وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٥] (١٠٣٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ، وَهُوَ عَلَى
[ ١٩ / ٥٧١ ]
الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عُمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب -﵄-، مات (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٥) حديثًا.
٥ - (ومنها): أن هذا السند أصحّ الأسانيد على الإطلاق، على ما نقل عن الإمام البخاريّ ﵀، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) الجملتان حاليّتان؛ أي والحال أنه -ﷺ- قائم، على المنبر النبويّ، وهو يذكر للناس الصدقة وفضلها، ويحضّ الأغنياء عليها (وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلةِ) بالنصب عطفًا على "الصدقة"؛ أي ويذكر للفقراء التعفّف عن مسألة الناس، والتعفف مصدر تعفّف بمعنى استعفّ، كتعجّل بمعنى استعجل، قال في "النهاية": الاستعفاف: طلب العفاف، والتعفّف: هو الكفّ عن الحرام،
[ ١٩ / ٥٧٢ ]
والسؤال من الناس، وقيل: الاستعفاف: الصبر، والنزاهة عن الشيء. انتهى (^١).
وحاصل المعنى: أنه -ﷺ- خطب الناس، فحَضّ في خطبته الأغنياء على أن يتصدّقوا على الفقراء، وحضّ الفقراء على يتعفّفوا عن مسألة الناس، أو يحضّهم على التعفّف، وذمّ مسألة الناس.
("الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هذه الجملة هي مقول "قال". أي قال -ﷺ-، والحال أنه على المنبر، وهو يذكر الصدقة، والتعفّف عن المسألة: "اليدُ العليا خير من اليد السفلى"، ثم فسّر معنى كلامه هذا بقوله: (وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ") قال أبو داود ﵀: قال الأكثر عن حماد بن زيد: "المنفقة"، وقال واحد عنه: "المتعفّفة"، وكذا قال عبد الوارث، عن أيوب. انتهى.
قال الحافظ ﵀: فأما الذي قال عن حماد: "المتعفّفة" -بالعين، وفاءين- فهو مسدّدٌ، كذلك رويناه في "مسنده"، رواية معاذ بن المثنّى عنه، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد"، وقد تابعه على ذلك أبو الرَّبِيع الزَّهْرانيّ، كما رويناه في "كتاب الزكاة" ليوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا أبو الربيع.
وأما رواية عبد الوارث، فلم أقف عليها موصولة، وقد أخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بلفظ: "واليد العليا يد المعطي"، وهذا يدلّ على أن من رواه عن نافع بلفظ "المتعفّفة" فقد صحّف.
قال ابن عبد البرّ: ورواه موسى بن عقبة، عن نافع، فاختُلِف عليه أيضًا، فقال حفص بن ميسرة، عنه: "المنفقة"، كما قال مالك، قال الحافظ: وكذا قال فضيل بن سليمان، عنه، أخرجه ابن حبّان من طريقه، قال: ورواه إبراهيم بن طهمان، عن موسى، فقال: "المنفقة".
قال ابن عبد البرّ: رواية مالك أولى، وأشبه بالأصول، ويؤيّده حديث طارق المحاربيّ، عند النسائيّ، قال: قدمنا المدينة، فإذا النبيّ -ﷺ- قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا". انتهى.
_________________
(١) "الكاشف" ٥/ ١٥١٤.
[ ١٩ / ٥٧٣ ]
ولابن أبي شيبة، والبزّار، من طريق ثعلبة بن زَهْدَم مثله، وللطبرانيّ بإسناد صحيح، عن حكيم بن حِزَام، مرفوعًا: "يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطَى، ويد المعطَى أسفل الأيدي"، وللطبرانيّ من حديث الجذاميّ، مرفوعًا مثله، ولأبي داود، وابن خزيمة، من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك، عن أبيه، مرفوعًا: "الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى"، ولأحمد، والبزّار، من حديث عطيّة السعديّ: "اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "واليد العليا المنفقة"، هكذا وقع في صحيح البخاريّ ومسلم: "العليا المنفقة"، من الإنفاق، وكذا ذكره أبو داود عن أكثر الرواة، قال: ورواه عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "العليا المتعفِّفة" بالعين، من العِفّة، ورجح الخطابيّ هذه الرواية، قال: لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها، والصحيح الرواية الأولى، وَيحْتَمِل صحة الروايتين، فالمنفقة أعلى من السائلة، والمتعففة أعلى من السائلة، وفي هذا الحديث الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعات، وفيه دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي المنفقة، وقال الخطابيّ: المتعففة كما سبق، وقال غيره: العليا الآخذة، والسفلى المانعة، حكاه القاضي، والمراد بالعلو علوّ الفضل والمجد، ونيل الثواب. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ ﵀ بعد نقل كلام النووي المذكور: أقول: تحرير ترجيح الخطّابيّ رواية "اليد العليا هي المتعفّفة" أن يقال: إن قوله: "وهو يذكر الصدقة، والتعفّف عن المسألة" كلام مجملٌ في معنى العفّة عن السؤال، وقوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" بيان له، وهو أيضًا مبهم، فينبغي أن يفسّر بالعفّ؛ ليناسب المجمل، وتفسيره باليد المنفقة غير مناسب للمجمل.
وتحقيق الجواب: هذا إنما يتمّ إذا اقتصر على قوله: "اليد العليا هي المنفقة"، ولم يعقبه بقوله: "واليد السفلى هي السائلة"؛ لدلالتهما على علوّ المنفقة، وسفالة السائلة ورذالتها، وهي مما يُستنكف منها، ويُتعفّف عن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٤ - ١٢٥.
[ ١٩ / ٥٧٤ ]
الاتصاف بها، فظهر من هذا أن رواية الشيخين أرجح من إحدى روايتي أبي داود نقلًا ودرايةً؛ لأنها حينئذ من باب الكناية، وهي أبلغ من التصريح، فيكون أرجح. انتهى (^١).
(تنبيه): هذه الأحاديث كلها واضحة في أن التفسير المذكور مرفوع، قال القرطبيّ ﵀: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نصّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسّف من تعسّف في تأويله. انتهى.
قال الحافظ ﵀: لكن ادعى أبو العبّاس الدانيّ في "أطراف الموطأ" أن التفسير المذكور مدرجٌ في الحديث، ولم يذكر مستنده لذلك، ثم وجدت في "كتاب العسكريّ في الصحابة" بإسناد له، فيه انقطاعٌ، عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان: إني سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية"، فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "كنا نتحدّث أن العليا هي المنفقة". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة؛ لأن الحديث اتَّفَقَ عليه الشيخان، مرفوعًا، وما ذكره الحافظ مما يؤيّد الدعوى المذكورة، فغير مقبول؛ لأن ما نقله من كتاب العسكري منقطع، كما اعترف هو به، وكذا ما نقله عن ابن أبي شيبة، ففي سنده سفيان الثوريّ، وهو وإن كان إمامًا، إلا أنه مدلّسٌ، وقد رواه بالعنعنة (^٣)، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما اتَّفَقَ الشيخان على صحته مرفوعًا؟، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا متفقٌ عليه.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥١٤ - ١٥١٥.
(٢) "الفتح" ٤/ ٤٩.
(٣) انظر: "مصنّف ابن أبي شيبة" ٣/ ٢١١.
[ ١٩ / ٥٧٥ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٥] (١٠٣٣)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٩)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٨)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣٣) وفي "الكبرى" (٢٣١٢)، و(مالك) في "الموطّأ" (١٨٨١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦٧ و٩٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٨٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٥ - ١٠٦)، و(البزّار) في "مسنده" (٤/ ٤١ و٥/ ١٣٨ و٣٢٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٦١ و٣٣٦٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ١٩٢ و٢٠١ و٨/ ١٣٩ و١٨/ ١٤٩ و١٩/ ٢٨٠ و٢٢/ ٢٧٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٩٧)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٦٦)، و(الضياء المقدسيّ) في "المختارة" (٨/ ١٣٠)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٤٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٧ و١٩٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن اليد العليا هي المعطية، كما أن اليد السفلى هي السائلة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): إباحة الكلام للخطيب أثناء خطبته بكلّ ما يصلح من موعظة، وعلم، وقُرَبٍ.
٣ - (ومنها): الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعة.
٤ - (ومنها): تفضيل الغِنَى مع القيام بحقوقه على الفقر؛ لأن العطاء إنما يكون مع الغنى.
٥ - (ومنها): كراهة السؤال، والتنفير عنه، ومحلّه إذا لم تدع إليه ضرورةٌ، من خوف هلاك ونحوه، وقد روى الطبرانيّ من حديث ابن عمر بإسناد فيه مقالٌ، مرفوعًا: "ما المعطي من سَعَة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجًا"، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٥١.
[ ١٩ / ٥٧٦ ]
(المسألة الربعة): دلّت الأحاديث المتقدّمة المتضافرةُ على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور.
وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال، أم بغير سؤال، وهذا أباه قومٌ، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصَدَّق عليه، قال ابن العربيّ: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا؛ لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما يمين. انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى، فباعتبار كونه مالك كلّ شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة، ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلّ حال، وأما يد الآدميّ، فهي أربعة:
(أحدها): يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا.
(ثانيها): يد السائل، وقد تضافرت الأخبار أيضًا بأنها سفلى، سواء أخذت، أم لا، وهذا موافق لكيفيّة الإعطاء والأخذ غالبًا، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتقّ منهما.
(ثالثها): يد المتعفّف عن الأخذ، ولو بعد أن تَمُدّ إليه يد المعطي مثلًا، وهذه توصف بكونها عُلْيا علوًا معنويًّا.
(رابعها): يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختُلِف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنويّ فلا يطّرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يُحمل كلام من أطلق كونها عليا.
قال ابن حبّان ﵀ في "صحيحه": عندي أن اليد المتصدّقة أفضل من السائلة، لا الآخذة دون السؤال؛ إذ محالٌ أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون (^١) من فُرض عليه إتيان شيء، فأتى به، أو تقرّب إلى بارئه متنفّلًا فيه، وربما كان المعطي في إتيانه ذلك أقلّ تحصيلًا في الأسباب من الذي أتى بما أييح له، وربما كان هذا الآخذ لِمَا أُبيح له أفضل،
_________________
(١) عبارة ابن حبان "أحسن" وما هنا من "الفتح"، وهو الظاهر.
[ ١٩ / ٥٧٧ ]
وأورع من الذي يعطي، فلما استحال هذا على الإطلاق دون التحصيل بالتفضيل، صحّ أن معناه أن المتصدّق أفضل من الذي يسألها. انتهى (^١).
وعن الحسن البصريّ: اليد العليا المعطية، والسفلى المانعة، ولم يوافَق عليه.
وأطلق آخرون من المتصوّفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا، ونقل ابن قتيبة في "غريب الحديث" ذلك عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال، فهم يحتجّون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى مِن فوقُ هو الذي كان رقيقًا، فأُعتق، والمولى من أسفلُ هو السيّد الذي أعتقه. انتهى.
قال الحافظ: وقرأت في "مطلع الفوائد" للعلّامة جمال الدين ابن نُباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر، فقال: اليد هنا هي النعمة، وكأنّ المعنى أن العطيّة الجزيلة خيرٌ من العطيّة القليلة، قال: وهذا حثّ على المكارم بأوجز لفظٍ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: "ما أبقت غنى"؛ أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدّق بألف، فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لوأعطاها لرجل واحد، قال: وهو أولى من حمل اليد على الجارحة؛ لأن ذلك لا يستمرّ؛ إذ فيمن يأخذ من هو خيرٌ عند الله ممن يعطي.
قال الحافظ: التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق.
وقد روى إسحاق في "مسنده" من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير: أن حكيم بن حزام، قال: يا رسول الله، ما اليد العليا؟ قال: "التي تعطي، ولا تأخذ".
فقوله: "ولا تأخذ" صريحٌ في أن الآخذة ليست بعليا، والله أعلم.
قال: وكلّ هذه التأويلات المتعسّفة تَضمَحِلّ عند الأحاديث المتقدّمة المصرّحة بالمراد، فأولى ما فُسّر الحديث بالحديث.
_________________
(١) صحيح ابن حبّان ٨/ ١٥٠ - ١٥١ بتحقيق شعيب الأرنؤوط.
[ ١٩ / ٥٧٨ ]
ومُحصّل ما في الآثار المتقدّمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعفّفة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة، والمانعة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ أخيرًا تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن المذهب الحقّ في المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من أن اليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة؛ لوضوح دليله، وأما العكس فلا يؤيّده النقل، بل يدفعه، ويبطله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٦] (١٠٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
٤ - (يَحْيى الْقَطَّانُ) تقدّم قبل باب.
٥ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
_________________
(١) فتح ٤/ ٤٩ - ٥٠.
[ ١٩ / ٥٧٩ ]
٦ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
٧ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة أم المؤمنين -﵂-، صحابيّ أسلم يوم الفتح، وصَحِبَ، وله (٧٤) سنةً، ثم عاش إلى سنة (٥٤) أو بعدها، وكان عالمًا بالنسب (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٨/ ٣٣٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: محمد بن حاتم، فتفرّد به هو وأبو داود، وأحمد بن عبدة، فما أخرج له البخاريّ، وغير عمرو بن عثمان، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول والثالث بصريّان، كيحيى، والثاني بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ممن عاش (١٢٠) سنة، نصفها في الجاهليّة، ونصفها في الإسلام، وقد ذكرهم السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ
سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ
ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ
عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ
نَابِغَةٌ ثُمَّتَ حَسَّانَ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ
٦ - (ومنها): أنه أيضًا وُلِد في جوف الكعبة، ولا يُعرف هذا لغيره جاهليّةً ولا إسلامًا، كما قال السيوطيّ ﵀ أيضًا في ألفيتّه المذكورة:
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ
وهذا كله قد سبق، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ١٩ / ٥٨٠ ]
شرح الحديث:
عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ التيميّ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) -﵁- (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ) للشكّ من الراوي، أي أو قال: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) جملة من مبتدأ وخبره؛ أي إن أفضل صدقة المرء ما وقع من غير حاجة إلى ما يتصدّق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته.
وقد جاء ما يوضّح المراد بقوله: "أفضل الصدقة عن ظهر غنى إلخ" -كما قال النسائيّ ﵀- فيما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان والحاكم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "تصدَّقُوا"، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينارٌ، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجتك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على خادمك"، قالى: عندي آخر، قال: "أنت أبصر".
وقال النوويّ ﵀: معناه: أفضل الصدقة ما بقي صاحبُها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يَعتمده صاحبها، ويَستظهر به على مصالحه وحوائجه، وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يَندَم غالبًا، أو قد يندم إذا احتاج، وَيوَدّ أنه لم يتصدق، بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا، فإنه لا يندم عليها، بل يُسَرّ بها.
قال: وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحبٌّ لمن لا دَينَ عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يَجْمَع هذه الشروط فهو مكروه.
وقال القاضي عياض ﵀: جَوّز جمهور العلماء، وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يُرَدُّ جميعها، وهو مرويّ عن عمر بن الخطاب -﵁-، وقيل: يُنَفَّذ في الثلث، هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدّت الزيادة، وهو محكيّ عن مكحول، قال أبو جعفر الطبريّ: ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله، وأن يقتصر على الثلث. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٥.
[ ١٩ / ٥٨١ ]
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
(وَالْيَدُ الْعُلْيَا) تقدّم في الحديث الماضي أن الصحيح في تفسيرها أنها المنفقة (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) تقدّم أيضًا أن الأصحّ أنها السائلة (وَابْدَأْ) في العطاء (بِمَنْ تَعُولُ") أي بمن تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجلُ أهلَه عَوْلًا، من باب قال: إذا مانَهُم؛ أي قام بما يحتاجون إليه، من قوت، وكسوة، وفيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم.
وقد جاء تفسير من يعولهم فيما أخرجه النسائيّ من حديث طارق بن عبد الله المحاربيّ -﵁- بإسناد حسن، عنه قال: قَدِمنا المدينة، فإذا رسول الله -ﷺ- قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمَّك، وأباك (^١)، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك". هكذا أورده النسائيّ مختصرًا.
وقد أخرجه الدارقطنيّ في "سننه" (٣/ ٤٤ - ٤٥) مطوّلًا، فقال:
حدّثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، نا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، نا ابن نُمير، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، نا أبو صخرة، جامع بن شدّاد، عن طارق بن عبد الله المحاربيّ، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- مرّتين، مرّة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي هكذا، قال: أبيعها، فمرّ، وعليه حلّة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجلٌ يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وعرقوبيه، وهو
_________________
(١) هكذا الرواية "أباك"، فيَحْتَمِل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف؛ أي أعني أمّك إلخ، أو منصوبًا على نزع الخافض؛ أي بأمّك إلخٍ، وَيحْتَمِل أن يكون مجرورًا بدلًا من قوله "من تعول"، ويحتمل أن يكون مرفوعًا بتقدير: وهم أمّك إلخ، فعلى الوجهين الأخيرين يكون قوله "وَأَبَاكَ" -ومثله "أخاك"- مقصورًا معربًا على الألف، على حدّ قول الشاعر: إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا وهي لغة مشهورة، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": … … … … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
[ ١٩ / ٥٨٢ ]
يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه كذّابٌ، قلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام بني عبد المطّلب، قلت: من هذا الذي يتبعه، يرميه؟ قالوا: هذا عمة عبد العزّى، وهو أبو لهب، فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة أقبلنا في ركبٍ من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ظَعِينة لنا، قال: فبينا نحن قُعُودٌ؛ إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان، فسلّم علينا، فرددنا عليه، فقال: "من أين أقبل القوم؟ "، قلنا: من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، قال: "تبيعوني جملكم؟ "، قلنا: نعم، قال: "بكم؟ "، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئًا، وقال: "قد أخذته"، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلَاوَمُوا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليَحقِركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجلٌ، فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول الله -ﷺ- إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا، حتى تستوفوا، قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة، فإذا رسول الله -ﷺ- قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك، وأباك، وأختك، وأخاك، وأدناك، أدناك"، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأينا بياض إبطيه، فقال: "ألا لا يجني والد على ولده" انتهى (^١).
[تنبيه]: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختُلِف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له، ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا، أو بالغين، إناثًا وذكرانًا إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها، وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على
_________________
(١) "سنن الدارقطنيّ" ٣/ ٤٤ - ٤٥.
[ ١٩ / ٥٨٣ ]
الأب، وألحق الشافعيّ ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك. انتهى (^١).
قمال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق المسألة في محله من "كتاب النفقات" -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٦] (١٠٣٤)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٧)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٣) و"الكبرى" (٢٣٢٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٤٧٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣١٢٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون أفضل الصدقة إذا حصلت بعد كفاية النفس ومن تجب نفقته.
٢ - (ومنها): بيان كون اليد العليا -وهي المنفقة- خيرًا من اليد السفلى -وهي السائلة- كما سبق تمام البحث فيه.
٣ - (ومنها): أن فيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة بخلاف نفقة غيرهم.
٤ - (ومنها): بيان الابتداء بالأهمّ، فالأهمّ في الأمور الشرعيّة.
٥ - (ومنها): أن فيه الأمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله -ﷺ-: "عن ظهر غنى":
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٥٥ كتاب "النفقات" رقم (٥٣٥٦).
[ ١٩ / ٥٨٤ ]
قال في "الفتح": معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته.
قال الخطابيّ: لفظ الظهر يَرِدُ في مثل هذا إشباعًا للكلام، والمعنى: أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده: "وابدأ بمن تعول".
وقال البغويّ: المراد غِنًى يَستَظهِر به على النوائب التي تنوبه، ونحوه قولُهُم: رَكِبَ متن السلامة، والتنكير في قوله: "غِنًى" للتعظيم، هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة.
وقيل: "عن" للسببية، والظهر زائد؛ أي خير الصدقة ما كان سببها غِنًى في المتصدق (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى": أي ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس، وحقوق العيال. وقال الخطّابيّ: أي متبرّعًا، أو عن غئًى يعتمده، ويستظهر به على النوائب. والتأويل الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار؛ إذ قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٩]، وقد روي أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيفٌ، فنَوّمَ صبيانه، وأطفأ السّراج، وآثر الضيف بقوْتهم (^٢)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية [الإنسان: ٨]. أي على شدّة الحاجة إليه، والشهوة له، ولا شكّ أن صدقةَ مَن هذه حاله أفضل. وفي حديث أبي ذرّ -﵁-: "أفضل الصدقة جهد مقلّ" (^٣)، وفي حديث أبي هريرة -﵁-: "سبق درهم مائة ألف … " (^٤).
فقد أفاد مجموع ما ذكرنا أن صدقة المؤثر، والمقلّ أفضل، وحينئذ يثبت
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٢) أخرجه البخاريّ في "صحيحه" في تفسير سورة الحشر.
(٣) حديث صحيح أخرجه النسائيّ، بلفظ "فأيّ الصدقة أفضل؟ قال "جهد المقلّ".
(٤) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ وغيره.
[ ١٩ / ٥٨٥ ]
التعارض بين هذا المعنى، وبين قوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" على تأويل الخطّابيّ، فأما على ما أوّلنا به الغنى، فيرتفع التعارض. وبيانه أن الغِنَى يُعنى به في الحديث حصول ما تُدفع به الحاجة الضروريّة، كالأكل عند الجوع المشوّش، الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدّق، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره بذلك أدّى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقّه أولى على كلّ حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضلَ؛ لأجل ما يتحمّل من مضض الفقر، وشدّة مشقّته. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي وجّه به القرطبيّ ﵀ هذا الحديث حسنٌ جدًّا، حيث تجتمع به الأدلّة، ويندفع به التعارض بينها.
وحاصله أن المراد بالغنى في قوله: "ما كان عن ظهر غنى" الغنى الذي يقوم معه على حقوق نفسه، وحقوق العيال، من دفع الحاجات الضروريّة التي لا بدّ للإنسان، كالأكل من جوع، واللبس من عري، ونحوهما، فما كان بعد ذلك من الصدقة، فهو أفضل؛ للنصوص التي وردت في مدح الإيثار، وإن كان معه نوع احتياج، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التصدّق مع الحاجة إلى المال:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": ومن تصدّق، وهو محتاجٌ، أو أهله محتاجٌ، أو عليه دين، فالدين أحقّ أن يُقضَى من الصدقة، والعتق، والهبة، وهو ردّ عليه، ليس له أن يُتلِفَ أموال الناس، قال النبيّ -ﷺ-: "من أخذ أموال الناس يُريد إتلافها أتلفه الله"، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصةٌ، كفعل أبي بكر -﵁- حين تصدّق بماله. وكذلك آثر الأنصار المهاجرين. ونهى النبيّ -ﷺ- عن إضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب بن مالك -﵁-: قلت: يا
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٨٠ - ٨١.
[ ١٩ / ٥٨٦ ]
رسول الله، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله، وإلى رسوله -ﷺ-، قال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك"، قلت: أُمسِك سهمي الذي بخيبر. انتهى كلام البخاريّ ﵀ (^١).
وقال النوويّ ﵀: قد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحبٌّ لمن لا دَينَ عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يَجْمَع هذه الشروط فهو مكروه.
وقال القاضي عياض ﵀: جَوّز جمهور العلماء، وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يُرَدُّ جميعها، وهو مرويّ عن عمر بن الخطاب -﵁-، وقيل: يُنَفَّذ في الثلث، هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدّت الزيادة، وهو محكيّ عن مكحول، قال أبو جعفر الطبريّ: ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله، وأن يقتصر على الثلث. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قال الطبريّ وغيره: قال الجمهور: من تصدّق بماله كلّه في صحّة بدنه وعقله، حيث لا دينَ عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيالٌ يصبرون أيضًا، فهو جائزٌ، فإن فُقد شيء من هذه الشروط كُرِه، وقال بعضهم: هو مردودٌ. ورُوي عن عمر -﵁-، حيث رَدّ على غيلان الثقفيّ قسمة ماله.
ويمكن أن يُحتجّ له بقصّة المدبّر، الذي أخرجه الشيخان، عن جابر -﵁-، قال: أعتق رجل من بني عُذْرَة، عبدًا له، عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ-، فقال: "ألك مال غيره؟ "، فقال: لا، فقال رسول الله -ﷺ-: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي، بثمان مائة درهم، فجاء بها رسول الله -ﷺ-، فدفعها إليه، ثم قال: "ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول: بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك". وفي لفظ للبخاريّ: "أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج … " الحديث.
_________________
(١) راجع: "صحيح البخاريّ" ٤/ ٤٥ بنسخة "الفتح".
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٥.
[ ١٩ / ٥٨٧ ]
فهذا الحديث يدلّ على أن من تصدّق، وهو محتاج يردّ عليه، ولا تنفذ صدقته.
وقال آخرون: يجوز من الثلث، ويُردّ عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعيّ، ومكحول. وعن مكحول أيضًا يُردّ ما زاد على النصف.
قال الطبريّ ﵀: والصواب عندنا الأول، من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث، جمعًا بين قصّة أبي بكر، وحديث كعب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قال الإمام البخاريّ ﵀ هو الأرجح، وحاصله أن من تصدّق بماله، وهو محتاجٌ، أو أهله، أو عليه دينٌ، بطلت صدقته، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، كفعل أبي بكر -﵁-، وبهذا تجتمع الأدلّة، من غير تعارض، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٧] (١٠٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة الثبت الفقيه، رأس [٨] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
_________________
(١) راجع "الفتح" ٤/ ٤٥ - ٤٧.
[ ١٩ / ٥٨٨ ]
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٤٩) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (سَعِيدُ) بن المسيِّب بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
و"حكيم بن حزام" -﵁- ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتّحادهما في التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٥ - (ومنها): أن عروة وسعيدًا كلاهما من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) -﵁-، وفي رواية النسائيّ: "عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد وعروة سمعا حكيم بن حزام يقول … "، وفي رواية البخاريّ عن عليّ ابن المدينيّ، قال: "حدّثنا سفيان، قال: سمعت الزهريّ يقول: أخبرني عروة وسعيد بن المسيب، عن حكيم بن حزام قال … " (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-) أي المال (فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ) -ﷺ-، وفي رواية للنسائيّ: "ثم قال رسول الله -ﷺ-: يا حكيم ("إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الضاد المعجمة، قال في "القاموس": والْخَضِرُ، كَكَتِفٍ: الْغُصْنُ، والزرع، والْبَقْلَةُ الْخَضْرَاء، كالْخَضِرَة، والْخَضِيرِ. انتهى. (حُلْوَةٌ) بضمّ، فسكون: ضدّ الْمُرّة.
قال الزركشيّ ﵀: تأنيث الخبر تنبيهٌ على أن المبتدأ مؤنّثٌ، والتقدير: أن صورة هذا المال، أو يكون التأنيث للمعنى؛ لأنه اسمٌ جامعٌ لأشياء كثيرة،
[ ١٩ / ٥٨٩ ]
والمراد بالخَضِرَة الروضة الخضراء، أو الشجرة الناعمة، والحلوة المستحلاة الطعم. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": التأنيث: إما باعتبار الأنواع، أو الصورة، أو تقديرُهُ: كالفاكهة الخَضِرَة الحُلْوَة، شبّهَ المالَ في الرغبة فيه بها، فإن الأخضر مرغوب من حيث النظر، والحلو من حيث الذّوقُ، فإذا اجتمعا زادا في الرغبة.
حاصله أن التشبيه في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذّة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشدّ، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى، ولا تراد للبقاء. انتهى (^٢)
وقال النوويّ ﵀: شبّه المال في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذَّة؛ فمان الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشدّ، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى، ولا تراد للبقاء. انتهى (^٣).
(فَمَنْ أَخَذَهُ) أي من أخذ المال الذي يُبذل له (بِطِيبِ نَفْسٍ) أي مع طيب نفس، فالباء للمصاحبة؛ يعني أنه أخذه من غير شَرَهٍ، ولا إلحاح، وفي رواية للبخاريّ: "فمن أخذه بسخاوة نفس"، قال في "العمدة":
[فإن قلت]: السخاوة إنما هي في الإعطاء، لا في الأخذ.
[قلت]: السخاوة في الأصل السهولة والسعة، قال القاضي عياض: فيه احتمالان: أظهرهما أنه عائدٌ إلى الآخذ؛ أي من أخذه بغير حرصٍ، وطمع، وإشراف عليه، والثاني: إلى الدافع؛ أي من أخذه ممن يدفعه منشرحًا بدفعه، طيّب النفس. انتهى (^٤).
(بُورِكَ لَهُ فِيهِ) أي جعل الله تعالى البركة له في ذلك المال (وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) "الإشراف" على الشيء: الاطّلاع عليه، والتعرّض له، وقيل: معنى إشراف النفس أن المسؤول يُعطيه عن تكرّه، وقيل: يريد به شدّة حرص
_________________
(١) "زهر الربى في شرح المجتبى" ٥/ ٦٠.
(٢) "عمدة القاري" ٩/ ٥٢.
(٣) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٦.
(٤) عمدة القاري ٩/ ٥٢.
[ ١٩ / ٥٩٠ ]
السائل، وإشرافه على المسألة (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ) الضمير في "له" يرجع إلى الآخذ، وفي "فيه" إلى المال المأخوذ، وإنما لم يبارك له فيه؛ لأنه لم يمنع نفسه عن المسألة التي هي مذمومة شرعًا، ولم يصُنْ ماء وجهه، فعوقب بعدم البركة فيما أخذ.
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: إشراف النفس تطلعها إليه، وتعرّضها له، وطمعها فيه، وأما طيب النفس فذكر القاضي فيه احتمالين: أظهرهما أنه عائد على الآخذ، ومعناه: من أخذه بغير سؤال، ولا إشراف وتطلّع بورك له فيه، والثاني أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: من أخذه ممن يدفع مُنْشَرِحًا بدفعه إليه طَيِّب النفس، لا بسؤال اضطَرَّه إليه أو نحوه، مما لا تطيب معه نفس الدافع. انتهى.
وقال الطيبيّ ﵀بعد ذكر القاضي هذا-: لَمّا وَصَفَ المال بما تميل إليه النفس الإنسانيّة بجبلّتها، رَتّب عليها بالفاء أمرين:
[أحدهما]: تركها مع ما هي مجبولة عليه من الحرص والشَّرَه، والميل إلى الشهوات، وإليه أشار بقوله: "ومن أخذه بإشراف نفس".
[وثانيهما]: كفّها عن الرغبة فيها إلى ما عند الله من الثواب، وإليه أشار بقوله: "بسخاوة نفس"، فكَنَى في الحديث بالسخاوة عن كفّ النفس من الحرص والشّرَه، كما كَنَى في الآية بتوقي النفس من الشحّ والحرص المجبولة عليه عن السخاء؛ لأن من توقّى من الشحّ يكون سخيًّا مفلحًا في الدارين، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. انتهى (^١).
(وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي لا ينقطع اشتهاؤه، فيبقى في حيرة الطلب على الدوام، ولا يقضي شهواته التي لأجلها طلبُهُ، فكان كمن به الجوع الكاذب، المسمَّى بجوع الكَلْب، كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا؛ لأنه يأكل من سقم، وكلما أكل زاد سقمًا، ولا يجد شبعًا، ويزعم أهل الطبّ أن ذلك من غلبة السوداء، ويسمّونها الشهوة الكلبيّة، وهي صفة لمن يأكل، ولا يشبع، قاله في "العمدة" (^٢).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥١٣.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٩/ ٥٢.
[ ١٩ / ٥٩١ ]
وقال النوويّ ﵀: قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع"، فقيل: هو الذي به داءٌ لا يَشْبَع بسببه، وقيل: يَحْتَمِل أن المراد التشبيه بالبهيمة الراعية. انتهى (^١).
وقوله: (وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى") تقدّم شرحه مستوفًى، وأن الصواب في معناه أن العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة.
زاد في رواية البخاريّ: "قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر -﵁- يدعو حكيمًا إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر -﵁- دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقّه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله -ﷺ- حتى توفي".
وقوله: "لا أرزأ" بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح الزاي، وبالهمزة، معناه: لا أَنْقُصُ ماله بالطلب، وفي "النهاية": ما رزأته: أي ما نقصته، وفي رواية لإسحاق: "قلت: فوالله لا تكون يدي بعدك تحت يدٍ من أيدي العرب".
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "لا أرزأ إلخ" أي لا أنقص بعدك مال أحد بالسؤال عنه، والأخذ منه، من الرزء، وهو النقصان، يقال: ما رزأته ماله: أي ما نقصته، ويُمكن أن يكون معناه: بعد سؤالك هذا، ويمكن أن يكون بمعنى غيرك. انتهى (^٢).
وقال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: لِمَ امتنع حكيم من الأخذ مطلقًا، وهو مبارك إذا كان بسعة الصدر، مع عدم الإشراف؟.
قلت: مبالغةً في الاحتراز؛ إذ مقتضى الجبِلَّة الإشراف والحرص، والنفس سراقة، والْعِرْق دَسّاس، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قاله في "العمدة".
وقوله: "فأبى أن يقبل منه" أي فامتنع حكيم أن يقبل عطاءً من أبي بكر في الأول، ومن عمر في الثاني، وجه امتناعه من أخذ العطاء مع أنه حقه؛ لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئًا فيعتاد الأخذ، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٦.
(٢) "الكاشف" ٥/ ١٥١٤.
[ ١٩ / ٥٩٢ ]
ففطمها عن ذلك، وترك ما يَرِيبه إلى ما لا يَرِيبه، ولأنه خاف أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله -ﷺ-؛ لأنه قال: "لا أرزأ أحدًا بعدك".
وقوله: "فقال عمر -﵁-: إني أشهدكم إلخ" إنما أشهد عمر -﵁- على حكيم؛ لأنه خشي سوء التأويل، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه، وأن أحدًا لا يستحق شيئًا من بيت المال إلا بعد أن يعطيه الإمام إياه، وفي "التوضيح": وأما قبل ذلك فليس بمستحقّ له، ولو كان مستحقًّا له لقضى عمر على حكيم بأخذه، ذلك يدلّ عليه قول الله تعالى حين ذكر قسم الصدقات، وفي أيّ الأقسام يُقْسَم أيضًا: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]، فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره.
وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال تشديدًا على غير المرضيّ من السلاطين؛ ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين، والتسبب إليها بالباطل، ويدلُّ على ذلك أن مَن سرق بيت المال يقطع، أو زنى بجارية من الفيء يُحَدّ، ولو استحَقَّ في بيت المال، أو في الفيء شيئًا عَلى الحقيقة قبل إعطاء السلطان له، لكانت شبهة تَدْرَأ الحدّ عنه.
قال العينيّ ﵀ بعد نقله ما قاله في "التوضيح" ما نصّه: قلت: جمهور الأمة على أن للمسلمين حقًّا في بيت المال والفيء، ولكن الإمام يقسمه على اجتهاده، فعلى هذا لا يجب القطع ولا الحد للشبهة. انتهى (^١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه المناسب -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: "حتى تُوُفّي" زاد إسحاق ابن راهويه في "مسنده" من طريق معمر بن عبد الله بن عروة مرسلًا: "أنه ما أخذ من أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا معاوية ديوانًا ولا غيره حتى مات لعشر سنين من إمارة معاوية"، وزاد إسحاق أيضًا في مسنده" من طريق معمر، عن الزهريّ: فمات حين مات، وإنه لمن أكثر قريش مالًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٩/ ٥٣.
[ ١٩ / ٥٩٣ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام -﵁- هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٧] (١٠٣٥)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٨ و١٤٧٢) و"الوصايا" (٢٧٥٠) و"فرض الخمس" (٣١٤٣) و"الرقاق" (٦٤٤١)، و(أبو داود) في "الزكاة" (١٦٧٦)، و(الترمذيّ) في "صفة القيامة" (٢٤٦٣)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣١ و٢٦٠١ و٢٦٠٢ و٢٦٠٣) و"الكبرى" (٢٣١٠ و٢٣٨٢ و٢٣٨٣ و٢٣٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٨٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٣٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦٥٠٢ و٧٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٩٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ١٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون اليد العليا -وهى المنفقة خيرًا من اليد السفلى- وهي السائلة - كما سبق تمام البحث فيه قريبًا.
٢ - (ومنها): ما قاله المهلّب ﵀: إن سؤال السلطان الأكبر ليس بعار.
٣ - (ومنها): أن السائل إذا ألحف لا بأس بردّه، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص.
٤ - (ومنها): أن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة والضرورة؛ لأنه إذا كانت يده السفلى مع إباحة المسألة، فهوأحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الحاجة.
٥ - (ومنها): أن من كان له حقّ عند أحد، فإنه يأخذه إذا أتى، فإن كان مما لا يستحقّه إلا ببسط اليد فلا يجبر على أخذه.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة ﵀: قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها، تقول: سَخَتْ بكذا: أي جادت، وسَخت عن كذا: أي لم تلتفت إليه.
٧ - (ومنها): أن الأخذ مع سخاوة النفس يُحصِّل أجر الزهد، والبركة في الرزق، فظهر أن الزهد يُحَصِّل خيري الدنيا والآخرة.
[ ١٩ / ٥٩٤ ]
٨ - (ومنها): ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبيّن بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل، ولم يشبع، كان عَناءً في حقّه بغير فائدة، وكذلك المال، ليست الفائدة في عينه، وإنما هي لما يتحصّل به من المنافع، فإذا كثر المال عند المرء بغير تحصيل منفعة، كان وجوده كالعدم.
٩ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن لا يبيّن للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته؛ لتقع موعظته له الموقع؛ لئلا يتخيّل أن ذلك سبب لمنعه حاجته.
١٠ - (ومنها): جواز تكرار السؤال ثلاثًا، وجواز المنع في الرابعة.
١١ - (ومنها): أن ردّ السائل بعد ثلاث ليس بمكروه.
١٢ - (ومنها): أن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة.
١٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: في هذا الحديث، وما قبله، وما بعده الحثُّ على التعفف، والقناعة، والرضا بما تيسر في عَفَاف، وان كان قليلًا، والإجمال في الكسب، وأنه لا يُغْتَرّ الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه، فإنه لا يبارك له فيه، وهو قريب من قول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٨] (١٠٣٦) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى").
[ ١٩ / ٥٩٥ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٥ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، إلا في روايته عن يحيى بن كثير، فمضطرب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٦ - (شَدَّادُ) بن عبد الله القرشيّ، أبو عمّار الدمشقيّ، ثقةٌ يُرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٣٧.
٧ - (أَبُو أُمَامَةَ) صُدَيّ بن عَجْلان الباهليّ الصحابيّ المشهور، سكن الشام، ومات بها سنة (٨٦) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٣/ ١٨٧٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاقهم في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه نصر بن عليّ أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع.
شرح الحديث:
عن شَدَّادِ أبي عمّار أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) صُديّ بن عَجلان الباهليّ -﵁- (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ) أي إنفاق الزيادة على قدر الحاجة والكفاف، فـ "أن" مصدرية مع مدخولها مبتدأ، خبره قوله: (خَيْرٌ لَكَ) أي في الدنيا والآخرة.
[ ١٩ / ٥٩٦ ]
وقال النوويّ ﵀: معناه: إن بذلت الفاضل عن حاجتك، وحاجة عيالك فهو خير لك؛ لبقاء ثوابه. انتهى.
قيل: وفي التعبير بالفضل دون مطلق المال إشعار بأنه لا ينبغي له أن يبذل المال كلّه، وإنما يبذل ما فضل عنه؛ لئلا يضيّع من تجب عليه نفقته (^١)، فقد أخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو -﵂-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كفى بالمرء إثمًا أن يَحبس عمن يملك قوته"، ولفظ أبي داود: "كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيِّع من يقوت" (^٢).
(وَأَنْ) بالفتح مصدريّة أيضًا (تُمْسِكَهُ)؛ أي فإمساكك الفضل (شَرٌّ لَكَ) وذلك لأنه إن أمسك عن الواجب استَحَقَّ العقاب عليه، هان أمسك عن المندوب فقد نَقَصَ ثوابه، وفَوَّت مصلحة نفسه في آخرته، وهذا كله شرّ.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أن تبذل الفضل إلخ" يعني به الفاضل عن الكفاية، ولا شكّ في أن إخراجه أفضل من إمساكه، فأما إمساكه عن الواجبات فشرّ على كلّ حال، وأما إمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه: شرّ بالنسبة إلى ما فوّت الممسك على نفسه من الخير، وقد تقدّم بيان هذا المعنى في قوله -ﷺ-: "وشرّ صفوف الرجال آخرها"، وأن معنى ذلك أنها أقلّ ثوابًا. انتهى (^٣).
(وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ) بفتح الكاف: هو من الرزق القوت، وهو ما كَفّ عن الناس، وأغنى عنهم، والمعنى: لا تُذَمّ على حفظه وإمساكه، أو على تحصيله وكسبه، ومفهومه: إنك إن حفظت أكثر من ذلك، ولم تتصدق بما فضل عنك، فأنت مذموم وبخيل وملوم (^٤).
وقال النوويّ ﵀: معنى قوله: "ولا تلام على كَفَاف" أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه، وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حقّ شرعيّ، كمن كان له نصاب زكويّ، ووجبت الزكاة بشروطها، وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه
_________________
(١) راجع: "مرقاة المفاتيح" ٤/ ٣١٩.
(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح.
(٣) "المفهم" ٣/ ٨٢.
(٤) راجع: "مرقاة المفاتيح" ٤/ ٣١٩.
[ ١٩ / ٥٩٧ ]
وجب عليه إخراج الزكاة، ويُحَصِّل كفايته من جهة مباحة. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ولا تلام على كَفَاف" يُفهم منه بحكم دليل الخطاب أن ما زاد على الكفاف يتعرّض صاحبه للذّمّ. انتهى (^٢).
(وَابْدَأْ) أي ابتدئ في إعطاء الزائد على قدر الكفاف (بِمَنْ تَعُولُ) أي بمن تمونه، وتلزمك نفقته، وقال النوويّ: معنى "ابدأ بمن تعول" أن العِيَال والقرابة أحقّ من الأجانب، وقد سبق. انتهى.
(وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى") تقدّم شرح هذه الجملة مستوفًى في الحديث الماضي أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الباهليّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٨] (١٠٣٦)، و(الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٤٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٦٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٢ و١٩٨)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٢/ ٣٦٦) و"تهذيب الآثار" (١/ ٤٦ و٨٧)، و(الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ١٧٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أفضليّة بذل المال الفاضل عن حاجة الإنسان.
٢ - (ومنها): بيان ذمّ إمساك ما فضل عن الحاجة.
٣ - (ومنها): بيان أن الإنسان لا يُلام عن إمساكه كَفَافه؛ لأنه يكفّ به وجهه وعياله عن ذلّ السؤال.
٤ - (ومنها): وجوب بدء الإنسان في الصدقة بمن يعولهم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٢٧.
(٢) "المفهم" ٣/ ٨٢.
[ ١٩ / ٥٩٨ ]
٥ - (ومنها): بيان أن اليد العليا، وهي المنفقة خير من اليد السفلى، هي السائلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.