وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٦] (٥٢٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، توفّيت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
[ ١٢ / ١٢٥ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسل بالتحديث، والإخبار إلا في موضع، ففيه العنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، ويحيى بصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان صَخْر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبيّ -ﷺ- أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول اللَّه -ﷺ-، وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع.
رَوَت عن النبيّ -ﷺ-، وعن زينب بنت جحش، وروت عنها ابنتها حبيبة، وأخواها: معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد اللَّه بن أبي سفيان، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، ومولاها سالم بن سَوّار، ومولاها الآخر أبو الجراح، وأبو صالح السّمّان، وعروة بن الزبير، وزينب بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حَوْشب، وآخرون.
قال أبو عبيد: تُوُفّيت سنة أربع وأربعين، وقال ابن أبي خيثمة، تُوُفّيت قبل معاوية بسنة، يعني سنة تسع وخمسين، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت سنة اثنتين وأربعين، وقال ابن عبد البر: قيل: اسمها هُبَيْرَةُ.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٢) حديثًا بالمكرّر.
(وَأمّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين -﵂-، تزوّجها النبيّ -ﷺ- بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت سنة (٦١) على الأصحّ، تقدّمت ترجمتها في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٧٣.
(ذَكَرَتَا كَنِيسَةً) بفتح الكاف، وكسر النون: مُتعبَّد اليهود، وتُطلق على متعبَّد النصارى، وهو المراد هنا، وهو معرّب، كما قاله في "المصباح".
[ ١٢ / ١٢٦ ]
وفي رواية أبي معاوية التالية أن تلك الكنيسة تسمى مَارِيَة.
(رَأَيْنَهَا) هكذا رواية مسلم: "رأينها" بنون النسوة، والضمير لأم حبيبة، وأم سلمة، ومن معهما، ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ، والكُشميهنيّ، بلفظ: "رأتاها" بضمير التثنية للمؤنّث على الأصل، وكذا هو عند النسائيّ.
(بِالْحَبَشَةِ) بفتحتين: البلد المعروف الذي هاجر إليه الصحابة في أول الإسلام، قبل هجرة المدينة، وكانت أم حبيبة، وأم سلمة ممن هاجر إليه (فِيهَا تَصَاوِيرُ) جملة في محل نصب على الحال من "كنيسة"؛ لكونها موصوفة بجملة "رأينها"، أو صفة بعد صفة، والتصاوير: التماثيل، والمراد صُوَر ذوات الأرواح (لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) متعلّق بـ "ذَكَرتا" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أُولَئِكِ) بكسر الكاف، ويجوز فتحها، قاله في "الفتح"، و"العمدة"، وقال السنديّ -﵀-: قيل: بكسر الكاف؛ لأن الخطاب للمؤنّث، وقد تُفتح، قال: وكأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال: أولئكما، لا أولئكِ -بالكسر- وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، فليُتأمّل. انتهى (^١).
(إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ) عطف على "كان"، وقوله: (بَنَوْا) جواب "إذا" (عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا) أي محلّ عبادة (وَصَوَّرُوا فِيهِ) أي في ذلك المسجد (تِلْكَ الصُّوَرَ) وفي رواية البخاريّ والنسائيّ: "تيك الصور" بكسر التاء المثنّاة، وسكون الياء بدل اللام، من "تلك"، وهي لغة فيه (أُولَئِكِ) بكسر الكاف، وتفتح كما سبق آنفًا (شِرَارُ الْخَلْقِ) بكسر الشين المعجمة: جمع شَرّ، كالخيار جمع خَيْرٍ، والبحار جمع بَحْر، وأما الأشرار، فقال يونس: واحدها شَرٌّ أيضًا، وقال الأخفش: شَرِيرٌ، مثلُ يَتِيم وأيتام، أفاده في "العمدة".
وإنما كانوا شرار الخلق؛ لأنهم ضمّوا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم أقبح الناس عقيدةً وعملًا، قاله السنديّ -﵀-.
وقوله: (عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ") متعلّقان بـ "شرار"، وإنما خصّ يوم القيامة؛ لأن الأمور تشتدّ فيه، بخلاف الدنيا، فمن كان أشرّ الناس فيه كان أشدّهم
_________________
(١) "حاشية السندي على النسائي" ٢/ ٤١ - ٤٢.
[ ١٢ / ١٢٧ ]
عذابًا، ولأن من كان في الدنيا شريرًا ربّما يوفّق للتوبة، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء، واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبي -﵀-: إنما صَوَّر أوائلهم الصُّوَرَ ليأتنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون اللَّه عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم خَلَف مِن بعدهم خَلْفٌ جَهِلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذَّر النبيّ -ﷺ- عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسدّ الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال: "اشتدّ غضب اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتّخذوا القبور مساجد"، أي أنهاكم عن ذلك، وقال: "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد".
ولهذا بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبر رسول اللَّه -ﷺ-، فأَعْلَوُا حيطان تربته، وسدُّوا المداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره -ﷺ-، ثم خافوا أن يُتّخذ موضع قبره قبلة؛ إذ كان مستقبل المصلين، فتتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبَنَوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى التقيا على زاويةِ مثلَّث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كلّه قالت عائشة -﵂-: "ولولا ذلك لأُبرز قبره". انتهى كلام القرطبيّ -﵀-. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٨٦ و١١٨٧ و١١٨٨] (٥٢٨)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٣٠ و١٣٤١ و١٣٩٠)، و"المغازي" (٣٤٥٣ و٤٤٤١ و٤٤٤٣)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٥٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٨ و٦/ ٣٤ و١٢١ و٢٥٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٨١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٩ و١٠١٩ و١١٩١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ١٣١ - ١٣٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٨٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٠٨)، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٢ / ١٢٨ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير، وإنما نُهِي عنه لئلا يؤدّي إلى اتخاذ القبور والصور آلهةً.
٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: هذا الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صُورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كلّ واحد منهما محرَّمٌ على انفراده، فتصوير صور الآدميين محرّم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرَّمٌ، كما دلتّ عليه نصوص أخرى، فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم، فلا شكّ في تحريمه، سواء كانت صورًا مجسّدةً كالأصنام، أو على حائط ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم.
قال: والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظلّ، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة، فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين للتبرّك بها، والاستشفاع بها محرَّمٌ في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبيّ -ﷺ- أن أهله شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة.
قال: وتصوير الصور للتأنّس برؤيتها، أو للتنزّه بذلك للتلهّي محرّمٌ، وهو من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثّلٌ بافعال اللَّه تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، واللَّه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١). وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): تحريم تصوير الحيوان خصوصًا الآدميّ، ولا سيّما الرجل الصالح، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد في ردّ ذلك عليه، وأحسن في ذلك، ودونك نصّه:
قال -﵀-: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
[ ١٢ / ١٢٩ ]
كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد، هذا أو معناه.
قال: وهذا عندنا باطل قطعًا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: "أحيُوا ما خلقتم".
وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صُرّح بذلك في قوله -ﷺ-: "المشبّهون بخلق اللَّه"، وهذه علة عامّة مستقلة مناسبة لا تخص زمانًا دون زمان، وليس لنا أن نتصرّف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خياليّ يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق اللَّه، وقوله -ﷺ-: "بَنَوا على قبره مسجدًا" إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صَرَّح به الحديث الآخر: "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد". انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- (^١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): النهي عن بناء المساجد على القبور، والحقّ أنه للتحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه؟، قال في "العمدة": وأما الشافعيّ وأصحابه فصرَّحُوا بالكراهة، وقال البندنيجيّ: والمراد أن يُسَوَّى القبر مسجدًا، فيصلى فوقه، وقال: إنه يكره أن يُبنَى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الداثرة إذا بُنِي فيها مسجد ليصلَّى فيه، فلم أر فيه بأسًا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد فمعناها واحد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر النصّ العموم، فلا ينبغي العدول عنه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال البيضاويّ: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا لعنهم النبيّ -ﷺ-، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له، ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور. انتهى.
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٧١ - ١٧٢.
[ ١٢ / ١٣٠ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي أباحه البيضاويّ هو عين ما جاء النهي عنه، فهل معنى قصد التبرك بالقبر غير معنى التعظيم، وهل دخل على الأولين الشرك والضلال إلا بقصد التبرك بقبور صالحيهم؟ فهذا هو غربة الإسلام، وعدم غيرة العلماء عليه، فيقرّرون للعوام الفساد، ويحبذون لهم الغلوّ في الصالحين.
ومن الغريب العجيب أن السيوطيّ، والسنديّ نقلا كلام البيضاويّ هذا في شرحيهما على النسائيّ، وكذا ذكر في "الفتح" نحوه، وكلهم أقرّوه عليه، وهذا هو العجب العجاب من مثل هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم إقرار مثل هذا القول الشنيع، المنابذ للسنة، والمعارض للنصوص الصريحة؟ وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب؟، فإن أول بداية ضلالهم هذا هو التبرّك بقبور أنبيائهم، وصالحيهم، فآل بهم الحال إلى أن عبدوهم، وقد وقع من كثير ممن يدَّعي الإسلام في كثير من بلدان الإسلام اليوم ما وقع منهم حذو النعل بالنغل، فمن يرى حال كثير من الناس فيما يفعلونه عند قبور الصالحين، من أنواع الشرك والضلالات لا يشك أنه عين ما وقع لليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركونهم فيه، ويزيّنون لهم قبيح فعلهم، فإلى اللَّه المشتكى.
وقد حَكَى لي بعض من أثق به من أهل العلم أنه سافر إلى مصر لطلب العلاج، فزار قبر البدويّ، فرأى رجلًا من علماء البلد، عليه زيّ علماء الأزهر، يسجد أمام ضريح البدويّ، قال: فقلت له: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، أمثلك يفعل هذا؟، وأنت من علماء هذه البلدة، وعليك لباس علماء الأزهر؟، قال: فردّ عليّ بملء فيه، قائلًا: إن السجود للَّه، والبدوي كالكعبة، أو كما قال، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
٥ - (ومنها): جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به.
٦ - (ومنها): ذمّ فاعل المحرمات، ولعنهم، وتحذير الناس من أفعالهم.
٧ - (ومنها): أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.
[ ١٢ / ١٣١ ]
٨ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-: هذا الحديث يدلّ على امتناع اتخاذ قبر الرسول -ﷺ- مسجدًا، ومنه يُفْهَم امتناع الصلاة على قبره، ومن الفقهاء مَن استدلّ بعدم صلاة المسلمين على قبره -ﷺ- على عدم الصلاة على القبر جملةً.
وأجيبوا عن ذلك بأن قبر الرسول -ﷺ- مخصوص عن هذا بما فُهِم من هذا الحديث من النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا.
وبعض الناس أجاز الصلاة على قبر الرسول -ﷺ- كجوازها على قبر غيره عنده، وهو ضعيف؛ لتطابق المسلمين على خلافه، ولإشعار الحديث بالمنع منه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الصلاة على القبر من لم يُصلّ عليه سنّة، فقد صلّى النبيّ -ﷺ- على القبر، وصلّى أصحابه معه، فقد أخرج الشيخان عن ابن عبّاس -﵄- "أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى على قبر بعدما دُفن، فكبّر عليه أربعًا".
وأخرجا أيضًا عن أبي هريرة -﵁- أن امرأة أو رجلًا كانت تَقُمّ المسجد، ولا أراه إلا امرأةً، فذكر حديث النبيّ أنه صلى على قبرها.
وأخرج مسلم عن أنس -﵁- "أن النبيّ -ﷺ- صلى على قبر".
وأما الصلاة على قبره -ﷺ- فمن المنكرات، فمن أجازه قياسًا على غيره، فقد خالف إجماع المسلمين، كما أشار إليه ابن دقيق العيد -﵀-، فتبصّر.
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: في هذه الأحاديث ما يَستدلّ به مالك على صحّة القول بسدّ الذرائع على الشافعيّ وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاة في الأصول. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه المسألة قد أشبعت الكلام فيها في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٧٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٢٩.
[ ١٢ / ١٣٢ ]
[١١٨٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ، فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ (^١)، كَنِيسَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (وَكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) هكذا في معظم النسخ "وأمّ حبيبة" بواو العطف، ووقع في بعض النسخ "أو أم حبيبة" بـ "أو" بدل الواو، وهو الذي في "مستخرج أبي عوانة" الآتي.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذكر" ضمير وكيع، وضمير "نحوه" للحديث، يعني أن وكيعًا روى عن هشام بن عروة نحو رواية يحيى القطّان السابقة.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنّفه" (٢/ ١٥١)، فقال:
(٧٥٤٨) حدّثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم تذاكروا عند رسول اللَّه -ﷺ- في مرضه، فذكَرَت أم سلمة، أو أم حبيبة كنيسةً، رأتها في أرض الحبشة، فيها تصاوير، فقال النبيّ -ﷺ-: "أولئك كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروه، أولئك شرار الخلق عند اللَّه". انتهى.
_________________
(١) وفي نسخة: "أو أم حبيبة".
[ ١٢ / ١٣٣ ]
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) هكذا "ذكرن" بالنون في معظم النسخ، وفي بعضها: "ذكرت" بالتاء، قال النوويّ -﵀-: والأول أشهر، وهو جائز على لغة "أكلوني البراغيث"، ومنه حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة"، وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَـ "فَازَ الشُّهَدَا"
وَقَدْ يَقَالُ "سَعِدَا" وَسَعِدُوا" … وَالْفِعْلُ للظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وقال الحريريّ في "مُلْحته":
وَوَحّدِ الْفِعْلَ مَعَ الْجَمَاعَهْ … كَقَوْلِهِمْ "سَارَ الرِّجَالُ السَّاعَهْ"
وَإِنْ تَشَأْ أَلْحِقْ عَلَيْهِ التَّاءَ … نَحْوُ "اشْتَكَتْ عُرَاتُنَا الشِّتَاءَ
وقوله: (يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ) بكسر الراء، وتخفيف الياء التحتانيّة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) كان الظاهر أن يقول: بمثل حديثهما؛ لأن المراد يحيى القطّان، ووكيع، ويمكن أن يجاب عنه بأن أقل الجمع اثنان عند بعضهم، وهو الصحيح.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٢ / ١٣٤ ]
والمعنى: أن أبا معاوية حدّث عن هشام بمثل حديث يحيى ووكيع.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية هذه لم أجد من ساقها تامّة، غير أن إسحاق ابن راهويه قال في "مسنده" (٢/ ٢٦٥) بعد إخراج رواية وكيع ما نصّه:
(٧٦٩) أخبرنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم تذاكروا، فذكر مثله، وقال: كنيسة يقال لها: مارية، وقال: شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة. انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٩] (٥٢٩) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (^٢) فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّه الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ (^٣) أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ (^٤) أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلَا ذَاكَ، لَمْ يَذْكُرْ: قَالَتْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قَيْصَر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) عن (٧٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "قالت: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-".
(٣) وفي نسخة: "ولولا ذلك".
(٤) وفي نسخة: "لأبرز قبره، ولكنه خُشِي".
[ ١٢ / ١٣٥ ]
٣ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ) أو ابن حميد، أو ابن مِقْلاص، أو ابن عبد اللَّه الْجُهنيّ مولاهم، أبو الجهم، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفيّ الوزّان الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في "الصلاة" ٣٩/ ١٠٦٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، كما أسلفته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيينِ: عائشة -﵂- وعروة، وبغداديينِ: عمرو، وهاشم، وكوفيينَ، وهم الباقون.
٣ - (ومنها): أن فيه عروة، من الفقهاء السبعة، وعائشة -﵂- من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: "قالت: قال لي رسول اللَّه -ﷺ- (فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) أي الذي مات بسببه، ولفظ البخاريّ: "في مرضه الذي مات فيه"، كأنه -ﷺ- علم أنه مرتحلٌ من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره، كما فعل اليهود والنصارى، فعرّض بلعنهم إشارة إلى ذمّ من يَفعَل فعلهم كيلا يُعمل معه ذلك، فقال: ("لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي طردهم، وأبعدهم من رحمته، قال الفيّوميّ: لعنه لَعْنًا، من باب نفع: طرده، وأبعده، أو سبّه، فهو لَعِينٌ، وملعونٌ. انتهى (^١).
واللعن أمارة الكبيرة المحرّمة أشدّ التحريم، فيكون الفعل الذي أوجب اللعن حرامًا (^٢).
وقوله: (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو واقع جوابًا لسؤال مقدّر، والتقدير هنا: ما السبب الموجب للعنهم، فأجاب
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٤.
(٢) "المرعاة" ٢/ ٤١٩.
[ ١٢ / ١٣٦ ]
بقوله: "اتّخذوا. . . إلخ"، زاد في حديث ابن عبّاس، وعائشة -﵃- الآتي: "يُحَذِّر ما صَنَعوا"، وهو أيضًا جواب لسؤال مقدّر من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بأنه قال ذلك ليُحَذِّر أمته أن يصنعوا بقبره مثل ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائه.
[تنبيه]: استُشكل ذكر النصارى في هذا الحديث؛ لأنه ليس لهم نبيّ إلا عيسى -﵇-؛ إذ لا نبيّ بينه وبين نبينا -ﷺ-، وهو حيّ في السماء لم يمت، فليس له قبر.
وأُجيب بأن ضمير الجمع في قوله: "أنبيائهم" للمجموع من اليهود والنصارى، فإن اليهود لهم أنبياء، أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيّده حديث جندب -﵁- الآتية آخر الباب، وفيه: "وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"، ولهذا لَمّا أفرد النصارى في حديث عائشة -﵂- الماضي في قصّة أم حبيبة وأم سلمة -﵄-، قال: "إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا"، ولم يذكر الأنبياء، ولَمّا أفرد اليهود في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي قال: "قاتل اللَّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فذكر الأنبياء.
قيل: ويَحْتَمل أن يُجاب بأن في النصارى أيضًا أنبياء، لكنهم غير مرسلين، كالحوارين.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف، وعندي أن أظهر الأجوبة ما قيل: إن أنبياء اليهود هم أنبياء النصارى؛ لأن النصارى مأمورون بالإيمان بكلّ رسول، فرُسُل بني إسرائيل يُسمَّون أنبياء في حقّ الفريقين، وأن المراد من اتّخاذ القبور أعمّ من أن يكون ابتداعًا، أو اتّباعًا، فإن اليهود ابتدعت اتّخاذ القبور مساجد، والنصارى اتّبعت في ذلك، ولا ريب أن النصارى تعظّم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظّمهم اليهود، وخصّ اليهود في حديث أبي هريرة -﵁- بالذكر؛ لكونهم ابتدعوا هذا الاتخاذ، فهم أظلم (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "مرعاة المفاتيح" ٢/ ٤٢٠.
[ ١٢ / ١٣٧ ]
(قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَلَوْلَا ذَاكَ) وفي نسخة: "ولولا ذلك"، وهو الذي عند البخاريّ، أي لولا تحذّير النبيّ -ﷺ- أمته بذكره لعن المتَّخِذين قبور الأنبياء مساجد (أُبْرِزَ قَبْرُهُ) بالبناء للمفعول، أي لكُشف قبر النبيّ -ﷺ-، ولم يُتَّخذ عليه الحائل، والمراد دفنه -ﷺ- خارج بيته، وهذا قالته عائشة -﵂- قبل أن يُوسّع المسجد النبويّ، ولهذا لَمّا وُسِّع المسجد جُعلت حجرتها مثلّثة الشكل محددةً حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر، مع استقبال القبلة، قاله في "الفتح" (^١).
(غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ) قال النوويّ -﵀-: ضبطناه بضم الخاء، وفتحها، وهما صحيحان. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما على الضمّ فالفعل مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله، ضمير النبيّ -ﷺ-، أي أنه -ﷺ- خشي أن يُتّخذ قبره مسجدًا، فحذّر أمته، وأخبرها بأن اليهود والنصارى ملعونون بسبب ذلك.
وأما على الفتح فالفعل مبنيّ للفاعل، وفاعله ضمير الصحابة -﵃-، أي إنهم لَمّا حذّرهم النبيّ -ﷺ- خَشُوا أن يُتّخذ قبره مسجدًا، فلم يُبرزوه.
وقوله: (أَنْ يُتَّخَذَ) بالبناء للمفعول أيضًا، والضمير لـ "قبره" (مَسْجِدًا) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ "يُتّخذ".
ووقع في نسخة: "فلولا ذاك لأبرز قبرُهُ، ولكنّه خُشي. . . إلخ".
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "غيرَ أني أَخْشَى"، بضمير المتكلّم، قال في "الفتح": كذا هنا، وفي رواية أبي عوانة، عن هلال الآتية في أواخر "الجنائز": "غير أنه خَشِيَ، أو خُشِيَ"، على الشكّ، هل هو بفتح الخاء المعجمة، أو ضمها؛ وفي رواية مسلم: "غير أنه خُشِي" بالضم لا غير.
قال: فرواية الباب تقتضي أن عائشة -﵂- هي التي امتَنَعَت من إبرازه، ورواية الضم مبهمة، يمكن أن تُفَسَّر بهذه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح، فإنها تقتضي أن النبيّ -ﷺ- هو الذي أمرهم بذلك. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ٢٣/ ٢٣٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ١٢.
[ ١٢ / ١٣٨ ]
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلَا ذَاكَ) أي بالواو بدل الفاء (لَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، والضمير لشيخه هاشم (قَالَتْ) أي لفظة "قالت"، يعني أن هاشمًا حين حدّث أبا بكر لم يذكُر "قالت" قبل قوله: "ولولا ذاك"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٨٩] (٥٢٩)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (١٣٣٠ و١٣٩٠ و٤٤٤١ و٤٤٤٣ و٥٨١٥)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٤٠)، و"الجنائز" (٤/ ٩٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤ و٨٠ و١٢١ و٢٢٩ و٢٥٥ و٢٧٤ و٢٧٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٦٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٢٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٠٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال التُّورِبِشْتِيّ الحنفيّ في "شرح المصابيح": معنى إنكار النبيّ -ﷺ- على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرَّجٌ على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لهم.
والثاني: أنهم كانوا يتحرَّون الصلاة في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجّه إلى قبورهم حالة الصلاة؛ نظرًا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند اللَّه تعالى؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة اللَّه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذهابًا إلى أن تلك البقاع أولى بإقامة الصلاة والتوسّل بالعبادة فيها إلى اللَّه تعالى؛ لاختصاصها بقبور الأنبياء، وكلتا الطريقتين غير مرضيّة.
أما الأولى: فلأنها من الشرك الجليّ، وأما الثانية: فلأنها متضمّنة معنى الإشراك في عبادة اللَّه تعالى حيث أُتي بها على صفة الإشراك، أو التبعيّة لمخلوق.
والدليل على ذمّ الوجهين قوله -ﷺ-: "اللَّهمّ لا تجعلوا قبري وثَنًا يُعبد،
[ ١٢ / ١٣٩ ]
اشتدّ غضب اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١)، والوجه الأول أشبه به.
وأما نهي النبيّ -ﷺ- أمته عن الصلاة في المقابر، فإنه لمعنيين:
أحدهما: لمشابهة ذلك الفعل سنّة اليهود، وإن كان القصدان مختلفين.
والثاني: لما يتضمّنه من الشرك الخفيّ، حيث أُتي في عبادة اللَّه بما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له.
قال: والصلاة في المواضع المتبرّك بها من مقابر الصالحين داخلة في جملة هذا النهي، لا سيّما إذا كان الباعث تعظيمَ هؤلاء، وتخصيص تلك المواضع؛ لما أشرنا إليه من الشرك الخفيّ. انتهى كلام التوربشتيّ -﵀-. وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
وقال صاحب "المرعاة" بعد ذكر كلام التوربشتيّ المذكور ما نصّه: ويدخل. أيضًا في هذا النهي والوعيد اتّخاذ مسجد بجوار نبيّ، أو صالح، والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه، ولا بالتوجّه نحوه، بل لحصول مدد منه، ورجاء كمال عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح، وهذا لأن اتّخاذ المسجد بقربه، وقصد التبرّك به تعظيم له، ولأن في هذا الصنيع أيضًا من المفاسد ما لا يخفى، ولأنه لم يأمر النبيّ -ﷺ- أحدًا من أمته بالاستفاضة بقبره، أو بقبر أحد من صلحاء أمته، ولا بالاستمداد منه، ولا بالمجاورة به، ولا التبرّك به، وإنما أمر أمته بالسلام على أهل القبور، والدعاء والاستغفار لهم عند زيارة القبور، وحثّ على الاعتبار بهم، فالاستفاضة بالقبور، والاستمداد منها، والتبرّك بها، ولو كان بدون التوجّه إليها حرام عندنا؛ لكونه داخلًا في الشرك الخفيّ. انتهى كلام صاحب "المرعاة"، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٠] (٥٣٠) - (حَدَّثَنَا (^٢) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
_________________
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" مرسلًا برقم (٣٧٦).
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٢ / ١٤٠ ]
أَخْبَرَني يُونُسُ وَمَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضل [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
والباقون تقدّموا قبل بابين، غير مالك وهو: ابن أنس إمام دار الهجرة، فتقدّم في الباب الماضي، و"ابن وهب": هو عبد اللَّه، و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة من المكثرين السبعة، وسعيدًا من الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁- على ما قاله بعضهم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأَولى فيه كسر الياء المشدّدة؛ لأنه المنقول عن أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحها أهل الكوفة، وكان هو يكره الفتح، فتنبّه. (أَن أَبا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) قيل: معناه: لعنهم، كما في الرواية التالية، وقيل: معناه: قَتَلهم وأهلكهم (^١)، وقال في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٢.
[ ١٢ / ١٤١ ]
"العمدة": قوله: "قاتل اللَّه اليهود" أي قتلهم اللَّه؛ فاعل يجيء بمعنى فعل أيضًا، كقولهم: سافر، وسارع بمعنى سَفَر وسَرَع، ويقال: معناه: لعنهم اللَّه، ويقال: عاداهم اللَّه، ويقال: القتال ههنا عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤدّاه ومؤدّي اللعنة واحد.
وإنما خَصَّص اليهود ههنا بالذكر، بخلاف ما تقدّم؛ لأنهم أسسوا هذا الاتخاذ، وابتدؤوا به فهم أظلم، أو لأنهم أشدّ غلوًّا فيه.
وقد استَشْكَلَ بعضهم ذكر النصارى في الحديث الأول؛ لأنهم ليس لهم نبيّ بين عيسى وبين نبينا -ﷺ- غير عيسى -﵊- وليس له قبر؛ لأنه في السماء.
وأجيب عنه بأنه كان فيهم أنبياء أيضًا، لكنهم غير مرسلين، كالحواريين ومريم في قول.
قال العينيّ -﵀-: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنه جاء في رواية عن عكرمة وقتادة والزهري أن الثلاثة الذين أَتَوْا إلى أنطاكية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ الآية [يس: ١٤] كانوا رسلًا من اللَّه تعالى، وهم: صادق وصدوق وشلوم، وعن قتادة: إنهم كانوا رسلًا من عيسى -﵇-، فعلى هذا لم يكونوا أنبياء فضلًا عن أن يكونوا رسلًا من اللَّه تعالى.
وأما مريم -﵍- فزعم ابن حزم وآخرون أنها نبية، وكذلك سارة أم إسحاق، وأم موسى -﵈- وعند الجمهور كما حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره من أهل السنة والجماعة أن النبوة مختصة بالرجال، وليست في النساء نبية. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" في "كتاب أحاديث الأنبياء": واستُدِلّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] على أن مريم كانت نبيةً، ويؤيِّده ذكرها في "سورة مريم" بمثل ما ذُكِر به الأنبياء، ولا يمنع وصفها بأنها صِدّيقة، فإن يوسف وُصِف بذلك مع كونه نبيًّا.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
[ ١٢ / ١٤٢ ]
وقد نُقِل عن الأشعرىِّ أن في النساء نبيات، وجزم ابن حزم بست: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، ولم يذكر القرطبيّ سارة، ولا هاجر.
ونقله السهيليّ في آخر "الروض" عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ.
وقال عياض: الجمهور على خلافه، وذكر النووي في "الأذكار" عن إمام الحرمين أنه نَقَل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في "شرح المهذَّب" لجماعة، وجاء عن الحسن البصريّ: ليس في النساء نبيةٌ، ولا في الجنّ، وقال السبكيّ: اختُلِف في هذه المسألة، ولم يصحّ عندي في ذلك شيء. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن التوقّف في هذه المسألة كما قال السبكيّ هو الحقّ؛ ليس عندنا دليل قاطع لأحد القولين، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") هذه الجملة تقدّم أنها جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، فكانه قيل: ما سبب قتال اللَّه تعالى اليهود؟، فأجاب بانهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٠ و١١٩١] (٥٣٠)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٣٧)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٤/ ٩٥ - ٩٦)، وفي "الكبرى" (٤/ ٢٥٧) رقم (٧٠٩٢)، و(مالك) في "الموطّأ" (٣٢١) برواية محمد بن الحسن، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٤ و٢٨٥ و٣٦٦ و٣٩٦ و٤٥٣ و٤٥٤ و٥١٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٢٦)، و(البيهقيّ) في
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٥٤٦.
[ ١٢ / ١٤٣ ]
"الكبرى" (٤/ ٨٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٤ و١١٨٥ و١١٨٦ و١١٨٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٠ و١١٧١)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (^١)، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَنَا (^٢) يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْفَزَارِيُّ) مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ) هو: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ العامريّ، نُسب لجدّه، مقبول [٦] تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسم الأصمّ عمرو بن عُبيد بن معاوية البكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين -﵂-، ثقة [٣] (ت ١٠٣) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
وشرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٢] (٥٣١) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
_________________
(١) وفي نسخة بحذف "بن سعيد".
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٢ / ١٤٤ ]
شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، يُحَذَرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر -﵄-، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀- وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل كيفيّة أدائهما على ما تقدّم بيانه غير مزة.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن صحابيين.
٤ - (ومنها): أن عائشة، وابن عبّاس -﵃- من المكثرين السبعة، وعبيد اللَّه من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة (أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ) -﵃- (قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله الجَارّ والمجرور، والأصل: لَمّا نَزَل الموت برسول اللَّه -ﷺ-.
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "لَمّا نُزِلَ" هكذا ضبطناه "نُزِلَ" بضمّ النون، وكسر الزاي، وفي أكثر الأصول: "نَزَلَتْ" بفتح الحروف الثلاثة، وبتاء التأنيث
[ ١٢ / ١٤٥ ]
الساكنة، أي حضرت المنيّة والوفاة، وأما الأول فمعناه: نزل ملك الموت، والملائكة الكرام. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "لَمّا نَزَلَ" على صيغة المعلوم في رواية أبي ذرّ، وفاعله محذوف، أي لما نَزَل الموت، وفي رواية غيره بضم النون، وكسر الزاي، على صيغة المجهول. انتهى (^٢).
وقوله: (طَفِقَ) جواب "لَمّا"، يقال: طَفَق بكسر الفاء وفتحها، أي جعل، والكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، وممن حَكَى الفتح الأخفش والجوهريّ، قاله النوويّ.
وقال في "العمدة": قوله "طَفَقَ" من أفعال المقاربة، وهي ثلاثة أنواع: منها ما وُضع للدلالة على الشروع في الخبر، وأفعاله: أنشأ، وطفق، وجعل، وعَلِق، وأخذ، وتعمل هذه الأفعال عمل "كان"، إلا أن خبرهن يجب كونه جملةً. حَكَى الأخفش: طَفَقَ يَطْفِقُ، مثل ضَرَب يَضْرِب، وطَفِقَ يَطْفَقُ، مثلُ عَلِم يَعْلَم، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدرٌ، حَكَى الأخفش: طُفُوقًا عمن قال: طَفَقَ بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفِقَ بالكسر، ومعناه ههنا جَعَلَ. انتهى (^٣).
وأفعال الشروع هي التي ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
(يَطْرَحُ) بفتح أوله، وثالثه، قال الفيّوميّ: طَرَحتُهُ طَرْحًا، من باب نَفَعَ: رَمَيْتُ به، ومن هنا قيل: يجوز أن يُعَدّى بالباء، فيقال: طَرَحتُ به؛ لأن الفعل إذا تضمّن معنى فعل جاز أن يَعْمَل عمله، وطَرَحتُ الرداء على عاتقي: ألقيتُهُ. انتهى (^٤). والجملة خبر "طفق".
(خَمِيصَةً) بالنصب على أنه مفعول "يطرح"، وهي بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم: كِسَاءٌ أسودُ مربعٌ له عَلَمان، فإن لم يكن مُعْلَمًا، فليس بخميصة، وتكون من خزّ، أو صوف، وجمعها خَمَائص، وقيل: الخمائص: ثيابٌ من خزّ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٢ - ١٣.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٢٨٥.
(٣) "عمدة القاري" ٤/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٠.
[ ١٢ / ١٤٦ ]
ثِخَان سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثِخَان أيضًا، أفاده في "اللسان" (^١).
وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ "خَمِيصة"، أي كائنةً له -ﷺ- (عَلَى وَجْهِهِ) متعلّق بـ "يطرح"، أي يُلقي تلك الخميصة على وجهه الشريف -ﷺ- (فَإِذَا اغْتَمَّ) بالغين المعجمة: أي احتَبَس نفسه عن الخروج، وقيل: إذا تَسَخَّن بالخميصة، وحَمِي بها (كَشَفَهَا) أي أزال تلك الخميصة (عَنْ وَجْهِهِ) الشريف -ﷺ-؛ ليزول اغتمامه (فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهي معترضة بين القول ومقوله، أي قال -ﷺ-، والحال أنه في تلك الحال من الطرح والكشف، وقوله: ("لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مقول "فقال"، واللعنة: الطرد والإبعاد عن الرحمة، أي أبعدهم اللَّه تعالى عن رحمته.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") تقدّم أنها جملة استئنافية كأنها جواب عن سؤال سائل بقوله: ما سبب لعنهم هذا؟.
وقوله: (يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا) مقول الراوي، وليس مقول الرسول -ﷺ-، وهي أيضًا جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه سئل عن حكمة ذكره -ﷺ- ذلك في ذلك الوقت، فأجاب به.
و"يُحذّر" بتشديد الذال المعجمة، مبنيًّا للفاعل، من التحذير، أي يحذر أمته أن تصنع بقبره كما صنعت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها؛ لأن ذلك يصير بالتدريج شَبِيهًا بعبادة الأصنام.
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكر هذا الحديث: أخرج الإمام أحمد من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-: "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قومًا اتَّخَذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا يُعْبَد، اشتَدَّ غضبُ اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال ابن عبد البرّ -﵀-: الوَثَنُ: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يُعْبَد من دون اللَّه فهو وثن، صَنَمًا
_________________
(١) "لسان العرب" ٧/ ٣١.
[ ١٢ / ١٤٧ ]
كان، أو غير صنم، وكانت العرب تُصَلِّي إلى الأصنام، وتعبدها، فخَشِي رسول اللَّه -ﷺ- على أمته أن تصنع كما صنع بعض مَن مضى من الأمم، كانوا إذا مات لهم نبيّ عَكَفُوا حول قبره، كما يُصْنَعُ بالصنم، فقال -ﷺ-: "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا يُصَلَّى إليه، ويُسْجَد نحوه، ويُعْبَدُ، فقد اشتدّ غضب اللَّه على من فعل ذلك، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يُحَذِّر أصحابه، وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله الذين صَلَّوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلةً ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يَسجُدون إليها، ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبيّ -ﷺ- يخبرهم بما في ذلك من سخط اللَّه وغضبه، وأنه مما لا يرضاه؛ خشية عليهم امتثالَ طرقهم، وكان -ﷺ- يُحِبُّ مخالفة أهل الكتاب، وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا تَرَى إلى قوله -ﷺ- على جهة التعيير والتوبيخ: "لتتبعُنَّ سَنَنَ الذين كانوا قبلكم حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إنّ أحدهم لو دَخَل جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه". انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- (^١). وهو نفيسٌ.
قال ابن رجب -﵀-: ويؤيّده ما ذكره أن النبيّ -ﷺ- كان يُحذِّر من ذلك في مرض موته، كما في حديث عائشة، وابن عباس -﵄-، وفي حديث جُندب -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال ذلك قبل موته بخمس.
وفي "مسند الإمام أحمد" بسند صحيح، من حديث أبي عبيدة بن الجرّاح -﵁- قال: آخر ما تكلم به النبيّ -ﷺ-: "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأخرج الإمام أحمد حديث عن أسامة بن زيد -﵁- قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: "أدخل علي أصحابي"، فدخلوا عليه، فكشف القناع، ثم قال: "لعن اللَّه اليهود والنصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأخرج أيضًا حديث عائشة -﵂- من رواية ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، وقال في آخر حديثه: "يُحرّم ذلك على أمته".
_________________
(١) "التمهيد" لابن عبد البر ٥/ ٤٥.
[ ١٢ / ١٤٨ ]
وقد اتّفق أئمة الإسلام على هذا المعنى، قال الشافعيّ -﵀-: وأكره أن يُعظَّم مخلوقٌ حتى يتّخذ قبره مسجدًا خشيةَ الفتنة عليه، وعلى من بعده.
وقال صاحب "التنبيه" من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول اللَّه -ﷺ- متوجّهًا إليه فحرام.
قال القرطبي -﵀-: بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبره النبيّ -ﷺ-، فأعلموا حِيطان تربته، وسدُّوا الداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره -ﷺ-، ثم خافوا أن يُتخّذ موضع قبره قبلةً إذا كان مستقبل المصلّين، فتُتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليّين، وحرّفوهما حتى التقيا على زاوية مُثلّثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا المعنى قالت عائشة -﵂-: ولولا ذلك أُبرِز قبره. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة وابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٢] (٥٣١)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (٤٣٥ و٤٣٦ و٣٤٥٣ و٣٤٥٤ و٤٤٤٣ و٤٤٤٤ و٥٨١٥ و٥٨١٦)، و(النسائيّ) (٢/ ٤٠ - ٤١)، وفي "الكبرى" (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٠٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٣ و١١٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن اتّخاذ القبور مساجد؛ لما يترتّب عليه من الفساد بتعظيمها المؤدّي إلى عبادتها.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبي -ﷺ- من شدّة العناية في تحذير أمته
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٨.
[ ١٢ / ١٤٩ ]
من الوقوع في الشرك، حتى في آخر لحظة من حياته، وفي الوقت الذي اشتدّ به النزع.
٣ - (ومنها): بيان اشتداد مرضه -ﷺ-، وذلك لتضعيف درجاته، فعن عائشة -﵂- قالت: "ما رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول اللَّه -ﷺ-". متّفقٌ عليه.
وعن عائشة -﵂- أيضًا، قالت: "إن رسول اللَّه -ﷺ- كان بين يديه رَكْوة، أو عُلْبة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات، ثم نَصَب يده، فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبِض، ومالت يده"، متّفقٌ عليه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة لعن اليهود والنصارى؛ لانحرافهم عن دينهم، وعما أنزل اللَّه تعالى عليهم، حتى عَبَدُوا قبور الأنبياء، والصالحين من دون اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية [التوبة: ٣١].
٥ - (ومنها): أن من فعل مثل ما فعلته اليهود والنصارى استحقّ اللعن والطرد من رحمة اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١١٩٣] (٥٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ").
[ ١٢ / ١٥٠ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصلت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ جليلٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (بخ م مد ت س ق) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٨.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو) بن أبي الوليد الرقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيه ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٢/ ٩٦.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجزريّ، أبو أُسامة، أصله من الكوفة، ثم سكن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩ أو ١٢٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦.
٦ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيُّ) الزُّبيديّ الكوفيّ المعروف بالمكتب، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن مسعود، وجندب بن عبد اللَّه البجليّ، وطَلِيق بن قيس، وأبي كثير الزُّبيديّ، وغيرهم.
ورَوى عنه عمرو بن مُرّة، وحميد بن عطاء الأعرج، وأبو سنان ضِرَار بن مرة، والمغيرة بن عبد اللَّه اليشكريّ.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٨ - (جُنْدَب) بن عبد اللَّه بن سُفيان الْبَجَليّ، ثُمّ الْعَلَقيّ، أبو عبد اللَّه، وربّما نُسب لجدّه، صحابيّ، مات بعد الستين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
[ ١٢ / ١٥١ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل ببيان صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل، كما سبق بيانه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له" وقد سبق بيانه غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ) بفتح النون، وسكون الجيم: نسبة إلى نَجْران: ناحية بين اليمن وهَجَر، قاله في "اللباب" (^١)، وقال في "المصباح": نَجْرانُ: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها نَجْران بن زيد بن يَشْجُبَ بن يَعْرُبَ بن قَحْطان. انتهى (^٢).
(قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ) -بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وتُضمّ- ابن عبد اللَّه بن سفيان -﵁- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ) أي خمس ليال، وهذا فيه بيان أن هذا الكلام من أواخر ما تكلّم به النبيّ -ﷺ-، فكأنه -ﷺ- عَلِمَ أنه مرتحل عن الدنيا بذلك المرض، فخاف على أمته أن تُعظّم قبره، وتقع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، فحذّرها عن ذلك (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من المفعول ("إِنِّي أَبْرَأُ) بفتح أوله وثالثه، مضارع بَرِئَ، من باب تَعِبَ، ونَدَر كونه من باب نصرَ، قال في "القاموس": وبَرِئَ من الأمر يَبْرَأُ، ويَبْرُؤُ -نادرٌ- بَرَاءً وبراءةً، وبُرُوءًا: تبرّأ. انتهى (^٣).
قال النوويّ -﵀-: معنى "أبرأ": أي أمتنع من هذا، وأنكره، وقال القاضي عياض -﵀-: أي أبعُد عن هذا، وأنقطع عنه، ولا أتّصل به. انتهى (^٤).
وقوله: (إِلَى اللَّهِ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كوني منقطعًا إلى اللَّه تعالى من غيره.
_________________
(١) "اللباب" ٢/ ٣٩٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٤.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ٨.
(٤) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٥٢.
[ ١٢ / ١٥٢ ]
(أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ) الخليل: هو المنقَطَعُ إليه، وقيل: المختص بشيء دون غيره، قيل: هو مشتقّ من الْخَلَّة -بفتح الخاء-: وهي الحاجة، وقيل: من الْخُلّة -بضم الخاء-: وهي تخلل المودّة في القلب، فنفى -ﷺ- أن تكون حاجته، وانقطاعه إلى غير اللَّه تعالى، وقيل: الخليل من لا يَتَّسِع القلب لغيره، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وقال ابن الأثير -﵀-: الْخُلّة بالضم: الصداقة، والمحبة التي تخلَّلت القلب، فصارت خلاله، أي في باطنه، والخليل: الصديق، فَعِيلٌ بمعنى مُفَاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول، وإنما قال -ﷺ- ذلك؛ لأن خُلّته كانت مقصورة على حبّ اللَّه تعالى، فليس فيها لغيره مُتَّسَعٌ، ولا شَرِكة من مَحابّ الدنيا والآخرة، وهذه حالٌ شريفةٌ، لا ينالها أحدٌ بكسب واجتهاد، فإن الطباع غالبةٌ، وإنما يَخُصّ اللَّه بها من يشاء من عباده، مثل سيد المرسلين -صلوات اللَّه وسلامه عليه-.
ومن جَعَل الخليل مشتقًّا من الْخَلَّة، وهي الحاجة والفقر، أراد: إني أبرأ من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير اللَّه تعالى، وفي رواية -﵀-: "أبرأ إلى كُلّ خِلٍّ من خَلَّته" بفتح الخاء، وبكسرها، وهما بمعنى الْخُلَّة والخليل. انتهى (^٢).
وقال القرطبي -﵀-: قوله: "إني أبرأ إلى اللَّه. . . إلخ": أي أَبْعُدُ عن هذا، وأنقطع عنه، وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه -ﷺ- قد امتلأ بما تخلّله من محبّة اللَّه تعالى وتعظيمه، فلا يَتَّسِعُ لمخاللة غيره، أو لأنه -ﷺ- قد انقطع بحاجته كلّها إلى اللَّه تعالى، ولجأ إليه في سدّ خلّاته، فكفاه ووقاه، فلا يَحتاج إلى أحد من المخلوقين. انتهى (^٣).
ثم علّل براءته عن المخلوقين بقوله:
(فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ -﵇- خَلِيلًا) حيث قال اللَّه -﷿-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣.
(٢) "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ٧٢.
(٣) "المفهم" ٢/ ١٢٩.
[ ١٢ / ١٥٣ ]
إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وهذا من باب الترغيب في اتّباعه؛ لأنه إمام يُقْتَدى به حيث وصل إلى غاية ما يَتَقَرَّب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الْخُلَّة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧].
قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أُمر به، وفي كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبيرٌ عن صغير، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ الآية [النحل: ١٢٠] والآية بعدها.
وقال البخاريّ: حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: "إن معاذًا لَمّا قَدِمَ اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قَرَّت عين أم إبراهيم".
وقد ذكر ابن جرير في "تفسيره" عن بعضهم أنه إنما سماه اللَّه خليلًا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جَدْبٌ، فارتحل إلى خليل له من أهل الْمَوْصِل، وقال بعضهم: من أهل مصر؛ ليمتار طعامًا لأهله من قِبَله، فلم يُصِب عنده حاجته، فلما قَرُب من أهله بمفازة ذات رَمْل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل؛ لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير مِيرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك، فتحوَّل ما في الغرائر من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا، فعَجَنوا منه، وخَبَزوا، فاستيقظ، فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي اللَّه، فسماه اللَّه بذلك خليلًا.
قال ابن كثير -﵀-: وفي صحة هذا ووقوعه نظرٌ، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب.
وإنما سُمِّي خليل اللَّه؛ لشدّة محبته لربه -﷿- لِمَا قام له به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في "الصحيحين" من رواية أبي سعيد الخدريّ أن رسول اللَّه -ﷺ- لَمّا خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: "أما بعدُ أيها الناس، فلو
[ ١٢ / ١٥٤ ]
كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل اللَّه".
وجاء من طريق جندب بن عبد اللَّه البجليّ، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "إن اللَّه اتّخذني خليلًا كما اتّخذ إبراهيم خليلًا".
وقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدّثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدّثنا إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ بمكة، حدّثنا عبد اللَّه الحنفيّ، حدّثنا زَمْعَة أبو صالح، عن سَلَمَة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "جلس ناس من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عَجَبٌ إن اللَّه اتّخذ من خلقه خليلًا، فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن اللَّه كلم موسى تكليمًا؟، وقال آخر: فعيسى روح اللَّه وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه اللَّه، فخرج عليهم، فسلّم، وقال: قد سمعت كلامكم، وتعجبكم أن إبراهيم خليل اللَّه، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه اللَّه، وهو كذلك، ألا وإني حبيب اللَّه، ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفَّع ولا فخر، وأنا أول من يُحَرِّك حلقة الجنة فيفتح اللَّه ويدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة، ولا فخر" (^١).
قال ابن كثير -﵀-: وهذا حديث غريبٌ، من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.
وقال قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الْخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- (^٢).
_________________
(١) ضعيفٌ؛ لأن في سنده زمعة بن صالح الْجَنَديّ: ضعيف.
(٢) صححه الشيخ الألباني -﵀- في "ظلال الجنّة" (٤٤٢).
[ ١٢ / ١٥٥ ]
رواه الحاكم في "المستدرك" رقم (١٦٥)، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرِّجاه.
وكذا رُوِي عن أنس بن مالك، وغير واحد من الصحابة والتابعين، والأئمة من السلف والخلف. انتهى كلام ابن كثير -﵀- (^١).
(وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أن أبا بكر -﵁- أفضل الناس بعد رسول اللَّه -ﷺ-، وأنه مخصوص من مِنَحِ اللَّه تعالى، ومن كريم مواهبه، ومن محبّة اللَّه ورسول اللَّه -ﷺ- له بما ليس لأحد من بعده، وهذا مذهب أهل السنّة أجمعين من السلف الماضي، والخلف اللاحقين. انتهى (^٢).
[تنبيه]: كتب بعضهم في معنى قوله: "لو كنت متّخذًا. . . إلخ" ما نصّه: يعني لو جاز لي أن أتّخذ صديقًا من الخلق يَقِف على سرّي لاتّخذت أبا بكر خليلًا، ولكن لا يطّلع على سرّي إلا اللَّه، ووجه تخصيصه بذلك أن أبا بكر كان أقرب سرًّا من سرّ رسول اللَّه -ﷺ-؛ لما رُوي أنه -ﷺ- قال: "إن أبا بكر لم يفضُل عليكم بصوم، ولا صلاة، ولكن بشيء كُتِب في قلبه". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث لا أصل له (^٣)، فلا يصلح لأخذ معنى الحديث منه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (وَإِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، ألَا فَلَا تَتَّخِذوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) وقوله: (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) تأكيد لقوله: "فلا تتّخذوا. . . إلخ".
قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: إنما نهى النبيّ -ﷺ- عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربما أَدَّى ذلك إلى
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١/ ٧٦٩ - ٧٧٠.
(٢) "المفهم" ٢/ ١٣٠.
(٣) راجع: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ -﵀- ٢/ ٣٧٨ أورده بلفظ: "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام، ولا صلاة، ولكن بشيء وَقَرَ في صدره"، وقال: لا أصل له مرفوعًا.
[ ١٢ / ١٥٦ ]
الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللَّه -ﷺ- حين كثر المسلمون، وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حُجْرة عائشة لمَدْفَن رسول اللَّه -ﷺ- وصاحبيه: أبي بكر وعمر -﵄- بنوا على القبر حيطانًا مرتفعةً مستديرةً حوله؛ لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوامّ، ويؤدي المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: "ولولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشِي أن يُتَّخَذ مسجدًا". انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد اللَّه البجليّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٣] (٥٣٢)، و(النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١١١٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٩٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ١٦٨ رقم ١٦٨٦)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال القاضي عياض -﵀-: وفي سند هذا الحديث: "ثنا زكرياء بن عديّ، عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللَّه بن الحارث النجراني، قال: حدّثني جندبٌ".
هذا مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف عبيد اللَّه فيه أبو عبد الرحيم (^٢)، فقال: عن جميل النجرانيّ، عن جندب، وجميل مجهول، والحديث محفوظ عن أبي سعيد وابن مسعود، وقال غيره: وقد ذكر النسائيّ
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ١٣ - ١٤.
(٢) هو خالد بن أبي يزيد بن سماك الحرّاني، ثقة من السادسة، مات سنة (١٤٤).
[ ١٢ / ١٥٧ ]
الحديث من رواية عبيد اللَّه بن عمرو، ثم ذكر رواية أبي عبد الرحيم، عن زيد، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن جميل النجرانيّ، عن جندب. انتهى (^١).
وقال الحافظ في "النكت الظراف": ذكر الْبَرْقانيّ أن أبا عبد الرحيم رواه عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، فقال: عن عمرو بن مرّة، عن جميل النجرانيّ، عن جندب، قال الْبَرْقانيّ: وذكرت ذلك للدارقطنيّ، فقال: رواية عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد أشبه بالصواب.
وقال ابن أبي حاتم -﵀-: (٢٦٧٤) سألت أبي عن حديث رواه إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة، قال: قرأت في كتاب أبي عبد الرحيم بخطه، وأخبرني محمد بن سلمة أنه خط أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: حدثني جميل النجرانيّ، قال: سمعت جندب بن عبد اللَّه البجليّ، قال: "سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول قبل موته بخمس. . . " فذكر الحديث، قال أبي: رواه عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث النجرانيّ، قال: حدّثنا جندب، وهو أشبه، وهو عندي عبد اللَّه بن الحارث المكتب الكوفيّ، وقد أدرك جندبًا -﵁-. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ، وأبو حاتم أن الحديث صحيحٌ، وأنه محفوظ من رواية عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن جندب، كما هو رأي المصنّف -﵀-، حيث أخرجه في "صحيحه" من هذا الطريق.
والحاصل أن للدارقطني في هذا الإسناد رأيين:
أحدهما: إعلاله بمخالفة أبي عبد الرحيم لعبيد اللَّه بن عمرو، وهو الذي ذكره في كتابه "التتبع والإلزامات" (ص ١٣٣) بنسخة تحقيق الشيخ ربيع بن هادي، وهو الذي نقله عياض في كلامه السابق.
والثاني: ترجيح رواية عبيد اللَّه على رواية أبي عبد الرحيم، كما نقله
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٥٣.
(٢) "علل الحديث" ٢/ ٣٨٨.
[ ١٢ / ١٥٨ ]
الحافظ في "النكت الظراف"، كما أسلفته آنفًا، وهذا الرأي منه هو المقدّم والمرجح؛ لموافقته لرأي الإمامين: مسلم، وأبي حاتم الرازي، فقد اتّفق الثلاثة على صحّته من هذا الوجه.
والحاصل أن الحديث صحيحٌ من هذا الطريق؛ فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.