وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥٧] (٨٨٤) - (وَحَدَّثَنَا (^١) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا (^٢)، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا، وَتُلْقِي سِخَابَهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ" معاذ بن معاذ بن نصر الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (عَدِيُّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (متها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما".
[ ١٧ / ٤٧٣ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة، والفقهاء والمكثرين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ) شكّ من الراوي، ولعلّهَ من شعبة، وفي رواية البخاريّ: "خرج يوم الفطر"، وللنسائيّ: "خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ" (فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ) أي: صلّى صلاة العيد ركعتين (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا) إنما أفرد الضمير مع أن المرجع قوله: "ركعتين" باعتبار أنهما صلاة واحدة، ووقع في بعض النسخ: "لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما" (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ) أي: صفوفهنّ (وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا) - بضم الخاء المعجمة، وحكي كسرها، وسكون الراء، بعدها صاد مهملة -: هو الحلقة من الذهب، أو الفضة، وقيل: هو القُرْط؛ إذا كان بحبة واحدة.
(وَتُلْقِي سِخَابَهَا) - بكسر المهملة، ثم معجمة، ثم موحدة -: هو قِلادة من عَنْبَر، أو قَرَنفُل، أو غيره، ولا يكون فيه خَرَز، وقيل: هو خيط، فيه خَرَزٌ، وسُمِّي سِخَابًا؛ لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، يقال: بالصاد والسين.
وقال النوويّ -﵀-: "السِّخَابُ": - بكسر السين، وبالخاء المعجمة -: هو قِلادة من طِيب مَعْجُون على هيئة الْخَرَز، يكون من مِسْكٍ، أو قَرَنْفُل، أو غيرهما من الطيب، ليس فيه شيء من الجوهر، وجمعه سُخُبٌ، ككِتَاب وكُتُبٍ. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ١٨١.
[ ١٧ / ٤٧٤ ]
والحديث دليل على عدم التنفّل قبل صلاة العيد وبعدها.
قال في "الفتح": وقد اختَلَف السلف في ذلك، فذكر ابن المنذر، عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلّون بعدها، لا قبلها، والبصريون يصلّون قبلها، لا بعدها، والمدنيون لا قبلها، ولا بعدها. وبالأول قال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وبالثاني قال الحسن البصريّ، وجماعة، وبالثالث قال الزهريّ، وابن جريج، وأحمد.
وأما مالك فمنعه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان. وقال الشافعي في "الأمّ" ونقله عنه البيهقيّ في "المعرفة" بعد أن رَوَى حديث ابن عباس حديثَ الباب ما نصه: وهكذا يجب للإمام أن لا يتنفّل قبلها، ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، ثم بسط الكلام في ذلك. وقال الرافعي: يكره للإمام التنفّل قبل العيد وبعدها، وقيّده في "البويطيّ" بالمصلّى، وجرى على ذلك الصيمريّ، فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مطلقًا، إلا للإمام في موضع الصلاة، وأما النوويّ في "شرح مسلم"، فقال: قال الشافعيّ، وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها، ولا بعدها، فإن حُمِل كلامه على المأموم فهو مخالف لنصّ الشافعيّ المذكور، ويؤيد ما في "البويطيّ" حديث أبي سعيد: "أن النبيّ - ﷺ - كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزلة صلى ركعتين"، أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم، وبهذا قال إسحاق، ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنقل في المصلى.
وقال ابن العربيّ: التنفل في المصلى لو فُعل لَنُقل، ومن أجازه رأى أنه وقتٌ مطلقٌ للصلاة، ومن تركه رأى أن النبيّ - ﷺ - لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى. انتهى.
والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها، ولا بعدها، خلافًا من قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاصّ، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح".
[ ١٧ / ٤٧٥ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما أشار إليه ابن العربيّ -﵀- هو الأرجح.
وحاصله عدم مشروعية التنفّل في المصلَّى؛ لعدم ثبوته عن النبيّ - ﷺ -، وسيأتي تحقيق القول في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس بهذا مُتَفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٠٥٧ و٢٠٥٨] (٨٨٤)، و(البخاريّ) في "العيدين" (٩٦٤ و٩٨٩ و١٤٣١ و٥٨٨١ و٥٨٨٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٥٩)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٣٧)، و(النسائيّ) في "العيديين" (١٥٨٧) و"الكبرى" (١٧٩٢)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٨٠ و٣٤٠ و٣٥٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦١٣ و١٦١٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٣٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة قبل صلاة العيد، وبعدها:
قال الإمام ابن المنذر -﵀-: ثابت عن رسول الله - ﷺ - أنه خرج في يوم فطر، أو أضحى، فصلّى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها.
وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: لا يُصَلَّى قبلها، ولا بعدها، وممن كان لا يصلي قبلها، ولا بعدها ابن عمر، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وابن أبي أوفى، وجابر بن عبد الله، ورَوينا عن عبد الله بن عمروأنه قال في الصلاة قبل العيد: ليس قبله، ولا بعده.
ورأت طائفة أن يُصَلَّى قبلها وبعدها، هذا قول أنس بن مالك، ورُوي عن أبي هريرة. وهو قول الحسن البصريّ، وأخيه سعيد، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير، وبه قال الشافعي، وقال عطاء: إذا طلعت الشمس فصلّ.
[ ١٧ / ٤٧٦ ]
وفيه قول ثالث: وهو أن يصلي بعدها، ولا يصلي قبلها، روينا عن أبي مسعود البدري أنه قال في يوم عيد: أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا حتى يخرج الإمام. وروينا عن ابن مسعود أنه صلى بعد العيدين أربعًا.
وممن مذهبه أن يصلَّى بعدها، ولا يصلى قبلها علقمة، والأسود، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وسعيد، وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن الأوزاعيّ أنه قال: اجتمعت العامّة على أن لا صلاة قبل خروج الإمام يوم الفطر والأضحى، وبُصَلَّى بعدُ.
وفيه قول رابع: وهو كراهية الصلاة في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها، والرخصة في الصلاة في غير المصلى، هذا قول مالك، وكان إسحاق يقول: الفطر والأضحى ليس قبلهما صلاة، ويُصَلِّى بعدهما أربع ركعات، يفصل بينهنّ إذا رجع إلى بيته، ولا يصلي في الجَبّان أصلًا؛ لأن النبيّ - ﷺ - صلى ركعتين يوم الفطر، لم يصلّ قبلها ولا بعدها. ثم رجّح ابن المنذر قول من أباح الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، راجع كلامه في كتابه (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بعدم مشروعيّة الصلاة قبل صلاة العيد، أو بعدها؛ لعدم ثبوته عن النبيّ - ﷺ -، وأصرح دليل على ذلك قول أبي مسعود - ﵁ - فيما رواه النسائيّ بإسناد صحيح: "يا أيها الناس إنه ليس من السنة أن يُصَلَّى قبل الإمام"، فإنه من أهل اللغة يَفهَم مقاصد الشريعة، وقد أنكر على من رآهم يصلّون قبل صلاة العيد، وقال لهم: إنها ليست من السنة، فلا أدلّ على عدم مشروعيتها من قوله: "ليس من السنّة … إلخ".
والحاصل أنه لا يُشرع التنفّل قبل صلاة العيد، ولا بعدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الأوسط" ٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
[ ١٧ / ٤٧٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥٨] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس الأوديّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) ضمير التثنية لابن إدريس وغُندر.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد شعبة السابق، ونحوه حديثه.
[تنبيه]: رواية ابن إدريس، عن شعبة هذه ساقه النسائيّ -﵀-، فقال: (١٥٨٧) أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشجّ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: أنبأنا شعبة، عن عديّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبيّ - ﷺ - خرج يوم العيد، فصلى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها". انتهى.
وأما رواية غندر، عن شعبة، فقد ساقها الإمام أحمد -﵀- مقرونًا ببهز، فقال: (٣١٤٣) حدّثنا محمد بن جعفر، وبهز قالا: حدّثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال بهز: أخبرني عديّ بن ثابت، قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - خرج يوم أضحى، أو يوم فطر، قال: وأكبر ظني أنه قال: يوم فطر، فصلى ركعتين، لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي خُرْصها، وسِخَابها، ولم يشكّ بهزٌ قال: "يوم فطر"، وقال: "صِخَابها". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٧ / ٤٧٨ ]