، سريع الوصول إلى الفهم، ويتعدّى بالحركة، والهمزة، فيقال: وَجَزته، من باب وَعَدَ، وأوجزته، وبعضهم يقول: وَجَزَ في كلامه، وأوجز فيه أيضًا. انتهى (^١).
ولفظ البخاريّ: "كان النبيّ -ﷺ- يوجز الصلاة، ويُكملها"، قال في "العمدة": من الإيجاز، وهو ضدّ الإطناب، والإكمالُ ضدّ النقص. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": والمراد بالإيجاز مع الإكمال: الإتيان بأقلّ ما يُمكن من الأركان والأبعاض. انتهى (^٣).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ": الإيجاز: هو التخفيف، والاختصار، والإكمال: هو إتمام أركانها من الركوع والسجود والانتصاب بينهما، قال: وإدخال هذا الحديث في هذا الباب (^٤) فائدته أنه بيَّن به قدر التخفيف المأمور به، وأنه إنما يُشكى الإمام إذا زاد عليه زيادة فاحشة، فأما إكمال الصلاة، وإتمام أركانها، فليس بتطويل منهيّ عنه. انتهى (^٥).
(وَيُتِمُّ) بضمّ أوله، من الإتمام، وهو إتمام أركانها، من القراءة، والركوع
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٨.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٣٥٨.
(٣) "الفتح" ٢/ ٢٣٦.
(٤) يعني الباب الذي في "صحيح البخاريّ": "باب من شكا إمامه إذا طوّل".
(٥) "فتح الباري" للحافظ ابن رجب ٦/ ٢٣٣.
[ ١١ / ٦٢ ]
والسجود، وكذا سننها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٥٧ و١٠٥٨ و١٠٥٩] (٤٦٩)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٦ و٧٠٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٣)، و"الأدب" (٤٩٠٤)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٣٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٩٤ و٩٥)، و(ابن ماجه) فيها (٩٨٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٩٧)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧١٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٧٠ و١٧٣ و١٧٩ و٢٣١ و٢٣٤ و٢٧٦ و٢٧٩)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨٨ و٢٨٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٥٩ و١٨٨٦ و٢١٣٨)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٧٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٤ و١٥٦٥ و١٥٦٦ و١٥٦٧ و١٥٦٨ و١٥٦٩ و١٥٧٠ و١٥٧١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣٧ و١٠٣٨ و١٠٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١١٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١١ / ٦٣ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، ولاحقيه، وهو (٥٩) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً) "من" زائدة للتوكيد، و"أخفّ" خبر "كان"، واسمها ضمير "رسول اللَّه -ﷺ-"، و"صلاةً" منصوب على التمييز.
وقوله: (فِي تَمَامٍ) "في" بمعنى "مع"، كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي مع أمم، وقيل: التقدير فيه: في جملة أمم، فحُذف المضاف (^١)، والحديث متّفقٌ عليه، وفوائده ستأتي قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ، أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
_________________
(١) "مغني اللبيب" ١/ ٣٣٨.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١١ / ٦٤ ]
٣ - (إِسْمَاعِيل بْنَ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
والباقون ذُكروا قبله.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀- أيضًا، كسابقه، ولاحقه، وهو (٦٠) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل.
وقوله: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ) "ما" نافية، "وقطُّ" بضمّ الطاء المشدّة ظرف زمان تختصّ بالنفي ماضيًا غالبًا، وقد تجيء في الإثبات، كما أثبت ذلك ابن مالك لغةً في "شرح شواهد التوضيح"، خلافًا لمن منع ذلك.
وقوله: (أَخَفَّ صَلَاةً) "أخفّ" صفة لـ "إمام" ممنوع من الصرف؛ للوصفيّة ووزن الفعل، و"صلاةً" منصوب على التمييز.
وقوله: (وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً) عطف على ما قبله عطف معمولين على معمولين، فـ "أتمّ" عطف على "أخفّ"، و"صلاةً" عطف على "صلاة"، والحديث متّفق عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٠] (٤٧٠) - (وَحَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ، وَهُوَ في الصَّلَاةِ، فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ، أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، وكان يتشيّع [٨] (١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١١ / ٦٥ ]
٢ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) هو: ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقيان تقدّما قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀- أيضًا، كالأسانيد الثلاثة قبله، وهو (٥٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثابتًا من أثبت الناس في أنس -﵁-، ممن كان معروفًا بملازمته، فقد لازمه أربعين سنة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- أنه (قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ) ومثله الصبيّة، فليس هذا الحكم خاصًّا بالذكور.
والبُكاء بالضمّ والمدّ، وبالقصر: مصدر بَكَى، من باب ضرب، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
قاله الفيّوميّ -﵀- (^١)، وقال الكرمانيّ -﵀-: "البكاء" إذا مددت أردت به الصوت الذي يكون معه الدمع، وإذا قصرت أردت خروج الدمع، وها هنا ممدود لا محالة بقرينة "فأسمع"؛ إذ السماع لا يكون إلا في الصوت. انتهى (^٢).
وقوله: (مَعَ أُمِّهِ) ظرف متعلّق بحال من "الصبيّ"، أي حال كونه كائنًا مع أمه (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسولُ اللَّه -ﷺ-" (فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ) قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، فيقال: قرأتُ أمّ الكتاب، وبأمّ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٩.
(٢) "شرح الكرماني" ٥/ ٨٦.
[ ١١ / ٦٦ ]
الكتاب، قاله الفيّوميّ (^١)، وقوله: (الْخَفِيفَةِ) بالجرّ صفة لـ "السورة"، والمراد السورة القصيرة، كما بيّنه قوله: (أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ) "أو" هنا للشكّ من الراوي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٦٠ و١٠٦١] (٤٧٠)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٨ و٧٠٩ و٧١٠)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٧٦)، و(ابن ماجه) فيها (٩٨٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٧١٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٣٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٢ و١٥٦٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٠ و١٠٤١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦١٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١١٨ و٣٩٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٥ و٨٤٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصالحهم، وعدم إدخال ما يشقّ عليهم، وإن كان يسيرًا من غير ضرورة.
٢ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ -ﷺ-، حيث كان يخفّف صلاته من أجل بكاء الصبيّ حتى لا يشقّ على أمه، وهو مصداق قوله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٣ - (ومنها): جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد.
٤ - (ومنها): جواز إدخال الصبيان المسجد، لكن بشرط أن لا يخاف
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٥٠٢.
[ ١١ / ٦٧ ]
منهم تلويثه، وتنجيسه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ، مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التيميّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٦٠/ ٣٣٦.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
والباقيان تقدّما في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ) وفي نسخة: "لأدخل في الصلاة" (أُرِيدُ إِطَالَتَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كوني مريدًا إطالة تلك الصلاة التي أدخل فيها
[ ١١ / ٦٨ ]
(فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ) أي أترك إطالتها، وأقتصر على أقلّ ما هو مطلوب فيها، من الأركان، والواجبات، والمستحبّات (مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ") وفي رواية البخاري: "مما أعلم من شدّة وجد أمه من بكائه"، و"من" للتعليل، أي من أجل شدّة حزنها، وشفقتها عليه.
و"الوجدُ": يُطلَق على الحزن، وعلى الحبّ أيضًا، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر، أي حزنها، واشتغال قلبها به، قاله النوويّ (^١).
وقال في "القاموس": وَجَدَ المطلوبَ، كوَعَدَ، وَوَرِمَ يَجِدُهُ ويَجُدُهُ بضم الجيم، ولا نظير لها وَجْدًا وَجِدَةً وَوُجْدًا ووُجُودًا ووِجْدانًا وإِجْدانًا بكسرهما: أدركه، والمالَ وغيرَهُ يَجِدُهُ وَجْدًا مثلثةً وَجِدَةً: استغنى، وعليه يَجِدُ وَيَجُدُ وَجْدًا وجِدَةً ومَوْجِدةً: غَضِبَ، وبه وَجْدًا في الحبّ فقط، وكذا في الحزن، لكن يكسر ماضيه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة "القاموس" هذه تفيد أن وَجَدَ عليه بمعنى حَزِنَ مكسور الماضي، ولا يفتح، وقد اعتَرض عليه الشارح المرتضى في شرحه، وأفاد أن ماضي وجد بمعنى حزن يجوز فيه الفتح، والكسر، والضمّ، ودونك عبارته بعد نقل أقوال أهل اللغة: فتحصّل من مجموع أقوالهم أن وجد بمعنى حَزِنَ فيه ثلاث لغات: الفتح الذي عليه الجمهور، والكسر الذي عليه اقتصر المصنّف -يعني صاحب "القاموس" والهجريّ، وغيرهما- والضم الذي حكاه اللحيانيّ في "نوادره"، ونقلهما ابن سِيدَهْ في "المحكم" مقتصرًا عليهما. انتهى كلامه (^٣).
وقد نظمت مُلخّص ذلك، فقلت:
وَوَجَدَ الْمَطْلُوبَ قُلْ كَوَعَدَا … وَوَرِمَتْ يَجِدُهُ كَسْرًا بَدَا
يَجُدُهُ بِضَمِّ جِيمٍ وَرَدَا … لِعَامِرٍ بِلَا نَظِيرٍ وُجِدَا
وَيَجِدُ الْمَالَ بِكَسرٍ كَوَعَدْ … وَالْكَسْرُ وَالضَّمُّ لِغَضْبَانَ وَرَدْ
كَذَاكَ فِي الْحُبِّ وَفِي الْحُزْنِ أَتَى … مُثَلَّثَ الْمَاضِي بِـ "تَاجٍ" أُثْبِتَا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٨٧.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٤١٣.
(٣) "تاج العروس من جواهر القاموس" ٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
[ ١١ / ٦٩ ]
قال في "الفتح": وكأنّ ذكر الأمّ هنا خرج مخرج الغالب، وإلا فمن كان في معناها ملتحقٌ بها، واعترضه العينيّ كعادته بما لا وجه له، فتفطّن.
وقال أيضًا: فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبّ لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب حيث ذهب إلى أن من نوى التطوّع قائمًا ليس له أن يُتمّه جالسًا. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: فيه دليلٌ على جواز الإسراع في الصلاة، وإن كان قد شرع في تطويلها؛ لأجل حاجة الأم، ولا حجة فيه للشافعيّ على جواز انتظار الإمام مَن سَمِعَ حسّه داخلًا؛ لأن هذه الزيادة عملٌ في الصلاة بخلاف الحديث. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما نسبه إلى الشافعيّ من احتجاجه على ما ذكر بهذا الحديث بعيد، ولم أر من نسبه إليه غيره، والنووي مع كونه من أشدّ الناس اهتمامًا بأقوال الشافعي، لم يتعرّض لهذا، وإنما ذكر الشافعية ذلك في حديث: "أن النبيّ -ﷺ- كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وَقْعَ قَدَم"، وقد تقدّم أني رجّحت القول بعدم استحباب انتظار الداخل بتطويل الركوع؛ لعدم ثبوت النصّ عليه، ولأنه لم يُنقل عن السلف، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.