وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٧١] (١٥٠٤) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِي جَارِيةً تُعْتِقُهَا، فَقَالَ: أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٤١) من رباعيّات الكتاب.
_________________
(١) تقدّم أنها مختصرة من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
[ ٢٦ / ٤٩٠ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵁ - (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، قال الحافظ وليّ الدين ﵀: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ من هذا الوجه من طريق مالك - يعني عن نافع، عن ابن عمر أن عائشة أرادت إلخ - وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، هو النيسابوريّ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة: أنها أرادت، فجعله من مسند عائشة، وكذا رواه الشافعيّ، عن مالك، فيما رواه عنه الربيع، ومن طريقه البيهقيّ في "السنن الكبرى"، و"المعرفة"، وحَكَى ابن عبد البرّ الأول عن أكثر رواة "الموطإ"، والثاني عن رواية يحيى بن يحيى، كما ذكرته، وقد عرفتَ موافقة الشافعيّ له.
ولا يقال: مذهب الجمهور أنّ حكم "أَنَّ" حكمُ "عَنْ"، فلا تفاوت بين اللفظين؛ لأن ذلك إنما هو لو قال ابن عمر: أن عائشة قالت، فأسند القصة إليها، وهو في اللفظ المشهور لم يُسند القصة إليها، وإنما حكاها من نفسه، ولعائشة - ﵂ - فيها مجرد ذِكْر، وعلى كل حال فالحديث صحيحٌ متصلٌ، وقد رُوي حديث عائشة هذا عنها من طُرُق منتشرة، وقال ابن عبد البرّ: ليس في شيء من أخبار بريرة أصحّ من هذا الإسناد، عن ابن عمر - ﵄ -. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (^١).
(أنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِي جَارِيةً) هذه الجارية هي بريرة بنت صفوان، كما سيأتي، وكانت مكاتَبة، وهذا يدلّ على جواز بيع المكاتب، وقد اختُلف فيه على أقوال: الجواز، والمنع، والتفصيل بين أن يبيعه للعتق، فيجوز، أو للاستخدام فيمتنع، وسيأتي تمام البحث قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(تُعْتِقُهَا) بضمّ أوله، من الإعتاق رباعيًّا (فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا) أي: بشرط أن يبقى ولاؤها لنا، ولا ينتقل إليك بالبيع (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) أي: ما اشترطه أهل بريرة، من بقاء الولاء لهم (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ - ("لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ) الظاهر أن "لا" نافية، والفعل مرفوع، لكن قال وليّ الدين: قوله: "لا يمنعكِ" بالجزم على النهي، قال الخطابيّ: معناه إبطال
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٦/ ٢٣٣.
[ ٢٦ / ٤٩١ ]
ما شرطوه من الولاء لغير المعتِق، وقال وليّ الدين: ظاهره أنه لم يَرَ ما أرادوه من اشتراط الولاء للبائع مانعًا من الشراء على الوجه الذي أرادوه، فإن اشتراط ذلك لا يضرّ شيئًا؛ لأن حكم الشرع أن الولاء للمعتِق، فلا يضرّ اشتراط خلافه، وقد ورد التصريح بذلك في قوله في حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "اشتريها، وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق"، وهي في "الصحيحين".
وفي ذلك إشكال من وجهين:
[أحدهما]: أن البيع يفسد باشتراط الولاء لهم، كما تقدم، فكيف يثبت مع ذلك عتق وولاء؟
[الثاني]: كيف يَأذَن لها في اشتراط ما لا يصحّ، ولا يحلّ للمشترطين، وفي ذلك خِدَاعٌ لهم، يصان عنه الشرع، ولهذا أنكر بعضهم هذا اللفظ، وذلك مَحْكِيٌّ عن يحيى بن أكثم، وهذا ضعيفٌ؛ لثبوته في "الصحيحين"، كما تقدم، وقال بعضهم: اللام في قوله: "لهم" بمعنى "على"؛ أي: اشترطي عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]، وهذا محكيّ عن الشافعيّ، والمزنيّ، وضعّفه بعضهم، فإنه - ﷺ - أنكر عليهم الاشتراط، ولو كان كما قاله صاحب هذا التأويل لم ينكره.
وقد يجاب عن هذا بأنه إنما أنكر ما أرادوا اشتراطه في أول الأمر.
وقيل: إن المراد بالاشتراط هنا ترك المخالفة لِمَا شرطه البائع، وعدم إظهار النزاع فيه، وقد يُعَبَّر عن التخلية بصيغة تدلّ على الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقيل: إن ذلك عقوبة لمخالفتهم حكم الشرع بعد معرفتهم به، فعاقبهم في المال بتحسير ما نقصوا من الثمن في مقابلة كون الولاء لهم.
وقيل: معنى اشترطي لهم الولاء: أظهري حكم الولاء، ومنه أشراط الساعة.
وقيل: المراد الزجر والتوبيخ لهم؛ لأنه - ﷺ - كان بيّن لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط غير جائز، فلما ألَحُّوا في اشتراطه، ومخالفة الأمر، قال لعائشة هذا الكلام، بمعنى لا تبالي، سواء شرطتيه أم لا، فإنه شرط باطل
[ ٢٦ / ٤٩٢ ]
مردودٌ؛ لأنه قد سبق بيان ذلك لهم، فعلى هذا لا تكون لفظة "اشترطي" هنا للإباحة.
وقيل: كان يباح اشتراط الولاء للبائع، مع كونه لا يثبت له، ثم نُسخ بخطبة النبيّ - ﷺ -، وهذا جواب ابن حزم الظاهريّ.
وقال النوويّ في "شرحه": الأصح في تأويل الحديث ما قاله أصحابنا في كتب الفقه: إن هذا الشرط خاصّ في قصّة عائشة، واحتُمِل هذا الإذن وإبطاله في هذه القضية الخاصة، وهي قضية عين لا عموم لها، قالوا: والحكمة في إذنه فيه، ثم إبطالِهِ أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك، وزجرهم عن مثله، كما أذن لهم - ﷺ - في الإحرام بالحجّ في حجة الوداع، ثم أمرهم بفسخه، وجَعْلِهِ عمرةً بعد أن أحرموا بالحجّ، وإنما فَعَلَ ذلك؛ ليكون أبلغ في زجرهم، وقطعهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد تُحْتَمَل المفسدة اليسيرة؛ لتحصيل مصلحة عظيمة. انتهى.
وإذا عَرَفت هذه الأجوبة، تبيّن لك ضعف استدلال مَن استدلّ به على اختصاص البطلان بالشرط الفاسد، وأن ذلك لا يتعدى إلى العقد، بل يكون العقد صحيحًا، والشرط فاسدًا، وقد استَدَلّ به على ذلك النسائيّ، وبهذا قال ابن أبي ليلى، وطائفة، والجمهور على خلافه. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: في تضعيفه استدلال النسائيّ بالحديث على ما قاله نظرٌ، بل إن استدلاله جيّدٌ، كما لا يخفى على من تأمله، والله تعالى أعلم.
(فَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ") قال وليّ الدين ﵀: كلمة "إنّما" للحصر، ولولا ذلك لَمَا لزم في إثبات الولاء للمعتِق نفيه عن غيره، لكنها ذُكرت لبيان نفيه عمن لم يُعْتِق، فدلّ على أن مقتضاها الحصر. إذا تقرّر ذلك، ففيه أنه لا ولاء للإنسان على من أسلم على يديه، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، وداود، والجمهور.
وقال أبو حنيفة، وربيعة، والليث بن سعد: من أسلم على يديه رجلٌ،
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
[ ٢٦ / ٤٩٣ ]
فولاؤه له، وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ: إن كان حربيًّا فولاؤه للذي أسلم على يديه، وإن كان ذميًّا فللمسلمين عامةً. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر، عن عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٣٧٧١] (١٥٠٤)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٥٦ و٢١٦٩) و"الفرائض" (٦٧٥٢ و٦٧٥٧ و٦٧٥٩)، و(أبو داود) في "الفرائض" (٢٩١٦)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ١٦٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨ و٣٠ و١٠٠ و١١٣ و١٤٤ و١٥٦)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٨٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٣٦ و٢٤٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٢٩٨) و"الصغرى" (٩/ ٣٤٩) و"المعرفة" (٧/ ٥٥٧)، وبقيّة المسائل تأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٧٧٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ، تَسْتَعِينُهَا فِي كتَابَتِهَا، ولَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِك، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أقضِيَ عَنْكِ كتَابَتَك، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُك، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ابْتَاعِي، فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "مَا بَالُ أُناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كتَابِ اللهِ؛ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كتَابِ الله، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ، وَأَوْثَقُ").
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٢٣٧.
[ ٢٦ / ٤٩٤ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ بَرِيرَةَ) - بفتح الموحّدة، بوزن فَعِيلة - مشتقّةٌ من البَرِير، وهو ثمر الأراك، وقيل: فَعِيلةٌ، من البرّ، بمعنى مفعولة، كمبرورة، أو بمعنى فاعلة، كرحيمة، هكذا وجّهه القرطبيّ، والأول أولى؛ لأنه - ﷺ - غيّر اسم جُويرية، وكان اسمها برّة، وقال: "لا تزكّوا أنفسكم"، فلو كانت بَرِيرة من البرّ لشاركتها في ذلك.
وكانت بريرةُ مولاةً لقوم من الأنصار، وقيل: لآل عُتبة بن أبي لهب، وقيل: لبني هلال، وقيل: لآل أبي أحمد بن جحش، قال الحافظ: وفي هذا القول نظرٌ، فإن زوجها هو الذي كان مولى أبي أحمد بن جحش، والقول الثاني خطأ، فإن مولى عُتبة سأل عائشة عن حكم المسألة، فذكرت له قصّة بريرة، أخرجه ابن سعد، وأصله عند البخاريّ، فاشترتها عائشة، فأعتقتها، وكانت تخدم عائشة - ﵂ - قبل أن تشتريها، وتعتقها، وعاشت إلى خلافة معاوية، وتفرّست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة، فبشّرته بذلك، ورَوَى هو ذلك عنها، فقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ من طريق عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه أن عبد الملك بن مروان، قال: كنت أُجالس بَرِيرة بالمدينة، فكانت تقول لي: يا عبد الملك، إني أرى فيك خصالًا، وإنك لخليقٌ أن تلي هذا الأمر، فإن وليته، فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الرجل لَيُدفَع عن باب الجنّة بعد أن ينظر إليه بملء مِحْجَمة، من دم يريقه من مسلم بغير حقّ". أفاده في "الإصابة" (^١)، و"الفتح" (^٢).
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: وقيل: إنها نَبَطيّةٌ - بفتح النون، والموحّدة - وقيل: إنها قِبْطِيّةٌ - بكسر القاف، وسكون الموحّدة - وقيل: إن
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" (٨/ ٥٠).
(٢) "الفتح" ٦/ ٤٠١ "كتاب المكاتب" رقم (٢٥٦١).
[ ٢٦ / ٤٩٥ ]
اسم أبيها صفوان، وإنّ له صحبةً. واختُلف في مواليها، ففي رواية أُسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة: أنّ بَريرة كانت لناس من الأنصار، وكذا عند النسائيّ من رواية سماك، عن عبد الرحمن، ووقع في بعض الشروح: لآل أبي لَهَب، وهو وَهَمٌ من قائله، انتقل وهمه من أيمن أحد رواة قصّة بَريرة، عن عائشة إلى بَرِيرة، وقيل: لآل بني هلال، أخرجه الترمذيّ، من رواية جرير، عن هشام بن عروة. انتهى (^١).
(جَاءَتْ عَائِشَةَ، تَسْتَعِينُهَا) جملة حاليّة من الفاعل (فِي كِتابَتِهَا) متعلّق بما قبله؛ أي: في أداء بدل كتابتها، وفي الرواية التالية: "عن عائشة أنها قالت: جاءت بريرة إليّ، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كلّ عام أوقيّة" (وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا) أي: لم تكن أدّت من بدل كتابتها إلى مواليها شيئًا (فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي اِلَى أَهْلِك، فَإنْ أَحَبُّوا أَنْ أقضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ) أي: أأدّي عنك بدل كتابتك إليهم (ويكُونَ وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ) ذلك، وفي الرواية الآتية بعد حديث: "فقلت لها: إن شاء أهلك أن أعدّها لهم عَدّةً واحدةً، وأُعتقك، ويكون الولاء لي فعلتُ".
قال في "الفتح": وظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال الكتابة، ولم يقع ذلك؛ إذ لو وقع ذلك لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقها غيرها، وقد رواه أبو أسامة، عن هشام بلفظ يزيل الإشكال، فقال بعد قوله: "أن أعدّها لهم عدّة واحدة، وأُعتقك، ويكون ولاؤك لي فعلت"، وكذلك رواه وهيب، عن هشام، فَعُرف بذلك أنها أرادت أن تشتريها شراء صحيحًا، ثم تُعتقها، إذ العتق فرع ثبوت الملك.
ويؤيّده قوله في بقيّة حديث الزهريّ: "ابتاعي، فأعتقي"، وهو يفسّر قوله في رواية مالك، عن هشام: "خذيها"، ويوضّح ذلك أيضًا قوله في طريق أيمن: "دخلت عليّ بريرة، وهي مكاتبة، فقالت: اشتريني، وأعتقيني، قالت: نعم"، وقوله في حديث ابن عمر: "أرادت عائشة أن تشتري جارية، فتُعتقها"،
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥٠٨ "كتاب الطلاق".
[ ٢٦ / ٤٩٦ ]
وبهذا يتّجه الإنكار على موالي بريرة؛ إذ وافقوا عائشة على بيعها، ثمّ أرادوا أن يشترطوا أن يكون الولاء لهم.
ويؤيّده قوله في رواية أيمن: "قالت: لا تبيعوني حتى تشترطوا ولائي"، وفي رواية الأسود، عن عائشة: "اشتريتُ بريرةَ لأعتقها، فاشترط أهلها ولاءها". انتهى (^١).
(فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا) المراد بالأهل هنا السادة، والأهل في الأصل الآل، وفي الشرع: من تلزمه نفقته على الأصحّ عند الشافعيّة، قاله في "الفتح". (فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ) أي: تطلب الأجر من الله تعالى، قال الفيّوميّ ﵀: احتسب الأجر على الله: ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم: الْحِسْبَةُ بالكسر، واحتَسَبْتُ بالشيء: اعتَدَدتُ به. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير ﵀: الاحتسابُ من الْحَسْب؛ كالاعتداد من الْعَدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن لَه حينئذ أن يَعتدّ عمله، فجُعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والْحِسْبة اسم من الاحتساب؛ كالْعِدّة من الاعتداد، والاحتساب في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات: هو الْبِدَارُ إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها. انتهى (^٣).
(فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُك، فَذَكَرَتْ) عائش - ﵂ - (ذَلِكَ) أي: ما قاله أهل بريرة لبريرة (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ابْتَاعِي، فَأَعْتِقِي) أي: اشتري بريرة، فأعتقيها، وفي رواية: "خذيها، فأعتقيها"، وفي حديث ابن عمر الماضي: "لا يمنعك ذلك".
ثم علّل ذلك بقوله: (فَإنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ") الفاء فيه تعليليّة؟ أي: لأن الولاء لمن أعتق المملوك، لا لمن باعه، قال في "الفتح": كلمة "إنما"
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٠٢ رقم (٢٥٦١).
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٣٥.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ١/ ٣٨٢.
[ ٢٦ / ٤٩٧ ]
للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره، واستُدلّ بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل، أو وقع بينه وبينه محالفةٌ؛ خلافًا للحنفيّة، ولا للملتقط، خلافًا لإسحاق، ويستفاد من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سائبة، خلافًا لمن قال: يصير ولاؤه للمسلمين، ويدخل فيمن أعتق: عتقُ المسلم للمسلم، وللكافر، وبالعكس ثبوت الولاء للمعتق. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إنما الولاء لمن أعتق" هذا حصرٌ للولاء على من باشر العتق بنفسه، من كان من رجلٍ، أو امرأة، من يصحّ منه العتق، ويستقلّ بتنفيذه، وقوّة هذا الكلام قوّة النفي والإيجاب، فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق، وإياه عنى النبيّ - ﷺ - بقوله: "شرط الله أوثق" في أصحّ الأقوال، وأحسنها.
وقال الداوديّ ﵀: هو قوله تعالى، وقال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
وهو حجة على أبي حنيفة، وأصحابه القائلين بأن من أسلم على يديه رجلٌ، فولاؤه له، وبه قال الليث، وربيعة، وعلى إسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط، وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة، ولمن قال: إن من أعتق عبده عن غيره، أو عن المسلمين إن ولاءه له، أعني للمعتق، وإليه ذهب ابن نافع فيمن أعتق عن المسلمين، ويلزمه فيمن أعتق عن غيره مطلقًا، وخالفه في ذلك مالك، والجمهور، متمسّكين بأن مقصود الحديث بيان حكم من أعتق عن نفسه، بدليل اتفاق المسلمين على أن الوكيل على العتق مُعتقٌ، ومع ذلك فالولاء للمعتَق عنه إجماعًا، فكذلك حكم من أعتق عن الغير.
وتُقدّره الشافعيّة أنه ملّكه ثمّ ناب عنه في العتق، وأما المالكيّة، فإنهم
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٠٧ رقم (٢٥٦٣).
[ ٢٦ / ٤٩٨ ]
قالوا: لا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ لأنه يصحّ العتق عن الميت، وهو لا يملك، وفيه نظر، فإنه إن لم يقدّر الملك لزم منه هبة الولاء، وقد نَهَى النبيّ - ﷺ - عن بيع الولاء، وعن هبته، وإن قدّر الملك لم يصحّ العتق عن الميت؛ لأنه لا يملك. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
(ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية أبي أسامة، عن هشام الآتية: "قالت: ثم خطب رسول الله - ﷺ - عشيّةً، فحَمِد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فما أقوام يشترطون شُروطًا … ". (فَقَالَ: "مَا بَالُ أُنَاسٍ) أي: ما حالهم؟ وقوله: (يَشْتَرِطُونَ) جملة في محلّ جرّ على أنه صفة لـ"أناس"، أو في محلّ نصب على الحال منهم (شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ) المراد بما ليس في كتاب الله: ما خالف كتاب الله.
وقال ابن بطّال ﵀: المراد بكتاب الله هنا حكمه، من كتابه ﷿، أو سنّة رسوله - ﷺ -، أو إجماع الأمّة.
وقال ابن خزيمة ﵀: ليس في كتاب الله؛ أي: ليس في حكم الله جوازه، أو وجوبه، لا أن كلّ من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب يبطل؛ لأنه قد يُشترط في البيع الكفيل، فلا يبطل الشرط، ويُشترط في الثمن شروط من أوصافه، أو من نجومه، ونحو ذلك، فلا يبطل.
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: الشروط في البيع ونحوه أقسام:
[أحدها]: شرطٌ يقتضيه إطلاق العقد، بأن شرَطَ تسليمه إلى المشتري، أو تبقية الثمرة على الشجرة إلى أوان الجَداد، أو الردّ بالعيب.
[الثاني]: شرطٌ فيه مصلحةٌ، وتدعو إليه الحاجة؛ كاشتراط الرهن، والضمين، والخيار، وتأجيل الثمن، ونحو ذلك، وهذان القسمان جائزان، ولا يؤثّران في صحّة العقد، بلا خلاف.
[الثالث]: اشتراط العتق في العبد المبيع، أو الأمة، وهذا جائزٌ أيضًا عند الجمهور؛ لحديث عائشة - ﵂ -، وترغيبًا في العتق؛ لقوّته، وسرايته.
[الرابع]: ما سوى ذلك من الشروط، كشرطِ استثناء منفعة، وشرطِ أن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ٢٦ / ٤٩٩ ]
يبيعه شيئًا آخر، أو يُكريه داره، أو نحو ذلك، فهذا شرط باطلٌ، مبطلٌ للعقد، هكذا قال الجمهور، وقال أحمد: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ليس في كتاب الله"؛ أي: ليس مشروعًا في كتاب الله تأصيلًا، ولا تفصيلًا، ومعنى هذا أنّ من الأحكام، والشروط ما يؤخذ تفصيلها من كتاب الله؛ كالوضوء، وكونه شرطًا في صحّة الصلاة، ومنها ما يوجد فيه أصله؛ كالصلاة، والزكاة، فإنهما فيه مجملتان، ومنها ما يوجد أصل أصله، وهو كدلالة الكتاب على أصليّة السنّة، والإجماع، والقياس، فكلّ ما يُقتبسُ من هذه الأصول تفصيلًا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلًا.
وعلى هذا: فمعنى الحديث أن ما كان من الشروط مما لم يدلّ على صحّته دليلٌ شرعيّ كان باطلًا؛ أي: فاسدًا مردودًا، وهذا كما قال - ﷺ - في الحديث الصحيح: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، متّفقٌ عليه.
وفي هذا من الفقه ما يدلّ على أن العقود الشرعيّة إذا قارنها شرطٌ فاسدٌ بطل ذلك الشرط خاصّةً، وصحّ العقد، لكن هذا إنما يكون إذا كان ذلك الشرط خارجًا عن أركان العقد؛ كاشتراط الولاء في الكتابة، واشتراط السَّلَف في البيع، فلو كان ذلك الشرط مُخلًّا بركن من أركان العقد، أو مقصودًا، فُسخ العقد والشرط. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^٢).
(فَلَيْسَ لَهُ) أي: ليس جائزًا ذلك الشرط الذي ليس في كتاب الله للذي شرطه (وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ) قال النوويّ ﵀: معنى قوله: "وإن شرط مائة شرط" أي: لو شرط مائة مرّة توكيدًا، فهو باطلٌ، وإنما حُمِلَ على التأكيد؛ لأن العموم في قوله: "كلّ شرط"، وفي قوله: "من اشترط شرطًا" دالّ على بطلان جميع الشروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة، فإنها لو زادت عليها كان الحكم كذلك لِمَا دلّت عليها الصيغة، نعم طريق أيمن، عن عائشة عند البخاريّ بلفظ: "فقال النبيّ - ﷺ -: الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٤٢.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
[ ٢٦ / ٥٠٠ ]
شرط"، وإن احتمل التأكيد، لكنه ظاهر في أن المراد به التعدّد، وذكر المائة على سبيل المبالغة (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ولو كان مائة شرط" خرج مخرج التكثير، يعني أن الشروط الغير المشروعة باطلة، ولو كثرت، ويُفيد دليل خطابه أن الشروط المشروعة صحيحة، كما قد نصّ النبيّ - ﷺ - بقوله: "المؤمنون على شروطهم، إلا شرطًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا". أخرجه الترمذيّ من حديث عمرو بن عوف، وقال: حديث حسن. انتهى (^٢).
(شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ) أي: بالاتّباع من الشروط المخالفة له، وفي رواية للبخاريّ: "فقضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق".
وقال القرطبيّ ﵀؛ أي: حكم الله، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر - لما قال له الخصم: اقض بيننا بكتاب الله تعالى - فقال: "لأقضينّ بينكما بكتاب الله"، ثم قضى على الزاني البكر بالجلد والتغريب، وعلى الزانية بالرجم، وليس الرجم، والتغريب موجودين في كتاب الله تعالى، لكن في حكم الله المسمّى بالسنّة، وكذلك اختصاص الولاء بالمعتِق ليس موجودًا في كتاب الله، لكن في حكم الله به على لسان رسوله - ﷺ - مما يُسمّى سنّة. انتهى (^٣).
(وَأَوْثَقُ") أي: باتباع حدوده التي حدّها، وليس أفعل التفضيل هنا على حقيقته؛ إذ لا مشاركة بين الحقّ والباطل، وقد وردت صيغة "أفعل" لغير التفضيل كثيرًا. ويَحْتَمِل أن يُقال: ورد ذلك على ما اعتقدوه من الجواز، قاله في "الفتح" (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٣٧٧٢ و٣٧٧٣ و٣٧٧٤ و٣٧٧٥ و٣٧٧٦
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٤٠٣ رقم (٢٥٦١) "كتاب المكاتب".
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٢٧.
(٣) "المفهم" ٤/ ٣٢٧.
(٤) "الفتح" ٦/ ٤٠٧.
[ ٢٦ / ٥٠١ ]
و٣٧٧٧ و٣٧٧٨ و٣٧٧٩ و٣٧٨٠ و٣٧٨١] (١٥٠٤)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٩٣) و"العتق" (٢٥٣٦) و"البيوع" (٢١٥٥) و"المكاتب" (٢٥٦١) و"الشروط" (٢٧١٧) و"الفرائض" (٦٧٥٤ و٦٧٥٨ و٦٧٦٠)، و(أبو داود) في "الفرائض" (٢٩١٦) و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٥٦)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ١٠٧) و"الطلاق" (٦/ ١٦٣) و"البيوع" (٧/ ٣٠٠) و"الكبرى" (٣/ ١٩٤ و٣٦٥)، و(ابن ماجه) في "العتق" (٢٥٢١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٣٨١)، و(مالك) في "الموطإ" (٢/ ٧٨٠)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٧٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩/ ٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٢ و١٧٥ و١٨٦ و١٨٩ و١٩٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٦٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٤٥ و٤١٢)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٨٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٧٠ و٤٢٧١ و٤٢٧٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٤٦)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٢٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٣٣ و٢٣٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٤١١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٢٣ و١٠/ ٣٣٨ و٣٣٩) و"الصغرى" (٩/ ٣٤٦) و"المعرفة" (٧/ ٥٥٥ و٥٥٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
(اعلم): أن حديث قصّة بريرة - ﵂ - هذا حديث عظيم، كثير الأحكام والقواعد، وقد صنّف فيه الإمامان الكبيران: ابن خزيمة، وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منه، فذكرا أشياء، قال الحافظ: لم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه "تهذيب الآثار"، ولخّصت منه ما تيسّر - بعون الله تعالى - وقد بَلَّغَ بعض المتأخّرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة، أكثرها مستبعد مُتكلَّفٌ، كما وقع في
_________________
(١) قال الجامع عفا الله عنه: ليس المراد فوائد هذا السياق فحسبُ، بل ما اشتمل عليه قصّة بريرة - ﵂ -، بجميع رواياته المختلفة التي أوردها مسلم في هذا الباب، وكذا ما ذكرته خلال الشرح، وإنما جمعتها في محلّ واحدٍ - كما فعل صاحب "الفتح" - تقريبًا للفوائد، وحصرًا للعوائد، وبالله تعالى التوفيق.
[ ٢٦ / ٥٠٢ ]
نظير ذلك الذي صنّف في الكلام على حديث المجامع في رمضان، فبلغ به ألف فائدةٍ وفائدة. انتهى (^١).
قال الجامع: وأنا أسوقها تبعًا لصاحب "الفتح"، فأقول مستعينًا بالله تعالى:
١ - (فمنها): ثبوت الولاء للمعتِق، والردّ على من خالفه.
٢ - (ومنها): أنه لا ولاء لغير المعتق.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة الخيار للأمَة، إذا أُعتقت، وسيأتي بيان اختلاف المذاهب، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
٤ - (ومنها): جواز المكاتبة بالسنّة، تقريرًا لحكم الكتاب.
٥ - (ومنها): ما رواه ابن أبي شيبة في "الأوائل" بسند صحيح أنها أول كتابة كانت في الإسلام، لكن يردّ عليه قصّة سلمان الفارسيّ - ﵁ -، ويمكن أن يُجمع بأن أوّليته في الرجال، وأوّليّة بريرة في النساء، وقد قيل: إن أول مكاتَب في الإسلام أبو أميّة عبد عمر. وادّعى الرويانيّ أن الكتابة لم تكن تُعرف في الجاهليّة، وخولف.
٦ - (ومنها): أنه يؤخذ من مشروعيّة نجوم الكتابة البيع إلى أجل، والاستقراض، ونحو ذلك.
٧ - (ومنها): أن فيه إلحاق الإماء بالعبيد؛ لأن الآية ظاهرة في الذكور.
٨ - (ومنها): جواز كتابة أحد الزوجين الرقيقين، ويُلحق به جواز بيع أحدهما دون الآخر.
٩ - (ومنها): جواز كتابة من لا مال له، ولا حرفة، كذا قيل، وفيه نظر، لأنه لا يلزم من طلبها من عائشة الإعانة على حالها أن يكون لا مال لها، ولا حرفة.
١٠ - (ومنها): جواز بيع المكاتب إذا رضي، ولم يُعَجّز نفسه إذا وقع التراضي بذلك، وحمَله من منع على أنها عجّزت نفسها قبل البيع، ولكن
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤١٠ - ٤١١ "كتاب المكاتب" رقم (٢٥٦٣).
[ ٢٦ / ٥٠٣ ]
يحتاج إلى دليل، وقيل: إنما وقع البيع على نجوم الكتابة، وهو بعيدٌ جدًّا.
١١ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء، فيتفرّع منه إجراء أحكام الرّقيق كلّها في النكاح، والجنايات، والحدود، وغيرها.
١٢ - (ومنها): أن من أدّى أكثر نجومه لا يَعتق تغليبًا لحكم الأكثر، وأن من أدّى من النجوم بقدر قيمته يَعتق، وأنّ من أدّى بعض نجومه لم يَعتق منه بقدر ما أدّى؛ لأن النبيّ - ﷺ - أذِنَ في شراء بريرة من غير استفصال.
١٣ - (ومنها): أن فيه جواز بيع المكاتب، والرقيق بشرط العتق.
١٤ - (ومنها): أن بيع الأمة المزوّجة، وعتقها ليس طلاقًا، ولا فسخًا؛ لثبوت التخيير، فلو طلّقت بذلك واحدةً لكان لزوجها الرجعة، ولم يتوقّف على إذنها، أو ثلاثًا لم يقل لها: "لو راجعته"؛ لأنها ما كانت تحلّ له، إلا بعد زوج آخر.
١٥ - (ومنها): أن بيعها لا يُبيح لمشتريها وطأها؛ لأن تخييرها يدل على بقاء عُلقة العصمة.
١٦ - (ومنها): أن سيّد المكاتب لا يمنعه من الاكتساب، وأن اكتسابه من حين الكتابة يكون له.
١٧ - (ومنها): جواز سؤال المكاتب من يُعينه على بعض نجومه، وإن لم تحلّ، وأن ذلك لا يقتضي تعجيزه.
١٨ - (ومنها): جواز سؤال ما لا يضطرّ السائل إليه في الحال.
١٩ - (ومنها): جواز الاستعانة بالمرأة المتزوّجة.
٢٠ - (ومنها): جواز تصرّف المرأة في مالها بغير إذن زوجها.
٢١ - (ومنها): جواز بذل مالها في طلب الأجر، حتى في الشراء بالزيادة على ثمن المِثل، بقصد التقرّب بالعتق.
٢٢ - (ومنها): جواز شراء من يكون مطلق التصرّف السلعةَ بأكثر من ثمنها؛ لأن عائشة - ﵂ - بذلت نقدًا ما جعلوه نسيئةً في تسع سنين؛ لحصول الرغبة في النقد أكثر من النسيئة.
٢٣ - (ومنها): جواز السؤال في الجملة لمن يتوقّع الاحتياج إليه، فتُحْمَل الأخبار الواردة في الزجر عن السؤال على الأولويّة.
[ ٢٦ / ٥٠٤ ]
٢٤ - (ومنها): جواز سعي المرقوق في فكاك رقبته، ولو كان بسؤال من يشتري ليُعتق، وإن أضرّ ذلك بسيّده؛ لتشوّف الشارع إلى العتق.
٢٥ - (ومنها): بطلان الشروط الفاسدة في المعاملات، وصحّة الشروط المشروعة؛ لمفهوم قوله - ﷺ -: "كلُّ شرط ليس في كتاب الله، فهو باطلٌ".
٢٦ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن من استثنى خدمة المرقوق عند بيعه لم يصحّ شرطه.
٢٧ - (ومنها): أن من اشترط شرطًا فاسدًا لم يستحقّ العقوبة، إلا إن علم بتحريمه، وأصرّ عليه.
٢٨ - (ومنها): أن سيّد المكاتب لا يمنعه من السعي في تحصيل مال الكتابة، ولو كان حقّه في الخدمة ثابتًا.
٢٩ - (ومنها): أن المكاتب إذا أدّى نجومه من الصدقة لم يردّها السيّد، وإذا أدّى نجومه قبل حلولها كذلك.
٣٠ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المكاتب يَعتِق بتعجيل نجومه؛ أخذًا من قول موالي بريرة: "إن شاءت أن تحتسب عليك"، فإن ظاهره في قبول تعجيل ما اتفقوا على تأجيله، ومِنْ لازمه حصول العتق.
٣١ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضًا أنّ من تبرّع عن المكاتب بما عليه عَتَقَ.
٣٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على عدم وجوب الوضع عن المكاتب؛ لقول عائشة - ﵂ -: "أعدّها لهم عَدَّةً واحدةً"، ولم ينكر - ﷺ - ذلك عليها.
وأجيب بجواز قصد دفعهم لها بعد القبض.
٣٣ - (ومنها): جواز إبطال الكتابة، وفسخ عقدها إذا تراضى السيّد والعبد، وإن كان فيه إبطال التحرير؛ لتقرير بريرة على السعي بين عائشة ومواليها في فسخ كتابتها؛ لتشتريها عائشة - ﵂ -.
٣٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه عدّةُ مسائل؛ كعتق السائبة، واللقيط، والحليف، ونحو ذلك، كثّرَ بها العددَ من تكلّم على حديث بريرة - ﵂ -.
٣٥ - (ومنها): مشروعيّة الخطبة في الأمر المهمّ، والقيام فيها، وتقدمة الحمد والثناء، وقولِ: "أما بعد" عند ابتداء الكلام في الحاجة.
[ ٢٦ / ٥٠٥ ]
٣٦ - (ومنها): أن من وقع منه ما يُنكَر استُحبّ عدم تعيينه.
٣٧ - (ومنها): أن استعمال السجع في الكلام لا يُكره، إلا إذا قصد إليه، ووقع متكلّفًا.
٣٨ - (ومنها): جواز اليمين فيما لا تجب فيه، ولا سيّما عند العزم على فعل الشيء.
٣٩ - (ومنها): أن لغو اليمين لا كفّارة فيه؛ لأنّ عائشة - ﵂ - حلفت أن لا تشترط، ثم قال لها النبيّ - ﷺ -: "اشترطي لهم الولاء"، ولم يُنقل كفّارة على ذلك.
٤٠ - (ومنها): جواز مناجاة الاثنين بحضرة الثالث في الأمر يَستحيي منه المناجي، ويعلم أن من ناجاه يُعلم الثالث به، ويستثنى ذلك من النهي الوارد فيه.
٤١ - (ومنها): جواز سؤال الثالث عن المناجاة المذكورة إذا ظنّ أن له تعلّقًا به، وجواز إظهار السرّ في ذلك، ولا سيّما إن كان فيه مصلحة للمناجي.
٤٢ - (ومنها): جواز المساومة في المعاملة، والتوكيل فيها، ولو للرقيق.
٤٣ - (ومنها): جواز استخدام الرقيق في الأمر الذي يتعلّق بمواليه، وإن لم يأذنوا في ذلك بخصوصه.
٤٤ - (ومنها): ثبوت الولاء للمرأة المعتقة، فيُستثنى من عموم: "الولاء لُحْمةٌ كلُحمة النسب"، فإن الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث، بخلاف النسب.
٤٥ - (ومنها): أن الكافر يرث ولاء عتيقه المسلم، وإن كان لا يرث قريبه المسلم.
٤٦ - (ومنها): أن الولاء لا يباع، ولا يوهب.
٤٧ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن معنى قوله في الرواية الأخرى: "الولاء لمن أعطى الورِق" أن المراد بالمعطي المالك، لا من باشر الإعطاء مطلقًا، فلا يدخل الوكيل، ويؤيّده قوله في رواية الثوريّ عند أحمد: "لمن أعطى الورق، وولي النعمة".
٤٨ - (ومنها): ثبوت الخيار للأمة إذا أُعتِقت، على التفصيل الآتي، وأن خيارها يكون على الفور، وفيه خلاف بين العلماء سيأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
[ ٢٦ / ٥٠٦ ]
٤٩ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ -: "إن وطئك فلا خيار لك" دلالةً على أن المرأة إذا وجدت بزوجها عيبًا، ثم مكّنته من الوطء، بطل خيارها.
٥٠ - (ومنها): أن الخيار فسخ لا يملك الزوج فيه رجعة، وتمسّك من قال: له الرجعة بقول النبيّ - ﷺ -: "لو راجعته"، ولا حجّة فيه، وإلا لما كان لها اختيار، فتعيّن حمل المراجعة في الحديث على معناها اللغويّ، والمراد رجوعها إلى عصمته، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، مع أنها في المطلّق ثلاثًا.
٥١ - (ومنها): أن فيه إبطالَ قول من زعم استحالة أن يحبّ أحد الشخصين الآخر، والآخر يبغضه؛ لقول النبيّ - ﷺ -: "ألا تعجب من حبّ مُغيث بريرة، ومن بغض بريرة مُغيثًا؟ " نعم يؤخذ منه أن ذلك هو الأكثر الأغلب، ومن ثمّ وقع التعجّب؛ لأنه على خلاف المعتاد، وجوّز الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: أن يكون ذلك مما ظهر من كثرة استمالة مغيث لها بأنواع من الاستمالات؛ كإظهاره حبّها، وتردّده خلفها، وبكائه عليها، مع ما ينضمّ إلى ذلك من استمالته لها بالقول الحسن، والوعد الجميل، والعادة في مثل ذلك أن يميل القلب، ولو كان نافرًا، فلما خالفت العادة وقع التعجّب، ولا يلزم منه ما قال الأولون.
٥٢ - (ومنها): أن المرء إذا خُيّر بين مباحين، فآثر ما ينفعه لم يُلَم، ولو أضرّ ذلك برفيقه.
٥٣ - (ومنها): أن فيه اعتبار الكفاءة في الحرّيّة.
٥٤ - (ومنها): أن فيه سقوط الكفاءة برضا المرأة التي لا وليّ لها.
٥٥ - (ومنها): أن من خيّر امرأته، فاختارت فراقه وقع، وانفسخ النكاح بينهما، وأنها لو اختارت البقاء معه لم ينقص عدد الطلاق، وكثّر بعض من تكلّم على حديث بريرة هنا في سرد تفاريع التخيير.
٥٦ - (ومنها): أن المرأة إذا ثبت لها الخيار، فقالت: لا حاجة لي به ترتّب على ذلك حكم الفراق، قال الحافظ: كذا قيل، وهو مبنيّ على أن ذلك وقع قبل اختيارها الفراقَ، ولم يقع إلا بهذا الكلام، وفيه من النظر ما تقدّم.
[ ٢٦ / ٥٠٧ ]
٥٧ - (ومنها): جواز دخول النساء الأجانب بيت الرجل، سواء كان فيه، أم لا.
٥٨ - (ومنها): أن المكاتبة لا يلحقها في العتق ولدها، ولا زوجها.
٥٩ - (ومنها): تحريم الصدقة على النبيّ - ﷺ - مطلقًا، وجواز التطوّع منها على ما يلحق به في تحريم صدقة الفرض، كأزواجه، ومواليه، وأن موالي أزواج النبيّ - ﷺ - لا تحرم عليهنّ الصدقة، وإن حرمت على الأزواج.
٦٠ - (ومنها): جواز أكل الغنيّ ما تصدّق به على الفقير إذا أهداه له، وبالبيع أولى.
٦١ - (ومنها): جواز قبول الغنيّ هديّة الفقير.
٦٢ - (ومنها): الفرق بين الصدقة والهديّة في الحكم.
٦٣ - (ومنها): نصح أهل الرجل له في الأمور كلها.
٦٤ - (ومنها): جواز أكل الإنسان من طعام من يُسَرُّ بأكله منه، ولو لم يأذن له فيه بخصوصه.
٦٥ - (ومنها): أن الأمة إذا أُعتقت جاز لها التصرّف بنفسها في أمورها، ولا حجر لمعتِقِها عليها، إذا كانت رشيدة، وأنها تتصرّف في كسبها، دون إذن زوجها، وإن كان لها زوج.
٦٦ - (ومنها): جواز الصدقة على من يمونه غيره؛ لأن عائشة - ﵂ - كانت تمون بريرة، ولم يُنكَر عليها قبولها الصدقة.
٦٧ - (ومنها): أن من أُهدي لأهله شيء له أن يُشرك نفسه معهم في الإخبار عن ذلك؛ لقوله - ﷺ -: "وهو لنا هديّة".
٦٨ - (ومنها): أن من حرمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغيّر حكمها.
٦٩ - (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تُدخِل إلى بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وأن تتصرّف في بيته بالطبخ وغيره بآلاته، ووقوده.
٧٠ - (ومنها): جواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحلّ في العادة، وأنه ينبغي تعريفه بما يخشى توقّفه عنه.
[ ٢٦ / ٥٠٨ ]
٧١ - (ومنها): استحباب السؤال عما يستفاد به علم، أو أدب، أو بيان حكم، أو رفع شبهة، وقد يَجِب.
٧٢ - (ومنها): سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته.
٧٣ - (ومنها): أن هديّة الأدنى للأعلى لا تستلزم الإثابة مطلقًا.
٧٤ - (ومنها): أن قبول الهديّة، وإن نزر قَدْرها جبرٌ للمهدي.
٧٥ - (ومنها): أن الهديّة تُملك بوضعها في بيت المهدى له، ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول.
٧٦ - (ومنها): أن من تُصُدّق عليه بصدقة له أن يتصرّف فيها بما شاء، ولا ينقص أجر المتصدّق.
٧٧ - (ومنها): أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شبهة، ولا عن الذبيحة إذا ذُبحت بين المسلمين.
٧٨ - (ومنها): أن من تُصُدّق عليه بقليل لا يتسخّطه.
٧٩ - (ومنها): أن فيه مشاورة المرأة زوجها في التصرّفات.
٨٠ - (ومنها): سؤال العالم عن الأمور الدينيّة.
٨١ - (ومنها): إعلام العالم بالحكم لمن رآه يتعاطى أسبابه، ولو لم يسأل.
٨٢ - (ومنها): مشاورة المرأة إذا ثبت لها التخيير في فراق زوجها، أو الإقامة عنده، وعلى الذي يشاوَرُ بذل النصيحة.
٨٣ - (ومنها): جواز مخالفة المشير فيما يُشير به في غير الواجب.
٨٤ - (ومنها): استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم، حيث لا ضرر، ولا إلزام، ولا لوم على من خالف، ولا غَضَبَ، ولو عظم قدر الشافع، وترجم عليه النسائيّ في "كتاب آداب القضاء" - ٢٨/ ٥٤٤٤ -: "شفاعة الحاكم للخصوم قبل فصل الحكم"، ولا يجب على المشفوع عنده القبول.
٨٥ - (ومنها): يؤخذ منه أن التصميم في الشفاعة لا يسوغ فيما تشقّ الإجابة فيه على المسؤول، بل يكون على وجه العرض والترغيب.
٨٦ - (ومنها): جواز الشفاعة قبل أن يسألها المشفوع له؛ لأنه لم يُنقل أن مُغيثًا سأل النبيّ - ﷺ - أن يشفع له. قال الحافظ: كذا قيل، وقد قدّمت أن في
[ ٢٦ / ٥٠٩ ]
بعض الطرق أن العبّاس هو الذي سأل النبيّ - ﷺ - في ذلك، فَيَحْتَمِل أن يكون مغيث سأل العبّاس في ذلك، ويحتمل أن يكون العبّاس ابتدأ ذلك من قِبَل نفسه؛ شفقةً منه على مغيث.
٨٧ - (ومنها): أنه يؤخذ منه استحباب إدخال السرور على قلب المؤمن.
٨٨ - (ومنها): أن الشافع يؤجر، ولو لم تحصل إجابته.
٨٩ - (ومنها): أن المشفوع عنده إذا كان دون قدر الشافع لم تمتنع الشفاعة.
٩٠ - (ومنها): تنبيه الصاحب صاحبه على الاعتبار بآيات الله، وأحكامه؛ لتعجيب النبيّ - ﷺ - العبّاسَ من حبّ مغيث بريرة.
٩١ - (ومنها): أن نظر النبيّ - ﷺ - كان كله بحضور وفكر.
٩٢ - (ومنها): أن كلّ ما خالف العادة يُتعجّب منه، ويُعتبر به.
٩٣ - (ومنها): حسن أدب بريرة؛ لأنها لم تُفصح بردّ الشفاعة، وإنما قالت: "لا حاجة لي فيه".
٩٤ - (ومنها): أن فرط الحبّ يُذهب الحياء؛ لما ذُكر من حال مغيث، وغلبة الوجد عليه، حتى لم يستطع كتمان حبّها، وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حاله، ممن يقع منه ما لا يليق بمنصبه، إذا وقع بغير اختياره، ويستنبط من هذا معذرة أهل المحبّة في الله إذا حصل لهم الوجد من سماع ما يفهمون منه الإشارة إلى أحوالهم حيث يظهر منهم ما لا يصدر عن اختيار من الرقص، ونحوه، قاله الحافظ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى.
٩٥ - (ومنها): استحباب الإصلاح بين المتنافرين، سواء كانا زوجين، أم لا، وتأكيد الحرمة بين الزوجين إذا كان بينهما ولدٌ؛ لقوله - ﷺ -: "إنه أبو ولدك".
٩٦ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الشافع يذكر للمشفوع عنده ما يبعث على قبوله من مقتضى الشفاعة، والحامل عليها.
٩٧ - (ومنها): جواز شراء الأمة دون ولدها، وأن الولد يثبت بالفراش، والحكم بظاهر الأمر في ذلك، قال الحافظ: ولم أقف على تسمية أحدٍ من
[ ٢٦ / ٥١٠ ]
أولاد بريرة، والكلام مُحْتَمِل لأن يريد به أنه ولدها بالقوّة، لكنه خلاف الظاهر.
٩٨ - (ومنها): أن فيه جواز نسبة الولد إلى أمه.
٩٩ - (ومنها): أن المرأة الثيّب لا إجبار عليها، ولو كانت معتقة.
١٠٠ - (ومنها): جواز خِطبة الكبير والشريف لمن هو دونه.
١٠١ - (ومنها): حسن الأدب في المخاطبة حتى من الأعلى مع الأدنى، وحسن التلطّف في الشفاعة.
١٠٢ - (ومنها): أن للعبد أن يخطب مطلّقته بغير إذن سيّده.
١٠٣ - (ومنها): أن خطبة المعتدّة لا تحرم على الأجنبيّ، إذا خطبها لمطلّقها.
١٠٤ - (ومنها): أن فسخ النكاح لا رجعة فيه إلا بنكاح جديد.
١٠٥ - (ومنها): أن الحبّ والبغض بين الزوجين لا لوم فيه على واحد منهما؛ لأنه بغير اختيار.
١٠٦ - (ومنها): جواز بكاء المحبّ على فراق حبيبه، وعلى ما يفوته من الأمور الدنيويّة، ومن الدينيّة بطريق الأولى.
١٠٧ - (ومنها): أنه لا عار على الرجل في إظهار حبّه لزوجته.
١٠٨ - (ومنها): أن المرأة إذا أبغضت زوجها لم يكن لوليّها إكراهها على عشرته، وإذا أحبّته لم يكن لوليّها التفريق بينهما.
١٠٩ - (ومنها): جواز ميل الرجل إلى امرأة يطمع في تزويجها، أو رجعتها.
١١٠ - (ومنها): جواز كلام الرجل لمطلّقته في الطرق، واستعطافه لها، واتباعها أين سلكت كذلك، ولا يخفى أن محلّ الجواز عند أمن الفتنة.
١١١ - (ومنها): جواز الإخبار عما يظهر من حال المرء، وإن لم يُفصح به؛ لقوله - ﷺ - للعبّاس ما قال.
١١٢ - (ومنها): جواز ردّ الشافع المنّة على المشفوع إليه بقبول شفاعته؛ لأن قول بريرة للنبيّ - ﷺ -: "أتأمرني؟ " ظاهر في أنه لو قال: نعم لقبلت شفاعته، فلما قال: "لا" عُلم أنه ردّ عليها ما فَهِم من المنّة في امتثال الأمر. كذا قيل،
[ ٢٦ / ٥١١ ]
وهو مُتكَلَّف، بل يؤخذ منه أن بريرة علمت أن أمره واجب الامتثال، فلما عرض عليها ما عَرَضَ استفصلت، هل هو أمرٌ، فيجب عليها امتثاله، أو مشورةٌ، فتتخيّر فيها؟
١١٣ - (ومنها): أن كلام الحاكم بين الخصوم في مشورة وشفاعة، ونحوهما ليس حكمًا.
١١٤ - (ومنها): أنه يجوز لمن سُئل قضاء حاجة أن يشترط على الطالب ما يعود عليه نفعه؛ لأن عائشة - ﵂ - شرطت أن يكون لها الولاء، إذا أدّت الثمن دفعة واحدة.
١١٥ - (ومنها): جواز أداء الدين عن المدين، وأنه يبرأ بأداء غيره عنه.
١١٦ - (ومنها): جواز إفتاء الرجل زوجته فيما لها فيه حظّ وغرضٌ، إذا كان حقًّا، وحكم الحاكم لزوجته بالحقّ.
١١٧ - (ومنها): جواز قول مشتري الرقيق: أشتريه لأعتقه ترغيبًا للبائع في تسهيل البيع.
١١٨ - (ومنها): جواز المعاملة بالدراهم والدنانير عددًا، إذا كان قدرها بالكتابة معلومًا؛ لقولها: "أعُدّها"، ولقولها: "تسع أواق".
١١٩ - (ومنها): جواز بيع المعاطاة.
١٢٠ - (ومنها): جواز عقد البيع بالكتابة؛ لقوله: "خذيها"، ومثله قوله - ﷺ - لأبي بكر في حديث الهجرة: "قد أخذتها بالثمن".
١٢١ - (ومنها): أن حقّ الله مقدّمٌ على حقّ الآدميّ؛ لقوله: "شرط الله أحقّ، وأوثق"، ومثله الحديث الآخر: "دَين الله أحقّ أن يُقضى".
١٢٢ - (ومنها): جواز الاشتراك في الرقيق؛ لتكرّر ذِكْر أهل بريرة في الحديث، وفي رواية: "كانت لناس من الأنصار"، ويحتمل مع ذلك الوحدة، وإطلاق ما في الخبر على المجاز.
١٢٣ - (ومنها): أن الأيدي ظاهرةٌ في الملك، وأن مشتري السلعة لا يَسأل عن أصلها، إذا لم تكن رِيبة.
١٢٤ - (ومنها): استحباب إظهار أحكام العقد للعالم بها، إذا كان العاقد يجهلها.
[ ٢٦ / ٥١٢ ]
١٢٥ - (ومنها): أن حكم الحاكم لا يُغيّر الحكم الشرعيّ، فلا يُحلّ حرامًا، ولا يُحرّم حلالًا.
١٢٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد الثقة، ذكرًا كان، أو أنثى، حرًّا كان، أو عبدًا.
١٢٧ - (ومنها): أن البيان بالفعل أقوى من القول.
١٢٨ - (ومنها): جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، والمبادرة إليه عند الحاجة.
١٢٩ - (ومنها): أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عامّ وجب إعلانه، أو نُدب بحسب الحال.
١٣٠ - (ومنها): جواز الرواية بالمعنى، والاختصار من الحديث، والاقتصار على بعضه بحسب الحاجة؛ فإن الواقعة واحدةٌ، وقد رويت بألفاظ مختلفة، وزاد بعض الرواة ما لم يذكره الآخرون، ولم يقدح ذلك في صحّة الحديث عند أحد من العلماء.
١٣١ - (ومنها): أن العدّة بالنساء؛ لِمَا تقدّم من حديث ابن عبّاس - ﵄ - أنها أُمرت أن تعتدّ عدّة الحرّة، ولو كان بالرجال لأمرت أن تعتدّ بعدّة الإماء.
١٣٢ - (ومنها): أن عدّة الأمة إذا أُعتقت تحت عبد، فاختارت نفسها ثلاثة قروء، وأما ما وقع في بعض طرقه: "تعتدّ بحيضة" فهو مرجوحٌ. ويحتمل أن أصله: "تعتدّ بحيض"، فيكون المراد: جنس ما تستبرئ به رحمها، لا الوحدة.
١٣٣ - (ومنها): أن فيه تسمية الأحكام سننًا، وإن كان بعضها واجبًا، وأن تسمية ما دون الواجب سنّةً اصطلاحٌ حادثٌ.
١٣٤ - (ومنها): جواز جبر السيّد أمته على تزويج من لا تختاره، إما لسوء خَلْقِه، أو خُلُقه، وهي بالضدّ من ذلك، فقد قيل: إن بريرة كانت جميلة، غير سوداء، بخلاف زوجها، وقد زُوّجت منه، وظهر عدم اختيارها لذلك بعد عتقها.
١٣٥ - (ومنها): أن أحد الزوجين قد يُبغض الآخر، ولا يظهر له ذلك،
[ ٢٦ / ٥١٣ ]
ويَحْتَمِل أن بريرة مع بغضها مُغيثًا، كانت تصبر على حكم الله عليها في ذلك، ولا تُعامله بما يقتضيه البغض إلى أن فرّج الله عنها.
١٣٦ - (ومنها): أن فيه تنبيهَ صاحب الحقّ على ما وجب له إذا جهله.
١٣٧ - (ومنها): استقلال المكاتب بتعجيز نفسه.
١٣٨ - (ومنها): جواز إطلاق الأهل على السادة، وإطلاق العبيد على الأرقاء.
١٣٩ - (ومنها): جواز تسمية العبد مُغيثًا.
١٤٠ - (ومنها): أن مال الكتابة لا حدّ لأكثره.
١٤١ - (ومنها): جواز قبول المعتق الهديّةَ من معتَقه، ولا يقدح ذلك في ثواب العتق.
١٤٢ - (ومنها): جواز الهديّة لأهل الرجل بغير استئذانه، وقبول المرأة ذلك، حيث لا ريبة.
١٤٣ - (ومنها): سؤال الرجل عمّا لم يعهده في بيته، ولا يرِدُ على هذا ما في قصّة أمّ زرع، حيث وقع في سياق المدح: "ولا يسأل عما عهد"؛ لأن معناه: ولا يسأل عن شيء عهده، وفات، فلا يقول لأهله: أين ذهب؟ وهنا لم يسأل النبيّ - ﷺ - عن شيء رآه، وعاينه، ثم أُحضر له غيره، فسأل عن سبب ذلك؛ لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شُحًّا عليه، بل لتوهّم تحريمه، فأراد أن يبيّن لهم الجواز.
وقال ابن دقيق العيد: فيه دلالة على تبسّط الإنسان في السؤال عن أحوال منزله، وما عهده فيه قبلُ، والأول أظهر، قال الحافظ: وعندي أنه مبنيّ على خلاف ما انبنى عليه الأول؛ لأن الأول بُني على أنه علم حقيقة الأمر في اللحم، وأنه مما تُصُدّق به على بريرة، والثاني بُني على أنه لم يتحقّق من أين هو؟ فجائز أن يكون مما أُهدي لأهل بيته من بعض أقاربها مثلًا، ولم يتعيّن الأول.
١٤٤ - (ومنها): ما قيل: إنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه، إذا لم يظنّ تحريمه، أو تظهر فيه شبهة، إذ لم يسأل - ﷺ - عمن تصدّق على بريرة، ولا عن حاله.
[ ٢٦ / ٥١٤ ]
وتُعُقّب بأنه - ﷺ - هو الذي أرسل إلى بريرة بالصدقة، فلم يتمّ هذا (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في خيار الأمة إذا أُعتقت:
قال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ -: أجمع أهل العلم على أن الأمة إذا أُعتقت، وزوجها عبدٌ، فلها الخيار في فسخ النكاح، ذكره ابن المنذر، وابن عبد البرّ، وغيرهما، والأصل فيه خبر بَريرة - ﵂ -، قالت عائشة - ﵂ -: "كاتبت بريرة، فخيّرها رسول الله - ﷺ - في زوجها، وكان عبدًا، فاختارت نفسها"، قال عروة: ولو كان حرًّا ما خيّرها رسول الله - ﷺ -، رواه مالكٌ في "الموطّأ"، وأبو داود، والنسائيّ، ولأن عليها ضَررًا في كونها تحت عبدٍ، فكان لها الخيار، كما لو تزوّج حرّةً على أنه حرّ، فبان عبدًا، فإن اختارت الفسخ، فلها فراقه، وإن رضيت الْمُقامَ معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك؛ لأنها أسقطت حقّها، وهذا مما لا خلاف فيه بحمد الله تعالى.
قال: وإن أُعتقت تحت حرّ، فلا خيار لها، وهذا قول ابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وابن أبي ليلى، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق.
وقال طاوس، وابن سيرين، ومجاهد، والنخعيّ، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوريُّ، وأصحاب الرأي: لها الخيار؛ لِمَا روى الأسود، عن عائشة - ﵂ -: أن النبيّ - ﷺ - خيّر بريرة، وكان زوجها حرًّا، رواه النسائيّ، ولأنها كملت بالحرّية، فكان لها الخيار، كما لو كان زوجها عبدًا.
قال: ولنا أنها كافأت زوجها في الكمال، فلم يثبت لها الخيار، كما لو أسلمت الكتابيّة تحت مسلم، فأما خبر الأسود، عن عائشة، فقد روى عنها القاسم بن محمد، وعروة أن زوج بريرة كان عبدًا، وهما أخصّ بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها، وابن أختها، وقد روى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدًا، فتعارضت روايتاه، وقال ابن
_________________
(١) ذكر هذه الفوائد في "الفتح" في موضع واحد في "كتاب الطلاق" ١٢/ ١١١ - ١١٩ رقم (٥٢٨٤).
[ ٢٦ / ٥١٥ ]
عبّاس: كان زوج بريرة عبدًا أسود لبني المغيرة، يقال له: مغيث، رواه البخاريّ وغيره، وقالت صفيّة بنت عبيد: كان زوج بريرة عبدًا أسود، وقال أحمد: هذا ابن عبّاس، وعائشة قالا في زوج بريرة: إنه عبدٌ، رواية علماء المدينة، وعَمَلهم، وإذا روى أهل المدينة حديثًا، وعملوا به، فهو أصحّ شيء، وإنما يصحّ أنه حرّ عن الأسود وحده، فأما غيره فليس بذاك، قال: والعقد صحيح، فلا يُفسخ بالمختلف فيه، والحرّ فيه اختلاف، والعبد لا اختلاف فيه، ويُخالف الحرّ العبدَ؛ لأن العبد نقصٌ، فإذا كملت تحته تضرّرت ببقائها عنده، بخلاف الحرّ. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ -.
وقال في "الفتح" عند شرح قول البخاري - ﵀ -: "باب خيار الأمة تحت العبد": اقتضت الترجمة بطريق المفهوم أن الأمة إذا كانت تحت حرّ، فعَتَقت لم يكن لها خيار، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الجمهور إلى ذلك، وذهب الكوفيون إلى إثبات الخيار لمن عَتَقت، سواءٌ كانت تحت حرّ أم عبد، وتمسكوا بحديث الأسود بن يزيد، عن عائشة أن زوج بريرة كان حرًّا، وقد اختُلِف فيه على راويه، هل هو من قول الأسود، أو رواه عن عائشة، أو هو قول غيره؟
قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفاظ الحديث، وهو من أقران مسلم، فيما أخرجه البيهقيّ عنه: خالف الأسودُ الناسَ في زوج بريرة.
وقال الإمام أحمد: إنما يصحّ أنه كان حرًّا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصحّ عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدًا، ورواه علماء المدينة، وإذا رَوَى علماء المدينة شيئًا، وعملوا به، فهو أصح شيء، وإذا عَتَقَت الأمة تحت الحرّ، فعقدها المتفق على صحته لا يفسخ بأمر مختلَفٍ فيه. انتهى.
وحاول بعض الحنفيّة ترجيح رواية من قال: كان حرًّا على رواية من قال: كان عبدًا، فقال: الرقّ تعقبه الحرّيّة بلا عكس، وهو كما قال، لكن محل طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوّة، أما مع التفرّد في مقابلة الاجتماع، فتكون الرواية المنفردة شاذّةً، والشاذّ مردود، ولهذا لم يَعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين، مع قولهم: إنه لا يُصار إلى الترجيح مع
[ ٢٦ / ٥١٦ ]
إمكان الجمع، والذي يتحصّل من كلام محقّقيهم، وقد أكثر منه الشافعيّ، ومن تبعه أن محلّ الجمع إذا لم يظهر الغلط في إحدى الروايتين، ومنهم من شرط التساوي في القوّة.
قال ابن بطّال: أجمع العلماء أن الأمة إذا عَتَقَت تحت عبد فإن لها الخيار، والمعنى فيه ظاهرٌ؛ لأن العبد غير مكافئ للحرّة في أكثر الأحكام، فماذا عَتَقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته، أو المفارقة؛ لأنها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار، واحتجّ من قال: إن لها الخيار، ولو كانت تحت حرّ بأنها عند التزويج لم يكن لها رأيٌ؛ لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوّجها بغير رضاها، فماذا عتقت تجدّد لها حالٌ لم يكن لها قبل ذلك.
وعارضهم الآخرون بأن ذلك لو كان مؤثّرًا لثبت الخيار للبكر إذا زوّجها أبوها، ثم بلغت رشيدة، وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحرّ، فإنه لم يحدُث لها بالعتق حالٌ ترتفع به عن الحرّ، فكانت كالكتابيّة تُسلم تحت المسلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الأرجح القول الأول، وهو أن خيار الأمة إذا أُعتقت إنما هو إذا كانت تحت عبد، لا تحت حرّ؛ قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": "باب خيار الأمة تحت العبد"، ثم أورد حديث عائشة - ﵀ - في قصّة بريرة - ﵄ -، قال في "الفتح": قوله: "باب خيار الأمة تحت العبد": يعني إذا عَتقت، وهذا مصير من البخاريّ إلى ترجيح قول من قال: إن زوج بريرة كان عبدًا، وقد ترجم في أوائل "النكاح" بحديث عائشة في قصّة بريرة: "باب الحرة تحت العبد"، وهو جزم منه أيضًا بأنه كان عبدًا. انتهى (^٢).
والحاصل أن الصحيح أن الخيار إنما يثبت للأمة المعتقة إذا كان زوجها عبدًا، لا حرًّا؛ لأن الراجح أن زوج بريرة كان عبدًا، لا حرًّا، ورواية الأسود أنه كان حرًّا شاذّة، لا تعارض رواية الجماعة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٠٤، رقم (٥٢٨٠).
[ ٢٦ / ٥١٧ ]
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل الخيار فسخٌ، أم طلاقٌ؟
قال ابن قُدامة - ﵀ -: وفرقة الخيار فسخٌ، لا ينقص بها عدد الطلاق، نصّ عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافًا، قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقًا؟ قال: لأن الطلاق ما تَكلّم به الرجل؛ ولأن الفرقة لاختيار المرأة، فكانت فسخًا؛ كالفسخ لعُنّته، أو عَتَهِهِ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ولا أعلم فيه خلافًا، فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، قال في "الفتح": واختُلف في التي تختار الفراق، هل يكون ذلك طلاقًا، أو فسخًا؟ فقال مالكٌ، والأوزاعيّ، والليث: تكون طلقة بائنة، وثبت مثله عن الحسن، وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون: يكون فسخًا، لا طلاقًا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأرجح القول بأنه فسخٌ؛ لظهور معنى الفسخ فيه أكثر من ظهور معنى الطلاق، حيث إنه ليس فيه كلام للزوج، وأنه من قبل المرأة، فيترجّح كونه فسخًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في وقت خيار الأمة:
قال ابن قُدامة - ﵀ -: خيار المعتقة على التراخي، ما لو يوجد أحد أمرين: عتق زوجها، أو وطؤه لها، وممن قال: إنه على التراخي مالكٌ، والأوزاعيّ، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وأخته حفصة، وبه قال سليمان بن يسار، ونافعٌ، والزهريّ، وقتادة، وحكاه بعض أهل العلم عن الفقهاء السبعة.
وقال أبو حنيفة، وسائر العراقيين: لها الخيار في مجلس العلم، وللشافعيّ ثلاثة أقوال: أظهرها كقولنا، والثاني: أنه على الفور، كخيار الشفعة، والثالث: أنه إلى ثلاثة أيام.
ولنا ما روى الإمام أحمد في "المسند" بإسناده عن الحسن بن عمرو بن أميّة، قال: سمعت رجالًا يتحدّثون عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إذا أعتقت الأمة،
_________________
(١) "المغني" ١٠/ ٧٠.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٠٥.
[ ٢٦ / ٥١٨ ]
فهي بالخيار، ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها" (^١)، ورواه الأثرم أيضًا، وروى أبو داود أن بريرة عتقت، وهي عند مغيث، عبد لآل أحمد، فخيّرها النبيّ - ﷺ -، فقال لها: "إن قربك فلا خيار لك" (^٢)، ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، قال ابن عبد البرّ: لا أعلم لابن عمر، وحفصة مخالفًا من الصحابة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فثبت، كخيار القصاص، أو خيارٍ لدفع ضرر متحقّق، فأشبه ما قلناه. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن معه من أن تخيير الأمة على التراخي أرجح؛ لإطلاق تخيير الشارع لبريرة - ﵂ -، دون أن يقيّده بوقت دون وقت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في بيان اختلاف الروايات في كون زوج بريرة حرًّا أو عبدًا: قال في "التلخيص الحبير": حديث: "أن بريرة أُعتقت، فخيّرها النبيّ - ﷺ -، فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا لم يُخيّرها"، رواه النسائيّ، وابن حبّان، والطحاويّ، وابن حزم من حديث عائشة - ﵂ - بهذا، قال الطحاويّ: يَحْتَمِل أن يكون من كلام عروة، قال الحافظ: وقع التصريح بذلك في النسائي، وقال ابن حزم: يَحتَمِل أن يكون من كلام عائشة، أو من دونها، والتخيير ثابتٌ في "الصحيحين" من حديث عائشة أيضًا من طرق، وفي "الطبقات" لابن سعد، عن عبد الوهّاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبيّ: أن النبيّ - ﷺ - قال لبريرة لَمّا عَتَقَت: "وقد عتق بضعك معك، فاختاري"، وهذا مرسل، ووصله الدارقطنيّ من طريق أبان بن صالح، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -.
ورُوي كون زوجها عبدًا من حديث عائشة، وابن عمر، وابن عبّاس - ﵃ -.
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" برقم (٢٢٦٩٧)، وفي إسناده ابن لهيعة.
(٢) ضعيف؛ لأن في سنده محمد بن إسحاق، مدلّس، وقد رواه بالعنعنة.
(٣) "المغني" ١٠/ ٧١.
[ ٢٦ / ٥١٩ ]
أما رواية عائشة، فرواها مسلم من حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وعنده، وعند النسائيّ من طريق يزيد بن رُومان، عن عروة، عنها: "كان زوج بريرة عبدًا"، وقد اختُلف فيه على عائشة، فروى الأسود بن يزيد، عنها أنه كان حرًّا، قال إبراهيم بن أبي طالب: خالف الأسودُ الناسَ، وقال البخاريّ: هو من قول الحكم، وقول ابن عباس: إنه كان عبدًا أصحّ، وقال البيهقيّ: روينا عن القاسم، وعروة، ومجاهد، وعمرة، كلهم عن عائشة أنه كان عبدًا، وروى شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: ما أدري أحرّ، أم عبدٌ؟ ورواه البيهقيّ عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، فقال: كان عبدًا، وكذا رواه أسامة بن زيد، عن القاسم، عن عائشة: أن النبيّ - ﷺ - قال لها: "إن شئت أن تثوي تحت العبد"، قال المنذريّ: رُوي عن الأسود أنه قال: كان عبدًا، فاختُلف فيه عليه، مع أن بعضهم يقول: قوله: كان حرًّا من قول إبراهيم، وقيل: من قول الحكم.
وأما رواية ابن عمر - ﵄ -، فرواها الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث نافع، عن ابن عمر، قال: كان زوج بريرة عبدًا، وفي إسناده ابن أبي ليلى، وقد رواه البيهقيّ من رواية نافع، عن صفيّة بنت أبي عُبيد، وإسناده أصحّ، وهو في النسائيّ أيضًا.
وأما رواية ابن عبّاس - ﵄ -، فرواها البخاريّ من رواية القاسم بن محمد، عنه: "أن زوج بريرة كان عبدًا، يقال له: مُغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي … " الحديث. ورواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والطبرانيّ، وفي رواية للترمذيّ: "أن زوج بريرة كان عبدًا أسود لبني المغيرة يوم أُعتقت". انتهى ما في "التلخيص" ببعض تصرّف (^١).
وقال في "الفتح" بعد أن ذكر أن البخاريّ أورده في "الفرائض" عن حفص بن عمر، عن شعبة، وزاد في آخره: قال الحكم: "وكان زوجها حرًّا"، ثم أورده بعده من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، ثم قال: قال الأسود: وكان زوجها حرًّا، قال البخاريّ: قول الأسود منقطع،
_________________
(١) "التلخيص الحبير" ٣/ ٣٦٣ - ٣٦٥، تحقيق أبي عاصم حسن عباس قطب.
[ ٢٦ / ٥٢٠ ]
وقول ابن عباس: "رأيته عبدًا" أصحّ، وقال في الذي قبله: في قول الحكم نحو ذلك.
ثم قال: فظهر أن هذه الزيادة مدرجة، قال: وقد قال الدارقطنيّ في "العلل": لم يُختلف على عروة، عن عائشة أنه كان عبدًا، وكذا قال جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن عائشة، وأبو الأسود، وأسامة بن زيد، عن القاسم.
قال الحافظ: وقع لبعض الرواة فيه غلطٌ، فأخرج قاسم بن أصبغ في "مصنّفه"، وابن حزم من طريقه، قال: أنبأنا أحمد بن يزيد المعلّم، حدّثنا موسى بن معاوية، عن جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان زوج بريرة حرًّا". وهذا وَهَمٌ من موسى، أو من أحمد، فإن الحفّاظ من أصحاب هشام، ومن أصحاب جرير، قالوا: "كان عبدًا"، منهم إسحاق ابن راهويه، وحديثه عند النسائيّ، وعثمان بن أبي شيبة، وحديثه عند أبي داود، وعليّ بن حُجْر، وحديثه عند الترمذيّ، وأصله عند مسلم، وأحال به على رواية أبي أسامة، عن هشام، وفيه: أنه كان عبدًا.
قال الدارقطنيّ: وكذا قال أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه.
قال الحافظ: ورواه شعبة، عن عبد الرحمن، فقال: كان حرًّا، ثم رجع عبد الرحمن، فقال: ما أدري.
قال الدارقطنيّ: وقال عمران بن حُدير، عن عكرمة، عن عائشة: كان حرًّا، وهو وَهَمٌ. قال الحافظ: وهِمَ في شيئين: في قوله: "حرًّا"، وفي قوله: "عائشة"، وإنما هو من رواية عكرمة، عن ابن عبّاس، ولم يُختلف على ابن عبّاس في أنه كان عبدًا، وكذا جزم به الترمذيّ عن ابن عمر، وحديثه عند الشافعيّ، والدارقطنيّ، وغيرهما، وكذا أخرجه النسائيّ - أي: في "الكبرى" - من حديث صفيّة بنت أبي عُبيد، قالت: كان زوج بريرة عبدًا، وسنده صحيح.
وقال النوويّ: يؤيّد قول من قال: إنه كان عبدًا قولُ عائشة: "كان عبدًا، ولو كان حرًّا لم يُخيّرها"، فأخبرت وهي صاحبة القصّة بأنه كان عبدًا، ثم علّلت بقولها: "ولو كان حرًّا لم يُخيّرها"، ومثلُ هذا لا يكاد أحد يقوله إلا توقيفًا.
[ ٢٦ / ٥٢١ ]
وتُعُقّب بأن هذه الزيادة في رواية جرير، عن هشام بن عروة في آخر الحديث، وهي مدرجة من قول عروة، بُيِّنَ ذلك في رواية مالك، وأبي داود، والنسائيّ. نعم وقع في رواية أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كانت بريرة مكاتبة لأناس من الأنصار، وكانت تحت عبد … " الحديث، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبيهقيّ. وأسامة فيه مقال.
وأما دعوى أن ذلك لا يُقال إلا بتوقيف، فمردودة، فإن للاجتهاد فيه مجالًا.
قال الدارقطنيّ: وقال إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: كان حرًّا، قال الحافظ: وأصرح ما رأيته في ذلك رواية أبي معاوية: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان زوج بريرة حرًّا، فلما أُعتقت خُيّرت … " الحديث، أخرجه أحمد عنه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن إدريس، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة حرًّا، ومن وجه آخر عن النخعيّ، عن الأسود؛ أن عائشة حدّثته "أن زوج بريرة كان حرًّا حين أُعتقت".
فدلّت الروايات المفصّلة التي قدّمتها آنفًا على أنه مدرجٌ من قول الأسود، أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أُدرج في أول الخبر، وهو نادرٌ، فإن الأكثر أن يكون في آخره، ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير أن يكون موصولًا، فترجّح رواية من قال: كان عبدًا بالكثرة، وأيضًا آل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما، فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها. ويترجّح أيضًا بأن عائشة كانت تذهب إلى أن الأمة إذا عتقت تحت الحرّ، لا خيار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيّون عنها، فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها، ويدعوا ما روي عنها، لا سيّما، وقد اختلف عنها فيه.
وادّعى بعضهم أنه يمكن الجمع بين الروايتين بحمل قول من قال: كان عبدًا على اعتبار ما كان عليه، ثم أعتق، فلذلك قال من قال: كان حرًّا.
ويردّ هذا الجمع ما تقدّم من قول عروة: كان عبدًا، ولو كان حرًّا لم تُخيَّر.
وأخرجه الترمذيّ بلفظ: "أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يوم أُعتقت"،
[ ٢٦ / ٥٢٢ ]
فهذا يعارض الرواية المتقدّمة عن الأسود، ويعارض الاحتمال المذكور احتمالُ أن يكون من قال: كان حرًّا، أراد ما آل إليه أمره، وإذا تعارضا إسنادًا، واحتمالًا احتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجّح بها، وكذلك الأحفظ، وكذلك الألزم، وكلّ ذلك موجودٌ في جانب من قال: "كان عبدًا". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بما تقدّم أن الرواية الراجحة هي رواية الأكثرين: "كان زوج بريرة عبدًا"، وبه يتبيّن أنه لا خيار للمعتقة إلا إذا كان زوجها عبدًا، كما تقدّم تحقيقه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٧٣] (…) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِليَّ، فَقَالَتْ: يَا. عَائِشَةُ إِنَي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَام أُوقية، بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْث، وَزَادَ، فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ مِنْهَا، ابْتَاعِي، وَأَعتِقِي"، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّاس، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثنَى عَلَيْه، ثُمَّ قَالَ: "أمّا بَعْدُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين، و"أبو الطاهر" هو: أحمد بن عمرو بن السرح.
وقولها: (فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ) قال النوويّ - ﵀ -: وقع في الرواية الأولى في بعض النسخ: "وَقِيَّة" (^١)، وفي بعضها: "أوقيّة"، بالألف، وأما الرواية الثانية فـ"وُقيّة"، بغير ألف بإتفاق النسخ، وكلاهما صحيح، وهما لغتان: إثبات الألف أفصح، والأُوقيّة الحجازية أربعون درهمًا. انتهى (^٢).
_________________
(١) سيأتي أنها بضمّ الواو، وفي لغة بفتحها.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٤٥.
[ ٢٦ / ٥٢٣ ]
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ) يعني أن حديث يونس، عن ابن شهاب بمعنى حديث الليث ابن سعد عنه، يعني الماضي قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير يونس.
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ في "الكبرى" ٣/ ١٩٥ فقال:
(٥٠١٦) - أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني رجال من أهل العلم، منهم يونس بن يزيد، والليث بن سعد؛ أن ابن شهاب أخبرهم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبيّ - ﷺ - أنها قالت: جاءت بريرة إليّ، فقالت: يا عائشة إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عام أوقية، فأعينيني، ولم تكن قَضَت من زكاتها شيئًا، فقالت لها عائشة، ونَفِست فيها: ارجعي إلى أهلك، وإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعًا، ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فذهبت بريرة إلى أهلها، فعَرَضَت ذلك عليهم، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تَحْتَسِب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: "لا يمنعك ذلك منها، ابتاعي، وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق"، ففعلت. وقام رسول الله - ﷺ - في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٧٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: إِن أَهْلِي كَاتبونِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي تِسْعِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ (^١) أُوقِيَّة، فَأعِينِيني، فَقُلْتُ لَهَا: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، وَأُعْتِقَك،
_________________
(١) وفي نسخة: "كلَّ سنة".
[ ٢٦ / ٥٢٤ ]
وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لأَهْلِهَا، فَأَبَوْا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَأتَتْنِي، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَانْتَهَرْتُهَا، فَقَالَتْ: لَا هَا اللهِ إِذَا، قَالَتْ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَألنِي، فَأخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، فَفَعَلْتُ. قَالَتْ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشِيَّةً، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أمّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله، فهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلانًا، وَالْوَلَاءُ لي؟ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانيُّ) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ) بنت صفوان - ﵂ - (فَقَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي كَاتبوني) قال ابن الأثير - ﵀ -: الكتابة أن يكاتب الرجل عبدَه على مالٍ يؤديه إليه مُنَجَّمًا، فإذا أدّاه صار حرًّا، وسُمِّيت كتابةً لمصدر كَتَبَ، كأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العتق، وقد كاتبه مكاتبةً، والعبدُ مكاتَبٌ، وإنما خُصّ العبدُ بالمفعول، لأن أصل المكاتبة من المولى، وهو الذي يكاتِب عبده، وقد تكرر ذكرها في الحديث. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: كاتبتُ العبد مكاتبةً وكتابًا، من باب قاتل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]، وكتبنا كتابًا في المعاملات، وكتابةً
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ٤/ ١٤٨.
[ ٢٦ / ٥٢٥ ]
بمعنًى، وقول الفقهاء: "باب الكتابة" فيه تسامحٌ؛ لأن الكتابة اسم المكتوب، وقيل للمكاتبة (^١): كتابة تسمية باسم المكتوب مجازًا واتساعًا؛ لأنه يُكتَب في الغالب للعبد على مولاه كتابٌ بالعتق عند أداء النجوم، ثم كَثُر الاستعمال حتى قال الفقهاء للمكاتبة: كتابةٌ، وإن لم يُكْتَب شيءٌ، قال الأزهريّ: وسُمِّيت المكاتبة كتابةً في الإسلام، وفيه دليل على أن هذا الإطلاق ليس عربيًّا، وشذّ الزمخشريّ، فجعل المكاتبة والكتابة بمعنى واحد، ولا يكاد يوجد لغيره ذلك، ويجوز أنه أراد الكتاب، فطغا القلم بزيادة الهاء، قال الأزهريّ: الكتاب والمكاتبة: أن يُكاتِب الرجلُ عبدَهُ، أو أمته على مالٍ مُنَجَّم، ويَكتُب العبدُ عليه أنه يَعْتِق إذا أدى النجوم، وقال غيره بمعناه، وتكاتبا كذلك، فالعبد مُكاتَبٌ بالفتح، اسم مفعول، وبالكسر اسم فاعل؛ لأنه كاتب سيده، فالفعل منهما، والأصل في باب المفاعلة أن يكون من اثنين فصاعدًا، يفعل أحدهما بصاحبه ما يفعل هو به، وحيحئذ فكلُّ واحد فاعلٌ، ومفعولٌ من حيث المعنى. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهر قولها: "إن أهلي كاتبوني": أن الكتابة قد كانت انعقدت، وصحَّت، وأن ذلك ليس بمراوضة على الكتابة، وعند هذا يكون مع ما وقع من شراء عائشة - ﵂ - بإذن النبيّ - ﷺ - ظاهرًا في جواز فسخ الكتابة، وبيع المكاتب للعتق، كما قد صار إليه طائفة من أهل العلم، وأما من لم يُجِز ذلك، وهم الجمهور، فأشكل عليهم الحديث، وتحزّبوا في تأويله؛ فمنهم من قال: إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وأن قولها: "كاتبت أهلي" معناه: أنها راوضتهم عليها، وقدّروا مبلغها وأجلها، ولم يعقدوها، وقد بيَّنَّا أن الظاهر خلافه، بل إذا تُؤمِّل مساقُ الحديث مع قولها: "فأعينيني"، وجواب عائشة - ﵄ -، قُطِعَ بأنها قد كانت عقدتها، وأن هذا التأويل فاسد.
ومنهم من قال: إن المبيع الكتابة، لا الرقبة، وهذا فاسدٌ؛ لأن من أجاز بيع الكتابة لم يجعل بيع الولاء لمشتري الكتابة، بل لعاقدها، وأشبه ما قيل في ذلك: أن بريرة عجزت عن الأداء، فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة، وحينئذ صحَّ البيع، إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن تعجيز
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥.
[ ٢٦ / ٥٢٦ ]
المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق السيد والعبد عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف، وقال سحنون: لا بدَّ من السلطان. وهذا: إنما خاف أن يتواطئا على ترك حق الله تعالى، وهذه التهمة فيها بُعْدٌ، فلا يلتفت إليها، ويدلُّ على أنها عجزت: ما وقع في "صحيح مسلم" من رواية ابن شهاب، حيث قال: إن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها، ولم تكن قَضَت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة - ﵂ -: ارجعي إلى أهلك؛ فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلتُ. فظاهر هذا: أن جميع كتابتها أو بعضها استحقت عليها؛ لأنه لا يُقْضَى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به، والله أعلم (^١).
(عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) هذه الرواية، وهي رواية هشام عن أبيه، هي المشهورة في قدر بدل الكتابة، وقد وقعت في رواية للبخاريّ علّقها من طريق الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، مخالفة لهذه الرواية، ولفظها: "إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق، نُجّمت عليها في خمس سنين … "، وقد جزم الإسماعيليّ بأن هذه الرواية غلطٌ، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن التسع أصل، والخمس كانت بقيت عليها، وبهذا جزم القرطبيّ، والمحبّ الطبريّ، لكن يعكُرُ عليه قوله في رواية قُتيبة: "ولم تكن أدّت من كتابتها شيئًا"، ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواقٍ قبل أن تستعين عائشة، ثم جاءتها، وقد بقي عليها خمس، وقال القرطبيّ: يُجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقّت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام. ويؤيّده قوله في رواية عمرة، عن عائشة، عند البخاريّ في "أبواب المساجد": "فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى".
وذكر الإسماعيليّ أنه رأى في الأصل المسموع على الفربريّ في هذه الطريق أنها كاتبت على خمس أوساق، وقال: إن كان مضبوطًا، فهو يدفع سائر الأخبار.
قال الحافظ: لم يقع في شيء من النسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلا
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣١٩ - ٣٢٠.
[ ٢٦ / ٥٢٧ ]
الأواقي، وكذا في نسخة النسفيّ عن البخاريّ، وكان يمكن على تقدير صحّته أن يُجمع بأن قيمة الأوساق الخمسة تسع أواقٍ، لكن يعكر عليه قوله: "في خمس سنين"، فيتعيّن المصير إلى الجمع الأول. انتهى (^١).
(فِي تِسْعِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنةٍ) وفي بعض النسخ: "كلَّ سنة" بإسقاط "في"، وهو منصوب على الظرفيّة (أُوقيَّة) بضمّ الهمزة؛ أي: أربعون درهمًا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: "الأوقيّة" بضم الهمزة، وبالتشديد، وهي عند العرب أربعون درهمًا، وهي في تقدير أُفْعُولة، كالأُعجوبة، والأُحدوثة، والجمع: الأواقيّ بالتشديد، وبالتخفيف؛ للتخفيف، وقال ثعلب في باب المضموم أولُه: وهي الأوقية، والْوُقيّة لغةٌ، وهي بضم الواو، هكذا هي مضبوطة في كتاب ابن السِّكِّيت، وقال الأزهريّ: قال الليث: الْوُقِيَّة: سبعة مثاقيل، وهي مضبوطة بالضم أيضًا، قال الْمُطَرِّزِيّ: وهكذا هي مضبوطة في "شرح السنة" في عِدّة مواضع، وجرى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغةٌ حكاها بعضهم، وجمعها: وَقَايَا، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا. انتهى (^٢).
(فَأعِينِيني) قال في "الفتح": كذا للأكثر بصيغة الأمر للمؤنّث، من الإعانة، وفي رواية الكشميهنيّ: "فَأعْيَتْنِي" بصيغة الخبر، من الإعياء، والضمير للأواقي، وهو متّجه المعنى؛ أي: أعجزتني عن تحصيلها، وفي رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عند ابن خزيمة وغيره: "فَأعْتِقِيني" بصيغة الأمر للمؤنّث بالعتق، إلا أن الثابت في طريق مالك وغيره، عن هشام: الأول. انتهى (^٣). (فَقُلْتُ لَهَا: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً) وفي حديث يونس عن ابن شهاب: أنها قالت لها: "أرأيتِ إن عددت لهم عَدَّة واحدةً؛ أيبيعك أهلك؟ فأعتِقَك، ويكون ولاؤكِ لِي"، قال القرطبيّ - ﵀ -: لا تعارض بين الروايتين، وإنما هو نقل بالمعنى على عاداتهم الأكثرية في ذلك، وفيه دليل على صحَّة ما قلناه: أنها إنما اشترتها للعتق مع إمكان أن يكون ذلك عند عجزها عن أداء ما تَعَيَّن عليها من الكتابة. انتهى (^٤).
_________________
(١) "الفتح، ٦/ ٣٩٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦٩ - ٦٧٠.
(٣) "الفتح" ٦/ ٤٠٤ "كتاب المكاتب" رقم (٢٥٦٣).
(٤) "المفهم" ٤/ ٣٢٢.
[ ٢٦ / ٥٢٨ ]
وقال في "الفتح": فيه أن العدّ في الدراهم الصحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن، وأن المعاملة في ذلك الوقت كانت بالأواقي، وهي أربعون درهمًا، كما سبق آنفًا، وزعم المحبّ الطبريّ أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالعدّ إلى مقدم رسول الله - ﷺ - المدينة، ثم أُمروا بالوزن، وفيه نظر؛ لأن قصّة بريرة متأخّرة عن مقدمه - ﷺ - بنحو ثمان سنين، لكن يَحْتَمِل قول عائشة - ﵂ -: "أن أعدّها لهم عدّة واحدة"؛ أي: أدفعها لهم، وليس مرادها حقيقة العدّ، ويؤيّده قولها في طريق عمرة: "أن أصُبّ لهم ثمنكِ صبّةً واحدةً". انتهى.
(وَأُعْتِقَك، وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِي فَعَلْتُ) أي: اشتريتك، ثم أعتقتك (فَذَكَرَتْ) بريرة (ذَلِكَ) أي: ما قالت لها عائشة - ﵂ - (لأَهْلِهَا) أي: مواليها (فَأبَوْا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَأتَتْنِي، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) أي: إباء مواليها ما عرضت عليهم عائشة (قَالَتْ) عائشة (فَانْتَهَرْتُهَا) أي: زجرتها، وقال القرطبيّ: قولها: "فانتهرتها" تعني أنه عَظُم عليها أن تشتريها بمالها لتعتقها، ثم يكون ولاؤها لمن باعها، وأخذ ثمنها، فبأيّ طريق يستحق الولاء؟ ولا طريق له يستحقه به. انتهى.
(فَقَالَتْ: لَا) أي: لا أشتري، ولا أعدّ الدراهم (هَا اللهِ) أي: والله، فـ"ها" عوض عن واو القسم (إِذَا) أي: إذا اشترطوا لهم الولاء.
وقال الأبّيّ في "شرحه": قوله: "فانتهرتها، فقالت" قال عياض: فيه إشكال؛ إذ يوهم أن فاعل "قالت" بريرة، وليس كذلك، وإنما هي عائشة، أخبرت عن نفسها أنها انتهرتها، ثم فسّر الراوي انتهارها إياها بقوله: "فقالت: لا ها الله"، ولذا قال بعضهم: صوابه: "فقلت". انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: قوله: "فقالت: لا ها الله إذًا" كذا لأكثر الرواة: "فقالت"، وظاهره أن هذا قول بريرة أجابت به عائشة لَمّا انتهرتها مستلطفة لها، ومُسكّنة، فكأنها قالت: فإذا كان ذلك، تعني: موجدة عائشة، فلا أستعينك على شيء، وَيحْتَمِل أن يكون الراوي أخبر به عن عائشة، ويؤيده ما قد وقع في بعض النسخ: "فقلت" مكان "قالت"، وعلى هذا: فيكون من قول عائشة،
_________________
(١) "شرح الأبّيّ" ٤/ ١٦٠.
[ ٢٦ / ٥٢٩ ]
ويكون معناه: أن أهل بريرة لما أبوا إلا اشتراط الولاء لهم امتنعت من الشراء والعتق؛ لأجل الشرط، وأقسمت على ذلك بقولها: "لا، ها الله إذًا".
والرواية المشهورة في هذا اللفظ: "هاء" بالمد والهمز، و"إذًا" بالهمز والتنوين التي هي حرف جواب، وقد قيّده العذري، والهوزني بقصرها، وبإسقاط الألف من "إذًا"، فيكون: "ذا"، واستصوب ذلك جماعة من العلماء، منهم: القاضي إسماعيل، والمازري، وغيرهما. قالوا: وغيره خطأ، قالوا: ومعناه: ذا يميني. وصوَّب أبو زيد وغيره المدّ والقصر، قال: و"ذا" صلة في الكلام، وليس في كلامهم: "لا ها الله إذًا"، وفي "البارع" (^١): قال أبو حاتم: يقال: "لا ها الله ذا" في القسم، والعرب تقوله بالهمز، والقياس تَرْكُه، والمعنى: لا والله، هذا ما أقسم به، فأدخل اسم الله بين "ها"، و"ذا". انتهى كلامهم.
قال القرطبيّ: ويظهر لي: أن الرواية المشهورة صوابٌ، وليست بخطأ، ووجه ذلك: أن هذا الكلام قسم على جواب إحداهما للأخرى على ما قررناه آنفًا، والهاء هنا: هي التي يعوَّض بها عن تاء القسم، فإن العرب تقول: الله لأفعلنَّ - ممدودة الهمزة، ومقصورتها -، ثم إنهم عوَّضوا من الهمزة "ها"، فقالوا: ها الله؛ لتقارب مخرجيهما، كما قد أبدلوها منها في قولهم [من الطويل]:
ألا يا سَنَا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمَى … لِهَنَّك مِنْ بَرْقٍ عليَّ كريم
وقالوا [من الطويل]:
فهيَّاك وَالأَمْرَ الَّذِي إِنْ تَوَسَّعَتْ … مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ مَصَادِرُهْ
ولَمَّا كانت الهاءُ بدلًا من الهمزة، وفيها المدُّ والقصر، فالهاء تمدُّ وتقصر، كما قد حكاها أبو زيد، وتحقيقه أن الذي مَدَّ مع الهاء كأنَّه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفًا استثقالًا لاجتماعهما، كما تقول: الله، والذي قصر كأنَّه نطق بهمزةٍ واحدةٍ، فلم يحتج إلى المدّ، كما تقول: الله.
_________________
(١) "البارع في غريب الحديث" لأبي عليّ إسماعيل بن القاسم اللغويّ التالي، المتوفَّى سنة (٣٥٦ هـ).
[ ٢٦ / ٥٣٠ ]
وأما "إذا" فهي بلا شك حرف جواب، وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله - ﷺ -، وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ "، فقالوا: نعم، قال: "فلا إذًا"، فلو قال: فلا والله إذًا، لكان مساويًا لهذه من كل وجهٍ، لكنَّه لم يحتج إلى القسم، فلم يذكره، وقد بيَّنَّا تقدير المعنى، ومناسبته، واستقامته معنى ووضعًا من غير حاجة إلى ما تكلَّفه من سبقت حكاية كلامه من النحويين من التقدير البعيد المخرج للكلام عن البلاغة، وأبعدُ من هذا كلِّه وأفسد: أن جعلوا "ها" للتنبيه و"ذا" للإشارة، وفصلوا بينهما بالمقسم به، وهذا ليس قياسًا فيطردَ، ولا فصيحًا فيحمل عليه كلام رسول الله - ﷺ -، ولا مرويًا برواية ثابتة، وما وُجد للعذري من ذلك فإصلاح منه، أو من غيره، ممن اغترّ بما حُكي عمَّن سبق ذكرهم من اللغويين، والحق أَولى مطلوب، والتمسُّك بالقياس المنقول أجلّ مصحوب، فالصحيح رواية المحدّثين، والله خير معين، والله أعلم.
وقول أبي زيد: ليس في كلامهم: "لا ها الله إذًا" شهادةٌ على نفيٍ، فلا تسمع، ثُمّ نعارضه بنقل أبي حاتم أنه يقال: "لا ها الله"، وليس كل ما يقتضيه القياس نوعًا يجب وجودُ جميع أشخاصه وضعًا. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
وقال السيوطيّ - ﵀ - فيما كتبه على النسائيّ: قد تكلّم الناس قديمًا وحديثًا على هذه اللفظة، وقالوا: إنّ المحدّثين يروونها هكذا، وأنه خطأ، والصواب: لا ها الله ذا، بإسقاط الألف من "ذا"، وقد ألّفتُ في ذلك تأليفًا حسنًا، وأودعته برُمّته في كتاب "إعراب الحديث". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الغلط والتصحيف على المحدّثين، مع كثرة وقوعه في الأحاديث؛ اتباعًا لقول بعض النحاة غير صحيح، بل التركيب هذا فصيح، وتوجيهه واضح، كما سبق في كلام القرطبيّ - ﵀ -،
_________________
(١) "المفهم" ٣٢٢ - ٣٢٤.
(٢) "زهر الربى" ٦/ ١٦٤ - ١٦٥، والكتاب الذي أشار إليه هو كتابه "عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد"، راجعه ٢/ ١٨٥.
[ ٢٦ / ٥٣١ ]
وسيأتي تمام البحث في هذا - إن شاء الله تعالى - في "كتاب الجهاد والسير" في شرح حديث أبي قتادة - ﵁ - عند قوله: "وقال أبو بكر الصدّيق: لا ها الله، إذًا لا يعمد إلى أسد من أُسُد الله، يقاتل عن الله ورسوله، فيُعطيك سلبه". أسأل الله تعالى أن يبلّغني إلى شرح ذلك الحديث، بل وإلى شرح الكتاب كلّه بمنّه وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.
(قَالَتْ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: ما جرى بينها، وبين بريرة (فَسَألنِي) عنه (فَأخْبَرْتُهُ) أي: بتفصيل ذلك، وفي رواية مالك، عن هشام: "فجاءت من عندهم، ورسول الله - ﷺ - جالسٌ، فقالت: "إني عرضتُ عليهم، فأبوا، فسمع النبيّ - ﷺ -). وفي رواية: "فسمع بذلك النبيّ - ﷺ -، أو بلغه"، زاد في رواية: "فقال: ما شأن بريرة؟ ". وفي رواية عند مسلم، وابن خزيمة: "فجاءتني بريرة، والنبيّ - ﷺ - جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها ما أراد أهلها، فقلت: لا ها الله إذًا، ورفعت صوتي، وانتهرتها، فسمع ذلك النبيّ - ﷺ -، فسألني، فأخبرته"، لفظ ابن خزيمة. قاله في "الفتح". (فَقَالَ - ﷺ -: "اشْترِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْترِطي لَهُمُ الْوَلَاءَ) هذه الجملة استشكلها العلماء، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الآتية آخر الحديث - إن شاء الله تعالى -.
(فَإِن الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ") قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا حصر للولاء على من باشر العتق بنفسه، رجلًا كان، أو امرأةً، ممن يصح منه العتق، ويستقل بتنفيذه، وقوة هذا الكلام قوّة النفي والإيجاب، فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق، وإيَّاه عنى النبيّ - ﷺ - بقوله: "شرط الله أوثق"، في أصحِّ الأقوال وأحسنها، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، وبالله التوفيق. (فَفَعَلْتُ) أي: اشترطت لهم الولاء (قَالَتْ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشِيَّةً، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أقوَام) أي: ما حالهم؟ (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كتاب الله) قال القرطبيّ - ﵀ -: أيً: ليس مشروعًا في كتاب الله لا تأصيلًا ولا تفصيلًا، ومعنى هذا أن من الأحكام والشروط ما يوجد تفصيلها في كتاب الله تعالى؛ كالوضوء، وكونِهِ شرطًا في صحة الصلاة، ومنها ما يوجد فيه أصله؛ كالصلاة، والزكاة، فإنهما فيه مجملتان، ومنها ما أصل أصله، وهو كدلالة الكتاب على أصلية السُّنة والإجماع والقياس، فكل ما يُقتبس من هذه
[ ٢٦ / ٥٣٢ ]
الأصول تفصيلًا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلًا، كما قد بيَّناه في أصول الفقه.
وعلى هذا فمعنى الحديث: أن ما كان من الشروط مما لم يدلّ على صحته دليل شرعيٌ كان باطلًاح أي: فاسدًا مردّودًا. وهذا كما قاله - ﷺ - في الحديث الصحيح: "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ"، متّفق عليه.
وفي هذا من الفقه ما يدلُّ على أن العقود الشرعية إذا قارنها شرط فاسدٌ بطل ذلك الشرط خاصة، وصحَّ العقد، لكن هذا إنما يكون إذا كان ذلك الشرط خارجًا عن أركان العقد؛ كاشتراط الولاء في الكتابة، واشتراط السَّلف في البيع، فلو كان ذلك الشرط مُخِلًّا بركن من أركان العقد، أو مقصودًا؛ فُسخ العقد والشرط، وسيأتي لهذا مزيد بيان في حديث جابر، إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
(مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ - ﷿ - فَهُوَ بَاطلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ) أي: ولو شُرط مائة مرّة توكيدًا، فهو بَاطلٌ.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: "ولو كان مائة شرط" خرج مخرج التكثير؛ يعني: أن الشروط غير المشروعة باطلة ولو كثرت، ويفيد دليل خطابه أن الشروط المشروعة صحيحة، كما قد نصَّ عليه النبيّ - ﷺ - بقوله: "المؤمنون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرَّم حلالًا"، خرَّجه الترمذيّ (^٢) من حديث عمرو بن عوف، وقال: حديث حسن.
(كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ) مبتدأ وخبره؛ أي: أحقّ بأن يُتّبع من غيره (وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ) أي: أوكد من شرط الناس.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق" أي: حكمُ الله، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر - لَمَّا قال له الخصم: اقض بيننا بكتاب الله تعالى - فقال: "لأقضين بينكما بكتاب الله"، ثم قضى على الزاني البكر بالجلد والتغريب، وعلى الزانية الثيب بالرجم، وليس التغريب والرجم موجودين في كتاب الله تعالى، لكن في حكم الله المسمَّى بالسُّنة، وكذلك
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) "الجامع" رقم (١٣٥٢).
[ ٢٦ / ٥٣٣ ]
اختصاص الولاء بالمعتِق ليس موجودًا في كتاب الله، لكن في حكم الله به على لسان رسوله - ﷺ - مما يسمَّى سُنَّة. انتهى (^١).
وقوله: (مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلَانًا، وَالْوَلَاءُ لِي؟ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ") توكيد لقوله: "ما بال أقوام يشترطون إلخ".
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "إنما الولاء لمن أعتق" هذا حصر للولاء على من باشر العتق بنفسه، رجلًا كان، أو امرأةً، ممن يصح منه العتق، وَيستقلّ بتنفيذه، وقُوّة هذا الكلام قُوّة النفي والإيجاب، فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق، وإيَّاه عنى النبيّ - ﷺ - بقوله: "شرط الله أوثق"، في أصحِّ الأقوال وأحسنها.
وقال الداوديّ: هو قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وهو حجة على أبي حنيفة وأصحابه القائلين: بأن من أسلم على يديه رجل فولاؤه له، وبه قال الليث، وربيعة، وعلى إسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط، وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة، ولمن قال: إن من أعتق عبده عن غيره أو عن المسلمين أن ولاءه للمعتِق، وإليه ذهب ابن نافع فيمن أعتق عن المسلمين، ويلزمه فيمن أعتق عن غيره مطلقًا، وخالفه في ذلك مالك، والجمهور، متمسكين بأن مقصود الحديث بيان حكم من أعتق عن نفسه بدليل اتفاق المسلمين على أن الوكيل عن العتق معتِق، ومع ذلك فالولاء للمعتَق عنه إجماعًا، فكذلك حكم من أعتق عن الغير، وتقدّره الشافعية أنه مَلَكَه ثم ناب عنه في العِتْق، وأما أصحابنا - يعني المالكيّة - فإنهم قالوا: لا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ لأنه يصح العتق عن الميت، وهو لا يملك، وفيه نظر، فإنه إن لم يُقَدَّر الملك لزم منه هبة الولاء، وقد نهى النبيّ - ﷺ - عن بيع الولاء، وعن هبته، وإن قُدِّر الملك لم يصح العتق عن الميت؛ لأنه لا
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٢٧.
[ ٢٦ / ٥٣٤ ]
يملك، ويُتَخَلَّص عن هذا الإشكال ببحث طويل لا يليق بما نحن بصدده.
قال: ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرةٌ، لكن نذكر منها ما لها تعلُّق قريب بالحديث الذي ذكرناه، وهي ثماني مسائل:
[الأولى]: جواز كتابة من لا مال له ولا صنعة، فإن بريرة كانت كذلك، وإليه ذهب مالك، والشافعي، والثوري، غير أن مالكًا في المشهور كره كتابة الأنثى؛ التي لا صنعة لها، وكرهها أيضًا الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ورُوي مثله عن ابن عمر.
وهذا كلُّه يدل على أن "الخير" في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] لم يُرَد به المال، بل: الدِّين، والأمانة، والقوّة على الكسب، وقد ذهب قوم إلى أنه المال، فمنعوا ما أجازه المتقدمون، والحديث حجة عليهم.
[الثانية]: إن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء من الكتابة، وهو قول عامَّة العلماء، وفقهاء الأمصار، وحُكي عن بعض السلف إنه بنفس عقد الكتابة حرّ، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع إلى الرِّق أبدًا، وحُكي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه إن عجز عَتَق منه بقدر ما أدَّى، وحُكي عن عمر، وابن مسعود، وشُريح أنه إذا أدَّى الثلث من كتابته، فهو حرّ وغريم بالباقي، وعن بعض السَّلف الشَّطْر، وعن عطاء: مثله؛ إذا أدَّى الثلاثة الأرباع. وقد رُوي عن ابن مسعود، وشريح مثله؛ إذا أدَّى قيمته.
قال القرطبيّ - ﵀ -: وأضعف هذه الأقوال قول من قال: بعقد الكتابة يكون حرًّا، وغريِمًا بالكتابة، فإن حديث بريرة هذا يردُّه، وكذلك كتابة سلمان، وجويرية؛ فإن النبيّ - ﷺ - حَكَم لجميعهم بالرِّق حتى أَدَّوُا الكتابة.
وهذه الأحاديث أيضًا حجة للجمهور على أنَّ المكاتَب على حكم الرِّق ما بقي عليه شيء منها؛ مع ما رواه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ - ﷺ - قال: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته درهم"، وقد رَوى نحوه النسائيّ أيضًا من حديث عطاء الخراساني، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.
والصحيح موقوف على ابن عمر، وقد رُوي مثله عن عمر، وزيد بن
[ ٢٦ / ٥٣٥ ]
ثابت، وعائشة، وأم سلمة - ﵃ -، ومثل هذا لا يقوله الصحابيّ من رأيه، فهو إذا مرفوع.
وأما أقوال السلف؛ فأشبه ما فيها قول علي بن أبي طالب - ﵁ -، ويشهد له ما خرَّجه النسائي أيضًا عن ابن عباس، وعلي - ﵃ -، عن رسول الله - ﷺ -؛ أنه قال: "المكاتب يَعتِق منه بقدر ما أدَّى، ويقام عليه الحدّ بقدر ما أدَّى، ويرث بقدر ما عتق منه"، وإسناده صحيح، ويعتضد بما رواه الترمذيّ عن أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدِّي فلتحتجب منه". قال: حديث حسن صحيح.
قال القرطبيّ: وظاهره أنَّ هذا خطاب مع زوجاته؛ أخذًا بالاحتياط، والورع في حقهنَّ، كما قال لسودة: "احتجبي منه" مع أنه قد حكم بإخوّتها له، وبقوله لعائشة وحفصة: "أَفَعَمْياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟ "، يعني: ابن أم مكتوم، مع أنه قد قال لفاطمة بنت قيس: "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده"، متّفقٌ عليه.
[الثالثة]: حديث بريرة - على اختلاف طرقه، وألفاظه - يتضمن: أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدَّمت، فاختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك.
فمنهم من أجازه إذا رضي المكاتب بالبيع، ولو لم يكن عاجزًا، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البرّ، وبه قال ابن شهاب، وأبو الزناد، وربيعة، غير أنهم قالوا: لأن رضاه بالبغ عجزٌ منه.
ومنهم من قال: يجوز بيعه على أن يمضي في كتابته؛ فان أدَّى عتق، وكان ولاؤه للذي ابتاعه، ولو عجز فهو عبدٌ له، وبه قال النخعيّ، وعطاء، والليث، وأحمد، وأبو ثور.
ومنهم من منع بيع المكاتب إلا أن يعجز، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وأجاز مالك بيع الكتابة، فإن أدَّاها عتق، وإلا كان رقيقًا لمشتري الكتابة. ومنع ذلك أبو حنيفة؛ لأنه بيع غرر، واختَلَف قول الشافعيّ في ذلك بالمنع والإجازة، وكل هذا الخلاف سببه اختلاف فُهومهم في حديث بريرة وقواعد الشريعة، وقد قدمنا: أن الأظهر من الحديث جواز بيع المكاتب للمعتِق، وهو أحسنها؛ لأنه الأظهر من الحديث، والأنسب لقواعد
[ ٢٦ / ٥٣٦ ]
الشرع؛ لأن الكتابة عقد عتق على شرط عمل أو مال، وقد يحصل ذلك أو لا يحصل، وبيعه للعتق إسقاط لذلك الشرط، وتنجيز للعتق، والله أعلم.
والولاء للمشتري؛ لأن عقد الكتابة قد انفسخ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما سبق عن ابن عبد البرّ من جواز بيع المكاتب هو الأرجح؛ لظاهر حديث قصّة بريرة، فإنه - ﷺ - لمّا أجاز شراءها لم يستفصل شيئًا، ولم يقيّده بشيء، بل أجازه مطلقًا، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
[المسألة الرابعة]: اتفق المسلمون على أن المكاتب إذا حلَّ عليه نجم أو أكثر، فلم يطالبه سيده بذلك، وتركه على حاله؛ أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك، واختلفوا فيما إذا كان العبد قويًّا على السعي والأداء، فقال مالك: ليس له تعجيز نفسه إذا كان له مال ظاهر، وإن لم يظهر له مال كان له ذلك، وقال الأوزاعيّ: لا يُمَكَّن من تعجيز نفسه إذا كان قويًّا على الأداء، وقال الشافعيّ: له أن يعجز نفسه؛ عُلم له مال أو قوة، أو لم يُعلم، وإذا قال: قد عجزت، وأبطلت الكتابة، فذلك إليه.
قال القرطبيّ - ﵀ -: والصحيح: أن الكتابة لا سبيل إلى إبطال حكمها ما أمكن ذلك؛ لأنها إما أن تكون عقدًا بين السيد وعبده، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود، وإما وعدًا بالعتق وعهدًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وإما عتقًا على شرط يمكن تحصيله؛ فيجب الوفاء به؛ لقوله - ﷺ -: "المؤمنون على شروطهم" (^١)، ولأنه لو علَّق عتقه على أجل يأتي، أو على أمرٍ يحصل لزمه العقد، وحصل العتق عند حصول ذلك الشرط، فكذلك عقد الكتابة، ويستثنى من هذا بيعه للعتق، كما بيَّناه، وإذا كان كذلك، فلا يُقْبَل من السيد، ولا من العبد دعوى العجز حتى يتبين بالطرق المعتبرة في ذلك.
[المسألة الخامسة]: إذا عجز العبد وكان السيد قبض منه بعض نجوم الكتابة حلَّ ذلك للسيد، سواء كان ذلك من صدقة على المكاتب أو غيرها،
_________________
(١) حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٥٩٤)، والترمذيّ (١٣٥٢).
[ ٢٦ / ٥٣٧ ]
ولا رجوع للمكاتب بذلك، ولا لمن أعطاه على وجه فكاك الرقبة، هذا قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وأحمد بن حنبل، ورواية عن شُريح، ومالك، غير أنه قال: إن ما أُعينَ به - على جهة فك رقبته - لا يحل للسيد، ويردّ على ربه، أو قال إسحاق: ما أعطي بحال الكتابة رُدَّ على أربابه، وقال الثوريّ: يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب، وهو قول مسروق، والنخعيّ، ورواية عن شُريح.
قال القرطبيّ: وما قاله مالك ظاهر، لا إشكال فيه.
قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبي هذا حسنٌ، والله تعالى أعلم.
[المسألة السادسة]: فيه دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج لا يوجب طلاقها، وعليه فقهاء الأمصار، وقد روي عن ابن عباس، وابن مسعود: أنه طلاق لها، والعجب من ابن عباس أنه أحد رواة حديث بريرة، ومع ذلك فلم يَقُل بما رَوَى من ذلك.
[المسألة السابعة]: الولاء - وإن لم يوهب ولم يبع - يصح فيه الجرُّ في صورتين:
إحداهما: هي التي قال فيها مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في ولد العبد من امرأة حُرَّة: أن الحرَّ - أبا العبد - يجرُّ ولاء ولد ابنه الأحرار من امرأةٍ حرَّة، ويرثهم ما دام أبوهم عبدًا، فإن أُعتِقَ أبوهم رجع الولاء إلى مواليه، وإن مات وهو عبد كان الولاء والميراث للجدّ.
وأما الصورة الثانية: فاختَلَف أهل العلم في انتقال الولاء الذي قد ثبت لموالي الأمة المعتقة في بَنيها من الزوج العبد إن أعتق، فرُوي عن جماعة من العلماء: أن ولاءهم لموالي أمهم، ولا يجرّه الأب إن أُعتق، وروي ذلك عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة بن خالد ومجاهد، وابن شهاب وقبيصة بن ذؤيب، وقضى به عبد الملك بن مروان في آخر خلافته، لمّا بلغه قضاء عمر به، وكان قبلُ يقضي بقضاء مروان أن الولاء يعود إلى موالي أبيهم، وبهذا القول قال مالك، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
[المسألة الثامنة]: ولاء السائبة - وهو: الذي يقول له معتقه: أنت عتيق
[ ٢٦ / ٥٣٨ ]
سائبة، أو أنت مُسيَّب، أو ما أشبهه -: للمسلمين عند مالك، وجُلّ أصحابه، لا للذي أعتقه، وليمس للمعتق أن يوالي من شاء، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وروي عن عمر.
وقال ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، والأوزاعيّ، والليث: إنه يوالي من شاء، وإلا فللمسلمين، وكان الشعبيّ وإبراهيم يقولان: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهِبَته، وقال أبو حنيفة، والشافعيّ وأصحابهما، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: هو لمعتقه لا لغيره، ولا يوالي أحدًا. انتهى ما كتبه القرطبيّ - ﵀ - على هذا الحديث، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة مسائله قبل حديث، وأذكر هنا مسألة لم يتقدّم البحث فيها، فأقول:
[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: "واشترطي لهم الولاء".
قال القرطبيّ - ﵀ -: هذه اللفظة - يعني قوله: "واشترطي لهم الولاء" - لفظة انفرد بها هشام، والرواة كلهم لهم لا يذكرونها، وهي مشكلة، ووجه إشكالها: أن ظاهره: أنه أمرها باشتراط ما لا يجوز، ولا يصح، ولا يلزم لمن لا يعلم ذلك ليتم البيع، وذلك حَمْل على ما لا يجوز، وغشٌّ، وغرر لمن لا يعلم ذلك، وكل ذلك محال على النبيّ - ﷺ -، ولَمَّا وقع هذا الإشكال العظيم تحزَّب العلماء في التخلص منه أحزابًا، فمنهم من أنكر هذه الرواية عن هشام من حيث انفرد بها عن الحفاظ، وهو: يحيى بن أكثم، والجمهور على القول بصحَّة الحديث؛ لأن هشامًا ثقة، حافظ، إمام، ثم قد روى هذا الحديث الأئمة عنه، وقبلوه، كمالك وغيره مع تَحَرّزهم، ونقدهم، وعلمهم بما يُقْبَلُ وبما يُرَدّ، وخصوصًا أمير المؤمنين بالحديث مالك بن أنس، فقد أخذه عنه، ورواه عُمُرَه لجماهير الناس، ولا إنكار منه، ولا نكير عليه، فصار الحديث مُجْمَعًا على صحته، ولَمَّا ثبت ذلك رام العلماء القابلون للحديث التخلّص من ذلك الإشكال بإبداء تأويلاتٍ، أقربها أربعة:
(الأول): أن قوله: "واشترطي لهم الولاء": أي: عليهم، كما قال
[ ٢٦ / ٥٣٩ ]
تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: عليها، ومنه قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم.
(الثاني): أن قوله: "اشترطي" لم يكن على جهة الإباحة، لكن على جهة التنبيه على أن ذلك الشرط لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، فكأنه يقول: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم، وقد قوَّى هذا الوجه ما جاء من رواية أيمن المكي عن عائشة: "اشتريها، ودعيهم يشترطون".
(الثالث): أن النبيّ - ﷺ - قد كان أعلم بأن اشتراط البائع الولاء باطل، واشتَهَر ذلك، بحيث لا يخفى على هؤلاء، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا لِمَا عَلِموا بطلانه أطلق صيغة الأمر مريدًا بها التهديد على مآل الحال، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فكأنه يقول: اشترطي لهم، فسيعلمون أن ذلك لا يفيد، ويؤيِّده قوله في حين خطبهم: "ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق"، فتوبيخهم بمثل هذا القول يدلُّ على ما كان قد تقدَّم بيانه لحكم الله تعالى بإبطاله؛ إذ لو لم يتقدَّم بيان ذلك لبدأ الآن ببيان الحكم، لا بتوبيخ الفاعل؛ لأنه باق على البراءة الأصلية. قال القرطبيّ: وهذه التأويلات الثلاث لعلمائنا.
(الرابع): ما قاله الطحاويّ من أن الشافعي روى هذه اللفظة عن مالك عن هشام بن عروة بإسناده، ولفظه، وقال فيها: "وأشرطي لهم الولاء" - بغير تاء -، وقال: معناه: أظهري لهم حكم الولاء؛ لأن الإشراط هو: الإظهار في كلام العرب، ثم أورد الشاهد الآتي قريبًا.
قال: وهذه الرواية مما انفرد بها الشافعيّ، عن مالك، والجمهور من الأئمة الحفاظ على ما تقدم من ذلك. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": قال ابن عبد البز، وغيره: كذا رواه أصحاب هشام، عن عروة، وأصحاب مالك، عن هشام، واستُشكل صدور الإذن منه - ﷺ - في البيع على شرط فاسدٍ، واختلف العلماء في ذلك: فمنهم من أنكر الشرط في
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٦.
[ ٢٦ / ٥٤٠ ]
الحديث، فروى الخطّابيّ في "المعالم" (^١) بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك.
وعن الشافعيّ في "الأمّ" الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرّحة بالاشتراط؛ لكونه انفرد بها، دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل، وأشار غيره إلى أنه رَوَى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظَنّ.
وأثبت آخرون، وقالوا: هشام ثقةٌ حافظٌ، والحديث متّفقٌ على صحّته، فلا وجه لردّه، ثمّ اختلفوا في توجيهها: فزعم الطحاويّ أن المزنيّ حدّث به عن الشافعيّ بلفظ: "وأشرطي" بهمزة قطع، بغير تاء مثنّاة، ثمّ وجّهه بأنّ معناه: أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار، قال أوس بن حجر:
فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْلِمٌ … وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا
يعني أظهر نفسه لَمّا حاول أن يفعل.
وأنكر غيره الرواية. والذي في "مختصر المزنيّ"، و"الأمّ"، وغيرهما عن الشافعيّ كرواية الجمهور: "واشترطي" بصيغة أمر المؤنّث من الشرط، ثمّ حكى الطحاويّ أيضًا تأويل الرواية التي بلفظ "اشترطي"، وأن اللام في قوله: "اشترطي لهم" بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وهذا المشهور عن المزنيّ، وجزم به الخطّابيّ، وهو صحيحٌ عن الشافعيّ، أسنده البيهقيّ في "المعرفة" من طريق أبي حاتم الرازيّ، عن حرملة، عنه. وحكى الخطّابيّ، عن ابن خزيمة أن قول يحيى بن أكثم غلطٌ، والتأويل المنقول عن المزنيّ لا يصحّ،
وقال النوويّ: تأويل اللام بمعنى "على" هنا ضعيف؛ لأنه - ﷺ - أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى "على" لم يُنكره.
فإن قيل: ما أنكر إلا إرادة الاشتراط في أوّل الأمر.
فالجواب أن سياق الحديث يأبى ذلك.
وضعّفه أيضًا ابن دقيق العيد، وقال: اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فلا بُدّ في حملها على ذلك من قرينة.
_________________
(١) ٤/ ٦١.
[ ٢٦ / ٥٤١ ]
وقال آخرون: الأمر في قوله: "واشترطي"، للإباحة، وهو على وجه التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: اشترطي، أو لا تشترطي، فذلك لا يُفيدهم.
ويقوّي هذا التأويل قوله في رواية أيمن عند البخاريّ: "اشتريها، ودعيهم يشترطون ما شاؤوا".
وقيل: كان النبيُّ - ﷺ - أعلم الناسَ بأن اشتراط البائع الولاء باطلٌ، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدّم لهم العلمُ ببطلانه أطلق الأمر، مُريدًا به التهديد على مآل الحال، كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وكقول موسى: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] أي: فليس ذلك بنافعكم، وكأنّه يقول: اشترطي لهم، فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم.
ويؤيّده قوله حين خطبهم: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا إلخ"، فوبّخهم بهذا القول، مشيرًا إلى أنه قد تقدّم منه بيان حكم الله بإبطاله، إذ لو لم يتقدّم بيان ذلك، لبدأ ببيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل؛ لأنه كان يكون باقيًا على البراءة الأصليّة.
وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
وقال الشافعيّ في "الأمّ": لمّا كان مَن اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصيًا، وكانت في المعاصي حدودٌ، وآدابٌ، وكان من أدب العاصين أن يُعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك، ويرتدع به غيرهم، كان ذلك من أيسر الأدب.
وقال غيره: معنى "اشترطي": اتركي مخالفتهم فيما اشترطوه، ولا تُظهري نزاعهم فيما دعوا إليه، مراعاة لتنجيز العتق؛ لتشوّف الشارع إليه، وقد يعبّر عن الترك بالفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسحر.
[ ٢٦ / ٥٤٢ ]
قال ابن دقيق العيد: وهذا وإن كان مُحْتَمِلًا، إلا أنه خارجٌ عن الحقيقة من غير دلالة على المجاز من حيث السياق.
وقال النوويّ: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاصّ بعائشة في هذه القضيّة، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط؛ لمخالفته حكم الشارع، وهو كفسخ الحجّ إلى العمرة، كان خاصًّا بتلك الحجّة، مبالغةً في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحجّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قوّاه النوويّ ضعيفٌ عندي؛ إذ خطبته - ﷺ - المذكورة في الحديث تردّ هذه الدعوى، حيث عمّمت بإبطال كلّ شروطٍ منافية لحكم الشارع.
وقد تعقّبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، ولأن الشافعيّ نصّ على خلاف هذه المقالة.
ثمّ إن ما ذكره في فسخ الحجّ ضعيفٌ أيضًا، إذ الحقّ أن فسخ الحجّ إلى العمرة ليس خاصًّا بتلك الحجّة، بل عامّ إلى يوم القيامة، وقد تقدّم تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في "كتاب الحجّ"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
قال: ويُستفاد منه ارتكاب أخفّ المفسدتين، إذا استلزم إزالة أشدّهما.
وتُعُقّب بأنه استدلالٌ بِمُختَلَفٍ فيه على مُختَلَفٍ فيه.
وقال ابن الجوزيّ: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيُحْمَل على أنه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله: "اشترطي" مجرّد الوعد، ولا يجب الوفاء به.
وتُعُقّب باستبعاد أنه - ﷺ - يأمر شخصًا أن يَعِدَ مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد.
وأغرب ابن حزم، فقال: كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثم نُسخ ذلك الحكم بخطبته - ﷺ -، وبقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، ولا يخفى بُعْدُ ما قال، وسياق طرق الحديث يدفع في وجه هذا الجواب، والله المستعان.
وقال الخطّابيّ: وجه هذا الحديث أن الولاء لَمّا كان كلُحْمة النسب، والإنسان إذا وُلد له ولدٌ ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه، ولو نُسب إلى
[ ٢٦ / ٥٤٣ ]
غيره، فكذلك إذا أعتَقَ عبدًا ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولائه عنه، أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبا باشتراطهم الولاء، وقيل: "اشترطي"، و"دعيهم يشترطون ما شاؤوا"، ونحو ذلك؛ لأن ذلك غير قادح في العقد، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأَخّر إعلامهم بذلك؛ ليكون ردّه، وإبطاله قولًا شهيرًا، يُخطب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النكير، وأوكد في التعبير. انتهى، وهو يؤول إلى أن الأمر فيه بمعنى الإباحة، كما تقدّم. قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: أقرب الأجوبة عندي أن الأمر بالاشتراط من باب التهديد، فكأنه قال: اشترطي لهم الولاء، ولا ينفعهم ذلك؛ لعلمهم بأن هذا الشرط باطل، وذلك لأنه بيّن لهم الحكم سابقًا، ولكنهم تساهلوا في ذلك، فأراد أن يأدبهم بالاشتراط الذي لا ينفعهم.
قال القاضي عياض: قال محمد بن داود الأصبهاني: أما قول النبي - ﷺ -: "اشترطي لهم الولاء" إنما معناه: أن ذلك بعد علمهم، ولم يأمرها - ﷺ - باشتراطه، ثم يُبطل الشرط، ويصحّح البيع، وهم غير عالمين ببطلانه، وإنما كان هذا منه تهديدًا لمن رغِب عن حكمه، وخالف أمره. انتهى (^٢). وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٧٥]، (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، غيْرَ أَن فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: "أمَّا بَعْدُ").
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٧ "كتاب المكاتب" رقم (٢٥٦٣).
(٢) "إكمال المعلم" ٥/ ١١٤.
[ ٢٦ / ٥٤٤ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٣ - (وَكيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (زهَيْرُ بْنُ حَرْب) تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) يعني أن هؤلاء الثلاثة: عبد الله بن نُمير، ووكيع، وجرير رووه عن هشام بن عروة نحو رواية أبي أسامة الماضية عنه.
وقوله: (وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا) زوج بريرة اسمه مغيث، ويقال: برير، ويقال: مِقسَم (^١).
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن هشام لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
ورواية وكيع، عن هشام ساقها ابن ماجه في "سننه" ٢/ ٨٤٢ فقال:
(٢٥٢١) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعليّ بن محمد قالا: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيّ - ﷺ - أن بريرة أتتها، وهي مكاتبة، قد كاتبها أهلها على تسع أواق، فقالت لها: إن شاء أهلك عددت لهم عَدَّةً واحدةً، وكان الولاء لي، قال: فأتت أهلها، فذكرت ذلك لهم، فأبوا إلا أن تشترط الولاء لهم، فذكرت عائشة ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: "افعلي"،. قال: فقام النبيّ - ﷺ -، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحقّ، وشرط الله أوثق، والولاء لمن أعتق". انتهى.
_________________
(١) "تنبيه المعلم" (ص ٥٩٤).
[ ٢٦ / ٥٤٥ ]
ورواية جرير، عن هشام ساقها إسحاق ابن راهويه في "مسنده" ٢/ ٢٤٤ فقال:
(٧٤٦) - أخبرنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كاتبت بريرة على نفسها بتسع أواق، في كل سنة أوقية، فأتت عائشة تستعينها، فقالت: لا، إلا أن يشاؤوا أن أعدّها لهم عَدّة واحدةً، ويكون الولاء لي، فذهبت بريرة، وكلَّمت بذلك أهلها، فأبوا عليها إلا أن يكون الولاء لهم، فجاءت إلى عائشة، وجاء رسول الله - ﷺ - عند ذلك، فقالت لها ما قال أهلها، فقالت: لا ها الله إذًا، إلا أن يكون الولاء لي، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما هذا؟ " فقلت: يا رسول الله إن بريرة أتتني تستعين بي على كتابتها، فقلت: لا، إلا أن يشاؤوا أن أعدّها لهم عَدَّة واحدة، ويكون الولاء لي، وقد ذكَرَتْ ذلك لأهلها، فأبوا عليها، إلا أن يكون الولاء لهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "ابتاعيها، واشترطي لهم الولاء، وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق"، ثم قام، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب الله؟ يقولون: أعتق يا فلان، والولاء لي، كتاب الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط"، فخيّرها رسول الله - ﷺ - من زوجها، وكان عبدًا، فاختارت نفسها، قال عروة: لو كان حرًّا ما خيّرها رسول الله - ﷺ -. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
٣٧٧٦١، (…) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ: أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا، وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، قَالَتْ: وَعَتَقَتْ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا، وَتُهْدِي لَنَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّة، فَكُلُوهُ").
[ ٢٦ / ٥٤٦ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو مُعَاوِية) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ) جمع قضيّة، من القضاء، وهو الحكم؛ أي: ثلاثة أحكام، وهو بمعنى قولها الآتي: "ثلاث سُنن".
قال القرطبيّ - ﵀ -: تعني به أن هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن، وإلا فقد تبيَّن أن فيه من ذلك العدد الكثير، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر، وَيحْتَمِل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر؛ لكونها أصولًا لِمَا عداها مِمَّا تضمنه الحديث، أو لكونها أهمّ، والحاجة إليها أمسّ، والله أعلم.
فأحد القضيَّات الثلاث: عتقها، والثانية: تخييرها، والثالثة: أَكْلُ النبيّ - ﷺ - مِمَّا تُصدِّقَ به عليها. انتهى (^١).
وفي رواية ربيعة، عن القاسم الآتية: "كان في بريرة ثلاثُ سُنن"، وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد، وأبي داود: "قضَى فيها النبيّ - ﷺ - أربع قضيّات"، فذكر نحو حديث عائشة، وزاد: "وأمرها أن تعتدّ عدّة الحرّة"، أخرجه الدارقطنيّ.
قال في "الفتح": وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة، فلذلك اقتَصَرَت على ثلاث، لكن أخرج ابن ماجه من طريق الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "أُمرت بَريرة أن تعتدّ بثلاث حِيَض"، وهذا مثلُ حديث ابن عبّاس في قوله: "تعتدّ عدّة الحرّة"، ويخالف ما وقع في رواية
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٣٤.
[ ٢٦ / ٥٤٧ ]
أُخرى عن ابن عبّاس: "تعتدّ بحيضة"، وسيأتي البحث في عدّة المختلعة، وأن من قال: الخلع فسخٌ، قال: تعتدّ بحيضة، وهنا ليس اختيار العتيقة نفسها طلاقًا، فكان القياس أن تعتدّ بحيضة، لكن الحديث الذي أخرجه ابن ماجه على شرط الشيخين، بل هو في أعلى درجات الصحّة.
وقد أخرج أبو يعلى، والبيهقيّ من طريق أبي معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵄ -: "أنّ النبيّ - ﷺ - جعل عدّة بريرة عدّة المطلّقة"، وهو شاهدٌ قويّ؛ لأن أبا معشر، وإن كان فيه ضعفٌ، لكن يصلح في المتابعات.
وأخرج ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن عثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وآخرين: "أنّ الأمة إذا أُعتقت تحت العبد، فطلاقها طلاق عبد، وعدّتها عدّة حرّة".
وقد صنّف العلماء في قصّة بريرة تصانيف، وإنّ بعضهم أوصلها إلى أربعمائة فائدة، ولا يُخالف ذلك قول عائشة - ﵄ -: "ثلاث سُنن"؛ لأن مراد عائشة ما وقع من الأحكام فيها مقصودًا خاصّةً، لكن لمّا كان كلّ حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يَستنبط العالم الفَطِن منها فوائد جمّة وقع التكثير من هذه الحيثيّة، وانضمّ إلى ذلك ما وقع في سياق القصّة غير مقصود، فإن في ذلك أيضًا فوائد تؤخذ بطريق التنصيص، أو الاستنباط، أو اقتصر على الثلاث، أو الأربع؛ لكونها أظهر ما فيها، وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنها أهمّ، والحاجة إليها أمسّ.
قال القاضي عياضٌ: معنى "ثلاث"، أو "أربع" أنها شُرعت في قصّتها، وما يظهر فيها مما سوى ذلك، فكان قد عُلم من غير قصّتها، وهذا أولى من قول من قال: ليس في كلام عائشة حصرٌ، ومفهوم العدد ليس بحجّة، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تدفع سؤال: ما الحكمة في الاقتصار على ذلك؟ قاله في "الفتح" (^١).
ثم ذكرت إحدى القضيّات الثلاث، وهي الولاء لمن أَعتَق بقولها:
(أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا، ويَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا) أي: لهم (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥٠٨ - ٥٠٩.
[ ٢٦ / ٥٤٨ ]
لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، فَإنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ") قد تقدّم البحث في هذا مستوفًى.
وأشارت إلى القضيّة الثانية، وهي ثبوت الخيار للأمة إذا أُعتقت بقولها:
(قَالَتْ) عائشة - ﵄ - (وَعَتَقَتْ) بالبناء للفاعل، من باب ضَرَبَ (فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: بين البقاء تحت زوجها، وعدم البقاء (فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) وفي رواية الأسود عن عائشة: "فدعاها رسول الله - ﷺ -، فخيّرها من زوجها، قالت: لو أعطاني كذا وكذا ما أقمتُ عنده، فاختارت نفسها". وفي رواية عند البخاري: "فخُيّرت بين أن تقرّ تحت زوجها، أو تُفارقه". و"تقرّ" بفتح القاف، وتشديد الراء؛ أي: تدوم، وفي رواية للدارقطنيّ من طريق أبان بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -: أن النبيّ - ﷺ - قال لبريرة: "اذهبي فقد عَتَقَ بُضْعُك".
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "وعتقت فخيّرها رسول الله - ﷺ - فاختارت نفسها"، هذه الرواية فيها إجمال وإطلاق، وقد زال إجمالها، وتقيَّد إطلاقها بالروايتين المذكورتين بعدها، فإن فيهما: أن بريرة كان لها زوج حين أعتقت، وأن زوجها كان عبدًا، ومقتضى هذا الحديث بقيوده مجمع عليه؛ وهو: أن الأمة ذات الزوج العبد إذا أُعتِقت مخيرةٌ في الرِّضا بالبقاء مع زوجها أو مفارقته؛ لشرف الحرّية الذي حصل لها على زوجها، ولدفع مضرَّة المعرَّة اللاحقة لها بمُلك العبد لها، ولَمَّا كان هذا راجعًا لحقها، لا لحق الله تعالى: خيّرها الرسول - ﷺ - في أن تأخذ بحقها فتفارقه، أو تسقطه؛ فترضى بالمقام معه، وعلى هذا: فلو كان زوجها حرًّا لم يكن لها خيار للمساواة بينهما، ولنفي الضرر اللاحق بها، وهذا مذهب جمهور العلماء.
وقد شذَّ أبو حنيفة، فأثبت لها الخيار، وإن كان زوجها حرًّا؛ متمسِّكًا بما قال الحكم: إن زوج بريرة كان حرًّا، وكذلك قال الأسود، وكلاهما لا يصح، قال البخاري: إن قول الحكم مرسل، وقول الأسود منقطع، قال: وقول ابن عباس: "كان عبدًا" أصح، وكذلك رواه جماعة عن يزيد بن رُومان، عن عروة، عن عائشة: أنه كان عبدًا، وهو الصحيح عنها.
وقد تمسَّك أيضًا أبو حنيفة بما تخيَّله من أن علَّة تخيير بريرة كونها كانت
[ ٢٦ / ٥٤٩ ]
مجبورة على النكاح، فلما عتقت ملكت نفسها، وهو مطالب بدليل اعتبار هذه العلَّة، وقد يتمسَّكون في ذلك بزيادة في حديث بريرة غير ثابتة فيه، ولا مشهورة، وهي: أن النبيّ - ﷺ - قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري"، ولو سلّمنا صحتها، لكن لا نسلم أن الفاء هنا للتعليل، بل هي لمجرد العطف، سلَّمنا أنها ظاهرة فيه، لكن عندنا الإجماع على عدم اعتبار تلك العلَّة في ولاية الإجبار على الأصاغر، وذلك: أنهم يلزمهم ما عُقد عليهم في حال صغرهم ذكرانًا كانوا أو إناثًا إذا زال حَجرهم، واستقلوا لأنفسهم، ولا خيار يثبت بالإجماع. لا يقال: بينهما فرق، وهو: أن جبر الأمة للرقّ، وجبر الحرّة للصغر؛ لأنا نقول: ذلك الفرق صوري، خَلِيّ عن المناسبة؛ إذ الكل ولاية إجبار، وقد ارتفع في الصورتين، فيلزم تساويهما في الخيار فيهما، أو في عدمه، والله أعلم.
وقد خرَّج البخاري حديث بريرة هذا عن ابن عباس فقال فيه: إن زوج بريرة كان عبدًا، يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه خلفها يطوف يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبيّ - ﷺ -: "لو راجعتيه"، قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: "إنما أشفع"، قالت: فلا حاجة، وزاد عليه أبو داود: وأمرها أن تعتدّ، وزاد الدارقطني: عدّة الحرَّة، وخرَّجه أبو داود من حديث عائشة، فقال: إن بريرة عتقت وهي تحت مغيث - عبد لآل أبي أحمد - فخيَّرها رسول الله - ﷺ -، وقال: "إن قَرِبَكِ فلا خيار لك".
وهذه الطرق فيها أبواب من الفقه زيادة على ما ذكره مسلم.
فمنها: جواز إظهار الرجل محبة زوجته، وجواز التذلل والرغبة والبكاء بسبب ذلك؛ إذ لم ينكر النبيّ - ﷺ - على مغيث شيئًا من ذلك، ولا نبَّهَهُ عليه.
وفيه: جواز عرض الاستشفاع، والتلطف فيه، وتنزّل الرجل الكبير للمشفوع عنده؛ وإن كان نازل القدر.
وفيه: ما يدلُّ على فقه بريرة حيث فرّقت بين الأمر والاستشفاع، وأن أمر النبيّ - ﷺ - كان محمولًا عندهم على الوجوب، بحيث لا يُرَدُّ، ولا يُخَالَف.
وفيه: النصوص: على أن الزوج كان عبدًا.
وفيه: ما يدلُّ على أن تمكين المخيَّرة من نفسها طائعة يُبْطل خيارها،
[ ٢٦ / ٥٥٠ ]
ويفهم منه أن كل من له الخيار في شيء فتصرف فيه تصرُّف الْمُلاك مختارًا، إنه قد أسقط خياره.
وفيه: جواز تصريح المرأة بكراهة الزوج.
وفيه: ما يدلُّ على أن نفس اختيارها لنفسها كافٍ في وقوع الطلاق؛ إذا لم تصرّح بلفظ طلاق، ولا غيره، لكن حالها دلَّ على ذلك، فاكتفي به، ووقع الطلاق عليها، وحينئذ أمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
ثم أشارت إلى القضيّة الثالثة، وهي حلّ ما تُصدّق به عليها إذا أهدته للنبيّ - ﷺ -، بقولها:
(قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا) أي: على بريرة (وَتُهْدِي لَنَا) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيًّا (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) وفي رواية ربيعة الآتية: "وأُهدي لها لحم، فدخل عليّ رسول الله - ﷺ -، والْبُرْمة على النار، فدعا بطعام، فأُتي بخبز وأُدْم من أُدْم البيت، فقال: ألم أر بُرْمة على النار، فيها لحمٌ؟ فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تُصُدّق به على بريرة، فكرهنا أن نُطعمك منه، فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا منها هديةٌ".
وفي رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه الآتية: "وأهدي لرسول الله - ﷺ - لحمٌ، فقالوا للنبيّ - ﷺ -: هذا تُصُدِّق به على بريرة"، قال في "الفتح": ويُجمع بين الروايتين بأنه لَمّا سأل عنه أُتي به، وقيل له ذلك.
ووقع في رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة عند البخاريّ في "الهبة": "فاُهدي لها لحم، فقيل: هذا تُصدّق به على بَرِيرة"، فإن كان الضمير لبريرة، فكأنه أطلق على الصدقة عليها هديّة لها، وإن كان لعائشة فلأن بَريرة لما تصدّقوا عليها باللحم أهدت منه لعائشة، ويؤيّده ما وقع في رواية أسامة بن زيد، عن القاسم عند أحمد، وابن ماجه: "ودخل عليّ رسول الله - ﷺ -، والْمِرْجل يَفور بلحم، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: أهلله لنا بريرة، وتُصُدّق به عليها"، وعند أحمد، ومسلم من طريق أبي معاوية، عن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٧.
[ ٢٦ / ٥٥١ ]
هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "وكان الناس يتصدّقون عليها، فتُهدي لنا". انتهى.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَكلمْ هَدِيَّةٌ، فَكُلُوهُ") فيه دليل على أن تحريم الصدقة على الغنيّ، والهاشميّ ليس لعينها، بل لصفتها، فإنه يجوز للمتصدَّق عليه أن يتصرّف في ما تُصُدّق به عليه كيفما شاء، فيجوز له البيع، والهبة، بعدما دخل في ملكه، فيجوز لكل من أهدى إليه أن يأكله.
ومثل هذه الواقعة ما أخرجه الشيخان عن أم عطيّة الأنصاريّة - ﵂ - قال: "دخل النبيّ - ﷺ - على عائشة، فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت: لا، إلا شيء بعثتْ به نُسيبة إلينا من الشاة التي بعثتَ بها من الصدقة، فقال: إنها بلغت مَحِلّها".
قال صاحب تكملة فتح الملهم": وهذا إذا دخل الشي في ملك الواهب، أما إذا لم يدخل في ملكه فلا يسعه أن يهبه لغيره، ولا يحلّ لذلك الغير أن يأخذه منه، فبطل بذلك ما استدلّ به بعض جهلة عصرنا على جواز قبول الهدي من آكل الربا، فإن الربا لا يدخل في ملكه، فكيف يصحّ هبته؟ فليُتنبّه. انتهى (^١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ؛ أنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ مِنْ أُناسٍ، مِنَ الأنصَار، وَاشْتَرَطُواَ الْوَلَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْوَلَاءُ لِمَنْ وَليَ النِّعْمَةَ"، وَخَيرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَأَهْدَتْ لِعَائِشَةَ لَحْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْ صَنَعْتُم لَنَا مِنْ هَذَا اللَّحْمِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَة، وَلنَا هَدِيَّةٌ").
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ١/ ٢٩٠.
[ ٢٦ / ٥٥٢ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِي) الْجُعفيّ القارئ، تقدّم قريبًا.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (الْوَلَاءُ لِمَنْ وَليَ النِّعْمَةَ) معناه: أن الولاء لمن أَعْتَق؛ لأن ولاية النعمة التي يستحقّ بها الميراث لا تكون إلا بالعتق، وفي رواية للبخاريّ في "الفرائض": "الولاء لمن أعطى الْوَرِق، وولي النعمة"؛ أي: لمن أَعتق بعد إعطاء الثمن، عَبّر عن الثمن بالورق، وهو الفضّة؛ لغلبته في الأثمان.
وقال في "الفتح": معنى قوله: "أعطى الوَرِق"؛ أي: الثمن، وإنما عَبّر بالورق؛ لأنه الغالب، ومعنى قوله: "وولي النعمة": أعتق، ومطابقته لقوله: "الولاء لمن أعتق" أن صحة العتق تستدعي سبق مُلك، والمُلك يستدعي ثبوت العِوَض.
قال ابن بطال: هذا الحديث يقتضي أن الولاء لكل مُعْتِق، ذكرًا كان، أو أنثى، وهو مجمع عليه، وأما جَرّ الولاء، فقال الأبهريّ: ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أولاد من أعتقن، إلا ما جاء عن مسروق أنه قال: لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباؤهم، بل الذكور والإناث فيه سواء، كالميراث، ونَقَل ابن المنذر عن طاوس مثله، وعليه اقتصر سحنون فيما نقله ابن التين.
وتُعُقِّب الحصر الذي ذكره الأبهريّ تبعًا لسحنون وغيره بأنه يَرِد عليه ولد الإناث من ولد من أعتقن، قال: والعبارة السالمة أن يقال: إلا ما أعتقن، أو جرّه إليهنّ من أعتقن، بولادة، أو عِتْقٍ؛ احترازًا ممن لها ولد من زنا، أو كانت ملاعنةً، أو كان زوجها عبدًا، فإن ولاء ولد هؤلاء كلهنّ لمعتق الأم.
والحجة للجمهور اتفاق الصحابة، ومن حيث النظر أن المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذي هو آكد من التعصيب، فاختص بالولاء من يستوعب المال، وهو الذكر، وإنما ورثن من عتقن؛ لأنه عن مباشرة، لا عن جَرّ الإرث.
[ ٢٦ / ٥٥٣ ]
واستُدِلّ بقوله: "الولاء لمن أعطى الْوَرِق" على من قال فيمن أعتق عن غيره بوصية من المعتق عنه: إن الولاء للمعتِق؛ عملًا بعموم قوله: "الولاء لمن أعتق"، وموضع الدلالة منه قوله: "الولاء لمن أعطى الورق"، فدلّ على أن المراد بقوله: "لمن أَعْتق" لمن كان من عُتِق في ملكه حين العتق، لا لمن باشر العتق فقط. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٧٨] (…) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِم، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْق، فَاشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، فَإنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وَأُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَحْمٌ، فَقَالُوا لِلنَّبِي - ﷺ -: هَذا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ"، وَخُيِّرَتْ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَألتُهُ عَن زَوْجِهَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وفيما قبله.
وقوله: (وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، قَالَ شُعْبَةُ: ثمَّ سَألتُهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي) المسئول هو عبد الرحمن بن القاسم، وفي رواية البخاريّ عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، قال عبد الرحمن: زوجها حرّ، أو عبدٌ، قال شعبة: سألت عبد الرحمن عن زوجها، قال: لا أدري أحرّ، أم عبد؟ وفي رواية النسائيّ عن محمد بن إسماعيل، عن يحيى بن أبي بكير، عن شعبة، عن عبد الرحمن: "وكان زوجها عبدًا، ثم قال بعد ذلك: ما أدري".
وكل هذا يدلّ على أن عبد الرحمن كان متردّدًا، فمرّةً يقول: حرّ، ومرّةً يقول: عبد، ومرّةً يقول: لا أدري، وقد تقدّم أن المحفوظ أنه كان عبدًا، كما رواية الأكثرين، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٤٨ "كتاب الفرائض".
[ ٢٦ / ٥٥٤ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٧٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان الملقّب أبا الْجَوزاء، ثقة [١١] (ت ٢٤٦) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي داود، عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٢٢٩ فقال:
(٤٧٦٩) - حدّثنا يونس بن حبيب، قثنا أبو داود، قثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها أرادت أن تشتري بريرة، فتعتقها، فأراد مواليها أن يشترطوا الولاء، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "اشتريها، وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق"، وأُتِي بلحم، فقال: "ما هذا؟ " فقالت: هذا أَهدت لنا بريرة، تُصُدّق به عليها، فقال رسول الله - ﷺ -: "هو عليها صدقة، ولنا هدية"، وخُيِّرت وكان زوجها حرًّا، قال: ثم سألته بعد ذلك، فقال: ما أدري، أحر هو أم عبدٌ؟ قال شعبة: فقلت لسماك: إني أَتَّقي أن أسأله عن الإسناد، فسله أنت، وكان في حلقة، فقال له سماك بعدما حدّث: أحدثك أبوك عن عائشة؟ فقال له عبد الرحمن: نعم، قال شعبة: قال لي سماك: قد استوثقته لك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[٣٧٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي هِشَامٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُغيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنا عُبَيْدُ الله، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشةَ، قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا".
[ ٢٦ / ٥٥٥ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ أبُو هِشَامٍ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
[تنبيه]: وقع في معظم نسخ "صحيح مسلم" هنا غلط، حيث كتبوا الواو قبل "أبو هشام"، ولفظه: "حدّثنا مغيرة بن سلمة المخزوميّ، وأبو هشام"، وهو غلط فاحش، والصواب "أبو هشام" بدون عاطف؛ لأنه كنية مغيرة بن سلمة، وهكذا وقع على الصواب في النسخة الهنديّة، و"تحفة الأشراف" (^١).
٢ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر بآخره قليلًا [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ المدنيّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) المدنيّ، مولى آل الزبير، ثقة [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٥٧/ ١٩٤٨.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث من أفراد المصنّف، أخرجه هنا [٣/ ٣٧٨٠] (١٥٠٤)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ١٦٥) و"الكبرى" (٣/ ٣٦٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٣٠)، و(ابن را هويه) في "مسنده" (٢/ ٢٤٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٢١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٨١] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَنْ رَبيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِي لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَالْبُرمَةُ عَلَى النَّار، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ، وَأُدْمٍ، مِنْ أُدُمِ الْبَيْت، فَقَالَ: (ألَمْ أَرَ بُرْمَةً عَلَى النَّار، فِيهَا لَحْمٌ؟ "، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، ذَلِكَ لَحْمٌ، تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ
_________________
(١) راجع: "النسخة الهنديّة" ١/ ٤٩٤، و"تحفة الأشراف" ١١/ ٦٢٢.
[ ٢٦ / ٥٥٦ ]
نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لنَا هَدِيَّةٌ"، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهَا: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (رَبيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهور [٥] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١١/ ١٦٥٢.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقولها: (كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُننٍ) هو بمعنى قوله في الرواية السابقة: "ثلاث قضيّات".
وقولها: (خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا إلخ) هذه الأُولى من السنن الثلاث.
وقولها: (وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ) إلخ هذه هي ثاني السنن.
وقولها: (وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ) الواو للحال، والجملة في محلّ نصب على الحال، و"الْبُرْمة" بضمّ الموحّدة، وسكون الراء: القِدْرُ، جمعه بُرَم، مثلُ غرفة وغُرَف، وبِرَام، ككِتاب، وفي رواية النسائيّ: "والبُرمة تفور بلحم".
وقولها: (وَأُدْمٍ، مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ) لأول بضمّ، فسكون، مفرد، ويجمع على آدام، كقُفْل وأقفال، والثاني بضمّتين، جمع إدام، ككتاب وكُتُب، ويجوز تسكين داله للتخفيف، وهو ما يُؤدَم به مائعًا كان، أو جامدًا.
وقال السنديّ في "شرح النسائيّ" في "المجمع": "الأُدْمُ" ككُتْبٍ في كُتُبٍ، فظاهره أنه بالضمّتين جمع، نعم يجوز السكون في كلّ ما كان بضمّتين، وعلى هذا فالظاهر أن الأول بضمّ، فسكون مفردٌ، والثاني بضمّتين جمعٌ، ومعنى "أُدْم البيت": الأُدْمُ التي توجد في البيوت غالبًا؛ كالخلّ، والعسل، والتمر. انتهى (^١).
وقوله: ("إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ") هذه هي السُّنة الثالثة، والحديث تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٦/ ١٦٢.
[ ٢٦ / ٥٥٧ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٨٢] (١٥٠٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَأبى أَهْلُهَا إِلا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، فَذَكرَتْ ذَلِكَ لِرَسُول اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِك، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا في هذا الباب، وقبل ثلاثة أبواب، و"خالد بن مخلد" هو: الْقَطَوانيّ، والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم شرحه في حديث ابن عمر، عن عائشة - ﵂ - المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.