وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٠٦] (…) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
تقدّموا في الباب الماضي، ومالك تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٤٣) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ") وفي رواية يحيى التالية: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبة أخيه، إلا أن يأذن له"، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: "لا يَسُمِ المسلم على سَوْم أخيه".
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٦/ ٥٩ - ٦٠.
[ ٢٦ / ٦٣٢ ]
أما البيع على بيع أخيه فمثاله أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: افسَخْ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهذا حرام، ويحرم أيضًا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسَخْ هذا البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو هذا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الأولى - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في "كتاب النكاح" برقم [٦/ ٣٤٥٥] (١٤١٢)، وأذكر هنا المسائل المتعلّقة بالبيع فقط، فأقول:
(المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في معنى بيع الرجل على بيع أخيه، وحكمه:
قال النوويّ - ﵀ -، ما حاصله: معنى "بيع الرجل على بيع أخيه": هو أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: افسَخْ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله، بأرخصَ من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهذا حرام، ويحرم أيضًا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع، في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أشتريه منك، بأكثر من هذا الثمن، ونحو هذا.
قال: وأجمع العلماء على منع البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على سومه، فلو خالف، وعَقَد فهو عاص، وينعقد البيع، هذا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة وآخرين. وقال داود: لا ينعقد، وعن مالك روايتان، كالمذهبين، وجمهورهم على إباحة البيع والشراء، فيمن يزيد، وقال الشافعيّ: كرهه بعض السلف. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: معنى قوله - ﷺ -: "لا يبع بعضكم على بيع بعض": أن الرجلين إذا تبايعا، فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار، فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة، دون هذا الثمن، أو أبيعك خيرًا منها بثمنها، أو دونه، أو عرض عليه سلعة، رغب فيها المشتري، ففسخ البيع، واشترى هذه، فهذا غير جائز؛ لنهي النبيّ - ﷺ - عنه، ولِمَا فيه من الإضرار بالمسلم، والإفساد عليه،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥٨ - ١٥٩.
[ ٢٦ / ٦٣٣ ]
وكذلك إن اشترى على شراء أخيه، وهو أن يجيء إلى البائع، قبل لزوم العقد، فيدفع في المبيع أكثر من الثمن، الذي اشتُري به، فهو محرّم أيضا؛ لأنه في معنى المنهيّ عنه، ولأن الشراء يسمى بيعًا، فيدخل في النهي، ولأن النبي - ﷺ -، نهى أن يخطب على خطبة أخيه، وهو في معنى الخاطب.
فإن خالف، وعقد فالبيع باطل؛ لأنه منهيّ عنه، والنهي يقتضي الفساد.
قال: ويَحْتَمِل أنه صحيح؛ لأن المحرَّم هو عرض سلعته على المشتري، أو قوله الذي فَسَخَ البيع من أجله، وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع المحصِّل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدميّ، فأشبه بيع النجش، وهذا مذهب الشافعيّ. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول ببطلان البيع؛ لأن النهي يقتضي الفساد، إلا إذا صرفه صارف إلى غيره؛ كبيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، على ما سيأتي بيانه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال القاضي ابن كجّ من الشافعيّة: تحريم البيع على بيع أخيه أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مُفْرطأ، فإن كان فله أن يُعرّفه، ويبيع على بيعه؛ لأنه ضرب من النصيحة، قال النوويّ: هذا الشرط انفرد به ابن كجّ، وهو خلاف ظاهر إطلاق الحديث، والمختار أنه ليس بشرط، والله أعلم. قال وليّ الدين - ﵀ -: ووافقه ابن حزم، فقال: وأما من رأى المساوم، أو البائع لا يريد الرجوع إلى القيمة، لكن يريد غبن صاحبه بغير علمه، فهذا فرض عليه نصيحة المسلم، فقد خرج عن هذا النهي بقول رسول الله - ﷺ -: "الدِّين النصيحة". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن كج، ووافقه عليه ابن حزم هو الذي لا يتّجه عندي غيره؛ لوضوح حجّته، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
[ ٢٦ / ٦٣٤ ]
(المسألة الثالثة): محلّ التحريم ما لم يأذن البائع في البيع على بيعه، فإن أذن في ذلك ارتفع التحريم على الصحيح، وقد ورد التصريح في الرواية التالية عند مسلم من طريق يحيى القطّان، عن عبيد الله، عن نافع: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له".
قال في "الفتح": قوله: "إلا أن يأذن له" يَحْتَمِل أن يكون استثناء من الحكمين، كما هو قاعدة الشافعيّ، وَيحْتَمِل أن يختصّ بالأخير، ويؤيّد الثاني رواية البخاريّ في "النكاح" من طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: "نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب"، ومن ثم نشأ خلافٌ للشافعيّة: هل يختصّ ذلك بالنكاح، أو يلتحق به البيع في ذلك؟ والصحيح عدم الفرق. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم الفرق هو الذي يظهر لي؛ لأن النهي كان لحقّه، فإذا أذن فقد زال المانع، ويؤيّد ذلك ما رواه النسائيّ بلفظ: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه، حتى يبتاع، أو يَذَرَ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ظاهر قوله: "على بيع أخيه" اختصاص ذلك بالمسلم، وبه قال الأوزاعيّ، وأبو عبيد ابن حربويه، من الشافعيّة، وأصرح من ذلك ما يأتي للمصنّف من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: "لا يسوم المسلم على سوم المسلم"، وقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين المسلم والذميّ، وذِكْر الأخ خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أفاده في "الفتح" (^٢).
وقال وليّ الدين - ﵀ -: - بعدما ذكر خلاف أبي عبيد المذكور -: والصحيح خلافه؛ لأن هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وقال ابن عبد البرّ: أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذميّ في سومه، إلا الأوزاعي وحده، فإنه قال: لا بأس به. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٨٧.
(٢) "الفتح" ٥/ ٨٨.
(٣) راجع: "طرح التثريب" ٦/ ٧١.
[ ٢٦ / ٦٣٥ ]
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الأحوط، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٠٧] (…) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَبعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيه، وَلَا يَخْطبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيه، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا في السند الماضي، وقبله، وكذا تقدّم شرح الحديث، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وفي "كتاب النكاح" أيضًا، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف: - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٠٨] (١٥١٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا، و"يحيى بن أيوب" هو: المقابريّ البغداديّ، و"ابن حُجْر" هو: عليّ بن حُجر المروزيّ، و"العلاء" هو: ابن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرقيّ المدنيّ.
وقوله: (لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ) هكذا في نسخة "شرح الأبّي"، ووقع في بعض النسخ: "على سوم أخيه".
فقوله: "يَسُم" بفتح حرف المضارعة، وضمّ السين المهملة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: سام البائعُ السلعةَ سَوْمًا من باب قال: عرضها للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، ومنه: "لا يسوم أحدكم على سوم أخيه"؛
[ ٢٦ / ٦٣٦ ]
أي: لا يشتر، ويجوز حمله على البائع أيضًا، وصورته أن يَعْرِضَ رجلٌ على المشتري سلعته بثمن، فيقول آخر: عندي مثلها بأقلّ من هذا الثمن، فيكون النهي عامًّا في البائع والمشتري، وقد تزاد الباء في المفعول، فيقال: سمتُ به، والتساوُم بين اثنين أن يَعْرِض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون الأول، وساومته سِوَامًا، وتساومنا، واستام عَلَيَّ السلعةَ؛ أي: استام على سَوْمِي. انتهى كلام الفيّوميّ - ﵀ - (^١).
وقوله: (عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ) تقدّم أن الجمهور على أن تقييده بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، فليس لمسلم أن يسوم على سوم الذميّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٨٠٤ و٣٨٠٩] (١٥١٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١١ و٤٥٧ و٥١٢ و٥٢٩)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٤٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٣٩٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في معنى السَّوْم على سَوْم أخيه، وحكمه:
قال النوويّ - ﵀ -، ما حاصله: معنى "سوم الرجل على سوم أخيه"، هو أن يكون، قد اتفق مالك السلعة، والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، فليس بحرام. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٧.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥٩.
[ ٢٦ / ٦٣٧ ]
على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة، في زمن الخيار: افسَخْ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد، وهو مجمع عليه.
وأما السوم، فصورته أن يأخذ شيئًا ليشتريه، فيقول له: رُدّه لأبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استَرِدَّه لأشتريه منك بأكثر، ومحله بعد استقرار الثمن، وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحًا، فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهرًا ففيه وجهان للشافعية.
ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك، وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه.
وتُعقِّب بأنه لا بد من أمر مبيِّن لموضع التحريم في السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، لا يحرم اتفاقًا، كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك.
وقد استثنى بعض الشافعية، من تحريم البيع والسوم على الآخر، ما إذا لم يكن المشترى مغبونًا غبنًا فاحشًا، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث: "الدينُ النصيحة"، لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم، فله أن يُعَرّفه أن قيمتها كذا، وأنك إن بعتها بكذا مغبون، من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور، مع تأثيم فاعله، وعند المالكية، والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر. والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المالكية، والحنابلة، وأهل الظاهر من فساد البيع هو الأرجح عندي؛ لأن النهي للتحريم، وهو يقتضي الفساد، إلا لصارف؛ كبيع المصرّاة على ما يأتي، ولم يوجد هنا صارف، فتبصرّ، والله تعالى أعلم.
وقال ابن قُدامة - ﵀ -، ما حاصله: سوم الرجل على سوم أخيه: لا يخلو من أربعة أقسام:
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٨٨.
[ ٢٦ / ٦٣٨ ]
[أحدها]: أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع، فهذا يحرِّم السوم على غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي.
[الثاني]: أن يَظهر منه ما يدل على عدم الرضا، فلا يحرم السوم؛ لأن النبيّ - ﷺ -، باع فيمن يزيد، قال: وهذا أيضا إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة.
[الثالث]: أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا، ولا على عدمه، فلا يجوز له السوم أيضًا، ولا الزيادة؛ استدلالًا بحديث فاطمة بنت قيس، حين ذكرت للنبيّ - ﷺ -؛ أن معاوية، وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة، وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه، فما أبيح في أحدهما، أبيح في الآخر.
[الرابع]: أن يظهر منه ما يدل على الرضا، من غير تصريح، فقال القاضي: لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد نصّ عليه في الخِطبة، استدلالًا بحديث فاطمة، ولأن الأصل إباحة السوم، والخطبة، فَحَرُمَ منع ما وجد فيه التصريح بالرضا، وما عداه يبقى على الأصل، ولو قيل بالتحريم ههنا: لكان وجهًا حسنًا، فإن النهي عامّ، خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه الصورة على مقتضى العموم، ولأنه وجد منه دليل الرضا، فأشبه ما لو صرح به، ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي في الدلالة، وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا؛ لأنها جاءت مستشيرة للنبيّ - ﷺ -، وليس ذلك دليلًا على الرضا، فكيف ترضى، وقد نهاها النبيّ - ﷺ - بقوله: "لا تفوتينا بنفسك"؟ فلم تكن تفعل شيئًا قبل مراجعة النبيّ - ﷺ -، والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه، في الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: إن ما قاله القاضي من أنه لا تَحْرُم المساومة في هذه الصورة هو الأقرب؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٣٠٦ - ٣٠٨.
[ ٢٦ / ٦٣٩ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٠٩] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَد، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَلَاء، وَسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (ح) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَد، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ - وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ"، وَفِي رِوَايَةِ الدَّوْرَقِيِّ: "عَلَى سِيمَةِ أَخِيه").
رجال هذه الأسانيد: أربعة عشر:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت ٢٤٦) (م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٧.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث الْعَنبريّ التّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٦ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (عَنْ أَبِيهِمَا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ: "عن أبيهما"، وهو مشكل؛ لأن العلاء هو ابن عبد الرحمن، وسهيلًا هو ابن أبي صالح، وليس بأخ له، فلا يقال: "عن أبيهما" بكسر الباء، بل كان حقه أن يقول: "عن أبويهما"، وينبغي أن يعتبر الموجود في النسخ "عن أبَيهما" بفتح
[ ٢٦ / ٦٤٠ ]
الباء الموحدة، ويكون تثنية "أَبٍ" على لغة من قال: هذان أبان، ورأيت أبيَنْ، فثنّاه بالألف والنون، وبالياء والنون، وقد سبق مثله في "كتاب النكاح"، وأوضحناه هناك.
قال القاضي: الرواية فيه عند جميع شيوخنا بكسر الباء، قال: وليس هو بصواب؛ لأنهما ليسا أخوين، قال: ووقع في بعض الروايات: "عن أبويهما"، وهو الصواب، قال: وقال بعضهم في الأول: لعله عن أبيهما، بفتح الباء. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه يتعيّن أن يُقرأ "عن أَبَيهما" بفتح الباء على أنه تثنية "أب" على لغة النقص، ولا يُقرأ بكسرها؛ لأن المعنى عليه أن العلاء، وسهيلًا أخوان، وهذا غلط فاحشٌ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ … إلخ)؛ أي: يشتري، ووزنه استفعل؛ أي: استدعى من البائع أن يُخبره بسوم السلعة؛ أي: بثمنها.
وقوله: (عَلَى سِيمَةِ أَخِيه) بكسر السين، وإسكان الياء، لغة في السَّوْم، ذكره الجوهريّ وغيره من أهل اللغة، قال الجوهريّ: يقال: سُمْتُك بعيرك سِيمةً حسنةً، وإنه لغالي السِّيمة. انتهى (^٢).
قال الجامع: الظاهر أن السِّمة بالكسر للهيئة، كما تفيده عبارة "الصحاح" المذكورة، وقال القرطبيّ: يقال: سامه بسلعة كذا يسومه سَوْمًا، والمرّة منه سَوْمة، وقد يُكسر ما قبل الواو، فتنقلب ياء، فيقال: سِيمة، كما جاء هنا. انتهى (^٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨١٠] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لِبَيْعٍ (^٤)، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) "الصحاح" ٤/ ١٥٨٧.
(٣) "المفهم" ٤/ ٣٦٤.
(٤) وفي نسخة: "للبيع".
[ ٢٦ / ٦٤١ ]
لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يُتَلَقَّى الرُّكْبَان) ببناء الفعل للمجهول، و"الركبان" مرفوع على أنه نائب الفاعل؛ أي: لا تُستقبل القافلة الجالبة للطعام قبل أن تقدّم الأسواق، وذِكْرُ الركبان خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكونون عددًا رُكبانًا، ولا مفهوم له، بل لو كان الجالب عددًا مُشاةً، أو واحدًا راكبًا أو ماشيًا لم يَختلف الحكم (^١).
وقوله: (لِبَيْعٍ) وفي نسخة "للبيع"، يشمل البيع لهم، والبيع منهم، ويُفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتلقّي، فلو تلقّى الركبان أحدٌ للسلام، أو الفرجة، أو خرج لحاجته، فوجدهم، فبايعهم، هل يتناوله النهي؟ فيه احتمال، فمن نظر إلى المعنى لم يفترق عنده الحكم بذلك، وهو الأصح عند الشافعية، وشرط بعض الشافعية في النهي أن يبتدئ المتلقي، فيطلبَ من الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع، فاشترى منه المتلقي، لم يدخل في النهي، وذكر إمام الحرمين في صورة التلقي المحرم: أن يكذب في سعر البلد، ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل، وذكر المتوليّ فيها أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول، وذكر أبو إسحاق الشيرازيّ أن يخبرهم بكساد ما معهم؛ ليغبنهم، وقد يؤخذ من هذه التقييدات إثبات الخيار لمن وقعت له، ولو لم يكن هناك تَلَقٍّ، لكن صرح الشافعية أن كون إخباره كذبًا ليس شرطًا؛ لثبوت الخيار، وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر الغبن، فهو المعتبر وجودًا وعدمًا، قاله في "الفتح" (^٢)، وسيأتي تمام البحث في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ٦٣٨ رقم (٢١٦٢).
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٣٨.
[ ٢٦ / ٦٤٢ ]
(وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) تقدّم شرحه في الحديث الماضي.
(وَلَا تَنَاجَشُوا)؛ أي: لا تفعلوا النَّجْشَ، وهو بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة: أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل لِيَخْدَعَ غيره، وَيغُرّه ليزيد، ويشتريها، وهذا حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم مختصّ بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه على ذلك أَثِمَا جميعًا، ولا خيار للمشتري، إن لم يكن من البائع مواطأةٌ، وكذا إن كانت في الأصح؛ لأنه قصّر في الاغترار، وسيأتي تمام البحث فيه بعد حديث - إن شاء الله تعالى -.
(وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ) المراد به أن يَقْدَم غريب من البادية، أو من بلد آخر بمتاع تعُمّ الحاجة إليه؛ ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلديّ: اتركه عندي؛ لأبيعه على التدريج بأعلى، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب - إن شاء الله تعالى -.
(وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ) هو بضم التاء، وفتح الصاد، ونصب "الإبلَ"، من التصرية، وهي الجمع، يقال: صَرَّى يُصَرِّي تصريةً، وصَرّاها يُصَرِّيها تصريةً، فهي مُصَرَّاةٌ، كغَشّاها يُغَشِّيها تغشيةً، فهي مُغَشَّاةٌ، وزَكَّاها يُزَكِّيها تزكيةً، فهي مُزَكَّاةٌ.
قال القاضي عياض: ورَوَيناه في غير "صحيح مسلم" عن بعضهم: "لا تَصُرُّوا" بفتح التاء، وضم الصاد، من الصَّرِّ، قال: وعن بعضهم: "لا تُصَرُّ الإبلُ"، بضم التاء، من "تُصَرُّ"، بغير واو بعد الراء، وبرفع "الإبلُ"، على ما لم يُسَمَّ فاعله، من الصَّرِّ أيضًا، وهو ربط أخلافها، والأول هو الصواب المشهور.
ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها، عند إرادة بيعها، حتى يَعْظُم ضرعها، فيَظُنَّ المشتري أن كثرة لبنها عادةٌ لها مستمرةٌ، ومنه قول العرب: صَرَّيتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعته، وصَرَّى الماءَ في ظهره؛ أي: حبسه، فلم يتزوج.
قال الخطابيّ: اختَلَف العلماء، وأهل اللغة في تفسير المصرَّاة، وفي اشتقاقها، فقال الشافعيّ: التصرية: أن يَرْبِط أخلاف الناقة، أو الشاة، وَيتْرُك
[ ٢٦ / ٦٤٣ ]
حَلْبها اليومين والثلاثة، حتى يجتمع لبنها، فيزيد مشتريها في ثمنها بسبب ذلك؛ لظنه أنه عادة لها.
وقال أبو عبيد: هو من صَرَّى اللبنَ في ضرعها؛ أي: حَقَنَه فيه، وأصل التصرية: حبس الماء، قال أبو عبيد: ولو كانت من الربط لكانت مصرورة، أو مُصَرَّرةً.
قال الخطابيّ: وقول أبي عبيد حسنٌ، وقول الشافعيّ صحيحٌ، قال: والعرب تَصُرُّ ضروع المحلوبات، واستَدَلَّ لصحة قول الشافعيّ بقول العرب: لا يَحْسُن الكَرّ، إنما يَحسُن الحلب، والصَّرّ، وبقول مالك بن نُويرة [من الطويل]:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ … مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
قال: وَيحْتَمِل أن أصل المصرَّاة: مَصْرُورة، أُبدلت إحدى الراءين ألفًا، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: دَسَّسَها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس (^١).
وقال في "الفتح" بعد ذكر الاختلافين السابقين في ضبط "تُصرّوا" ما حاصله: والأول - يعني ضبطه كزكّى يُزكي - أصح؛ لأنه من صَرَّيتُ اللبن في الضرع: إذا جمعته، وليس من صَرَرتُ الشيءَ: إذا ربطته؛ إذ لو كان منه، لقيل: مصرورة، أو مُصَرَّرَة، ولم يُقَل: مُصَرّاة، على أنه قد سُمع الأمران في كلام العرب، قال الأغلب العجليّ [من الرجز]:
رَأَتْ غُلَامًا قَدْ صَرَى فِي فِقْرَتِهْ … مَاءَ الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ شِرَّتِهْ
وقال مالك بن نويرة [من الطويل]:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ … مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لمْ تُجرَّدِ
وضبطه بعضهم بضم أوله، وفتح ثانيه، لكن بغير واو، على البناء للمجهول، والمشهور الأول. انتهى (^٢).
[واعلم]: أن التصرية حرامٌ، سواءٌ تصرية الناقة، والبقرة، والشاة، والجارية، والفرس، والأتان، وغيرها؛ لأنه غَشّ، وخِدَاعٌ، وبيعها صحيحٌ،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٦١ - ١٦٢.
(٢) راجع: "الفتح" ٥/ ٦١٧ - ٦١٨.
[ ٢٦ / ٦٤٤ ]
مع أنه حرام، وللمشتري الخيار في إمساكها، وردّها، وسنوضحه بعد بابين - إن شاء الله تعالى - وفيه دليل على تحريم التدليس في كل شيء، وأن البيع من ذلك ينعقد، وأدق التدليس بالفعل حرام؛ كالتدليس بالقول، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
وقوله: (الْإِبِلَ، وَالْغَنَمَ) لم يذكر البقر؛ لغلبتهما عندهم، وإلا فحكمها كحكمهما سواء، خلافًا لداود الظاهريّ، قاله في "الفتح".
وقال وليّ الدين: الظاهر أن ذكر الغنم والإبل، دون غيرهما خرج مخرج الغالب فيما كانت العرب تصرّيه، وتبيعه، تدليسًا، وغشًّا، فإن البقر قليل ببلادهم، وغير الأنعام لا يُقصد لبنها غالبًا، فلم يكونوا يُصَرُّون غير الإبل والغنم، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، كيف وهو مفهوم لقب، وليس حجةً عند الجمهور.
وروى الترمذيّ، من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "من اشترى مُصَرّاةً"، وهو يتناول كلّ مصرّاة، لكن في "صحيح مسلم"، وغيره من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -: "من اشترى شاةً مصرّاةً"، فصرّح بذكر الموصوف، وقد صرّح الشافعيّة بأن تحريم التصرية عامّ في كلّ مصرّاة، سواء في ذلك الأنعام، وغيرها، مما هو مأكول اللحم، وغير مأكول اللحم مما يحلّ بيعه، وأما ثبوت الخيار، وردّ الصاع، فسيأتي ذكره بعد بابين - إن شاء الله تعالى - انتهى (^٢).
(فَمَنِ ابْتَاعَهَا)؛ أي: اشترى المصرّاة (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد التصرية، وفي الرواية الآتية بعد بابين: "من ابتاع شاةً مصرّاة، فهو بالخيار ثلاثة أيام … "، والصحيح أن ابتداء هذه المدة، من وقت بيان التصرية، وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية: أنها من حين العقد، وقيل: من التفرّق، ويلزم عليه أن يكون لغرر أوسع من الثلاث، في بعض الصور، وهو ما إذا تأخر ظهور التصرية، إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أيضًا أن تُحسَب المدة قبل التمكن من الفسخ، وذلك يُفَوِّت مقصود التوسع بالمدة.
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ١٠/ ١٦ - ١٦٢.
(٢) "طرح التثريب" ٦/ ٧٧ - ٧٨.
[ ٢٦ / ٦٤٥ ]
(فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أي: أحسن الرأيين، وقوله: (بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا) بضمّ اللام، وكسرها، من بابي نصر، وضرب (^١)، وظاهره؛ أن الخيار لا يثبت، إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية، ثبت له الخيار، ولو لم يَحلُب، لكن لما كانت التصرية، لا تُعرف غالبًا إلا بعد الحلب، ذُكِر قيدًا في ثبوت الخيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب، فالخيار ثابت.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في "الفتح"، ولكن الذي يظهر لي أن الخيار إنما يثبت بعد الحلب؛ لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم.
ثم بيّن النظرين بقوله: (فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا)؛ أي: أبقاها على ملكه، وهو يقتضي صحة بيع المصرّاة، وإثبات الخيار للمشتري، فلو اطلع على عيب، بعد رضاه بالتصرية، فردّها، هل يلزم الصاع؟ فيه خلاف، والأصح عند الشافعية وجوب الرد، ونقلوا نص الشافعيّ على أنه لا يردّ، وعند المالكية قولان.
(وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا) ظاهره اشتراط الفور، وقياسًا على سائر العيوب، لكن الرواية التي فيها: أن له الخيار ثلاثة أيام، مقدمة على هذا الإطلاق، ونقل أبو حامد، والروياني، فيه نص الشافعيّ، وهو قول الأكثر، وأجاب من صحح الأول، بأن هذه الرواية، محمولة على ما إذا لم يَعلَم أنها مصرّاة، إلا في الثلاث؛ لكون الغالب أنها لا تُعلَم فيما دون ذلك، قال ابن دقيق العيد: والثاني أرجح؛ لأن حكم التصرية، قد خالف القياس في أصل الحكم؛ لأجل النص، فيطّرد ذلك، وبتبع في جميع موارده.
قال الحافظ: ويؤيده أن في بعض روايات أحمد، والطحاويّ، من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -: "فهو بأحد النظرين، بالخيار إلى أن يحوزها، أو يردها"، وسيأتي. انتهى.
(وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) بنصب "صاعًا" عطفًا على الضمير في "ردّها"، قال في "الفتح": ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع"، ويستفاد منه فورية الصاع مع الردّ، ويجوز أن يكون مفعولًا معه، ويَعكُر عليه قول جمهور النحاة: إن شرط المفعول معه أن يكون فاعلًا. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "القاموس" ١/ ٥٧.
(٢) "الفتح" ٥/ ٦١٩.
[ ٢٦ / ٦٤٦ ]
[فإن قيل]: التعبير بالرد في المصراة واضح، فما معنى التعبير بالرد في الصاع؟
[فالجواب]: أنه مثل قول الشاعر:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدَا
أي: علفتها تبنًا، وسقيتها ماء باردًا، أو يُجعَل "علفتها" مجازًا عن فعل شامل للأمرين؛ أي: ناولتها، فيُحمل الرد في الحديث على نحو هذا التأويل.
واستُدِلّ به على وجوب ردّ الصاع مع الشاة، إذا اختار فسخ البيع، فلو كان اللبن باقيًا، ولم يتغير، فأراد ردّه، هل يلزم البائع قبوله؟ فيه وجهان: أصحهما لا؛ لذهاب طراوته، ولاختلاطه بما تجدد عند المبتاع، والتنصيص على التمر، يقتضي تعيينه كما سيأتي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٨١٠ و٣٨١١ و٣٨١٢] (١٥١٥)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٤٨ و٢١٥٠ و٢١٥١)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٤٣ و٣٤٤٤ و٣٤٤٥ و٣٤٤٦)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٥٢ و١٣٠٤)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٥٣ و٢٥٤ و٢٥٦) و"الكبرى" (٤/ ١١)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢١٧٢ و٢١٧٤ و٢١٧٥)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٨٣)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٤٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٤٨٥٨ و١٤٨٦١ و١٤٨٦٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩٢ و٢٥٩ و٢٧٣ و٣٨٦ و٤١٠ و٤٢٠ و٤٣٠ و٤٦٣ و٤٦٩ و٤٨١)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٥١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٧٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٦٢)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ١٧ و١٨ و١٩)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٢٤٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٤٤ و٢٠٨ و٢٣٠)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١٨ و٣١٩
[ ٢٦ / ٦٤٧ ]
و٣٢٠) و"الصغرى" (٥/ ١١٨) و"المعرفة" (٦/ ١٧٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تلقّي الركبان، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان تحريم البيع على بيع أخيه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث ابن عمر - ﵄ - الماضي.
٣ - (ومنها): تحريم التناجش، وسيأتي تمام البحث فيه بعد حديثين - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): بيان النهي عن بيع الحاضر للبادي، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): بيان تحريم تصرية الإبل والغنم، وأن من اشترى المصرّاة بالخيار بعد حلبها، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها مع صاع تمر، وسيأتي تمام البحث فيه بعد بابين - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨١١] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ - وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ التَّلَقِّي لِلرُّكْبَان، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَعَنِ النَّجْش، وَالتَّصْرِيَة، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، وما يتعلّق به.
وقوله: (وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) قيل: هو نهي للمخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق زوجته، وللمرأة أيضًا أن تسأل طلاق ضرّتها، والمراد من الأخت: الأخت في الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيع لفعلها، وتأكيد لنهيها عن ذلك، وتحريض لها على تركه، وكذا التعبير باسم الأخ في الذي
[ ٢٦ / ٦٤٨ ]
قبله، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب النكاح" [٦/ ٣٤٥٩] (١٤١٣)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨١٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَد، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَاد، فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ، وَوَهْبٍ: "نُهِيَ"، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى" بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ، أبو بكر البصريّ، صدوق، من صًغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٢ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم قريبًا.
٣ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم، أبو عبد الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، أبو عبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١.
والباقون ذُكروا قبل حديثين.
وقوله: (قَالُوا جَمِيعًا)؛ أي: الثلاثة: غندر، ووهب بن جرير، وعبد الصمد بن عبد الوارث.
[تنبيه]: لم أجد من ساق روايات هؤلاء الثلاثة بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ، وَوَهْبٍ: "نُهِيَ … إلخ) أشار به إلى غندرًا ووهب بن جرير رويا عن شعبة بلفظ "نُهي" بالبناء للمفعول، فأبهما الفاعل، وأما عبد الصمد، فرواه بلفط "أن رسول الله - ﷺ - نَهَى" مبنيًّا للفاعل، فأسند النهي إليه - ﷺ - صريحًا؛ كرواية معاذ السابقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٦ / ٦٤٩ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨١٣] (١٥١٦) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ النَّجْشِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وقد تقدّم السند نفسه أول الباب، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٤٤) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ النَّجْشِ) قال النوويّ - ﵀ -: - بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة -: هو أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدَع غيره، وَيغُرَّه ليزيد، ويشتريها.
وأصل النجش: الاستثارة، ومنه نَجَشت الصيد أَنجُشُه بضم الجيم، نَجْشًا: إذا استثرته، سُمِّي الناجش في السلعة ناجشًا؛ لأنه يُثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها. وقال ابن قتيبة: أصل النجش: الْخَتْلُ، وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يَختِل الصيد، ويختال له، وكلُّ من استثار شيئًا، فهو ناجش. وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش المدح، والإطراء، وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة، ويزيد في ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" بعد ذكر ما تقدّم، ما نصّه: ويقع ذلك بمواطأة البائع، فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع، فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع، كمن يخبِر بأنه اشترى سلعة بأكثر، مما اشتراها به؛ ليغر غيره بذلك. انتهى (^٢).
وقال وليّ الدين - ﵀ -: فسّره أصحابنا الشافعيّة بأن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويغرّه؛ ليزيد، ويشتريها، وكذا فسّره به الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة، كما رأيته في "الهداية"، وكتاب ابن الحاجب،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥٩.
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٠٧.
[ ٢٦ / ٦٥٠ ]
و"المحرّر" لابن تيميّة، وعبارة "الهداية": هو أن يزيد في الثمن، ولا يريد الشراء، ليرغّب غيره، وعبارة ابن الحاجب: هو أن يزيد ليغُرّ، وعبارة صاحب "المحرّر": إن النجش مزايدة من لا يريد الشراء، تغريرًا له، وقيّد الترمذيّ ذلك في "جامعه" بأن تكون الزيادة بأكثر مما يسوى، وكذا قيّده ابن عبد البرّ، وابن العربيّ بأن تكون الزيادة فوق ثمنها، وقال ابن العربيّ: إنه لو زاد فيها حتى ينتهي إلى قيمتها، فهو مأجور بذلك، وكذا ذكر هذا التقييد ابن الرفعة من متأخري الشافعيّة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٨١٣] (١٥١٦)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٤٢) و"الحيل" (٦٩٦٣)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٥٨) و"الكبرى" (٤/ ١٣)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢١٧٣)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٨٤)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٤٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦٣ و١٠٨ و١٥٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٦٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ١٧١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٧٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤٣) و"الصغرى" (٥/ ١٧٧) و"المعرفة" (٤/ ٣٨٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٩٧)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال وليّ الدين - ﵀ -: هذا الحديث اتّفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن ماجه من طريق مالك، ورواه النسائيّ أيضًا من رواية كثير بن فَرْقد، كلاهما عن نافع، وقال ابن عبد البرّ: هكذا رواه جماعة أصحاب مالك، وزاد فيه القعنبيّ: قال: وأحسبه قال: "وأن تُتلقّى السِّلَعُ حتى يُهبط بها الأسواق"، ولم يذكر غيره هذه الزيادة، ورواه يعقوب بن إسماعيل بن محمد،
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٦/ ٦١.
[ ٢٦ / ٦٥١ ]
قاضي المدائن، قال: أنا يحيى بن موسى، أنا عبد الله بن نافع، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن التحبير، قال: والتحبير أن يمدح الرجل سلعته بما ليس فيها"، قال ابن عبد البرّ: هكذا قال: التحبير، وفسّره، ولم يتابع على هذا اللفظ، وإنما المعروف: "النجش". انتهى (^١).
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم النَّجْش:
قال النوويّ - ﵀ -: النجش حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم مختص بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه على ذلك، أثما جميعًا، ولا خيار للمشتري، إن لم يكن من البائع مواطأة، وكذا إن كانت في الأصح؛ لأنه قصّر في الاغترار، وعن مالك رواية: أن البيع باطل، وجعل النهي عنه مقتضيًا للفساد. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الإمام مالك: من بطلان البيع هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، فتأمله، والله تعالى أعلم.
وقال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": "باب النَّجْش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع، وقال ابن أبي أوفى - ﵁ -: "الناجش آكل ربًا، خائنٌ"، وهو خِداع باطلٌ، لا يحلّ، قال النبيّ - ﷺ -: "الخديعة في النار"، و"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ"، ثم أورد حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور هنا.
قال في "الفتح": قوله: "ومن قال: لا يجوز ذلك البيع": كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، من طريق عمر بن عبد العزيز، أن عاملًا له، باع سبيًا، فقال له: لولا أني كنت أزيد، فأنفقه لكان كاسدًا، فقال له عمر: هذا نجش، لا يحل، فبعث مناديًا ينادي أن البيع مردود، وأن البيع لا يحل.
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع، إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر، عن طائفة من أهل الحديث، فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة، إذا كان ذلك بمواطأة البائع، أو صنعه، والمشهور عند المالكية في
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٦/ ٦١.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥٩.
[ ٢٦ / ٦٥٢ ]
مثل ذلك، ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، قياسًا على المصرّاة، والأصح عندهم صحة البيع، مع الإثم، وهو قول الحنفية.
وقال الرافعي: أطلق الشافعيّ في المختصر تعصية الناجش، وشَرَط في تعصية من باع على بيع أخيه، أن يكون عالمًا بالنهي، وأجاب الشارحون، بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه، بخلاف البيع على بيع أخيه، فقد لا يشترك فيه كل أحد.
واستَشْكَل الرافعي الفرق بأن البيع على بيع أخيه إضرار، والإضرار يشترك في عِلم تحريمه كل أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم. انتهى.
وقد حكى البيهقيّ في "المعرفة"، و"السنن" عن الشافعي تخصيص المعصية في النجش أيضًا بمن أُعلم النهي، فظهر أن ما قاله الرافعي بحثًا منصوص، ولفظ الشافعيّ: النجشُ أن يَحضُر الرجلُ السلعةَ، تُباع، فيُعطِي بها الشيءَ، وهو لا يريد شراءها؛ ليقتدي به السُّوّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يُعْطُون، لو لم يسمعوا سومه، فمن نجش فهو عاص بالنجش، إن كان عالِمًا بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نَجَش عليه. انتهى.
قال: وقد اتفق أكثر العلماء، على تفسير النجش في الشرع بما تقدم، وقيّد ابن عبد البر، وابن العربيّ، وابن حزم التحريم، بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، قال ابن العربيّ: فلو أن رجلًا رأى سلعة رجل، تباع بدون قيمتها، فزاد فيها؛ لتنتهي إلى قيمتها، لم يكن ناجشًا عاصيًا، بل يؤجر على ذلك بنيّته، وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، وفيه نظر؛ إذ لم تتعيّن النصيحة في أن يُوهم أنه يريد الشراء، وليس من غرضه، بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء، أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذي يريد النصيحة مندوحة عن ذلك، بأن يُعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك.
ويَحْتَمِل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله؛ لحديث: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استَنصَحَ أحدكم أخاه، فلينصحه"،
[ ٢٦ / ٦٥٣ ]
رواه مسلم، والله أعلم. انتهى (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول ببطلان البيع بالنجش كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وجماعة من أهل الحديث، وأهل الظاهر، هو الأظهر؛ لظاهر النهي؛ إذ هو يقتضي الفساد، إلا لصارف، كما في بيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، ولم يوجد في نهي النجش صارف، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.