[١٥١٤] (٦٦٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ، أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى، فَأَبْعَدُهُمْ، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَنَامُ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: "حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي جَمَاعَةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد اللَّه بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (بُرَيْد) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
[ ١٤ / ٣٥٤ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد اللَّه بن بَرّاد، فتفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، غير بُريد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بُردة جدّ لِبُريد بن عبد اللَّه، وكنيته أيضًا أبو بُردة، كجدّه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ: أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا) منصوب على التمييز (فِي الصَّلَاةِ) أي في أداء الصلاة جماعةً (أَبْعَدُهُمْ) بالفعل على الخبريّة لـ "إنّ" (إِلَيْهَا) متعلّق بـ (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى، وسكون الثانية: مصدر ميميّ لـ "مَشَى"، منصوب على التمييز أيضًا، ويَحْتَمل أن يكون ظرف مكان، أي مكان مَشْيٍ، والمعنى أبعدهم مسافةً إلى المسجد.
وقوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكرمانيّ: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: "الأمثلُ فالأمثلُ".
وتعقّبه العينيّ، فقال: لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء ها هنا للترتيب مع تفاوت من بعض الوجوه، وقال الزمخشريّ: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال:
[أحدها]: أن تدلّ على ترتيب معانيها في الوجود، كقوله:
يَا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّابِحِ … فَالْغَانِمِ فَالآيِبِ
أي الذي صَبَّحَ، فغَنِمَ!، فآب.
[والثاني]: أن تدلّ على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل، فالأفضل، واعمَلِ الأحسن، فالأجمل.
[ ١٤ / ٣٥٥ ]
[والثالث]: أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو رَحِمَ اللَّه المحلقين، فالمقصرين.
وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى "ثُمّ"، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، فالفاآت فيها بمعنى "ثُمَّ" لتراخي معطوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء ههنا بمعنى "ثُمّ"، بمعنى أبعدهم، ثم أبعدهم. انتهى (^١).
(وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنِ الَّذِي يُصَلِّيهَا) أعمّ من أن يكون مع جماعةٍ، أو وحده، ويُستفاد منه أن الجماعة تتفاوت كما تقدّم بيان ذلك، وقوله: (ثُمَّ يَنَامُ") فائدة ذكره الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للمشقّة التي في ضمن الانتظار، قاله الكرمانيّ -﵀- (^٢).
(وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء شيخه الثاني ("حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي جَمَاعَةٍ") يعني أنه زاد قوله: "في جماعة"، وهو من باب التوضيح، وإلا فقوله في رواية عبد اللَّه بن بَرّاد: "حتى يصلّيها مع الإمام" يؤدّي هذا المعنى؛ لأن معنى الصلاة مع الإمام هو الصلاة جماعةً.
قال الكرمانيّ -﵀-:
[فإن قلت]: هذا التفضيل أمرٌ ظاهرٌ ضروريّ، فما الفائدة في ذكره؟.
[قلت]: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخر الوقت، أعظم أجرًا من الذي يصليها في وقت الاختيار وحده، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها أيضًا مع الإمام بدون انتظار، أي كما أنّ بُعد المكان مُؤَثِّرٌ في زيادة الأجر، كذلك طول الزمان؛ لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدَّمةً للجماعة.
قال العينيّ في "العمدة": قد عُلِم أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظار الصلاة، وإقامتها مع الإمام، فإن وُجِد أحدهما دون الآخر، فلا يحصل له ذلك، ويُعْلَم من هذا أيضًا أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار، لا يخلو عن أجر، كما في تأخير الظهر إلى أن يبرد الوقت عند اشتداد الحرّ،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٢٤٨.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٢٤٩.
[ ١٤ / ٣٥٦ ]
وتأخير العصر إلى ما قبل تغير قرص الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، وتأخير الصبح إلى وقت الإسفار (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما قوله: "كما تأخير الظهر. . . إلخ، وكذا قوله: وتأخير العشاء إلى ثلث الليل"، فصحيحٌ، وأما قوله: "وتأخير العصر. . . إلخ"، وكذا قوله: "وتأخير الصبح. . . إلخ" فهذا بناء على مذهبه؛ لأن الحنفيّة يستحبّون تأخير هاتين الصلاتين، والحقّ في هذا ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب تعجيل العصر، وتغليس الصبح؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، وقد مضى تحقيقه في موضعه، فلا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٤] (٦٦٢)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٥١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٧٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٨٦)، و(البزّار) في "مسنده" (٣١٦٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٤ و١٠/ ٧٧) و"الصغرى" (١/ ٢٩٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطا إلى المساجد.
٢ - (ومنها): بيان فضل المسجد البعيد على القريب لأجل كثرة الخطا.
٣ - (ومنها): بيان أن الأجر يكثر، ويَعظُمُ بحسب بُعْد المكان عن المسجد.
٤ - (ومنها): بيان فضل السبق إلى المسجد في أول الوقت؛ لانتظار الصلاة.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ١٤ / ٣٥٧ ]
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على صحّة صلاة المنفرد، وهذا هو الحقّ، وهو لا ينافي القول بفرضيّة صلاة الجماعة عينًا على الرجال إلا لعذر، كما تقدّم تحقيقه في موضعه.
٦ - (ومنها): بيان فضل انتظار الصلاة حتى يصلي مع الإمام، وقد تقدّم مستوفى في الباب الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٥] (٦٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ، لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ، أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ، وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْثَر) بن القاسم، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: ابن طرخان، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مِلّ بن عَمْرو الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مخضرمٌ عابدٌ، مشهورٌ بكنيته، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وعاش (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر الصحابيّ الشهير، سيّد القرّاء، ويُكنى أيضًا أبا الطُّفيل، قيل: مات سنة (١٩) وقيل: (٣٢) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦.
[ ١٤ / ٣٥٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن عَبْثَرًا لا يوجد له مشارك من الرواة في هذا الاسم.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة -﵃-، قرأ عليه النبيّ -ﷺ- "سورة البيّنة"، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- لأُبَيّ بن كعب: "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] "، قال: وسمّاني؟، قال: "نعم"، فَبَكَى، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، وفي رواية أحمد من طريق سفيان بن عيينة، عن عاصم الأحول: "كان ابن عمّ لي شاسع الدار"، ففيه أنه ابن عمّ أُبيّ بن كعب -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
وذكر صاحب "التنبيه" أن الشيخ شهاب الدين الأقفهسيّ قال في "كتاب المساجد": إنه أُبيّ بن كعب. انتهى، قال: وظاهر الحديث الآتي بعده أنه غيره، والظاهر أنه انتقال حفظ منه، وقد انتقل حفظه في هذا المؤلَّف في عدّة أماكن، منها قال: روى مسلم: "لا يوطّن أحدكم المساجد للصلاة، إلا تبشبش اللَّه به. . . " الحديث، وهذا الحديث ليس هو في مسلم، إنما هو في "مستدرك الحاكم" (^١). انتهى.
(لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ) أي من ذلك الرجل (وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ) أي لا تفوته صلاة من الصلوات الخمس، أي أداؤها في الجماعة مع النبيّ -ﷺ- (قَالَ) أُبيّ -﵁- (فَقِيلَ لَهُ) أي قال له قائلٌ (أَوْ) للشكّ من الراوي
_________________
(١) "المستدرك" ١/ ٣٣٢.
[ ١٤ / ٣٥٩ ]
(قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا) "لو" هذه يَحتَمِل أن تكون شرطيّة، جوابها محذوف، أي لكان خيرًا لك، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب (تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ) بفتح الظاء المعجمة، وسكون النون، ممدودًا بمعنى الظلام، أو شديده، أي في الليلة الظَّلْماء، قال في "القاموس": والظُّلْمة بالضمّ، وبضمّتين، والظَّلْماءُ، والظلام: ذَهَاب النور، وليلةٌ ظَلْمَةٌ على طرح الزائد، وظَلْمَاءُ: شديدة الظُّلْمة، وليلٌ ظَلْماءُ شاذٌّ، وقد أظلم، وظَلِمَ، كسَمِعَ، ويومٌ مُظلمٌ، كمُحْسِنٍ: كثيرُ شرّهُ، وأمرٌ مُظلِمٌ، ومِظْلامٌ: لا يُدرَى من أين يُؤتى. انتهى (^١).
وجملة "تركبه" في محلّ نصب نعتٌ لـ "حمارًا".
(وَفِي الرَّمْضَاءِ) بوزن ما قبله، قال في "المصباح": الرَّمْضَاءُ: الحِجَارةُ الحاميةُ من حرّ الشمس، ورَمِضَ يومُنا رَمَضًا، من باب تَعِبَ: اشتدّ حرُّهُ. انتهى (^٢).
(قَالَ) ذلك الرجل (مَا) نافيةٌ، أي لا (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، يقال: سَرَّه الشيءُ يسرُّهُ، من باب نصر، سُرُورًا بالضمّ، والاسم السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرّةُ منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسانُ، والجمع المسارّ، والسرّاءُ: الخير والفضل (^٣). (أَنَّ مَنْزِلِي) بفتح "أنّ"؛ لوقوعها موقع الفاعل (إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ) يعني أنه لا يفرح بقرب بيته من المسجد النبويّ، ثم ذكر علّة ذلك، فقال: (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوع الجملة موقع التعليل، ويَحْتَمِل إن ثبت روايةً فتحها؛ بتقدير حرف التعليل، أي لأني (أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي) بالبناء للمفعول (مَمْشَايَ) تقدّم أنه مصدر ميميّ، أي مشيي، أو هو ظرف مكان، أي مكان مشيي، وهو موضع قدمه، وهو مضاف إلى ياء المتكلّم، وعدم قلب ألفه إلى الياء مذهب جمهور العرب، إلا عند هُذيل، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ … هُذَيْلٍ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ١٤٦.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٣٨.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٤.
[ ١٤ / ٣٦٠ ]
وقوله: (إِلَى الْمَسْجِدِ) متعلّق بـ "ممشاي" (وَرُجُوعِي) أي ويُكتَب لي رجوعي من المسجد (إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ") أي ثواب ممشاك إلى المسجد، وثواب رجوعك منه إلى بيتك، قال النوويّ -﵀-: فيه إثبات الثواب في الْخُطَا في الرجوع من الصلاة، كما يثبت في الذهاب. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٥ و١٥١٦ و١٥١٧ و١٥١٨] (٦٦٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٧)، و(ابن ماجه) في "المساجد" (٧٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٠٧ و٢٠٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٣٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٠ و٢٠٤١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٨٧ و١٤٨٨ و١٤٨٩ و١٤٩٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٨٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطَا إلى المسجد.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من رحمة بعضهم لبعض.
٣ - (ومنها): أن من سمع من شخص ما ظاهر نقيصة في دينه، يرفع أمره إلى كبير القوم؛ ليقوم بإصلاحه، فقد قال أُبيّ -﵁- كما في الرواية التالية: "فحملت به حملًا، حتى أتيت نبيّ اللَّه -ﷺ-، فأخبرته. . . " الحديث.
٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لكبير القوم إذا بلغه من أحد الرعيّة ما ظاهره غير موافق للشرع أن يتثبّت في الأمر، ولا يعاجل صاحبه بالعقوبة، فقد
[ ١٤ / ٣٦١ ]
استدعى النبيّ -ﷺ- الرجل، فسأله عما قيل فيه، فبيّن له أنه يقصد بذلك تكثير الأجر، فقال له: "قد جمع اللَّه لك ذلك كلّه".
٥ - (ومنها): بيان أن الرجوع من الصلاة كالذهاب إليها في الأجر.
٦ - (ومنها): الحثّ على الإخلاص في العمل؛ لأن هذا الرجل ما جمع اللَّه تعالى له الأجرين إلا بإخلاصه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (^١) (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سُليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضّبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير للمعتمر، وجرير.
وقوله: (عَنِ التَّيْمِيِّ) هو سليمان بن طرخان التيمىّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد التيميّ السابق، وهو عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أُبيّ بن كعب -﵁-.
_________________
(١) وفي نسخة: "المعتمر بن سليمان".
[ ١٤ / ٣٦٢ ]
وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن المعتمر، وجريرًا حدّثا عن سليمان التيميّ بنحو حديث عَبْثَرٍ، عنه.
[تنبيه]: رواية المعتمر، وجرير، عن التيميّ ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٦٠) فقال:
(١٤٨٧) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، وأبو محمد بن حيان، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، زهير بن حرب، ثنا جرير بن عبد الحميد، قالا: عن سليمان التيميّ (ح) وحدّثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، ثنا عبد اللَّه بن معاذ (ح) وحدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عباس بن الوليد، قالا: ثنا معتمر بن سليمان، قال: قال أَبِي، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان رجل لا أعلم رجلًا من الناس، من أهل المدينة، ممن يصلي القبلة، أبعد دارًا من المسجد، من ذلك الرجل، فكانت لا تخطئه صلاة في المسجد، قال: فقلت: لو أنك اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، والرمضاء، قال: ما أحب أن داري إلى جنب المسجد، قال: فنما الحديث إلى النبيّ -ﷺ-، فسأله، فقال: يا نبي اللَّه أردت أن يُكْتَب لي إقبالي إذا أقبلت إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت، قال: فقال نبيّ اللَّه -ﷺ-: "أعطاك اللَّه ذاك أجمع، أعطاك ما احتسبت أجمع"، قال: لفظ محمد بن إبراهيم، وأبي محمد سواءً. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ (^٢) لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا، يَقِيكَ مِنَ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "يا أبا فلان".
[ ١٤ / ٣٦٣ ]
الرَّمْضَاءِ، وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ، قَالَ: أَمَ وَاللَّهِ (^١) مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- (^٢)، قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا، حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الْأَجْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٢ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن صُفْرة الأزديّ الْمُهَلَّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٧٩) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٣ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
والباقيان ذُكِرا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: سليمان، عن أبي عثمان، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو النَّهْديّ (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لا يعرف اسمه، كما مرّ في الرواية الماضية، وقد تقدّم أن في رواية الإمام أحمد أنه ابن عمّ أبيّ كعب -﵁-
_________________
(١) وفي نسخة: "أما واللَّه".
(٢) وفي نسخة: "أن بيتي بجنب بيت محمد -ﷺ-".
[ ١٤ / ٣٦٤ ]
(بَيْتُهُ أَقْصَى) أي أبعد (بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ) أي من المسجد النبويّ (فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي لا تفوته صلاة من الصلوات المكتوبات معه -ﷺ- (قَالَ) أُبيّ -﵁- (فَتَوَجَّعْنَا لَهُ) أي أشفقنا عليه، وآلمنا ما يُعانيه من المشقّة (فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا) تقدّم في شرح الحديث الماضي أن "لو" إما شرطيّة يقدّر جوابها، أي لكان خيرًا لك، وإما للتمنيّ، فلا تحتاج إلى جواب (يَقِيكَ) مضارع وَقَى، من باب ضرب، وِقايةً، يقال: وقاه اللَّه السُّوءَ وِقَايةً بالكسر: حَفِظَهُ، والْوِقاءُ، مثلُ كتاب: كلُّ ما وَقَيتَ به شيئًا، ورَوَى أبو عبيد، عن الكسائيّ الفتح في "الوَقَاية"، و"الْوَقَاء" أيضًا، قاله في "المصباح" (^١).
(مِنَ الرَّمْضَاءِ) أي الحجارة الحامية من حرّ الشمس (وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ) بتشديد الميم: جمع هامّة، مثلُ دابّة ودوابّ، وهو ما له سمّ يَقتُلُ، كالحيّة، قاله الأزهريّ، وقد تُطلَقُ الهوامّ على ما لا يَقتُلُ، كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عُجْرة -﵁-، حيث قال له النبيّ -ﷺ-: "أيؤذيك هوامّ رأسك. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، والمراد القمل على الاستعارة، بجامع الأذى (^٢).
(قَالَ) ذلك الرجل (أَمَ وَاللَّهِ) هي "أما" بمعنى الاستفتاحيّة، حُذفت ألفها، وفي نسخة: "أما" بإثباتها، وحذفُها لغة؛ إذ فيها لغات، قال ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه": "أما" بالفتح، والتخفيف حرف استفتاح بمنزلة "ألا"، وتكثر قبل القسم، كقوله [من الطويل]:
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي … أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ
وقد تُبدل همزتها هاءً، أو عينًا قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف وحذفها، أو تُحذف الألف مع ترك الإبدال، وإذا وقعت "إنّ" بعد "أما" هذه كُسرت كما تُكسر بعد "ألا" الاستفتاحيّة. انتهى (^٣).
(مَا) نافية (أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-) أي لا أحبّ أنه مشدودٌ بالأَطْناب، وهي الحبال.
و"الْمُطَنَّبُ" بفتح النون المشدّدة، اسم مفعول من طنّبه تطنيبًا، قال في
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦٩.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٦٤١.
(٣) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ١١٧ تحقيق حسن جمد.
[ ١٤ / ٣٦٥ ]
"القاموس": طَنّبه تطنيبًا: مدّه بأطنابه، وشدّه، قال: والطُّنُبُ بضمّتين: حبلٌ طويلٌ، يُشدُ به سُرَادق البيت، أو الوتِدُ، جمعه: أطنابٌ، وطِنبَةٌ. انتهى (^١).
وقال في "المصباح": الطُّنُبُ بضمّتين، وسكونُ الثاني لغةٌ: الحبلُ تُشدّ به الخيمة ونحوها، والجمع أطناب، مثلُ عُنُق وأعناق، قال ابن السّرّاج في موضع من كتابه: ويُجمع على غير ذلك، وقال في موضع: قالوا: عُنُقٌ وأعناقٌ، وطُنُبٌ وأطناب فمن جَمَعَ الطُّنُبَ، فأفهم خلافًا في جواز الجمع، وأنه يُستعمل بلفظٍ واحدٍ للمفرد والجمع، وعليه قوله [من البسيط]:
إِذَا أَرَادَ انْكِرَاسًا فِيهِ عَنَّ لَهُ … دُونَ الأُرُومَةِ مِنْ أَطْنَابِهَا طُنُبُ
فجمع بين اللغتين، فاستعمله مجموعًا ومُفردًا بنيّة الجمع. انتهى (^٢).
والمعنى: أنه لا يُحبّ أن يكون بيته ملاصقًا ببيته -ﷺ-، بل يُحبّ أن يكون بعيدًا منه؛ ليكثر ثوابه بكثرة خطاه من بيته إلى المسجد، ولا يريد نفي حبّه قربه من بيت رسول اللَّه -ﷺ- بغضًا له، وإنما رجاء زيادة الأجر بكثرة تلك الخطا، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) أُبيّ -﵁- (فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا) بكسر الحاء المهملة، أي ثِقَلًا؛ لبشاعة لفظه، وإيهامه سُوءًا، وهو بغضه للنبيّ -ﷺ-، قال القاضي عياضٌ -﵀-: معناه: أنه عَظُمَ عليّ، وثَقُل، واستعظمته؛ لبشاعة لفظه، وهَمَّني ذلك، وليس المراد به الحمل على الظهر. انتهى (^٣).
وفي رواية أحمد، من طريق ابن عيينة، عن عاصم: "قال: فما سمعتُ عنه كلمةً أَكْرَهَ إِلَيَّ منها".
(حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ) أي بما قال الرجل (قَالَ) أُبيّ (فَدَعَاهُ) أي طلب النبيّ -ﷺ- ذلك الرجل ليحضر عنده؛ ليتثبّت في صحّة ما نسبه إليه أُبيّ -﵁- من كلامه المذكور، ويستفسره عما أراده به (فَقَالَ) الرجل (لَهُ) -ﷺ- (مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل ما قال لأبيّ، من قوله: "ما أُحبّ أن بيتي مطنّبٌ. . . إلخ" (وَذَكَرَ لَهُ) -ﷺ- موضِّحًا مراده به (أَنَّهُ يَرْجُو فِي أثَرِهِ) أي في ممشاه، و"الأثر"
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ١/ ٩٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٣) "شرح النوويّ" ٥/ ١٦٨.
[ ١٤ / ٣٦٦ ]
بفتحتين، وبكسر، فسكون: جمعه آثارٌ، المراد به هنا: الخُطَا، والأصل فيه أن تلك الخطا تؤثّر في الأرض بالمشي عليها، ثم أُطلقت على المشي نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال المفسِّرون: آثارهم: خطاهم (الْأَجْرَ) أي الثواب عند اللَّه تعالى (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ: "إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ") أي ما ادّخرته، وأعددته عند اللَّه تعالى، يقال: احتسب الأجر على اللَّه: ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الْحِسْبة بالكسر، واحتسبتُ بالشيء: اعتددتُ به، قال الأصمعيّ: وفلانٌ حَسَنُ الْحِسْبة في الأمر: أي حسن التدبير، والنظر فيه، وليس هو من احتساب الأجر، إن احتساب الأجر فعلٌ للَّه لا لغيره. انتهى (^١).
وقال ابن الأثير عند شرح قوله: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا": أي طلبًا لوجه اللَّه وثوابه، فالاحتساب من الْحَسْب، كالاعتداد من العَدّ، وإنما قيل لمن يَنْوِي بعمله وجه اللَّه: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يَعْتَدَّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل، كأنه مُعْتَدٌّ به، والْحِسْبةُ: اسم من الاحتساب، كالعِدَّة من الاعتداد، والاحتساب في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات: هو البِدَارُ الى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها، على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها.
ومنه الحديث: "من مات له وَلَدٌ، فاحتسبه": أي احتَسَب الأجر بصبره على مصيبته، يقال: احتَسَب فلان ابنًا له، إذا مات كبيرًا، وافترطه، إذا مات صغيرًا، ومعناه: اعتَدَّ مصيبته به في جملة بلايا اللَّه التي يثاب على الصبر عليها، وقد تكرّر ذكر الاحتساب في الحديث. انتهى كلام ابن الأثير -﵀- (^٢).
والمعنى هنا: إن لك عند اللَّه تعالى أجر خَطَوَاتك التي عملتها للَّه تعالى، وادّخرت ثوابها، عنده ﷿، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٣٥.
(٢) "النهاية في غريب الأثر" ١/ ٣٨٢.
[ ١٤ / ٣٦٧ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد تقدّمت مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ) هو: سعيد بن يحيى بن الأزهر بن نَجِيح الواسطيّ، أبو عثمان، نُسِب إلى جدِّه، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن أبي معاوية، ووكيع، وأبي بكر بن عيّاش، وإسحاق الأزرق، وابن عيينة، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وابن ماجه، وأسلم بن سهل، وعليّ بن الجنيد، وعمران بن موسى بن مجاشع، وخَلَف بن محمد، وغيرهم.
قال عليّ بن الجنيد: ثقةٌ من ثقات الواسطيين، وقال بَحْشَل: مات سنة (٢٤٤)، وقال ابن حبان: في "الثقات": مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٦٣)، وحديث (٢٦٩٧): "اللهم اغفر لي، وارحمني. . . "، وله عند ابن ماجه حديثان آخران.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
[ ١٤ / ٣٦٨ ]
٣ - (أَبُوهُ) الجرّاح بن مَلِيح بن عَدِيّ بن فُرْس بن جمحة بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رُؤَاس (^١) وهو الحارث بن كلاب الرؤاسيّ الكوفيّ، أبو وكيع، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (بخ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١.
"عاصم" هو ابن سليمان الأحول ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ) هكذا النسخ بلفظ "كلُّهم"، والظاهر أن الصواب أن يقول: كلاهما عن عاصم؛ لأن المراد ابن عُيينة، والجرّاح والد وكيع، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عاصم الماضي، وهو: عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أُبيّ بن كعب -﵁-. وقوله: (نَحْوَهُ) يعني أن ابن عيينة، ووالد وكيع حدّثا عن عاصم الأحول نحو حديث عَبّاد بن عبّاد، عنه.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده" (٥/ ١٣٣) فقال:
(٢١٢٥٠) حدّثنا عبد اللَّه (^٢)، حدّثني أبي، ثنا سفيان (^٣)، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ، قال: كان ابن عمّ لي شاسع الدار، فقلت: لو أنك اتخذت حمارًا، أو شيئًا، فقال: ما يَسُرُّني أنّ بيتي مُطَنَّبٌ ببيت محمد -ﷺ-، قال: فما سمعت عنه كلمةً أَكْرَهَ إِلَيَّ منها، قال: فإذا هو يَذكُرٍ الْخُطَا إلى المسجد، فسأل النبيّ -ﷺ-، فقال: "إن له بكل خُطْوَة درجةً".
وأما رواية والد وكيع، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) بضمّ الراء، بعدها واو بهمزة، وبعد الألف سين مهملة.
(٢) هو: عبد اللَّه ابن الإمام أحمد بن حنبل.
(٣) هو: ابن عيينة.
[ ١٤ / ٣٦٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٩] (٦٦٤) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَتْ دِيَارُنَا (^١) نَائِيَةً عَنِ الْمَسْجِدِ (^٢)، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فَنَقْتَرِبَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمِي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام -﵄-، تقدّم قبل بابين.
_________________
(١) وفي نسخة: "دارنا".
(٢) وفي نسخة: "من المسجد".
[ ١٤ / ٣٧٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى شيخه، فبغداديّ، ورَوْح، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بـ "حدّثنا" إلى أبي الزبير، فإنه قال: "سمعت"، وهو مدلّس، فأزال التهمة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
عن أبي الزبير المكيّ -﵀-، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- (قَالَ: كَانَتْ دِيَارُنَا) وفي نسخة: "دارنا" بالإفراد (نَائِيَةً) أي بعيدةً (عَنِ الْمَسْجِدِ) وفي نسخة: "من المسجد، أي النبويّ" (فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فَنَقْتَرِبَ مِنَ الْمَسْجِدِ) النبويّ (فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي عن بيعها (فَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ) تقدّم أنه بضمّ الخاء: ما بين الرجلين، وجمعه خُطَى، وخُطُوات، مثلُ غرف وغُرُفات في وجوهها، وبفتحها المرة الواحدة من خطا يخطو، كغزا يغزو: إذا مشى، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثلُ شَهْوَةٍ وشَهَوَات، وقوله: (دَرَجَةً") منصوب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، وخبرها "لكم" مقدّمًا، وقوله: "بكلّ خطوة" متعلّق بحال مقدّر، والباء سببيّة، وأصله كان صفة لـ "درجةً"، فلما قدّم عليها أعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما في قوله:
لَمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلٌ
[ ١٤ / ٣٧١ ]
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٩] (٦٦٤)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١٠٥٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩١)، وفوائد الحديث تُعلم مما مضى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٢٠] (٦٦٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ"، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شُعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
[ ١٤ / ٣٧٢ ]
٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٤ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلَطَ قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
وجابر -﵄- ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وأبو نضرة علّق عنه البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن الجريريّ قد اختلط، ولكن الراوي هنا هو عبد الوارث، وهو ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، ولذا أخرج له المصنّف هنا، وقد ذكرت الآخذين عنه قبل الاختلاط في منظومتي "عمدة المحتاط"، فقلت:
كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ
وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا
وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا
وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِي وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى
و"حماد" الأول هو ابن سلمة، والثاني هو ابن زيد، و"الثقفيّ" هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٤ / ٣٧٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- أنه (قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ) بكسر الموحّدة: جمع بَقْعة بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ: "الْبُقْعَةُ" من الأرض: القِطعة منها، وتُضمّ الباءُ في الأكثر، فتُجمَع على بُقَعٍ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، وتُفْتَح، فتُجمَعُ على بِقَاعٍ، مثلُ كَلْبَةٍ وكِلَابٍ. انتهى (^١). وقوله: (حَوْلَ الْمَسْجِدِ) ظرف متعلّق، بحال مقدّر من "البِقاع"، أو صفة له، على تقدير "أل" فيه جنسيّة، كما قيل في قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وفي رواية السَّرّاج: "أرادوا أن يَقْرُبُوا من أجل الصلاة"، ولابن مردويه قال: "كانت منازلنا بِسَلْعٍ"، ولا يعارض هذا حديث أنس -﵁- الآتي في "كتاب الاستسقاء": "وما بيننا وبين سَلْعٍ من دار"؛ لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سَلْعٍ، وبين سَلْع والمسجد قدرُ مِيل، قاله في "الفتح" (^٢).
(فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) بفتح السين المهملة، وكسر اللام: بطنٌ من الأنصار، وهو سَلِمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جُشم بن الخزرج، والنسبة إليه بفتح اللام عند النحويين، والمحدّثون يكسرونها (^٣)، والأول هو الموافق لقواعد النسب، وإلى هذا أشرت بقولي:
السَّلَمِيُّ نِسْبَةٌ لِسَلِمَهْ … بَطْنٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَهْلِ الْمَكْرَمَهْ
وَهْيَ بِكَسْرِ اللَّامِ لَكِنِ النَّسَبْ … فَتَحَهُ النُّحَاةُ وَفاقًا لِلْعَرَبْ
وَالْفَتْحُ لِلْمُحَدّثِينُ نُسِبَا … فَإِنْ يَصِحَّ فَالصَّوَابَ جَانَبَا
وقال في "الفتح": بنو سَلِمة -بكسر اللام-: بطن كبير من الأنصار، ثم من الخزرج، وقد غَفَل القَزّاز، وتبعه الجوهريّ حيث قال: ليس في العرب
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٧.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٦٤.
(٣) راجع: "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٤٤٧.
[ ١٤ / ٣٧٤ ]
سَلِمة -بكسر اللام- غير هذا القبيل، فإن الأئمة الذين صَنَّفُوا في "المؤتلف والمختلف" ذكروا عددًا من الأسماء كذلك، لكن يَحْتَمِل أن يكون أراد بقيد القبيلة، أو البطن فله بعض اتجاه. انتهى (^١).
(أَنْ) بالفتح مصدريّة (يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ) النبويّ؛ ليسهل عليهم ملازمة صلاة الجماعة مع النبيّ -ﷺ- (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي إرادتهم الانتقال إلى قرب المسجد، فاسم الاشارة في محلّ رفع على الفاعليّة، وقوله: (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) منصوب على المفعوليّة (فَقَالَ) -ﷺ- (لَهُمْ: "إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ما تُفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ") النبويّ، وفي رواية ابن حبّان عن ابن المبارك، عن الْجُرَيريّ: "فبلغ ذلك النبيّ -ﷺ-، فأتانا في دارنا، فقال: يا بني سَلِمة بلغني أنّكم تريدون النُّقْلة إلى المسجد" (قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وقوله: (قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ) مؤكّد لـ "نعم"؛ لأنها تصديق لما تقدّمها من الكلام، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة، وفي رواية ابن حبّان المذكورة: "فقالوا: يا رسول اللَّه، بَعُدَ علينا المسجد، والبقاع حوله خاليةٌ" (فَقَالَ) -ﷺ- ("يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ) منصوب على الإغراء، مفعول لفعل محذوف، أي الزموا دياركم، كما قال في "الخلاصة" بعد بيان أحكام التحذير:
وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا "إِيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
وقوله: (تُكْتَبْ آثَارُكُمْ) مجزوم في جواب فعل الأمر، كما قال في "الخلاصة" أيضًا:
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ
(دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ") كرّر الجملة لتأكيد هذا الأمر، والاهتمام به؛ لأنه أمر غريبٌ عند المخاطبين؛ لأن المعروف أن من أراد أن يقترب من الشخص يدلّ على شدّة محبّته له، فبنو سلمة ما أرادوا الانتقال إلى قرب المسجد إلا لظنّهم أنه مما يؤيّد النبيّ -ﷺ-، ويفرح به، لكنه نهاهم عن ذلك، وبيّن لهم في عدم الانتقال مصلحة عظيمة، وهي كثرة ثوابهم بكثرة خطاهم إلى المسجد.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٦٤.
[ ١٤ / ٣٧٥ ]
وزاد في رواية كهمس التالية: "فقالوا: ما يسرُّنا أنا كنّا تحوّلنا"، وفي رواية ابن حبّان المذكورة: "قال: فما ودِدْنا أنا بحضرة المسجد؛ لما قال رسول اللَّه -ﷺ- قال".
[تنبيه]: هذا الحديث هو سبب نزول قول تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقد أخرج الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعديّ، عَن أَبِي نضرة، عَن أَبِي سَعِيد، قَالَ: كَانَتْ بنو سَلِمَة فِي ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فَنَزَلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقام رَسُول اللَّه -ﷺ-: "إن آثاركم تكتب"، فَلَمْ ينتقلوا.
وأبو سُفْيَان فِيهِ ضعف، والصحيح: رِوَايَة مسلمٍ، عَن أَبِي نضرة، عَن جابر المذكور في الباب، كذا قاله الدارقطنيّ وغيره.
وأخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك، عَن عَكْرِمَة، عَن ابن عَبَّاس، قَالَ: كَانَت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقربوا، فَنَزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، قَالَ: فثبتوا.
وفي حَدِيْث أَنَس: فكره رَسُول اللَّه -ﷺ- أن يعروا المدينة أو منازلهم.
يعني: يخلوها فتصير عراةً من الأرض.
والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] (^١).
[تنبيهٌ آخر]: بيّن النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث سبب نهيه لهم عن النُّقْلة، وهو قلّة ثوابهم في قربهم المسجد بسبب قلّة آثارهم، وكثرته في بعدهم، وزاد في حديث أنس -﵁- عند البخاريّ سببًا آخر، وهو أنه -ﷺ- كَرِه أن تُعْرَى نواحي المدينة من سُكّانها، فقد أخرج الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه" عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال النبيّ -ﷺ-: "يا بني سَلِمَة ألا تحتسبون آثاركم؟ ".
ثم أخرج عن أنس -﵁- أن بني سَلِمَة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبيّ -ﷺ-، قال: فكره رسول اللَّه -ﷺ- أن يُعْرُوا المدينة، فقال: "ألا تحتسبون آثاركم".
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٢٩ - ٣٠.
[ ١٤ / ٣٧٦ ]
وزاد في رواية للبخاريّ: "فأقاموا"، وللترمذي من حديث أبي سعيد: "فلم ينتقلوا".
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: خُطاهم.
وقال أيضًا: خطاهم: آثارهم أن يُمْشَى في الأرض بأرجلهم. انتهى (^١).
قال في "الفتح": "قوله: ألا تحتسبون" كذا في النسخ التي وقفنا عليها بإثبات النون، وشرحه الكرمانيّ بحذفها، ووَجّهَهُ: بأن النحاة أجازوا ذلك، يعني تخفيفًا، قال: والمعنى: ألا تَعُدُّون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد، فإن لكل خطوة ثوابًا. انتهى.
والاحتساب، وإن كان أصله العَدّ لكنه يستعمل غالبًا في معنى طلب تحصيل الثواب بنيّة خالصة.
وقوله: "أن يُعْرُوا المدينة"، وفي رواية الكشميهنيّ: "أن يُعْرُوا منازلهم"، وهو بضم أوله، وسكون العين المهملة، وضم الراء: أي يتركونها خاليةً، يقال: أعراه: إذا أخلاه، والعراء الأرض الخالية، وقيل: الواسعة، وقيل: المكان الذي لا يُسْتَتَر فيه بشيء.
ونَبّهَ بهذه الكراهة على السبب في منعهم من القرب من المسجد؛ لتبقى جهات المدينة عامرةً بساكنيها واستفادوا بذلك كثرة الأجر؛ لكثرة الْخُطَا في المشي إلى المسجد (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: وهذا تنبيه على علّة أخرى تَحْملهم على مُقامهم بمواضعهم، وهي أنه كَرِه أن تُترَك جهات المدينة عَرَاءً، أي فَضَاءً خاليةً، فيُؤتَوْنَ منها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي بموضع خال. انتهى (^٣).
_________________
(١) وقوله: "وقال مجاهد: خطاهم آثارهم، والمشي في الأرض بأرجلهم"، كذا لأبي ذَرّ، وللباقين: "وقال مجاهد: ونكتب ما قدموا وآثارهم، قال: خطاهم"، وكذا وصله عبد بن حميد، من طريق ابن أبي نَجِيح، عنه، قال في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قال: أعمالَهُم، وفي قوله: "وآثارهم" قال: خطاهم، قاله في "الفتح" ٢/ ١٥٦.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٦٥.
(٣) "المفهم" ٢/ ٢٩٢.
[ ١٤ / ٣٧٧ ]
وأشار البخاريّ -﵀- إلى أن قصة بنى سَلِمَة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مُصَرَّحًا به من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أخرجه ابن ماجه، وغيره وإسناده قويّ، قاله في "الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-، وقد أخرجه البخاريّ من حديث أنس -﵁- (٦٥٥ و١٨٨٧) كما أسلفناه آنفًا.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥٢٠ و١٥٢١] (٦٦٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٨٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٢ و٣٣٣ و٣٧١ و٣٩٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٨٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطا إلى المساجد.
٢ - (ومنها): بيان أن أعمال البرّ إذا كانت خالصةً تكتب آثارها حسنات.
٣ - (ومنها): دَلّت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يُكتب لصاحبه أجرهُ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ، وقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى الأشعريّ -﵁-، مرفوعًا: "أعظم النَّاس أجرًا فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى"، وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَن النَّبِىّ -ﷺ-: "وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة"، متّفقٌ عليه.
وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: "الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا".
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٦٥.
[ ١٤ / ٣٧٨ ]
وقد سبق في حديث أُبَيّ بْن كعب -﵁- قول ذلك الرجل: إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: "قَدْ جمع اللَّه لَكَ ذَلِكَ كله"، وفي رِوَايَة: "إن لَكَ مَا احتسبت".
وهذا يدلّ عَلَى أَنَّهُ يثاب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله.
وأخرج أحمد في "مسنده"، وابن حبّان في "صحيحه"، عَن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو -﵄-، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: "من راح إلى المسجد جماعةً فخطوتاه: خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبًا وراجعًا".
وهذا المطلق قَدْ ورد مقيَّدًا بقيدين:
أحدهما: أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله.
والثاني: أن لا يخرج إلَّا إلى الصلاة فِي المسجد، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاصّ.
وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر، غير أن هَذَا الأجر الخاص -وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات- لا يحصل بذلك (^١).
٤ - (ومنها): ما قيل: أن فيه استحباب السكنى بقرب المسجد، إلا لمن حَصَلَت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي، ما لم يَحْمِل على نفسه، ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي عَلِمُوه منه، فما أنكر عليهم النبيّ -ﷺ- ذلك، بل رَجَّح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد، أو يزيد عليه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال في "الفتح"، والذي يظهر لي أن الحديث لا يدلّ على فضل القرب من المسجد، بل إنما يدلّ على عكسه، فإنه -ﷺ- لم يقرّهم على الانتقال، بل أنكر عليهم ذلك، وبيّن لهم أن البعد فيه الأجر الكثير، فالحقّ أن البعد هو الأفضل، كما يدلّ عليه ظاهر الحديث.
_________________
(١) راجع "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٢٩ - ٣٢.
[ ١٤ / ٣٧٩ ]
وأما ما أخرج أحمد في "مسنده" عَن حذيفة -﵁-، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: "فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد"، فهو حديث ضعيف؛ لضعفه وانقطاعه، فإن الراوي عن حذيفة -﵁- وهو علي بن يزيد الألهانيّ الدمشقيّ، ضعيفٌ، بل قال البخاريّ: منكر الحديث، وقال النسائيّ: متروك الحديث، وقال في روايته، أنه بلغه عن حذيفة، فلا يصلح للاحتجاج به، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أنه اختُلِف فيمن كانت داره قريبةً من المسجد، فقارب الخطا بحيث تساوى خطا مَن داره بعيدة، هل يساويه في الفضل أو لا؟، وإلى المساواة جَنَح الطبريّ، ورَوَى ابن أبي شيبة من طريق أنس، قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخطا، وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد.
قال في "الفتح": وهذا لا يلزم منه المساواة في الفضل، وإن دلّ على أن في كثرة الخطا فضيلةً؛ لأن ثواب الخطا الشاقّة ليس كثواب الخطا السهلة، وهو ظاهر حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- المذكور أول الباب حيث جعل أبعدهم ممشى أعظمهم أجرًا. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن بعضهم استنبط منه استحباب قصد المسجد البعيد، ولو كان بجنبه مسجد قريب، وإنما يتمّ ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب، وإلا فإحياؤه بذكر اللَّه أولى، وكذا إذا كان في البعيد مانع من الكمال، كأن يكون إمامه مبتدعًا، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاستنباط يردّه ما أخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: "ليُصلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبّع المساجد"، وهو حديث صحيح، فلا يستحبّ الذهاب إلى المسجد الأبعد، إلا لحاجة، كما قدّمنا تحقيقه، قريبًا.
وقد استنبط القرطبيّ -﵀- عكس الاستنباط المذكور، فقال: وهذا الحديث، والأحاديث التي قبله تدلّ على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختُلِف فيه، فرُوي عن أنس -﵁- أنه كان يُجاوز الْمُحْدَثَ إلى القديم، ورُوي عن غيره أنه قال: الأبعدُ، فالأبعدُ من
[ ١٤ / ٣٨٠ ]
المسجد أعظم أجرًا، وكَرِه الحسن وغيره هذا، وقال: لا يَدَع مسجدًا قربه، ويأتي غيره، وهو مذهبنا، وفي المذهب عندنا في تخطّي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت مما أسلفته من حديث ابن عمر -﵄- أن القول بكراهية ترك المسجد القريب هو الأرجح، إلا إذا كان لحاجة، فقد كان الصحابة -﵃- يتركون مساجدهم ويأتون إلى النبيّ -ﷺ-؛ لقضاء غرضهم، ويصلّون معه، وقد تقدّم ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ (^٢)، قَالَ: وَالْبِقَاعُ خَالِيَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ"، فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عمرو البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في "المساجد" ٢٦/ ١٣٥٠.
٢ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (مَا كَانَ يَسُرُّنَا) "ما" نافية، و"يَسُرُّنا" بفتح أوله، وضمّ الراء المشدّدة، من باب نصر، أي يُفرحنا.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٩٢.
(٢) وفي نسخة: "قُرْبَ المسجد"، في الموضعين.
[ ١٤ / ٣٨١ ]
وقوله: (أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا) بفتح همزة "أنا" لوقوعها في موضع فاعل "يَسُرّنا"، أي لا يسرّنا كوننا متحوّلين من منازلنا إلى قرب المسجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.