وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٣] (٩٩٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "ألَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ "، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ، بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ الله -ﷺ-، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ابْدَأ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَليْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا"، يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ").
[ ١٩ / ٢٥٥ ]
رجال هذا الإسناد:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْن رُمْحٍ) التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) الإمام الحجة الثبت المشهور المصري [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المكي، صدوق، يدلس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "لإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهوأعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (١٤٦) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه جابرًا -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) -﵁- أنه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية من طريق أيوب، عن أبي الزبير: "أن رجلًا من الأنصار، يقال له: أبو مذكور أعتق غلامًا له" (مِنْ بَني عُذْرَةَ) -بضمّ العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء- نسبة إلى عُذْرة، من قُضاعة، وهو عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة معروفة (^١).
_________________
(١) راجع: "الأنساب" للسمعانيّ ٤/ ١٧١ - ١٧٢.
[ ١٩ / ٢٥٦ ]
(عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ) وفي الرواية التالية: "أعتق غلامًا له، يقال له: يعقوب"، زاد في الرواية الآتية في "كتاب الأيمان والنذور" من طريق عمرو بن دينار، عن جابر: "لم يكن له مالٌ غيره"، وفي رواية: "دبّر رجلٌ من الأنصار غلامًا له، لم يكن له مالٌ غيره، فباعه رسول الله -ﷺ-، فاشتراه ابن النحّام، عبدًا قبطيًّا، مات عامَ أوّلَ، في إمارة ابن الزبير".
[تنبيه]: "المدبّر": اسم مفعول، من دبّر الرجل عبده تدبيرًا: إذا أعتقه بعد موته، ويقال: أعتق عبده عن دُبُر: أي: بعد دُبُر؛ أي: في آخر أمره، وقال في "الفتح": المدبّر: هو الذي عَلّق مالكه عتقه بموته، سُمّي بذلك؛ لأن الموت دُبُر الحياة، أو لأن فاعله دَبّر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه، فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر، وهو آخره. انتهى (^١).
(فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي: عتقه المذكور (رَسُولَ الله -ﷺ-) منصوب على المفعوليّة (فَقَالَ) -ﷺ- للرجل ("أَلكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ "، فَقَالَ: لا) أي: قال الرجل: ليس لي مالٌ غيره.
فيه دلالة على أنّ سبب بيعه كونه لا يملك شيئًا غيره، وأصرح من هذا رواية للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر: "أنّ رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبيّ -ﷺ-، فقال: "من يشريه منّي … " الحديث. ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتياجه إلى ثمنه، وقد جاءت رواية أخرى فيها بيان أن سببه هو الدَّين، فقد أخرج الإسماعيليّ، من طريق أبي بكر بن خلّاد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: "أعتق غلامًا له، وعليه دين"، وقد جاءت رواية أخرى بيّنت السببين معًا، فقد أخرج النسائيّ من طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: "أنّ رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله -ﷺ- بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقض دينك".
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ١٧٢ - ١٧٣.
[ ١٩ / ٢٥٧ ]
والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيرًا محتاجًا إليه، حيث لا مال له سواه، وتحمّله الدين، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) -ﷺ- ("مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي"؟) فيه جواز بيع المدبّر، وفيه خلاف بين أهل العلم، والراجح جوازه مطلقًا، وهو قول الشافعيّ، وأهل الحديث.
ومنهم من منع مطلقًا، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين.
ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول الليث بن سعد.
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": من لا يرى بيع المدبّر، منهم من يَحْمِله على أنه كان مدبّرًا مقيّدًا بمرضٍ، أو بمدّة، كعلمائنا -يعني: الحنفيّة- ومنهم من يَحْمِله على أنه دبّره، وهو مديون، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ، والثاني يردّه آخر الحديث. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ ﵀ إنصاف منه حيث رذ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب المتأخّرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ، ولا يعاندوا، ولا يتعصّبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن النص بالتأويل البعيد، اللهمّ أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
(فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ) هو نُعيم بن عبد الله بن أُسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عُويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف بـ "النحّام"، قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ -ﷺ- قال له: "دخلت الجنة، فسمعت نَحْمة من نُعيم"، وأخرج ابن قتيبة في "الغريب" من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: خرجنا في سريّة زيد بن حارثة التي أصاب فيها بني فَزَارةَ، فأتينا القوم خلوفًا، فقاتل نعيم بن النحّام العدويّ يومئذ قتالًا شديدًا.
و"النحْمَةُ" هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النَّحْنَحَة الممدود آخرها.
وقال خليفة: أمّه فاختة بنت حرب بن عبد شمس، وهي عدويّة أيضًا، من رهط عمر، وقال البخاريّ: له صحبة.
_________________
(١) راجع: "شرح السندي" ٥/ ٧٠.
[ ١٩ / ٢٥٨ ]
وقال مصعبٌ الزبيريّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنّه لم يُهاجر إلا قبيل فتح مكّة، وذلك لأنه كان يُنفق على أرامل بني عديّ، وأيتامهم، فلما أراد أن يهاجر، قال له قومه: أقم ودِنْ بايّ دِين شئت، وكان بيت بني عديّ بيته في الجاهليّة، حتى تحوّل في الإسلام لعمر في بني رَزَاح.
وقال الزبير: ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبيّ -ﷺ-: "يا نُعيم، قومك كانوا خيرًا لك من قومي"، قال: بل قومك خير يا رسول الله، قال: "إن قومي أخرجوني، وإن قومك أقرّوك"، فقال نعيم: يا رسول الله، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة، وإن قومي حبسوني عنها.
وقال الواقديّ: حدّثني يعقوب بن عمرو، عن نافع العدويّ، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: أسلم نعيم بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه، وقال ابن أبي خيثمة: أسلم بعد ثمانية وثلاثين إنسانًا، وذكر موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ، أنّ نعيمًا استُشْهِد بأَجْنَادِين، في خلافة عمر، وكذا قال ابن إسحاق، ومصعبٌ الزبيريّ، وأبو الأسود، وعروة، وسيفٌ في "الفتوح"، وأبو سليمان بن زَبْر، قال الواقديّ: وكانت أجنادينُ قبل اليرموك، سنة خمس عشرة، وقال ابن الْبَرْقيّ: يقول بعض أهل النسب: إنه قتل يوم مؤتة في حياة النبيّ -ﷺ-، وكذا قال ابن الكلبيّ.
وأما ما ذكره عمر بن شبّة في "أخبار المدينة" عن أبي عبيد المدنيّ، قال: ابتاع مروان من النحّام داره بثلاثمائة درهم، فأدخلها في داره، فهو محمولٌ على أن المراد به إبراهيم بن نعيم المذكور، فإنه يقال له أيضًا: النحّام. ذكر هذا كلّه في "الإصابة" (^١).
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم: ثم هاجر عام الحديبية، ومعه أربعون من أهل بيته، واستُشهد في فتوح الشام، زمنَ أبي بكر، أو عمر، وروى الحارث في "مسنده" بإسناد حسن: أن النبيّ -ﷺ- سماه صالحًا، وكان اسمه الذي يعرف به نُعيمًا.
وكان يُعرف بـ "النحام " بالنون والحاء المهملة الثقيلة، عند الجمهور،
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ١٠/ ١٧٤ - ١٧٦.
[ ١٩ / ٢٥٩ ]
وضبطه ابن الكلبي بضم الثون، وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني، وهو لقب نُعيم، وظاهر الرواية أنه لقب أبيه، قال النووي: وهو غلط؛ لقول النبيّ -ﷺ-: "دخلت الجنة فسمعت فيها نَحْمَةً من نعيم". انتهى. وكذا قال ابن العربي، وعياض، وغير واحد.
قال الحافظ ﵀: لكن الحديث المذكور من رواية الواقدي، وهو ضعيف، ولا تُرَدُّ الروايات الصحيحة بمثل هذا، فلعل أباه أيضًا، كان يقال له: النّحّام، و"النَّحْمَة" -بفتح النون، وإسكان المهملة-: الصوت، وقيل: السَّعْلَة، وقيل: النحنحة. انتهى (^١).
(بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) قال في "الفتح": اتفقت الطُّرُق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال: "سبعمائة، أو تسعمائة". انتهى. (فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) أي: أتى نعيم بن عبد الله بتلك الدراهم (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) أي: دفع النبيّ -ﷺ- تلك الدراهم إلى الرجل المعتق، زاد في رواية الأوزاعيّ، عن عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود في آخره: "أنت أحقّ بثمنه، والله أغنى عنه".
[تنبيه]: قال في "الفتح" ما حاصله: اتفقت الروايات على أن بيع ذلك المدبر كان في حياة الذي دبره، إلا ما رواه شريك، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر: "أن رجلًا مات، وترك مدبرًا، ودينًا، فأمرهم النبيّ -ﷺ-، فباعه في دينه بثمانمائة درهم"، أخرجه الدارقطني، ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري، أن شريكًا أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش وغيره، عن سلمة، وفيه: "ودفع ثمنه إليه"، وفي رواية النسائي من وجه آخر، عن إسماعيل بن أبي خالد: "ودفع ثمنه إلى مولاه"، وقد رواه أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك بلفظ: "أن رجلًا دبر عبدًا له، وعليه دين، فباعه النبيّ -ﷺ- في دين مولاه"، وهذا شبيه برواية الأعمش، وليس فيه للموت ذكر، وشريك كان تغير حفظه، لَمّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصح،
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٤٧١.
[ ١٩ / ٢٦٠ ]
ومنهم أسود المذكور. انتهى (^١).
وقال أيضًا في "كتاب العتق" "باب بيع المدبّر" ما حاصله: وقد اتفقت طرق رواية عمرو بن دينار، عن جابر أيضًا على أن البيع وقع في حياة السيد، إلا ما أخرجه الترمذيّ، من طريق ابن عيينة عنه، بلفظ: "أن رجلًا من الأنصار دَبّر غلامًا له، فمات، ولم يترك مالًا غيره" الحديث، وقد أعلّه الشافعي بأنه سمعه من ابن عيينة مرارًا، لم يذكر قوله: "فمات"، وكذلك رواه الأئمة: أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، والحميديّ، وابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، ووَجَّهَ البيهقي الرواية المذكورة، بأن أصلها: أن رجلًا من الأنصار، أعتق مملوكه، إن حدث به حادث فمات، فدعا به النبيّ -ﷺ-، فباعه من نعيم، كذلك رواه مَطَرٌ الوراق، عن عمرو، قال البيهقي: فقوله: "فمات" من بقية الشرط: أي: فمات من ذلك الحدث، وليس إخبارًا عن أن المدبر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله: "إن حدث به حدث"، فوقع الغلط بسبب ذلك، والله أعلم. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- للرجل ("ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) وفي رواية: "إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه" (فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ فَلِأَهْلِكَ) أي: فهو لأهلك، فتنفقه عليهم، وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه": "ابدأ بنفسك، فتصدّق عليها، ثمّ على أبويك، ثمّ على قرابتك، ثمّ هكذا، ثمّ هكذا" (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ) أي: لأقربائك الذين ليسوا من أهلك (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا) أي: تتصدّق به في وجوه الخير، كما بيّن المشار إليه بقوله (يَقُولُ) أي: يشير -ﷺ-، وفيه إطلاق القول على الإشارة، (فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ)، وهذا التفسير من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ١٧٣ - ١٧٤ "باب بيع المدبّر" من "كتاب البيوع" رقم ٢٢٣٠.
(٢) "الفتح" ٥/ ٤٧٢ "باب بيع المدبّر" من "كتاب العتق" رقم ٢٥٣٤.
[ ١٩ / ٢٦١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثائية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٢٣١٣ و٢٣١٤] (٩٩٧)، وفي (الأيمان والنذور" (٣١٥٥)، و(البخاريّ) في "البيوع" (١٩٩٧)، و(أبو داود) في "العتق" (٣٤٤٥ و٣٤٤٦)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١١٤٠)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٦)، و" الكبرى" (٢٣٢٦)، و"البيوع" (٤٦٥٢ و٤٦٥٣)، و"الكبرى" (٦٢٤٨ و٦٢٤٩ و٦٢٥٠)، و(ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٥٠٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٦٦٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٤٨)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٦٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠١ و٣٠٥ و٣٦٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٤٥ و٢٤٥٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٣٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٣٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أفضل الصدقة الصدقة على النفس، ثم الأهل، ثم الأقرباء.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة تدبير المملوك، قال القرطبيّ وغيره: اتَّفَقُوا على مشروعية التدبير، واتفقوا على أنه من الثلث، غير الليث، وزفر، فإنهما قالا: من رأس المال، واختلفوا هل هو عقد جائز، أو لازم؟ فمن قال: لازم منع التصرف فيه، إلا بالعتق، ومن قال: جائز أجاز، وبالأول قال مالك، والأوزاعي، والكوفيون، وبالثاني قال الشافعي، وأهل الحديث، وحجتهم حديث الباب، ولأنه تعليق للعتق بصفة، انفرد السيد بها، فيتمكن من بيعه، كمن عَلَّق عتقه بدخول الدار مثلًا، ولأن من أوصى بعتق شخص، جاز له بيعه باتفاق، فيلحق به جواز بيع المدبر؛ لأنه في معنى الوصية، وقيد الليث الجواز بالحاجة، وإلا فيكره، وأجاب الأول بأنها قضية عين، لا عموم لها، فيُحْمَل على بعض الصور، وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين، وهو مشهور
[ ١٩ / ٢٦٢ ]
مذهب أحمد، والخلاف في مذهب مالك أيضًا، وأجاب بعض المالكية عن الحديث، بأنه -ﷺ-، رَدَّ تصرف هذا الرجل؛ لكونه لم يكن له مال غيره، فيُسْتَدَلّ به على ردّ تصرف من تصدق بجميع ماله، وادَّعَى بعضهم أنه -ﷺ؛ إنما باع خدمة المدبر، لا رقبته، واحتَجَّ بما رواه ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر: أنه -ﷺ- قال: "لا بأس ببيع خدمة المدبر"، أخرجه الدارقطني، ورجال إسناده ثقات، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله، ولو صحّ لم يكن فيه حجة؛ إذ لا دليل فيه على أن البيع الذي وقع في قصة المدبر، الذي اشتراه نعيم بن النحّام، كان في منفعته، دون رقبته، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال بجواز بيع المدبّر للحاجة، كما هو ظاهر حديث الباب، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائي" في "كتاب البيوع"، فراجعه تستفد (^٢)، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): بيان أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدّم الأوكد، فالأوكد.
٤ - (ومنها): أن الأفضل في صدقة التطوّع أن ينوّعها في جهات الخير، ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها.
٥ - (ومنها): بيان أن الدَّين مقدّم على التبرّع بالتدبير.
٦ - (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال الناس بسبب ديونهم.
٧ - (ومنها): بيان أنه يُحْجَر على السفيه، وُيردّ عليه تصرّفه، وقد اختَلَف العلماء في ذلك، وسيأتي البحث فيه مستوفى في "كتاب البيوع" عند شرح حديث الرجل الذي كان يُخدَع في البيوع رقم (١٥٣٣) -إن شاء الله تعالى-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٢) راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" في "كتاب البيوع" "باب بيع المدبر" رقم (٨٤/ ٤٦٥٤).
[ ١٩ / ٢٦٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الذَوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ أيُوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأنصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ، أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَيُوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبث فقيه عابدٌ حجة [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن أبي الزبير هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٤٦٥٣) - أخبرنا زياد بن أيوب، قال: حدّثنا إسماعيل، قال: حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلًا من الأنصار يقال له: أبو مذكور، أعتق غلامًا له عن دبر، يقال له: يعقوب، لم يكن له مالٌ غيره، فدعا به رسول الله -ﷺ-، فقال: "من يشتريه؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مائة درهم، فدفعها إليه، وقال: "إذا كان أحدكم فقيرأ فليبدأ بنفسه، فإن كان فضلًا فعلى عياله، فإن كان فضلًا فعلى قرابته، أو على ذي رحمه، فإن كان فضلًا فها هنا وها هنا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٩ / ٢٦٤ ]