وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩١] (١٤٧٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِي اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَاب، فَقَالَ عُمَرُ، فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٢) هكذا ترجم القرطبيّ ﵀ في "المفهم"، وهو أنسب، وأخصر من ترجمة النوويّ وغيره، فتنبّه.
[ ٢٦ / ١٤٩ ]
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ (^١) أَبِي بَكْرٍ أقَدْ بَلَغَ (^٢) مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَتْ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْت، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَا يُحِبُّك، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاء، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَة، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَة، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَيَنْحَدِرُ، فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَة، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَة، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ (^٣)، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِه، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاع، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَة، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: "مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ "، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَار، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ، وَأنا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ
_________________
(١) وفي نسخة: "يا ابنة".
(٢) وفي نسخة: "أَوَ بَلَغَ" بفتح الواو.
(٣) وفي نسخة: "فإذا عليه إزاره".
[ ٢٦ / ١٥٠ ]
مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟ (^١) فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ، فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ، وَأَحْمَدُ اللهَ بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، آيَةُ التَّخْيِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: "لَا": قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِنْ شِئْتَ"، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ، حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِه، وَحَتَّى كَشَرَ، فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أتشَبَّثُ بِالْجِذْع، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْض، مَا يَمَسُّهُ بِيَدِه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟ قَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ"، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِد، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ الله - ﷺ - نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ آيَةَ التَّخْيِيرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ) أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فضعيف؛ لاضطرابه [٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
_________________
(١) وفي نسخة: "من أمر النساء".
[ ٢٦ / ١٥١ ]
٤ - (سِمَاكٌ أَبُو زُمَيْلٍ) ابن الوليد الحنفيّ اليماميّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) البحر الحبر - ﵄ -، تقدّم قبل باب.
٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين الخليفة الراشد، جمّ المناقب، واستُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
شرح الحديث:
(عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ) بضم الزاي، وفتح الميم الخفيفة، هو سماك بن الوليد (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ) سيأتي سبب اعتزاله مفصّلًا في الحديث التالي (قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَإِذَا النَّاسُ) "إذا" هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود الناس (يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى) بتاء مثنّاة، بعد الكاف، من باب نصر؛ أي: يضربون الأرض، كفعل المهموم المفكّر (وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللْهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ) استدلّ بهذا ابن العربيّ في "أحكام القرآن" وغيره على أن واقعة التخيير كانت قبل نزول الحجاب، ولكن ردّ عليه الحافظ في "الفتح"، فقال: هو غلطٌ بيِّنٌ، فإن نزول الحجاب كان في أول زواج النبيّ - ﷺ - زينب بنت جحش، وهذه القصّة كانت سبب آية التخيير، وكانت زينب بنت جحش فيمن خُيِّر، قال: وقد تقدم ذكر عمر - ﵁ - لها في قوله: "ولا حُسْنُ زينب بنت جحش"، وسيأتي من طريق أبي الضُّحَى عن ابن عباس - ﵄ - قال: أصبحنا يومًا ونساء النبيّ - ﷺ - يبكين، فخرجتُ إلى المسجد، فجاء عمر، فصعد إلى النبيّ - ﷺ -، وهو في غرفة له، فذكر هذه القصة مختصرًا، فحضور ابن عباس، ومشاهدته لذلك، يقتضي تأخر هذه القصة عن الحجاب، فإن بين الحجاب، وانتقال ابن عباس إلى المدينة مع أبويه، نحوُ أربع سنين؛ لأنهم قَدِمُوا بعد فتح مكة، فآية التخيير على هذا نزلت سنة تسع؛ لأن الفتح كان سنة ثمان، والحجاب كان سنة أربع أو خمس. انتهى.
وقال في "الفتح" أيضًا: ومما يؤيد تأخر قصة التخيير ما تقدّم من قول عمر - ﵁ - في رواية عُبيد بن حُنين التي قدّمت الإشارة إليها في "المظالم":
[ ٢٦ / ١٥٢ ]
وكان مَن حول رسول الله - ﷺ - قد استقام له إلا ملك غَسّان بالشام، فإن الاستقامة التي أشار إليها، إنما وقعت بعد فتح مكة، وقد مضى في غزوة الفتح من حديث عمرو بن سَلِمَة الْجَرْميّ: وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومَهُ، فإن ظهر عليهم فهو نبيّ، فلما كانت وقعة الفتح بادر كلُّ قوم بإسلامهم. انتهى، والفتح كان في رمضان سنة ثمان، ورجوع النبيّ - ﷺ - إلى المدينة في أواخر ذي القعدة منها، فلهذا كانت سنةُ تسع تُسَمّى سنةَ الوفود؛ لكثرة مَن وَفَدَ عليه من العرب، فظهر أن استقامة مَن حوله - ﷺ - إنما كانت بعد الفتح، فاقتضى ذلك أن التخيير كان في أول سنة تسع، كما قدمته.
قال: وممن جزم بأن آية التخيير كانت سنة تسع الدمياطيّ وأتباعه، وهو المعتمد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وخلاصته أن ما وقع في رواية سماك أبي زُميل هذه من قوله: "وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب" غلط ظاهر، والصواب أنه بعد الأمر بالحجاب؛ لأن الأمر به كان في قصّة زواج زينب - ﵂ -، وآية التخيير إنما جاءت في قصّة العسل، أو قصّة مارية.
وأحسن محامل هذه الرواية - كما قال الحافظ - أن يقال: إن الراوي لَمّا رأى قول عمر: إنه دخل على عائشة ظَنّ أن ذلك كان قبل الحجاب، فجَزَم به، لكن جوابه أنه لا يلزم من الدخول رفع الحجاب، فقد يدخل من الباب، وتخاطبه من وراء الحجاب، كما لا يلزم من وَهَم الراوي في لفظة من الحديث أن يُطْرَح حديثه كله، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَقَالَ عُمَرُ) (فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ) أي: قول الناس: طلّق رسول الله - ﷺ - نساءه، وقوله: (الْيَوْمَ) ظرف لـ"أعلمنّ"، وليس مفعولًا به، فتنبّه (قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) - ﵂ - (فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ) وفي بعض النسخ: "يا ابنة" (أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق (أَقَدْ بَلَغَ) وفي بعض النسخ: "أَوَ بلغ" والهمزة للاستفهام، والواو عاطفة (مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟) أي: بما جرى مع بقيّة الأزواج من المطالبة بالنفقات (فَقَالَتْ) عائشة (مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ) أي: عليك بخاصّتك، وموضع سرّك، و"الْعَيْبَة" بفتح، فسكون: وعاء
[ ٢٦ / ١٥٣ ]
يَجعل فيه الإنسان أفضل ثيابه، ونفيس متاعه، فشَبّهت بها عائشة حفصة بنت عمر - ﵃ -، والمراد: عليك بوعظ ابنتك حفصة (قَالَ) عمر - ﵁ - (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ) - ﵄ - (فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْت، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَا يُحِبُّك، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وكأنه - ﵁ - يشير إلى ما رواه موسى بن عُليّ، عن أبيه، عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: طلّق رسول الله - ﷺ - حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحَثَى الترابَ على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد على النبيّ - ﷺ -، فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة بعمر".
وفي رواية أبي صالح عند أبي يعلى: دخل عمر على حفصة، وهي تبكي، فقال: لعلّ رسول الله - ﷺ - قد طلّقك، إنه كان قد طلّقك مرّة، ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلّقك مرّة أخرى لا أكلّمك أبدًا (^١).
وأخرج ابن سعد، والدارميّ، والحاكم: "أن النبيّ - ﷺ - طَلّق حفصة، ثم راجعها"، ولابن سعد مثله من حديث ابن عباس، عن عمر، وإسناده حسنٌ، وأخرج ابن سعد عن قيس بن زيد مرسلًا: أن رسول الله - ﷺ - طلّق حفصة بنت عمر، فأتاها خالاها: عثمان، وقُدامة ابنا مظعون، فبكت، وقالت: والله ما طلّقني رسول الله - ﷺ - عن شِبَع، فجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل عليها، فتجلببت، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن جبريل ﵇ أتاني، فقال لي: راجع حفصة، فإنها صوّامة، قوّامةٌ (^٢)، وهي زوجتك في الجنّة"، وقيس مختلف في صحبته، ونحوه
_________________
(١) راجع: "الإصابة" في ترجمة حفصة - ﵂ - ٤/ ٢٦٥، والحديث حسنٌ، كما قال الشيخ الألبانيّ ﵀.
(٢) قال الشيخ الألبانيّ ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٥/ ١٥) - بعد إيراده هذا الحديث -: [فائدة]: دلّ الحديث على جواز تطليق الرجل لزوجته، ولو أنها كانت صوّامة قوّامة، ولا يكون ذلك بطبيعة الحال إلا لعدم تمازجها، وتطاوعها معه، وقد يكون هناك أمور داخلية، لا يمكن لغيرهما الاطلاع عليها، ولذلك فإن ربط الطلاق بموافقة القاضي من أسوأ وأسخف ما يُسمع به في هذا الزمان الذي يلهج به كثير من حكامه، وقضاته، وخطبائه بحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، وهو حديث ضعيف، كما في "إرواء الغليل"، رقم ٢٠٤٠.
[ ٢٦ / ١٥٤ ]
عنده من مرسل محمد بن سيرين. انتهى (^١).
(فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ) أي: لِمَا اجتمع عندها من الحزن على فراق رسول الله - ﷺ -، ولِمَا تتوقعه من شدة غضب أبيها عليها، وقد قال لها: "والله إن كان طلقك، لا أكلمك أبدًا"،
(فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ) بكسر الخاء المعجمة: مكان حفظ المال، جمعه: خزائن (فِي الْمَشْرُبَةِ) بفتح الراء، وضمّها بمعنى الْغُرفة الْعُلّيّة، وقال ابن قتيبة: هي كالصّفّة بين يدي الْغُرفة، وقال الداوديّ: هي الغرفة الصغيرة، وقال ابن بطّال: الْمشربة: الْخِزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه، وقيل لها مشربة فيما أرى لأنهم كانوا يخزُنون (^٢) فيها شرابهم (^٣)، وذكر في "مجمع البحرين" أن المشربة بمعنى الْخِزانة مفتوحة الراء فقط، وأما بمعنى الغرفة، فتفتح راؤها، وتضمّ. انتهى (^٤).
(فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ) بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة (غُلَامِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال في "الإصابة": رباح مولى رسول الله - ﷺ - ثبت ذكره في "الصحيحين" من حديث عمر - ﵁ - في قصّة اعتزال النبيّ - ﷺ - نساءه، سماه مسلم في روايته، وفي مسلم أيضًا من حديث سلمة بن الأكوع الطويل، قال: وكان للنبيّ - ﷺ - غلام اسمه رَبَاح، وقال البلاذريّ: كان أسود، وكان يستأذن عليه، ثم صيّره مكان يسار بعد قتله، فكان يقوم بلقاحه. انتهى (^٥). (قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ) "الأُسْكُفّة" بضمّ الهمزة والكاف، وتشديد الفاء: هي عَتَبة الباب السفلى (^٦). (مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ) اسم فاعل من التدلية، وهو مدّ الرجلين إلى الأسفل (عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ) النقير: بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، هذا هو الصحيح الموجود في جميع النسخ، وذكر القاضي عياضٌ أنه بالفاء بدل النون، وهو فَقِيرٌ بمعنى مفقور، مأخوذ من فقار الظهر، وهو جِذع فيه دَرَجٌ، قاله
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" ٤/ ٨٤، والحديث حسنٌ، كما قال الشيخ الألبانيّ ﵀.
(٢) من باب نصر.
(٣) "عمدة القاري" ٦/ ١٣٧.
(٤) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ١٨٠.
(٥) راجع: "الإصابة" ٢/ ٣٧٧.
(٦) "شرح النوويّ" ١٠/ ٨٢.
[ ٢٦ / ١٥٥ ]
النوويّ (^١). (وَهُوَ جِذْعٌ) بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة: هو ساق النخلة، جمعه جُذُوعٌ، وأجذاعٌ (^٢). (يَرْقَى) بفتح أوله، وثالث، مضارع رَقِي، كرضِيَ يَرْضَى؛ أي: يصعد عليه (عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَيَنْحَدِرُ) أي: ينزل عليه (فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) فيه جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بوّابًا يمنع من الدخول إليه بغير إذنه، ولا يعارض هذا ما أخرجه الشيخان من حديث أنس - ﵁ - في قصّة المرأة التي وعظها النبيّ - ﷺ -، فلم تعرفه، ثم جاءت إليه تعتذر، فلم تجد عنده بوّابًا … الحديث؛ لأنه محمول على الأوقات التي يجلس فيها للناس، كما قاله في "الفتح" (فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ) أي: استئذانًا من النبيّ - ﷺ - (ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا) أي: فلم يردّ عليّ شيئًا، لا إذنًا، ولا منعًا، وفي الرواية الآتية: "فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج إليّ، فقال: قد ذكرتك له، فصَمَتَ"، قال في "الفتح": يَحْتَمل أن يكون رسول الله - ﷺ - نائمًا، أو ظنّ أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه؛ لكون حفصة ابنته منهن. انتهى. (ثُمَّ قُلْتُ:) أي: بعد ذهابه، ورجوعه، ففي الرواية الآتية: "فانطلقت، حتى انتهيتُ إلى المنبر، فجلست، فإذا رهط جُلُوسٌ، يبكي بعضهم، فجلست قليلًا، ثم غلبني ما أجد، ثم أتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر" (يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَة، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا) وفي الرواية الآتية: "فدخل، ثم خرج إليّ، فقال: قد ذكرتك له، فصَمَتَ، فولّيتُ مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أَذِنَ لك" (ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي) أي: حتى يسمع النبيّ - ﷺ -، وفيه جواز تكرار الاستئذان إذا رجا صاحبه الإذن (فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِنِّي أَظُن أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ) يعني أنه إنما لم يأذن له لظنه أنه إنما جاء من أجل حفصة ابنته، فشقّ عليه الإذن (وَاللهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِضَرْب عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَأَوْمَأَ) أي: أشار رباح (إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ) "أَي" مصدريّة؛ أي: بالرُّقِيّ، و"ارقه" فعل أمر من رَقِيَ يَرْقَى، والهاء للسكت، قيل: ويَحتمل أن تكون ضميرًا عائدًا إلى الجذع.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٨٣.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٩٤.
[ ٢٦ / ١٥٦ ]
[فإن قلت]: ظاهر هذا أن الإذن حصل بعد رفع صوته، فيخالف قوله في الرواية المذكورة: "فولّيت مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أذن لك".
[قلت]: يُجمَع بينهما بان الإذن إنما حصل بعد تولّيه مدبرًا، وذلك أنه بعدما رفع صوته بما قاله، ولّى مدبرًا، فناداه الغلام، وأخبره بأنه - ﷺ - أَذِن له، ولا مخالفة أيضًا بين الإشارة، والنداء؛ لاحتمال أن يكون جمع بينهما، والله تعالى أعلم.
(فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) جملة حاليّة في محلّ نصب (عَلَى حَصِيرٍ) بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، وهي الباريّة، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد (^١). (فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ) وفي بعض النسخ: "فإذا عليه إزاره" (وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) أي: من الرداء، وغيره (وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ) أي: لعدم بسط فراش ونحوه عليه (فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ) بفتح القاف وضمّها لغةٌ (مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ) بجرّ "نحوِ" بدلًا من "شعير" (وَمِثْلِهَا) بالجرّ عطفًا على "شعير"، وقوله: (قَرَظًا) منصوب على التمييز، قال الفيّوميّ ﵀: القَرَظُ - أي: بفتحتين - حَبّ معروفٌ يَخرُج في غُلُفٍ، كالعدَس، من شجر الْعِضَاه، وبعضهم يقول: القَرَظ: ورَقُ السَّلَم، يُدْبَغُ به الأَدِيمُ، وهو تسامحٌ، فإن الوَرَق لا يُدبغ به، وإنما يُدبغ بالحبّ، وبعضهم يقول: الْقَرَظ شجرٌ، وهو تسامحٌ أيضًا، فإنهم يقولون جَنَيتُ الْقَرَظَ، والشجر لا يُجنى، وإنما يُجنى ثموه، يقال: قَرَظتُ قَرْظًا، من باب ضَرَبَ: إذا جنيته، أو جمعته، والفاعل قارظٌ. انتهى (^٢). (فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ) أي: في جهة من جهاتها (وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ) "الأَفِيقُ" - بفتح الهمزة، وكسر الفاء -: هو الجلد الذي لم يتمّ دِباغه، وجمعه أفَقٌ بفتحها، كأَدِيمٍ وأَدَمٍ، وقد أَفَقَ أَدِيمه يَأْفِقُهُ بكسر الفاء، قاله النوويّ ﵀ (^٣).
وقال الفيّوميّ ﵀: الأَفِيقُ: الجلد بعد دبغه، والجمع أَفَقٌ بفتحتين،
_________________
(١) "المصباح" ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٩٩.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ٨٣ - ٨٤.
[ ٢٦ / ١٥٧ ]
وقيل: الأَفِيق: الأديم الذي لم يَتِمّ دَبْغُهُ، فإذا تمّ، واحمرّ، فهو أَدِيمٌ، يقال: أَفَقْتُ الجلدَ أَفْقًا، من باب ضَرَبَ: دبغتُهُ، فالأَفِيق فَعِيلٌ بمعنى مفعول. انتهى (^١).
وقال في "القاموس" و"شرحه": الأَفِيق كأَمِيرٍ: الجلد لم يتمّ دباغه، أو الأديم دُبِغ قبل أن يُخْرَزَ، أو قبل أن يُشقّ، وقيل: هو ما دُبغ بغير القرظ والأرطَى، وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل: حين يَخرُج من الدباغ مفروغًا منه، وفيه رائحته، وقيل: أول ما يكون من الجلد في الدباغ، فهو مَنِيئَةٌ، ثم أَفِقٌ، ثم يكون أَدِيمًا، كالأَفِيقة، كسَفِينة، والأَفِق، ككَتِفٍ، جمعه أَفَقٌ مُحرَّكةً، وبضمّتين، وأنكر هذا اللحيانيّ، أو المحرّكة اسم جمع؛ لأن فَعِيلًا لا يُكَسَّرُ على فَعَلٍ، وقال الأصمعيّ: جمع الأَفِيق آفِقَةٌ، كرغيف وأرغِفَة. انتهى (^٢).
(قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ) أي: لم أتمالك أن بكيتُ حتى سالت دموعي، قال المجد: بادره مُبادرةً، وبِدَارًا، وابتدره، وبَدَرَ غيره إليه: عا جله، وبَدَرهُ الأمرُ، وإليه: عَجِلَ إليه، واستَبَقَ. انتهى (^٣). (قَالَ) - ﷺ - ("مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء يجعلك باكيًا؟ (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذ خِزَانَتُكَ، لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى) أي: إلا الشيء اليسير (وَذَاكَ قَيْصَرُ) بفتح القاف، وسكون التحتانيّة: لقبُ مَن مَلَك الرُّوم، ككسرى لقب من ملك الفُرس، والنجاشيّ لقب من ملك الحبشة (^٤). (وَكِسْرَى) بكسر الكاف، وتُفتح: مَلِكُ الفُرس، معرّب خُسْرَوْ؛ أي: واسع الملك، جمعه أكاسرة، وكساسرةٌ، وأكاسرُ، وكُسُورٌ، والقياس: كِسْرُون، كَعِيسُون، والنسبة كِسْريٌّ، وكِسْرَويّ، قاله المجد ﵀ (^٥). (فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَار، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَصَفْوَتُهُ) بتثليث الصاد المهملة:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٧.
(٢) راجع: "تاج العروس من جواهر القاموس" ٦/ ٢٨٠.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ٣٦٩.
(٤) "القاموس" ٢/ ١١٨ مع شرحه "تاج العروس" ٣/ ٤٩٧.
(٥) "القاموس المحيط" ٢/ ١٢٧.
[ ٢٦ / ١٥٨ ]
خالص الشيء، وما صفا منه، وفي "المصباح": صَفْوُ الشيء بالفتح: خالصه، والصِّفْوة بالهاء، والكسر مثله، وحُكي التثليث. انتهى (^١). (وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ) أي: لا يوجد فيها ما عند هؤلاء من متاع الدنيا، وفيه جواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه، وما فيه إذا عَلِمَ أنه لا يكره ذلك، وبهذا يُجمَع بين ما وقع لعمر - ﵁ - هنا، وما بين ما ورد من النهي عن فُضُول النظر، أشار إليه النوويّ ﵀. (فَقَالَ) - ﷺ -: ("يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) وفي رواية للبخاريّ في "النكاح": "فجلس النبيّ - ﷺ -، وكان متّكئًا، فقال: أوَ في شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟ "، والمعنى: أأنت في شكّ في أن التوسّع في الآخرة خير من التوسّع في الدنيا؟ وهذا يُشعر بأنه - ﷺ - ظنّ أنه بكى من جهة الأمر الذي كان فيه، وهو غضب النبيّ - ﷺ - على نسائه حتى اعتَزَلهنّ، فلما ذكر له من أمر الدنيا أجابه بما أجابه به، قاله في "الفتح" (^٢).
(أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ) أي: لقيصر، وكسرى، وأتباعهما (الدُّنْيَا؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء (يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟) وفي بعض النسخ: "من أمر النساء" (فَإِنْ كنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ) فلا حرج عليك، ولا مشقّة عليك، ثم علّل ذلك بقوله: (فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ) وقوله: (وَمَلَائِكَتَهُ) وما بعده يَحتَمِل أن يكون مرفوعًا، على الابتداء، خبره: "معك" الآتي، أو هو معطوف على المحلّ، ويَحْتَمل أن يكون منصوبًا عطفًا على لفظ الجلالة، ويكون "معك" الآتي توكيدًا للأول، وإلى ما ذكرته أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى … مَنْصُوبِ "إِنَّ" بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا
(وَجبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ) قال عمر - ﵁ -: (وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ) وقوله: (وَأَحْمَدُ اللهَ) جملة معترضة بين العامل ومعموله، وهو: (بِكَلَامٍ) متعلّق بـ"تكلّمتُ" (إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ)
_________________
(١) راجع: "القاموس" ٤/ ٣٥٢، و"المصباح" ١/ ٣٤٣.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦١٦.
[ ٢٦ / ١٥٩ ]
أي: بإنزال الوحي على وفقه، كما نزلت الآية الكريمة موافقة لكلامه المذكور، كما بيّنه بقوله: (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، آيَةُ التَّخْيِيرِ) بدل من "الآية"، وقوله: (﴿عَسَى رَبُّهُ﴾) إلخ خبر لمحذوف محكي لقصد لفظه؛ أي: هي ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾، الآية (﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ) بنت عمر، وقوله: (تَظَاهَرَانِ) بحذف إحدى التاءين؛ إذ أصله تتظاهران؛ أي: تتعاونان (عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ) - ﷺ - ("لَا") أي: لأنه إنما آلى منهنّ أن يدخل عليهنّ شهرًا (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى) تقدّم شرحه قريبًا (يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ) - ﷺ - ("نَعَمْ إِنْ شِئْتَ") أي: أخبرهم إن أحببت إخبارهم به (فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ، حَتَّى تَحَسَّرَ) أي: انكشف (الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ) - ﷺ - (وَحَتَّى كَشَرَ) الكشر: بدُوّ الأسنان، يقال: كشَرَ الرجلُ عن أسنانه، من باب ضرب: إذا أبداها في الضحك (فَضَحِكَ) من باب تَعِبَ (وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا) بفتح الثاء المثلَّثة، وسكون الغين المعجمة: الفم، أو الأسنان، أو مقدّمها، قاله المجد ﵀ (^١). (ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ) أي: أتعلّق، وأستمسك خوفًا من السقوط (بِالْجذْعِ) بكسر، فسكون: ساق النخلة (وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضَ، مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ) يعني أنه - ﷺ - لا يمسّ الجِذع؛ لعدم مخافته من السقوط؛ إما لزيادة قوته، وإما لاعتياده ذلك (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟) وفيه تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها؛ لأن عمر - ﵁ - خشِي أن يكون - ﷺ - نسي مقدار ما حلف عليه، وهو شهر، فذكّره به (قَالَ) - ﷺ - ("إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ") أي: وهذا الشهر منه.
قال الحافظ ﵀: فيه تقوية لقول من قال: إن يمينه - ﷺ - اتَّفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين، وإلا فلو اتَّفق ذلك في أثناء
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ٣٨٢.
[ ٢٦ / ١٦٠ ]
الشهر، فالجمهور على أنه لا يقع البَرّ إلا بثلاثين. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": هذا مشكلٌ في هذه الرواية، فإن ظاهره أن النبيّ - ﷺ - نزل عقب ما خاطبه عمر، فيلزم منه أن يكون عمر تأخر كلامه معه تسعًا وعشرين يومًا، وسياق غيره ظاهر في أنه تكلم معه في ذلك اليوم، وكيف يُمْهِل عمر تسعًا وعشرين يومًا لا يتكلم في ذلك، وهو مصرِّح بأنه لم يصبر ساعةً في المسجد، حتى يقوم، ويرجع إلى الغرفة، ويستأذن؟
ولكن تأويل هذا سهلٌ، وهو أن يُحْمَل قوله: "فنزل" أي: بعد أن مضت المدة، ويستفاد منه أنه كان يتردد إلي النبيّ - ﷺ - في تلك المدة التي حَلَف عليها، فاتَّفَق أنه كان عنده عند إرادته النزول، فنزل معه، ثم خَشِي أن يكون نَسِي فذَكَّره، كما ذَكَّرته عائشة - ﵂ -، كما سيأتي. انتهى (^٢).
(فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِد، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ) إنما فعل ذلك؛ ليزيل الكرب الذي حلّ بالصحابة - ﵃ - بسبب توهّمهم أنه - ﷺ - طلّق نساءه (وَنَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ) هذا بيان صريحٌ على أن سبب نزول هذه الآية هو قصّة عمر - ﵁ - هذه، وهذا أصح مما ذكره المفسّرون، كابن جرير (^٣) من أنها نزلت في المنافقين، على أنه لا يبعد أن تنزل في الأمرين معًا، والله تعالى أعلم.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ في "إذا" معنى الشرط، ولا يُجازَم (^٤) بها، وإن زيدت عليها "ما" وهي قليلة الاستعمال، قال سيبويه: والجيّد ما قال كعب بن زهير [من الخفيف]:
وَإِذَا مَا تَشَاءُ تَبْعَثُ مِنْهَا … مَغْرِبَ الشَّمْسِ نَاشِطًا مَذْعُورَا (^٥)
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٢٢.
(٢) "الفتح" ١١/ ٢٨٦.
(٣) راجع: "تفسير ابن جرير الطبريّ" ٨/ ٥٦٨ - ٥٧٠.
(٤) وقع في النسخة: "لا يجازى" والظاهر أنه مصحّف، فتنبّه.
(٥) وصف ناقته بالنشاط والسرعة بعد سير النهار كلّه، فشبّهها في انبعاثها مسرعةً =
[ ٢٦ / ١٦١ ]
يعني أن الجيّد لا يجزم بـ"إذا ما" كما لم يجزم في هذا البيت.
والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئًا من الأمور، فيه أمن، نحو ظَفَر المسلمين، وقتل عدوّهم، ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ وهو ضدّ هذا ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي: أفشَوْه، وأظهروه، وتحدّثوا به قبل أن يَقِفُوا على حقيقته، فقيل: كان هذا من ضَعَفة المسلمين عن الحسن (^١)؛ لأنهم كانوا يُفشون أمر النبيّ - ﷺ -، ويظنون أنهم لا شيء عليهم في ذلك، وقال الضحاك، وابن زيد: هو في المنافقين، فنُهُوا عن ذلك؛ لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: لم يُحدِّثوا به، ولم يُفشوه حتى يكون النبيّ - ﷺ - هو الذي يحدث به، ويفشيه، أو أولو الأمر، وهم أهل العلم والفقه، عن الحسن، وقتادة، وغيرهما، وقال السّدّيّ، وابن زيد: الولاةُ، وقيل: أمراء السرايا ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجونه؛ أي: لعلموا ما ينبغي أن يُفْشَى منه، وما ينبغي أن يُكْتَمَ، والاستنباط مأخوذ من استنبَطتُ الماءَ: إذا استخرجته، والنَّبْطُ: الماء المستنبط أوّلَ ما يَخرُج من ماء البئر أوّلَ ما تُحْفَر، وسُمّي النَّبَط نَبَطًا لأنهم يستخرجون ما في الأرض، والاستنباط في اللغة: الاستخراج، وهو يدلّ على الاجتهاد، إذا عُدِم النصّ، والإجماع. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^٢).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها، ويُفشيها، ويَنشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقد أخرج مسلم في "مقدمة صحيحه"، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".
وفي "الصحيحين" عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - أن رسول الله نَهَى عن قيل
_________________
(١) = بناشط قد ذُعر من صائد، أو سبع، والناشط: الثور يخرج من بلد إلى بلد، فذلك أوحش له، وأذعر.
(٢) أي هذا القول محكيّ عن الحسن البصريّ ﵀.
(٣) "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٩١ - ٢٩٢.
[ ٢٦ / ١٦٢ ]
وقال؛ أي: الذي يَكثُر من الحديث عما يقول الناس، من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبيُّن.
وفي "سنن أبي داود" أن رسول الله - ﷺ - قال: "بئس مَطِيّة الرجل زَعَمُوا".
وفي "صحيح مسلم" مرفوعًا: "من حدّث بحديث، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين".
قال: ومعنى ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين: إذا حَفَرها، واستخرجها من قُعُورها. انتهى كلام ابن كثير ﵀ باختصار (^١).
قال عمر - ﵁ -: (فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنبطْتُ ذَلِكَ الْأَمْر) أي: أمر طلاق النبيّ - ﷺ - نساءه؛ أي: تتبعتّه، واستخرجت حقيقته، وعلمت عدم صحّته.
(وَأَنْزَلَ الله ﷿ آيَةَ التَّخْيِيرِ) هي الآية السابقة، وقد مضى البحث فيها مستوفًى، ولله الحمد والمنّة.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بيان مسائله بعد ثلاثة أحاديث - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٢] (…) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ؛ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق، عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ، حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَستَطِيعُ؛ هَيْبَةً لَكَ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ، فَسَلْنِي (^٢) عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: وَقَالَ
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٣٠ - ٥٣١.
(٢) وفي نسخة: "فاسألني".
[ ٢٦ / ١٦٣ ]
عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة، مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ الله تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ، إِذْ قَالَتْ لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتِ وَلِمَا هَا هُنَا؟ وَمَا تَكَلُّفكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَترَاجِعُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَةَ غَضْبَانَ، قَالَ عُمَرُ: فَآخُذ رِدَائِي، ثمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي، حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْت لَهَا: يَا بُنَيَّة، إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ الله، وَغَضَبَ رَسُولِه، يَا بُنَيَّةُ لَا تَغُزَنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا، وَحُبُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِيَّاهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ؛ لِقَرَابَتِي مِنْهَا، فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَزْوَاجِهِ (^١)، قَالَ: فَأَخَذَتْنِي أَخْذًا، كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَار، إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَر، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَر، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَد امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَأَتَى صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، وَقَالَ: افْتَحْ افْتَحْ، فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ: أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي، فَأَخْرجُ حَتَّى جِئْتُ، فَاِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، يُرْتَقَى إِلَيْهَا بعَجَلَةٍ (^٢)، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَة، فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ، فَأُذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ، تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ، مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا
_________________
(١) وفي نسخة: "وبين أزواجه".
(٢) وفي نسخة: "بعجلها"، وفي أخرى: "بعجلتها".
[ ٢٦ / ١٦٤ ]
مَضْبُورًا (^١)، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكَ؟ " (^٢)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيه، وَأَنْتَ رَسُولُ الله، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ؟ ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٥ - (عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى آل زيد بن الخطاب، ويقال: مولى بني زُريق، ثقةٌ قليل الحديث [٣].
رَوَى عن قتادة بن النعمان، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وأبي سعيد بن الْمُعَلَّى، وغيرهم.
وروى عنه سالم أبو النضر، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو الزناد، ومروان بن عثمان بن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، وليس بكثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الواقديّ وغيره: مات سنة خمس ومائة، وهو ابن سبعين سنةً، ويقال: وهو ابن تسعين سنةً (^٣).
_________________
(١) وفي نسخة: "مصبورًا" بالصاد المهملة.
(٢) وفي نسخة: "ما يُبكيك يا عمر؟ ".
(٣) قال الحافظ المزيّ ﵀ بعد ذكر "ابن سبعين سنةً": وقال في "الكمال": وهو ابن =
[ ٢٦ / ١٦٥ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١٤٧٩) وأعاده بعده، و(٢٣٨٢): "أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر، فقال: عبد خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا … " الحديث، وله عند أبي داود حديثٌ في النهي عن بيع السلعة حيث تباع.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (عَنْ آيَةٍ) هي آية سورة التحريم.
وقوله: (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ؟ هَيْبَةً لَهُ) فيه توقير العالم، ومهابته عن استفسار ما يُخشى من تغيّره عند ذكره، وترقّب خلوته؛ ليسأل عما يريده.
وقوله: (عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ إلخ) يعني مالَ عن الطريق السلوكة إلى طريق لا يُسلك غالبًا لقضاء حاجته، والأراك شجر معروف، ترعاه الإبل.
وشرح الحديث، ومسائله تأتي بعد حديثين، وإنما أخرّتها إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا مما هنا، ولكن أشرح بعض ما يُستغرب هنا، فأقول:
قوله: (ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ إلخ) فيه البحث في العلم في الطريق، والخلوات، وفي حال القعود والمشي.
وقوله: (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ إلخ) يعني حتى أمرنا الله تعالى بأداء حقوقهنّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقوله: (فَبَيْنَمَا أَنَا) معنى "بينما"، و"بينا" أي: بين أوقات ائتماري، وكذا ما أشبهه، وسبق بيانه، قاله النوويّ ﵀ (^١).
_________________
(١) = تسعين سنةً - يعني بتقديم التاء - قال: وهو خطأ، قال الحافظ: بل هو الصواب، فهو ثابت فيما ذكره ابن سعد عن الواقديّ، وكذا في "ثقات ابن حبان"، ومما يؤيده أن الواقديّ روى عنه أنه قال: قلت لزيد بن ثابت مقتل عثمان: اقرأ عليّ الأعراف، فقال: اقرأها عليّ أنت، قال: فقرأتها عليه، فما أخذ عليّ ألفًا، ولا واوًا. انتهى، وكان مقتل عثمان سنة (٣٥) فلو كان كما ذكر المزيّ كان يكون عمره إذ ذاك خمس سنين، ويبعد أن مثله يحفظ سورة الأعراف، ويتأهل لأن يقرأها على زيد بن ثابت. انتهى كلام الحافظ ﵀. "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٤ - ٣٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٨٥.
[ ٢٦ / ١٦٦ ]
وقوله: (فِي أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ) أي: أشاور نفسي، وأفكّر.
وقوله: (لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا) أي: أشارت عليّ بشيء، وأغلظت لي فيه، كما هو مصرّح في "صحيح البخاريّ" في "اللباس".
وقوله: (وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟) وفي رواية يزيد بن رُومان: "فقمت إليها بقضيب، فضربتها به، فقالتَ: يا عجبًا لك يا ابن الخطاب إلخ".
وقوله: (مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ) المراجعة هي الترادّ في الكلام، والمناظرة فيه.
وقوله: (حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ) بنصب "يدخلَ".
وقوله: (تَعْلَمِينَ) بمعنى اعلمي.
وقوله: (لَا تَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا إلخ) يريد عائشة - ﵂ -، وأراد بذلك أن لا تقيس نفسها بها، ولا تسير بسيرها في كل شيء؛ فإنها أحب إلى رسول الله - ﷺ - منها، فربما يصدر من إدلالها به - ﷺ - ما لا يليق بها.
وقوله: (فَأَخَذَتْنِي أَخْذًا، كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ) أي: أخذتني بلسانها أخذًا دفعتني عن مقصدي وكلامي
وقوله: (مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ) اسمه الحارث بن أبي شَمِر.
وقوله: (فَقَد امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ) أي: غيظًا، أو خوفًا.
وقوله: (رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ) بفتح الغين، وكسرها؛ أي: لَصِقَ بالرغام، وهو التراب، هذا هو الأصل، ثم استُعمل في كلّ من عجز من الانتصاف، وفي الذّلّ والانقياد كرهًا، قاله النوويّ ﵀.
وقوله: (ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي) قال النوويّ ﵀: فيه استحباب التجمّل بالثوب والعمامة ونحوهما عند لقاء الأئمة والكبار؛ احترامًا لهم.
(بِعَجَلَةٍ) وفي نسخة: "بعَجَلها"، وفي أخرى: "بعجلتها"، وهي درجة من النخل.
وقوله: (مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين؛ أي: جلد.
[ ٢٦ / ١٦٧ ]
وقوله: (حَشْوُهَا لِيفٌ) أي: محشوّة باللِّيف، وهو بكسر اللام: ليف النخل.
وقوله: (مَضْبُورًا) بالضاد المعجمة؛ أي: مجموعًا، وفي بعض النسخ بالصاد المهملة.
وقوله: (أُهُبًا) بفتحتين، أو بضمّتين: جمع إهاب، وهو الجلد قبل الدبغ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٣] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَن ابْنِ عَبَاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَان، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِه، كَنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بلَالٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ؟ (^١) قَالَ: حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَزَادَ فِيهِ: وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ (^٢)، فَإِذَا فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ، وَزَادَ أَيْضًا: وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) اسم واد قرب مكة، قال في "القاموس" و"شرحه": وظهران: كسَحْبان": وادٍ قرب مكة، بينها وبين عُسْفانَ، يُضَافُ إِليه مَرٌّ - بفتح الميم - فيقال: مَرُّ الظَّهْرَان، فـ"مَرّ" اسمُ القَرْيَة، و"ظَهْرَانُ": الوادِي،
_________________
(١) وفي نسخة: "ما شأن المرأتين؟ ".
(٢) وفي نسخة: "فأتيت الْحُجر".
[ ٢٦ / ١٦٨ ]
وبمَرّ عُيُونٌ كَثِيرةٌ، ونَخِيلٌ، لأَسْلَمَ، وهُذَيْلٍ، وغاضِرَةَ، ويعْرَف الآنَ بِوَادِي فاطِمَةَ، وهي إِحْدَى مَناهِلِ الحاجّ، قال كُثَيِّر [من الكامل]:
ولَقَدْ حَلَفْتُ لَهَا يَمِينًا صادِقًا … بالله عندَ مَحارِمِ الرَّحْمَنِ
بالرّاقِصَاتِ على الكَلَالِ عَشِيَّةً … تَغْشَى مَنابِتَ عَرْمَضِ الظَّهْرَانِ
العَرْمَضُ هنا صِغَارُ الأَرَاك، حكاه ابنُ سِيدَه، عن أَبي حَنِيفَةَ؛ أي: الدِّينوريّ. انتهى (^١).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولهِ) فاعل "ساق" ضمير حماد بن سلمة.
وقوله: (قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ؟) يَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا بتقدير "ما" الاستفهاميّة؛ أي: ما شأن المرأتين؟ وَيحتمل أن يكون منصوبًا بفعل مقدّر؛ أي: حدّثني شأن المرأتين، ووقع في بعض النسخ بلفظ: "ما شأن المرأتين"؟.
وقوله: (وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ) وفي نسخة: "فأتيت الحُجَر"، وهو بضمّ الحاء المهملة، وفتح الجيم: جمع حُجْرة، وهي بيوت أزواج النبيّ - ﷺ -.
وقوله: (وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا) هو بمد الهمزة، وفتح اللام، ومعناه: حَلَفَ، لا يدخل عليهنّ شهرًا، قال النوويّ ﵀: وليس هو من الإيلاء المعروف في اصطلاح الفقهاء، ولا له حكمه، وأصل الإيلاء في اللغة: الحلف على الشيء، يقال منه: آلى يؤالي إيلاءً، وتألّى تَأَلِّيًا، وائتلى ائتلاء، وصار في عُرف الفقهاء مختصًّا بالحلف على الامتناع من وطء الزوجة، ولا خلاف في هذا، إلا ما حُكي عن ابن سيرين أنه قال: الإيلاء الشرعيّ محمول على ما يتعلق بالزوجة، من ترك جماع، أو كلام، أو إنفاق، قال القاضي عياض ﵀: لا خلاف بين العلماء أن مجرد الإيلاء لا يوجب في الحال طلاقًا، ولا كفارةً، ولا مطالبةً.
ثم اختلفوا في تقدير مدّته، فقال علماء الحجاز، ومعظم الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم: المؤلي من حلف على أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة، فليس بمولٍ، وقال الكوفيون: هو من حلف على أربعة أشهر، فأكثر، وشذّ ابن أبي ليلى، والحسن، وابن شبرمة في آخرين، فقالوا: إذا
_________________
(١) "تاج العروس من جواهر القاموس" ٣/ ٣٧٤.
[ ٢٦ / ١٦٩ ]
حلف لا يجامعها يومًا، أو أقلّ، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر، فهو مؤلٍ، وعن ابن عمر: أن كل من وَقَّت في يمينه وقتًا، وإن طالت مدته، فليس بمؤلٍ، وإنما المؤلي من حلف على الأبد.
قال: ولا خلاف بينهم أنه لا يقع عليه طلاق قبل أربعة أشهر، ولا خلاف أنه لو جامع قبل انقضاء المدة سقط الإيلاء، فأما إذا لم يجامع حتى انقضت أربعة أشهر، فقال الكوفيون: يقع الطلاق، وقال علماء الحجاز، ومصر، وفقهاء أصحاب الحديث، وأهل الظاهر كلهم: يقال للزوج: إما أن تجامع، وإما أن تُطَلِّق، فإن امتنع طلق القاضي عليه، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وعن مالك روايةٌ، كقول الكوفيون، وللشافعيّ قول أنه لا يطلق القاضي عليه، بل يجبر على الجماع، أو الطلاق، ويُعَزَّر على ذلك، إن امتنع، واختَلَف الكوفيون: هل يقع طلاق رجعيّ، أم بائنٌ؟
فأما الآخرون فاتفقوا على أن الطلاق الذي يوقعه هو أو القاضي، يكون رجعيًّا، إلا أن مالكًا يقول: لا تصح فيها الرجعة، حتى يجامع الزوج في العدة، قال القاضي عياض: ولم يُحفظ هذا الشرط عن أحد سوى مالك.
ولو مضت ثلاثة أقراء في الأشهر الأربعة، فقال جابر بن زيد: إذا طلق انقضت عدتها بتلك الأقراء، وقال الجمهور: يجب استئناف العدة.
واختلفوا في أنه هل يشترط للإيلاء أن تكون يمينه في حال الغضب، ومع قصد الضرر، فقال جمهورهم: لا يشترط، بل يكون مؤليًا في كل حال، وقال مالك، والأوزاعيّ: لا يكون مؤليًا إذا حلف لمصلحة ولده لفطامه، وعن عليّ، وابن عباس - ﵃ - أنه لا يكون مؤليًا إلا إذا حلف على وجه الغضب. انتهى (^١).
[تنبيه]: هذا الحديث لم أجد من ساقه بتمامه، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٨٨ - ٨٩.
[ ٢٦ / ١٧٠ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاس، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَن الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَبِثْتُ سَنَةً، مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا، حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَان، ذَهَبَ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَالَ: أَدْرِكْني بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتيْتُهُ بِهَا، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ، ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْه، وَذَكَرْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيْتُ كَلَامِي، حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، الإمام الحجة الثبت الحافظ الشهير، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: مولى العباس، قالوا: وهذا قول سفيان بن عيينة، قال البخاريّ: لا يصح قول ابن عيينة هذا، وقال مالك: هو مولى آل زيد بن الخطاب، وقال محمد بن جعفر بن أبي كثير: هو مولى بني زُرَيق (^١)، قال القاضي عياض وغيره: الصحيح عند الحفاظ وغيرهم في هذا قول مالك، وحديثه عند أهل المدينة. انتهى (^٢).
وقوله: (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "على عهد"، قال القاضي عياض ﵀: إنما قال: "تظاهرتا على عهد رسول الله - ﷺ -"، ولم يقل: "تظاهرتا على رسول الله - ﷺ - "؛ توقيرًا لهما وبِرًّا، والمراد: تظاهرتا عليه في عهده، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٨٩.
(٢) "إكمال المعلم" ٥/ ٤٤ - ٤٥.
[ ٢٦ / ١٧١ ]
[التحريم: ٤]، وقد صُرِّح في سائر الروايات بأنهما تظاهرتا على رسول الله - ﷺ -. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيث، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَن الْمَرْأَتَيْن، مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، حَتَّى حَجَّ عُمَرُ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق، عَدَلَ عُمَرُ، وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَة، فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ أَتَانِي، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْه، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَن الْمَرْأَتَان، مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - اللَّتَانِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ قَالَ عُمَرُ: وَا عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ وَاللهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَكْتُمْهُ، قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ، قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا، يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، قَالَ: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، بِالْعَوَالِي، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْل، فَانْطَلَقْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ (^٢)، أفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ - ﷺ -؟ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَك، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٥/ ٤٦.
(٢) وفي نسخة: "وخسِرت".
[ ٢٦ / ١٧٢ ]
جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ، وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْك، يُرِيدُ عَائِشَةَ، قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَار، فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَيَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِه، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي، ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي، ثُمَّ نَادَانِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْه، فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ - ﷺ - نِسَاءَهُ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا، حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ، شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَة، فَأَتَيْتُ غُلَامًا لَهُ أَسْوَدَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَانْطَلَقْتُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَر، فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، فَقَالَ: ادْخُلْ، فَقَدْ أَذِنَ لَكَ، فَدَخَلْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِيءٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ، قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِه، فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: "لَا"، فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ الله، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْل، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِه، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْك، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْك، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، فَجَلَسْتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي
[ ٢٦ / ١٧٣ ]
الْبَيْت، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا، يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أُهُبًا ثَلَاَثةً، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّوم، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ الله، وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللهُ ﷿.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ أقسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ"، ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيه، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي؟ أَبَوَيْكِ"، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا"، قَالَ قتَادَةُ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل بابين.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
[ ٢٦ / ١٧٤ ]
٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) القرشيّ المدنيّ، مولى بني نوفل، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وصفية بنت شيبة، وعنه الزهريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ذكره مسلمة في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاريّ: قال مصعب: كان أبو ثور من بني الغوث بن مُرّ بن أُدّ، وعِداده في بني نوفل، قال الحافظ: وذكر الخطيب في "المكمل" أنه لم يرو عن غير ابن عباس، ولم يرو عنه غير الزهريّ (^١).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن عبيد الله.
٤ - (ومنها): أن فيه عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وإن كان ثقة، إلا أنه قليل الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، وقد اشترك معه في اسمه، واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، ورواية الزهريّ عنهما: عبيدُ الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهذليّ المدنيّ، لكن رواية هذا عن ابن عباس - ﵄ - كثيرة في "الصحيحين"، وغيرهما، وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث، أفاده في "الفتح" (^٢).
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عباس - ﵄ - حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) هذا فيه نظر، فقد ذكر في ترجمته أنه روى عن صفيّة بنت شيبة، وروى عنه غير الزهريّ محمد بن جعفر بن الزبير.
(٢) "الفتح" ١/ ٢٥٠.
[ ٢٦ / ١٧٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) النوفليّ المكيّ (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَن أَسْأَلَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵁ -، في رواية عبيد بن حُنين الماضية أنه سمع ابن عباس يُحدّث، قال: مكثت سنة، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب - ﵁ - (عَن الْمَرْأَتَيْنِ) وفي رواية عبيد بن حُنين: "عن آية" (مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى) في شأنهما (﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ﴾ أي: مالت (﴿قُلُوبُكُمَا﴾، حَتى حَجَّ عُمَرُ) - ﵁ - (وَحَجَجْتُ مَعَهُ) وفي رواية عبيد: "فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجًّا"، وفي رواية يزيد بن رُومان عند ابن مردويه: "عن ابن عباس: أردت أن أسأل عمر، فكنت أهابه، حتى حججنا معه، فلما قضينا حجنا، قال: مرحبًا بابن عم رسول الله - ﷺ -، ما حاجتك؟ ".
(فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق، عَدَلَ عُمَرُ) أي: عن الطريق الجادّة المسلوكة إلى طريق لا يُسْلَك غالبًا؛ ليقضي حاجته، ووقع في رواية عُبيد بن حُنين السابقة: "فخرجت معه، فلما رجع، فكنا ببعض الطريق عَدَلَ إلى الأراك لحاجة له"، وبيّن في رواية حماد بن سلمة، وابن عيينة كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ أن المكان المذكور هو "مَرّ الظَّهْران"، وقد تقدّم ضبطه، ومعناه قبل حديث (وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة: الْمِطْهَرة؛ أي: إناء الطهارة، وجمعها الأَدَاي بالفتح (^١). (فَتَبَرَّزَ) أي: قَضَى حاجته، وأصل التَّبَرّز من الْبَرَاز، وهو الموضع الخالي البارز عن البيوت، ثم أُطلق على نفس الفعل، وفي رواية حماد بن سلمة المذكورة عند الطيالسيّ: "فدخل عمر الأراك، فقضى حاجته، وقعدت له، حتى خَرَج"، فيؤخذ منه أن المسافر إذا لم يجد الفضاء لقضاء حاجته استتر بما يمكنه الستر به من شجر البادية (^٢). (ثُمَّ أَتَانِي، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ) وفي رواية عُقيل: "فسكبت من الإداوة"؛ أي: صببت عليه، قال النوويّ ﵀: فيه جواز الاستعانة في الوضوء، وقد سبق إيضاحها في أوائل الكتاب، وهو أنها إن كانت لعذر، فلا بأس بها، وإن كانت بغيره فهي خلاف
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٩.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٠٠.
[ ٢٦ / ١٧٦ ]
الأَولى، ولا يقال: مكروهة على الصحيح. انتهى (^١).
(فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَن الْمَرْأَتَانِ) وفي رواية الطيالسيّ: "فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن حديث منذ سنة، فتمنعني هيبتك، أن أسألك"، ورواية عُبيد بن حُنين الماضية: "فوقفت له، حتى فرغ، ثم سِرْت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَن اللتان تظاهرتا على رسول الله - ﷺ - من أزواجه؟ قال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنت لأُريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أَنّ عندي من علم، فاسألني، فإن كان لي علم أخبرتك"، وفي رواية يزيد بن رَومان: "فقال: ما تسأل عنه أحدًا أعلم بذلك مني".
(مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - اللَّتَانِ قَالَ اللهُ ﷿ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟) أي: قال الله تعالى لهما: إن تتوبا من التعاون على رسول الله - ﷺ -، ويدلّ عليه قوله بعدُ: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: تتعاونا، ومعنى تظاهرهما: أنهما تعاونتا حتى حَرَّم رسول الله - ﷺ - على نفسه ما حَرَّم كما تقدّم بيانه.
وقوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ كَثُر استعمالهم في موضع التثنية لفظ الجمع، كقولهم: وَضَعا رحالهما؛ أي: رَحْلَي راحلتيهما (^٢).
(قَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (وَا عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ) هذا من عمر - ﵁ - تَعَجُّبٌ من ابن عباس - ﵃ - مع شهرته بعلم التفسير، كيف خَفِي عليه هذا القدر مع شهرته، وعظمته في نفس عمر، وتقدمه في العلم على غيره، كما هو مشهور في قصّة سؤاله له عن تفسير ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ الآيات [النصر: ١ - ٣]، ومع ما كان ابن عباس مشهورًا به من الحرص على طلب العلم، ومداخلة كبار الصحابة، وأمهات المؤمنين فيه.
أوْ تعجَّبَ من حرصه على طلب فنون التفسير، حتى معرفة المبهم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٩٠.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٠١.
[ ٢٦ / ١٧٧ ]
ووقع في رواية معمر: "وا عجبي لك" (^١).
[تنبيه]: يجوز في "عجبًا" التنوين، وعدمه، قال ابن مالك: "وا" في قوله: "واعجبًا" إن كان منونًا فهو اسم فعل، بمعنى "أَعْجَبُ"، ومثله "وهًا"، و"وَيْ"، وجيء بعده بـ"عَجَبًا"، توكيدًا.
وإن كان بغير تنوين، فالأصل فيه "وا عجبي"، فأُبدلت الكسرة فتحةً، والياء ألفًا، كما في: "يا أسفا"، و"يا حسرتا".
وفيه شاهد لجواز استعمال "وا" في منادى غير مندوب، وهو مذهب المبرّد، وهو مذهب صحيح. انتهى (^٢).
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) مبيّنًا قول عمر لابن عبّاس: "وَا عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ" (كَرِهَ وَاللهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ) فَهِمَ الزهريّ من هذا التعجّب الإنكار لِمَا سأله عنه، وفيه بُعْدٌ، ويُمكن أن يقال: إن تعجّبه إنما كان لأنه استَبعد أن يخفى مثلُ هذا على مثل ابن عبّاس مع مداخلته لأزواج النبيّ - ﷺ -، وشُهرة هذه القضيّة، وشدّة حرصه هو على سماع الأحاديث، وكثرة حفظه، وغزارة علمه، ولمَا كان في نفس عمر من ابن عبّاس، فإنه كان يُعظّمه، ويُقدّمه على كثير من مشايخ الصحابة، كما اتّفق له معه؛ إذ سأله عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ الآيات [النصر: ١ - ٣]، والقصّة مشهورة (^٣).
وقوله: (وَلَمْ يَكْتُمْهُ) من تَتِمّة كلام الزهريّ، يعني مع كراهته سؤاله لم يكتمه جواب ما سأل عنه، بل أوضح له، كما قال: (قَالَ) عمر - ﵁ - (هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ) كذا عند المصنّف في جميع النسخ التي بين يديّ، بإفراد الضمير، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "هما عائشة وحفصة" بالتثنية، وهي الموافقة للقواعد؛ لأن الخبر مثنّى، وأن السؤال بـ"من المرأتان؟ "، فليُتنبّه.
وقوله: "حفصة وعائشة"، كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية حماد بن سلمة وحده عن يحيى بن سعيد الماضية: "حفصة وأم سلمة"، وقد
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٠٢.
(٢) راجع: "شواهد التوضيح والتصحيح" (ص ٢١٢).
(٣) "المفهم" ٤/ ٢٥٩.
[ ٢٦ / ١٧٨ ]
أخرجه الطيالسيّ في "مسنده" عن يحيى، فقال: "عائشة وحفصة" مثل الجماعة.
[تنبيه]: قال في "الفتح": هذا هو المعتمد أن ابن عباس هو المبتدئ بسؤال عمر عن ذلك، ووقع عند ابن مردويه من وجه آخر ضعيف، عن عمران بن الحكم السّلَميّ: حدّثني ابن عباس، قال: كنا نسير فلَحِقَنا عمر، ونحن نتحدّث في شأن حفصة وعائشة، فسكتنا حين لَحِقنا، فعَزَم علينا أن نُخبره، فقلنا: تذاكرنا شأن عائشة وحفصة وسودة، فذَكَر طرفًا من هذا الحديث، وليس بتمامه.
قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بأن هذه القصة كانت سابقةً، ولم يتمكن ابن عباس من سؤال عمر عن شرح القصة على وجهها، إلا في الحال الثاني. انتهى (^١).
(ثُمَّ أَخَذَ) عمر - ﵁ - (يَسُوقُ الْحَدِيثَ) ولفظ البخاريّ: "ثم استقبل عمر الحديث يسوقه"؛ أي: القصّة التي كانت سبب نزول الآية المسئول عنها (قَالَ) عمر (كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) منصوب على الاختصاص، كما قال في "الخلاصة":
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … كَـ"أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ"
(قَوْمًا) منصوب على أنه خبر "كان"، وقوله: (نَغْلِبُ النِّسَاءَ) جملة في محلّ نصب، على أنه صفةُ "قومًا" أي: نَحْكُم عليهنّ، ولا يحكمن علينا، بخلاف الأنصار، فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رُومان: "كنا، ونحن بمكة لا يُكَلِّم أحد امرأته إلا إذا كانت له حاجة، قضى منها حاجته"، وفي رواية عُبيد بن حُنين: "وقال عمر: والله إن كنا في الجاهليّة ما نَعُدّ للنساء أمرًا، حتى أنزل الله فيهنّ ما أنزل، وقَسَم لهنّ ما قسم"، وفي رواية الطيالسيّ: "كنا لا نعتدّ بالنساء، ولا نُدخلهنّ في أمورنا".
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا) بكسر الفاء، وقد تُفتح؛ أي: جَعَل، أو أخذ، والمعنى: أنهنّ أخذن في تعلم ذلك (يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: "فطفق نساؤنا يأخذن
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٠٢ "كتاب النكاح" رقم (٥١٩١).
[ ٢٦ / ١٧٩ ]
من أدب نساء الأنصار"؛ أي: من سِيرتهنّ، وطريقتهنّ، وفي رواية له: "من أَرَبِ" بالراء، وهو العقل، وفي رواية يزيد بن رُومان: "فلما قَدِمنا المدينة تزوجنا من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا، ويراجعننا" (قَالَ) عمر - ﵁ - (وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من الأوس (بِالْعَوَالِي) أي: عوالي المدينة، والعوالي: جمع عالية، وهي قُرًى بقرب المدينة، مما يلي المشرق، وكانت منازل الأوس (فَتَغَضَّبْتُ) أي: استعملت الغضب؛ أي: أسبابه (يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية البخاريّ: "فَسَخَبْتُ على امرأتي"، بسين مهملة، ثم خاء معجمة، ثم موحدة، وفي رواية الكشميهنيّ بالصاد المهملة، بدل السين، وهما بمعنًى، والصَّخَب، والسَّخَب: الزجر من الغضب.
وفي رواية: "فصحت" بحاء مهملة، من الصياح، وهو رفع الصوت، ووقع في رواية عُبيد بن حُنين: "فبينما أنا في أمر أتأمره" أي: أتفكر فيه، وأُقَدِّره، "فقالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا" (فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي) "إذا" هي الفُجائيّة؛ أي: ففاجأني مراجعتها إياي، وفي رواية عُبيد بن حُنين: "قال: فبينما أنا في أمر أئتمره، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا" (فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي) أي: تُرادَّني في القول، وتناظرني فيه، ووقع في رواية عُبيد بن حُنين: "فقلت لها: ومالك أنت، ولما ها هنا، وما تكلفك في أمر أريده؟ " فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وفي لفظ للبخاريّ: "فلما جاء الإسلام، وذكرهنّ الله، رأين لهن بذلك حقًّا علينا، من غير أن نُدخلهن في شيء من أمورنا، وكان بيني وبين امرأتي كلام، فأغلظت لي"، وفي رواية يزيد بن رُومان: "فقمت إليها بقضيب، فضربتها به، فقالت: يا عجبًا لك يا ابن الخطّاب" (فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟) "ما" استفهاميّة إنكاريّة؛ أي: أيّ شيء تنكر في مراجعتك؟ وفي رواية البخاريّ: "فقالت: ولمَ تُنْكر أن أراجعك؟ "، وفي رواية عُبيد: "فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطّاب، ما تريد أن تُراجع أنت" (فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ) وفي رواية عُبيد بن حُنين: "وإن ابنتك لتراجع رسول الله - ﷺ - حتى يَظَلّ يومه غضبان"، وفي رواية للبخاريّ: "قالت: تقول لي هذا، وابنتك
[ ٢٦ / ١٨٠ ]
تؤذي رسول الله - ﷺ -"، وفي رواية الطيالسيّ: "فقلت: متى كنتِ تدخلين في أمورنا؟ فقالت: يا ابن الخطاب، ما يستطيع أحد أن يكلمك، وابنتك تكلم رسول الله - ﷺ -، حتى يظل غضبان".
وقولها: "اليومَ إلى الليل" بنصب "اليوم" على الظرفيّة لـ"تهجر"؛ أي: من أول النهار إلى أن يدخل الليل، وَيحْتَمِل أن يكون المراد: حتى إنها لتهجره اليومَ مضافًا إلى الليل.
(فَانْطَلَقْتُ) زاد في رواية البخاريّ: "فأفزعني ذلك، فقلت لها: قد خاب من فَعَلَ ذلكِ منهنّ، ثم جمعت عليّ ثيابي، فنزلت" (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) يعني ابنته، وبدأ بها لمنزلتها منه (فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ) وفي رواية عُبيد بن حُنين: "فقالت حفصة: والله لنراجعه"، وفي رواية حماد بن سلمة: "فقلت: ألا تتّقين الله" (فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟) وفي رواية البخاريّ: "فقلت لها؛ أي: حفصةُ، أتغاضب إحداكنّ النبيّ - ﷺ - اليوم حتى الليل؟ " (قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ) وفي نسخة: "وخسِرَت" فالتذكير بالنظر إلى لفظ "من"، والتأنيث بالنظر إلى المعنى (أفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ - ﷺ -، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟) وفي رواية البخاريّ: "أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله - ﷺ -، فتهلكي"، قال في "الفتح": كذا هو بالنصب للأكثر، ووقع في رواية عُقيل: "فتهلكين"، وهو على تقدير محذوف، وتقدم في "كتاب المظالم": "أفتأمنُ أن يغضب الله لغضب رسوله، فتهلكين"، قال أبو عليّ الصدفيّ: الصواب: أفتأمنين، وفي آخره: فتهلكي، كذا قال، وليس بخطأ؛ لإمكان توجيهه.
وفي رواية عُبيد بن حُنين: "فتهلكن" بسكون الكاف، على خطاب جماعة النساء، وعنده: "فقلت: تَعْلَمِين أني أحذِّرك عقوبة الله، وغضب رسوله".
(لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ) أي: ظهر لك، وفي رواية البخاريّ: "لا تستكثري النبيّ - ﷺ -، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك"، ومعنى: "لا تستكثري": أي لا تطلبي منه الكثير، ومعنى: "لا تراجعيه في شيء" أي: لا ترادّيه في الكلام، ولا تردي عليه، و"لا تهجريه" أي: ولو هجركِ.
[ ٢٦ / ١٨١ ]
وفي رواية يزيد بن رومان: "لا تكلمي رسول الله - ﷺ -، فإن رسول الله - ﷺ - ليس عنده دنانير، ولا دراهم، فما كان لكِ من حاجة حتى دُهْنةٍ، فسليني".
(وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ) بفتح الألف، وبكسرها أيضًا (كَانَتْ جَارَتُكِ) أي: ضَرّتك، أو هو على حقيقته؛ لأنها كانت مجاورة لها، والأولى أن يُحْمَل اللفظ هنا على معنييه؛ لصلاحيته لكل منهما، والعرب تُطلق على الضرّة جارةً؛ لتجاورهما المعنويّ؛ لكونهما عند شخص واحد، وإن لم يكن حسيًّا، وقد وقع في حديث حَمَل بن مالك: "كنت بين جارتين" يعني ضرّتين، فإنه فسره في الرواية الأخرى، فقال: "امرأتين"، وكان ابن سيرين يكره تسميتها ضرّةً، ويقول: إنها لا تضرّ، ولا تنفع، ولا تذهب من رزق الأخرى بشيء، وإنما هي جارةٌ، والعرب تسمي صاحب الرجل، وخليطه: جارًا، وتسمي الزوجة أيضًا جارةً؛ لمخالطتها الرجلَ (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: أراد بالجارة الضرّة، وكَنَى بها عنها؛ مراعاةً للأدب، واجتنابًا للفظ الضرر أن يضاف لمثل أزواج النبيّ - ﷺ -، ورضي عنهنّ، ويعني بذلك عائشة - ﵂ -. انتهى (^٢).
(هِيَ أَوْسَمَ) أي: أجمل، وهو بالسين المهملة، من الوسامة، وهي العلامة، والوسيم: الجميل، فكأن الحسن وَسَمها؛ أي: علّمها بعلامة تُعرف بها، ولفظ البخاريّ: "أوضأ" من الوضاءة (وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْك، يُرِيدُ عَائِشَةَ) المعنى: لا تغترّي بكون عائشة تفعل ما نهيتكِ عنه، فلا يؤاخذها بذلك، فإنها تُدْلِ بجمالها، ومحبة النبيّ - ﷺ - فيها، فلا تغتري أنت بذلك؛ لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها.
ووقع في رواية عُبيد بن حُنين الماضية أبين من هذا، ولفظه: "يا بُنيّةُ لا تغرّنّك هذه التي قد أعجبها حسنها، وحبّ رسول الله - ﷺ - إياها".
وفي رواية الطيالسيّ: "لا تغترّي بحسن عائشة، وحبّ رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٠٦ "كتاب النكاح" رقم (٥١٩١).
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٦٠.
[ ٢٦ / ١٨٢ ]
إياها"، وعند ابن سعد في رواية أخرى: "إنه ليس لك مثل حَظوة عائشة، ولا حسن زينب"، يعني بنت جحش.
وزاد عُبيد بن حُنين في هذه الرواية: "ثم خرجتُ حتى دخلت على أم سلمة؛ لقرابتي منها"، يعني لأن أم عمر كانت مخزومية، مثل أم سلمة، وهي أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، ووالدة عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، فهي بنت عم أمه، وفي رواية يزيد بن رُومان: "ودخلت على أم سلمة، وكانت خالتي"، وكأنه أطلق عليها خالة؛ لكونها في درجة أمه، وهي بنت عمها، وَيحْتَمِل أن تكون ارتضعت معها، أو أختها من أمها، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَ) عمر - ﵁ - (وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) قال في "الفتح": اسم الجار المذكور أوس بن خَوْلِيّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، سماه ابن سعد من وجه آخر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكر حديثًا، وفيه: "وكان عُمَر مؤاخيًا أوس بن خَوْلي، لا يسمع شيئًا إلا حدّثه، ولا يسمع عمر شيئًا إلا حدّثه"، فهذا هو المعتمد.
وأما ما تقدّم في "العلم" عمن قال: إنه عتبان بن مالك، فهو من تركيب ابن بشكوال، فإنه جوَّز أن يكون الجار المذكور عتبان؛ لأن النبيّ - ﷺ - آخَى بينه وبين عمر، لكن لا يلزم من الإخاء أن يتجاورا، والأخذ بالنصّ مقدَّم على الأخذ بالاستنباط، وقد صرحت الرواية المذكورة عند ابن سعد أن عمر كان مؤاخيًا لأوس، فهذا بمعنى الصداقة، لا بمعنى الإخاء الذي كانوا يتوارثون به، ثم نُسِخ، وقد صرح به ابن سعد بأن النبيّ - ﷺ - آخَى بين أوس بن خَوْليّ وشُجاع بن وهب، كما صرح به بأنه آخَى بين عمر وعتبان بن مالك، فتبيّن أن معنى قوله: "كان مؤاخيًا" أي: مصادقًا، ويؤيد ذلك أن في رواية عُبيد بن حُنين: "وكان لي صاحب من الأنصار". انتهى (^٢).
(فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي لفظ للبخاريّ: "على رسول الله - ﷺ - " (فَيَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ) أي: من
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٠٧.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٠٢ - ٦٠٣ "كتاب النكاح" رقم (٥١٩١).
[ ٢٦ / ١٨٣ ]
الحوادث الكائنة عند النبيّ - ﷺ - (وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ) وفي رواية ابن سعد المذكورة: "لا يسمع شيئًا إلا حدّثه به، ولا يسمع عمر شيئًا إلا حدثه به"، وفي رواية عُبيد بن حُنين السابقة: "إذا غِبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتيه بالخبر"، ولفظ البخاريّ: "إذا غاب، وشهدت أتيته بما يكون من رسول الله - ﷺ -"، وفي رواية الطيالسيّ: "يحضر رسول الله - ﷺ - إذا غبت، وأحضره إذا غاب، ويخبرني، وأخبره" (وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ) والأشهر فيه ترك صرفه باعتبار القبيلة، وقيل: يُصرف باعتبار أنه أبٌ، أو حي، وقد سمّاه ابن سعد في روايته: "الحارث بن أبي شَمِر" (تُنْعِلُ الْخَيْلَ) وفي لفظ للبخاريّ: "وكنا قد تحدثنا أن غَسّان تنعل الخيل"، وفي لفظ له في "المظالم": "تُنْعِل النعال" أي: تستعمل النعال، وهي نعال الخيل.
وَيحْتَمِل أن يكون بالموحدة، ثم المعجمة، ويؤيده لفظ الخيل في هذه الرواية، و"تُنْعِل" في الموضعين بفتح أوله، وأنكر الجوهريّ ذلك في الدابة، فقال: أنعلت الدابة، ولا تقل: نَعَلتُ، فيكون على هذا بضم أوله، وحكى عياض في "تُنعل الخيل" الوجهين، وغَفَل بعض المتأخرين، فرَدّ عليه، وقال المجد في البخاريّ: "تنعل النعال"، فاعتمد على الرواية التي في "المظالم"، ولم يستحضر التي هنا، وهي التي تكلم عليها عياض، قاله في "الفتح" (^١).
(لِتَغْزُوَنَا) وقع في رواية عُبيد بن حُنين السابقة: "ونحن حينئذ نتخوف ملِكًا من ملوك غسان، ذُكِر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه"، وفي روايته عند البخاريّ في "اللباس": "وكان مَن حول رسول الله - ﷺ - قد استقام له، فلم يبق إلا ملك غسان بالشام، كنا نخاف أن يأتينا"، وفي رواية الطيالسيّ: "ولم يكن أحد أخوف عندنا من أن يغزونا ملك من ملوك غسان".
(فَنَزَلَ صَاحِبِي، ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً) لفظ البخاريّ: "فرجع إلينا عِشاءً" (فَضَرَبَ بَابِي) زاد في رواية البخاريّ: "ضربًا شديدًا" (ثُمَّ نَادَانِي) ولفظ البخاريّ: "وقال: أَثَمَّ هو؟ "؛ أي: في البيت، وذلك لبطء إجابتهم له، فظنّ أنه خرج من البيت، وفي رواية عُقيل: "أنائم هو؟ "، وهي أولى، قاله في "الفتح" (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٠٨.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٠٨.
[ ٢٦ / ١٨٤ ]
(فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: "ففزِعتُ، فخرجت إليه" (فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ) وللبخاريّ: "فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم" (قُلْتُ: مَاذَا؟) وللبخاريّ: "ما هو؟ " (أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟) وللبخاريّ: "أجاء غسان؟ "، تقدّم أنه يجوز صرفه، وعدمه، وفي رواية عبيد بن حنين: "أجاء الغساني؟ "، (قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ) ولفظ البخاريّ: "وأهول"، قال في "الفتح": هو بالنسبة إلى عمر؛ لكون حفصة بنته منهنّ. انتهى. (طَلَّقَ النَّبِيُّ - ﷺ - نِسَاءَهُ) قال في "الفتح": كذا وقع في جميع الطرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور: "طَلَّق" بالجزم، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة، عند ابن سعد: "فقال الأنصاريّ: أمر عظيم، فقال عمر: لعل الحارث بن أبي شَمِر سار إلينا؟ فقال الأنصاريّ: أعظم من ذلك، قال: ما هو؟ قال: ما أرى رسول الله - ﷺ - إلا قد طلَّق نساءه"، وأخرج نحوه من رواية الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وسَمَّى الأنصاريَّ أوسَ بن خَوْليّ، كما تقدم، ووقع قوله: "طلق" مقرونًا بالظنّ. انتهى (^١).
(فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ) إنما خصها بالذكر؛ لمكانتها منه؛ لكونها بنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك، ووقع في رواية عُبيد بن حُنين: "فقلت: رَغِم أنفُ حفصة وعائشة"، وكأنه خصهما بالذكر؛ لكونهما كانتا السبب في ذلك، كما تقدّم بيانه (قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا) ولفظ البخاريّ: "قد كنت أظنّ هذا يوشك أن يكون"، بكسر الشين من يوشك؛ أي: يقرب، وذلك لمّا كان تقدم له من أن مراجعتهن قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة (حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ، شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِيِ) ولفظ البخاريّ: "فجمعت عليّ ثيابي، فصلّيت الصبح مع النبيّ - ﷺ - " (ثُمَّ نزَلْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، وَهِيَ تَبْكِي) وفي رواية سماك المتقدّمة: "أنه دخل أوّلًا على عائشة، فقال: يابنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب؟ عليك بِعَيبتك"؛ أي: عليك بخاصتك، وموضع سرّك، ومرادها: عليك بوعظ ابنتك (فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟) وفي
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٠٩.
[ ٢٦ / ١٨٥ ]
رواية البخاريّ: "ألم أكن حذّرتكِ؟ أطلّقكنّ النبيّ - ﷺ -؟ " (فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ) وفي رواية سماك: "فقلت لها: أين رسول الله - ﷺ -؟ قالت: هو في خِزانته، في المشربة"، وهي بضم الراء، وبفتحها، وجمعها: مشارب، ومشربات، وهي الغرفة العليّة، وقيل غير ذلك، مما تقدّم بيانه (فَأَتَيْتُ غُلَامًا لَهُ أَسْوَدَ) هو رَبَاح، مولى رسول الله - ﷺ - (فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ) في رواية عُبيد بن حُنين: "فقلت له: قل: هذا عمر بن الخطاب" (فَدَخَلَ) إلى المشربة (ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ) بفتح الميم من باب نصر؛ أي: سكت، وصُمُوتًا، وصُمَاتًا، وفي رواية سماك: "فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ، فلم يقل شيئًا".
قال في "الفتح": واتفقت الروايتان على أنه أعاد الذهاب والمجيء ثلاث مرّات، لكن ليس ذلك صريحًا في رواية سماك، بل ظاهر روايته أنه أعاد الاستئذان فقط، ولم يقع شيء من ذلك في رواية عُبيد بن حُنين، ومَن حَفِظ حجة على من لم يحفظ.
ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - في المرتين الأوليين كان نائمًا، أو ظَنّ أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه؛ لكون حفصة ابنته منهنّ. انتهى (^١).
(فَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت إلى المسجد (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَر، فَجَلَسْتُ) وفي رواية البخاريّ: "فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر" (فَإِذَا عِنْدَهُ) أي: عند المنبر (رَهْطٌ) أي: جماعة، قال الفيّوميّ ﵀: الرَّهْط: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرهط، والنَّفَر، والقوم، والْمَعْشَر، والْعَشِيرة: معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهط، والعشيرة: بمعنًى، ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد، والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجل: قومُهُ، وقبيلته الأقربون. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦١٣.
[ ٢٦ / ١٨٦ ]
وقوله: (جُلُوسٌ) جمع: جالس، وهو صفة لـ"رهط"، وقوله: (يَبْكِي بَعْضُهُمْ) جملة حاليّة، قال الحافظ: "لم أقف على تسميتهم"، وفي رواية سماك بن الوليد الماضية: "دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى"؛ أي: يضربون الأرض، كفعل المهموم المفكّر (فَجَلَسْتُ قَلِيلًا) وفي رواية البخاريّ: "فجلست مع الرهط الذين عند المنبر" (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أي: مِن شُغْل قلبه بما بلغه، من اعتزال النبيّ - ﷺ - نساءه، وأن ذلك لا يكون إلا عن غضب منه، ولاحتمال صحة ما أُشيع من تطليق نسائه، ومن جملتهنّ حفصة بنت عمر - ﵄ -، فتنقطع الوصلة بينهما، وفي ذلك من المشقّة عليه ما لا يخفى (ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي) وفي رواية سماك: "ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رَباح استأذن لي، فإني أظنّ أن رسول الله - ﷺ - ظن إني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني بضرب عنقها لأضربن عنقها". قال الحافظ: وهذا يقوي الاحتمال الثاني (^١)؛ لأنه لمّا صرح في حقّ ابنته بما قال، كان أبعد أن يستعطفه لضرائرها. انتهى.
(فَقَالَ: ادْخُلْ، فَقَدْ أَذِنَ لَكَ) بالبناء للفاعل، وهو ضمير النبيّ - ﷺ -، وَيحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول (فَدَخَلْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِيءٌ) قال القاضي عياض ﵀: متّكئ هنا: بمعنى مضطجع. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀، الاتّكاء هنا هو التمكّن، والتثبّت، فيكون ميلًا على جنب، ويكون تربّعًا؛ إذ كلّ واحد منهما متمكن، ومتثبّتٌ، ويعني به ها هنا: التمكّن على أحد جنبيه. انتهى (^٣).
(عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ) أي: نسجه، وفي رواية البخاريّ: "فإذا هو مضطجع على رِمَال" بكسر الراء، وقد تُضَمّ، وفي رواية معمر: "على رَمْل" بسكون الميم، والمراد به النسج، تقول: رَمَلتُ الحصيرَ، وأرملته: إذا نسجته، وحَصِير مرمولٌ؛ أي: منسوج، والمراد هنا أن سريره كان مرمولًا بما يُرْمَل به الحصير،
_________________
(١) يعني قوله الماضي: "أو ظنّ أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه … إلخ".
(٢) "إكمال المعلم" ٥/ ٤١.
(٣) راجع: "المفهم" ٤/ ٢٦٢.
[ ٢٦ / ١٨٧ ]
ووقع في رواية أخرى: "على رِمال سرير"، ووقع في رواية سماك: "على حصير، وقد أثّر الحصير في جنبه"، وكأنه أطلق عليه حَصِيرًا تغليبًا، وقال الخطابيّ: رِمَال الحصير: ضُلُوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب، فكأنه عنده اسم جمع، قال الحافظ: وقوله: "ليس بينه وبينه فراش، قد أَثَّر الرِّمال بجنبه" يؤيد ما قدمته أنه أَطْلق على نسج السرير حصيرًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: إضافة "رَمْلِ" إلى "حَصِيرٍ" في رواية المصنّف من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الحصير المرمول؛ أي: المنسوج، والله تعالى أعلم.
(قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ) أي: قد ظهر في جنبه - ﷺ - الشريف أثر ذلك الحصير؛ لعدم فراش يقيه منه (فَقُلْتُ) زاد في رواية البخاريّ: "وأنا قائم" (أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ) ولفظ البخاريّ: "فرفع إليّ بصره" (وَقَالَ: "لَا") أي: لم أطلِّقهن، وإنما اعتزلت عنهنّ (فَقُلْت: الله أَكْبَرُ) قال الكرمانيّ ﵀: لَمّا ظَنّ الأنصاريّ أن الاعتزال طلاقٌ، أو ناشئ عن طلاق أخبر عمرَ بوقوع الطلاق، جازمًا به، فلما استَفْسَر عمر عن ذلك، فلم يجد له حقيقة كَبَّر تعجبًا من ذلك. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون كبّر الله حامدًا له على ما أنعم به عليه، من عدم وقوع الطلاق، وفي حديث أم سلمة - ﵂ -، عند ابن سعد: "فكبّر عمر تكبيرةً سمعناها، ونحن في بيوتنا، فعلمنا أن عمر سأله: أطلقت نساءك؟ فقال: لا، فكبّر حتى جاءنا الخبر بعدُ"، ووقع في رواية سماك السابقة: "فقلت: يا رسول الله أطلقتهنّ؟ قال: لا، قلت: إني دخلت المسجد، والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طَلَّق رسول الله - ﷺ - نساءه، أفأنزل، فأخبرهم أنك لم تطلقهنّ؟ قال: نعم، إن شئت"، وفيه: "فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله - ﷺ - نساءه" (^٢).
(لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية البخاريّ: "ثم قلت، وأنا قائم: أستأنس يا رسول الله؟ "، قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون قوله: "أستأنس"
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦١٣ - ٦١٤.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦١٤.
[ ٢٦ / ١٨٨ ]
استفهامًا بطريق الاستئذان، وَيحْتَمِل أن يكون حالًا من القول المذكور بعده، وهو ظاهر سياق هذه الرواية، وجزم القرطبيّ بأنه للاستفهام، فيكون أصله بهمزتين، تُسَهّل إحداهما، وقد تُحذف؛ تخفيفًا، ومعناه: أنبسط في الحديث؟ واستأذَنَ في ذلك؛ لقرينة الحال التي كان فيها؛ لعلمه بأن بنته كانت السبب في ذلك، فخَشِي أن يلحقه هو شيء من المعتبة، فبقي كالمنقبض عن الابتداء بالحديث، حتى استأذن فيه. انتهى.
(وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ) فساق الحديث، وكذا في رواية عُقيل، ووقع في رواية معمر أن قوله: "أستأنس" بعد سياق القصة، ولفظه: "فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش - فساق القصة - فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم"، وهذا يعيّن الاحتمال الأول، وهو أنه استأذن في الاستئناس، فلما أَذِن له فيه جلس، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأولى عندي أن قوله: "أستأنس" جملة حالية من "قُلتُ"، وأما الاستفهام فسيأتي بعده، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْمًا) هم الأنصار (تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ) تقدّم أنه بكسر الفاء، وفتحها؛ أي: شرع، وأخذ (نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْل، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ - ﷺ -، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟) تقدّم شرح هذا كله (فَتبسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْك، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْك، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى) أي: تبسّمة أخرى، وفي رواية عُبيد بن حُنين: "فذكرت له الذي قلت لحفصة، وأم سلمة، فضحك"، وفي رواية سماك: "فلم أزل أحدّثه حتى تَحَسّر الغضب عن وجهه، وحتى كَشَر، فضحك، وكان من أحسن الناس ثَغْرًا"، وقوله: "تحسَّر" بمهملتين؛ أي: تكشَّف وزنًا
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦١٤.
[ ٢٦ / ١٨٩ ]
ومعنًى، وقوله: "كَشَر" بفتح الكاف، والمعجمة؛ أي: أبدى أسنانه ضاحكًا، قال ابن السِّكِّيت: كَشَرَ، وتبَسَّم، وابتسم، وافْتَرَّ: بمعنًى، فإذا زاد قيل: قَهْقَهَ، وكَرْكَرَ، وقد جاء في صفته - ﷺ -: "كان ضَحِكُهُ تبسُّمًا".
(فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هذا هو الاستفهام في الاستئناس، والاستئذان فيه، وأما قوله فيما مضى: "فقلت: أستأنس"، وإن رجّح الحافظ كونه استئنافًا، فالأظهر كونه حالًا، كما أسلفته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أستأنس" هو على الاستفهام، فيكون بهمزتين: همزة الاستفهام، دخلت على همزة المتكلّم، فإن شئت حقّقتهما، وإن شئت حقّقت الأولى، وسهّلت الثانية، ومعناه: أنبسط في الحديث انبساط المتأنّس الذي لا يخاف عَتْبًا، ولا لومًا؟ انتهى (^١).
(قَالَ) - ﷺ - ("نَعَمْ") أي: استأنس (فَجَلَسْت، فَرَفَعْت رَأْسِيٍ فِي الْبَيْتِ) ولفظ البخاريّ: "فرفعت بصري في بيته" (فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا، يَرُدُّ الْبَصَرَ) قيل: معناه: يَحْمِل البصر على تكرار الرؤية (إِلَّا أُهُبًا ثَلَاثَةً) "الأُهُبُ" بضمّتين: جمع إهاب بكسر الهمزة، قال المجد ﵀: "الإهاب" ككِتابٍ: الْجِلدُ، أو ما لم يُدبغ، جمعه: آهِبَةٌ، وأُهُبٌ، وأَهَبٌ. انتهى (^٢).
وفي رواية البخاريّ: "غير أَهبَةٍ ثلاثة"، قال في "الفتح": في رواية الكشميهنيّ: "ثلاث"، و"الأَهَبَةُ" بفتح الهمزة والهاء، وبضمهما أيضًا: بمعنى الأُهُب، والهاء فيه للمبالغة، وهو جمع إهاب، على غير قياس، وهو الجلد قبل الدباغ، وقيل: هو الجلد مطلقًا، دُبِغ أو لم يدبغ، والذي يظهر أن المراد به هنا جلد شُرِع في دبغه، ولم يكمل؛ لقوله في رواية سماك بن الوليد: "فإذا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ"، والأَفِيق بوزن عَظِيم: الجلد الذي لم يَتِمّ دباغه، يقال: أَدَمٌ، وأديم وأَفَقٌ، وأَفِيقٌ، وإهابٌ، وأُهُبٌ، وعِمادٌ، وعَمُودٌ، وعَمَدٌ، ولم يجئ فَعِيلٌ، وفَعُول على فَعَلٍ، بفتحتين في الجمع إلا هذه الأحرف، والأكثر أن يجيء فُعُلٌ بضمتين، وزاد في رواية عَبيد بن حُنين: "وأن عند رجليه قَرَظًا - بقاف، وظاء معجمة - مصبوبًا - بموحدتين"، وفي رواية أبي ذرّ: "مصبورًا" -
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٦٣.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٣٧.
[ ٢٦ / ١٩٠ ]
براء - قال النوويّ: ووقع في بعض الأصول "مضبورًا" بضاد معجمة، وهي لغةٌ، والمراد بالمصبور بالمهملة، والمعجمة: المجموع، ولا ينافي كونه مصبوبًا، بل المراد أنه غير منتثر، وإن كان في غير وعاء، بل هو مصبوب مجتمع، وفي رواية سماك: "فنظرت في خِزانة رسول الله - ﷺ -، فإذا أنا بقَبضة من شعير، نحوِ الصاع، ومثلِها قرظًا في ناحية الغرفة".
(فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ) في رواية عُبيد بن حُنين: "فبكيت، فقال: وما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر، فيما هما فيه، وأنت رسول الله"، وفي رواية سماك: "فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يابن الخطاب؟ فقلت: يا نبيّ الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أَثَّر في جنبك، وهذه خِزانتك، لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى، في الأنهار والثمار، وأنت رسول الله - ﷺ -، وصفوته؟ ".
(فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّوم، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا) ولفظ البخاريّ: "فجلس النبيّ - ﷺ -، وكان متّكئًا" (ثُمَّ قَالَ: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟) وفي رواية للبخاريّ: "أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ ".
والمعنى: أأنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا؟ وهذا يُشعر بأنه - ﷺ - ظَنّ أنه بكى من جهة الأمر الذي كان فيه، وهو غضب النبيّ - ﷺ - على نسائه، حتى اعتزلهنّ، فلما ذكر له أمر الدنيا أجابه بما أجابه به.
وقال القرطبيّ ﵀: هذا إنكار منه - ﷺ - على عمر - ﵁ - لِمَا وقع منه من الالتفات إلى الدنيا، ومدّ عينيه إليها، وقد بالغ - ﷺ - في الجواب، والردع بقوله: "أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيّباتهم"، وقوله: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة"، وفيه حجة على تفضيل الفقر. انتهى (^١).
(أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا") وفي رواية عُبيد بن حُنين: "أَلَا ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ "، وفي رواية له: "لهما" بالتثنية، على إرادة كسرى وقيصر؛ لتخصيصهما بالذكر، والأخرى بإرادتهما،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٦٣.
[ ٢٦ / ١٩١ ]
ومن تبعهما، أو كان على مثل حالهما، زاد في رواية سماك: "فقلت: بلى".
(فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ) أي: عن جراءتي بهذا القول بحضرتك، أو عن اعتقادي أن التجملات الدنيوية مرغوب فيها، أو عن إرادتي ما فيه مشابهة الكفار في ملابسهم، ومعايشهم (^١).
(وَكَانَ) - ﷺ - (أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِن شَهْرًا) في رواية حماد بن سلمة، عن عبيد بن حنين: "وكان آلى منهنّ شهرًا" أي: حَلَف، أو أقسم، وليس المراد به الإيلاء الذي في عُرف الفقهاء اتفاقًا. وفي حديث أنس قال: "آلَى رسول الله - ﷺ - من نسائه شهرًا"، وهذا موافق للفظ رواية حماد بن سلمة هنا، وإن كان أكثر الرواة في حديث عُمر لم يعبّروا بلفظ الإيلاء، قاله في "الفتح".
وقوله: (مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ) أي: غضبه (عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللهُ ﷿) وفي رواية البخاريّ: "اعتزل النبيّ - ﷺ - نساءه، من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة".
قال الحافظ ﵀ في "الفتح": كذا في هذه الطريق لم يُفَسَّر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا: "وكان قال: ما أنا بداخل عليهنّ شهرًا، من شدة مَوْجَدته عليهنّ حين عاتبه الله"، وهذا أيضًا مبهم، ولم أره مفسّرًا، وكان اعتزاله في المشربة، كما في حديث ابن عباس، عن عمر، فأفاد محمد بن الحسن المخزوميّ في كتابه "أخبار المدينة" بسند له مرسل: "أنه - ﷺ - كان يبيت في المشربة، وَيقِيل عند أراكة على خلوة بئر كانت هناك"، وليس في شيء من الطرق عن الزهريّ بإسناد حديث الباب إلا ما رواه ابن إسحاق، كما أشرت إليه في تفسيع سورة التحريم، والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيات [التحريم: ١ - ٣].
وقد اختُلِف في الذي حَرَّم على نفسه، وعوتب على تحريمه، كما اختُلِف في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه، على أقوال، فالذي في "الصحيحين" أنه العسل، كما مضى، من طريق عُبيد بن عُمير، عن عائشة - ﵂ -، وذكرت في التفسير قولًا آخر أنه في تحريم جاريته مارية، وذكرت هناك كثيرًا
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦١٦.
[ ٢٦ / ١٩٢ ]
من طرقه، ووقع في رواية يزيد بن رُومان، عن عائشة عند ابن مردويه ما يَجْمَع القولين، وفيه: "أن حفصة أُهديت لها عُكّة فيها عسلٌ، وكان رسول الله - ﷺ - إذا دخل عليها حبسته، حتى تُلعقه، أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشية، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة، فانظري ما يصنع؟ فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنّ، فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، فقال: هو عسل، والله لا أطعمه أبدًا، فلما كان يوم حفصة، استأذنته أن تأتي أباها، فأَذِنَ لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعتُ، فوجدت الباب مُغْلَقًا، فخرج ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أُشهِدك أنها عليّ حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشِّرك؟ إنّ رسول الله - ﷺ - قد حرّم أمَته، فنزلت".
وعند ابن سعد، من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه: "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول الله - ﷺ - بجاريته القبطية بيت حفصة، فجاءت، فرقبته، حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيت ما صنعت، قال: فاكتمي عليّ، وهي حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي فتُعْرِس فيه بالقبطية، ويَسْلَم لنسائك سائر أيامهنّ، فنزلت الآية".
وجاء في ذلك ذكر قول ثالث، أخرجه ابن مردويه، من طريق الضحاك، عن ابن عباس، قال: "دخلت حفصة على النبيّ - ﷺ - بيتها، فوجدت معه مارية، فقال: لا تخبري عائشة، حتى أبشرك ببشارة، إنّ أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر، إذا أنا مت، فذهبت إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يُحَرِّم مارية، فحَرَّمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك ألا تخبري عائشة، فأخبَرْتِها"، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾.
وأخرج الطبراني في "الأوسط"، وفي "عشرة النساء" عن أبي هريرة نحوه بتمامه، وفي كلٍّ منهما ضعف.
[ ٢٦ / ١٩٣ ]
وجاء في سبب غضبه منهنّ، وحلفه أن لا يدخل عليهنّ شهرًا قصة أخرى، فأخرج ابن سعد من طريق عمرة، عن عائشة، قالت: "أهديت لرسول الله - ﷺ - هدية، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرّةً أخرى، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أَقْمَأَتْ وجهك (^١)، ترد عليك الهدية؟ فقال: لأنتنّ أهون على الله من أن تقمئنني، لا أدخل عليكنّ شهرًا … " الحديث.
ومن طريق الزهريّ، عن عروة، عن عائشة نحوه، وفيه: "ذَبَحَ ذِبْحًا، فقسمه بين أزواجه، فأرسل إلى زينب بنصيبها، فردّته، فقال: زيدوها ثلاثًا، كلُّ ذلك تردّه"، فذكر نحوه.
وفيه قول آخر تقدّم لمسلم من حديث جابر - ﵁ - قال: جاء أبو بكر، والناس جلوس بباب النبيّ - ﷺ - لم يؤذن لأحد منهم، فأُذن لأبي بكر، فدخل، ثم جاء عمر، فاستأذن، فأُذن له، فوجد النبيّ - ﷺ - جالسًا، وحوله نساؤه، فذكر الحديث، وفيه: "هنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهنّ شهرًا، فذكر نزول آية التخيير.
قال الحافظ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهنّ، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه - ﷺ -، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجِبه منهنّ - ﷺ -، ورضي عنهنّ.
وقَصّر ابنُ الجوزيّ، فنسب قصة الذبح لابن حبيب بغير إسناد، وهي مسندة عند ابن سعد، وأبهم قصّة النفقة، وهي في "صحيح مسلم".
والراجح من الأقوال كلها قصة مارية؛ لاختصاص عائشة وحفصة بها، بخلاف العسل، فإنه اجتمع فيه جماعة منهنّ، كما تقدّم ذلك.
ويَحْتَمِل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت، فأشير إلى أهمها، ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مَثَلًا في قصة مارية فقط لاختَصّ بحفصة وعائشة.
[تنبيه]: ومن اللطائف أن الحكمة في الشهر، مع أن مشروعية الهجر
_________________
(١) أي أذلّته، وصغّرته. "ق".
[ ٢٦ / ١٩٤ ]
ثلاثة أيام، أن عدتهنّ كانت تسعةً، فإذا ضُربت في ثلاثة، كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية؛ لكونها كانت أمةً، فنقصت عن الحرائر. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) أي: بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، وقد وقع عند البخاريّ من رواية عُقيل، وشعيب بن أبي حمزة مدرجًا، كما قال في "الفتح" (^٢).
(فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَدَأَ بِي) فيه أن من غاب عن أزواجه، ثم حضر يبدأ بمن شاء منهنّ، ولا يلزمه أن يبدأ من حيث بلغ، ولا أن يُقرع، كذا قيل، ويَحْتَمِل أن تكون البداءة بعائشة - ﵂ -؛ لكونه اتَّفَقَ أنه كان يومها، قاله في "الفتح" (^٣).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا) تقدم في رواية سماك بن الوليد أن عمر ذَكَّره - ﷺ - بذلك، ولا منافاة بينهما؛ لأن في سياق حديث عمر أنه ذَكَّره بذلك عند نزوله من الغرفة، وعائشة ذكرته بذلك حين دخل عليها، فكأنهما تواردا على ذلك.
وقد تقدّم عند مسلم من حديث جابر - ﵁ - في هذه القصة: "قال: فقلنا"، قال الحافظ: فظاهر هذا السياق يوهم أنه من تتمة حديث عمر، فيكون عُمر حضر ذلك من عائشة، وهو مُحْتَمِل عندي، لكن يُقَوِّي أن يكون هذا من تعاليق الزهريّ في هذه الطريق، فإن هذا القدر عنده عن عروة، عن عائشة، أخرجه مسلم من رواية معمر، عنه: أن النبيّ - ﷺ - أقسم أنه لا يدخل على نسائه شهرًا، قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت، فذكره. انتهى.
(وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ) جملة في محلّ جرّ نعت للعدد، وفي رواية البخاريّ: "وإنمَا أصبحت من تسع وعشرين ليلةً أعَدُّها عدًّا" (فَقَالَ) - ﷺ - ("إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ") ليس هذا الكلام على معنى الحصر،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٦١٧ - ٦١٨، "كتاب النكاح" رقم (٥١٩١).
(٢) راجع: "الفتح" ١١/ ٦١٩ رقم (٥١٩١).
(٣) "الفتح" ١١/ ٦١٨.
[ ٢٦ / ١٩٥ ]
وإنما معناه: إن هذا الشهر تسع وعشرون" فـ"أل" في "الشهر" عهديّةٌ، فتنبّه.
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "فقال: الشهر تسع وعشرون ليلةً، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلةً"، قال في "الفتح": في هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذي قبله، وأنه لا يراد به الحصر، أو أن اللام في قوله: "الشهر" للعهد من الشهر المحلوف عليه، ولا يلزم من ذلك أن تكون الشهور كلها كذلك، وقد أنكرت عائشة على ابن عمر روايته المطلقة: "إن الشهر تسع وعشرون"، فأخرج أحمد، من طريق يحيى بن عبد الرحمن، عن ابن عمر رفعه: "الشهر تسع وعشرون"، قال: فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين".
وقد تقدّم لمسلم في رواية سماك بن الوليد، بنحو اللفظ الأخير الذي جزمت به عائشة، ولفظه: "قال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين".
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: [إن قلت]: ظاهر قوله: "إن الشهر تسع وعشرون" حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، فقد يكون ثلاثين.
[قلت]: عنه أجوبة:
(أحدهما): أن المعنى كما تقدم أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وحينئذ فلا إشكال في ذلك.
(ثانيها): أن الألف واللام للعهد، والمراد أن هذا الشهر الذي أقسم على الامتناع من الدخول فيه تسعة وعشرون يومًا.
(ثالثها): أنه بنى ذلك على الغالب الأكثر؛ لأن مجيء الشهر تسعًا وعشرين في زمنه - ﷺ - كان أكثر من ثلاثين، وفي سنن أبي داود، والترمذيٌ، عن ابن مسعود - ﵁ -، قال: "ما صمت مع النبيّ - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين"، وكذا في سنن ابن ماجه، عن أبي هريرة - ﵁ -.
(رابعها): قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: معناه حصره من أحد طرفيه، وهو النقصان؛ أي: أنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقلّه، وقد يكون ثلاثين، وهو أكثره، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقلّ
[ ٢٦ / ١٩٦ ]
تخيفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله. انتهى (^١).
وقوله: (ثمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيه، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَويْكِ"، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ) هذا تقدّم شرحه مستوفًى في الباب الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ المتوفّى سنة (١٣١) تقدّمت ترجمته في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. (أَنَّ عَائِشَةَ) - ﵂ - (قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ أَرْسَلَني مُبَلِّغًا) أي: أبلّغ ما أمرني الله تعالى بتبليغه للناس (وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا") أي: طالبًا لزلات الناس، ومكلّفًا إياهم ما يشقّ عليهم (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ المتوفّى سنة (٧ أو ١١٨) تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٦/ ٧٠. (﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا) يعني أن معنى ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ي: مالت قلوبكما عن الصواب.
[تنبيه]: قال الحافظ الرشيد العطّار ﵀ في "غرر الفوائد" (٣٠): قوله: "قال معمرٌ: فأخبرني أيوب" منقطع، فإن أيوب السختيانيّ لم يدرك عائشة - ﵂ -؛ لأن مولده سنة ست وستين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وستّين، وتُوُفّيت عائشة - ﵂ - سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة سبع وسبعين، والأول أشهر، ومسلم إنما أخرج هذه الزيادة؛ تبعًا للحديث المسند الذي وقعت هذه في آخره، لم ير اختصارها منه على عادته التي بيّنّاها من قبل، ومع ذلك، فهذه الزيادة متّصلة في "كتابه" في حديث التخيير، من رواية أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، فثبت اتّصاله في كتاب مسلم. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀، والله تعالى أعلم بالصوإب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ١٢١.
[ ٢٦ / ١٩٧ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٦٩١ و٣٦٩٢ و٣٦٩٣ و٣٦٩٤ و٣٦٩٥] (١٤٧٩)، و(البخاريّ) في "العلم" (٨٩) و"المظالم" (٢٤٦٨) و"التفسير" (٤٩١٣ و٤٩١٤ و٤٩١٥) و"النكاح" (٥١٩١ و٥٢١٨) و"اللباس" (٥٨٤٣) و"أخبار الآحاد" (٧٢٥٦ و٧٢٦٣)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣١٨)، و(النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٣٧ - ١٣٨) و"الكبرى" (٥/ ٣٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٣ - ٣٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١١٧٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٦٣)، و(البزّار) في "مسنده" (١/ ٣٢٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٧ و١٠/ ١٠٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه سؤالَ العالم عن بعض أمور أهله، وإن كان عليه فيه غَضَاضة، إذا كان في ذلك سنةٌ تُنْقَل، ومسألةٌ تُحْفَظُ. قاله المهلب ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه توقيرَ العالم، ومهابته عن استفسار ما يُخْشَى من تغيّره عند ذِكره، وترقُّب خَلَوات العالم؛ ليُسأل عما لعله لو سُئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل، ويؤخذ من ذلك مراعاة المروءة.
٣ - (ومنها): أن شدة الوطاة على النساء مذمومٌ؛ لأن النبيّ - ﷺ - أَخَذ بسيرة الأنصار في نسائهم، وترك سيرة قومه.
٤ - (ومنها): أن فيه تأديبَ الرجل ابنته، وقرابته بالقول؛ لأجل إصلاحها لزوجها.
٥ - (ومنها): أن فيه سياقَ القصة على وجهها، وإن لم يَسأل السائل عن ذلك، إذا كان في ذلك مصلحة، من زيادة شرح، وبيان، وخصوصًا إذا كان العالم يَعْلَم أن الطالب يُؤْثر ذلك.
٦ - (ومنها): أن فيه مهابةَ الطالب للعالم، وتواضع العالم له، وصبره على مساءلته، وإن كان عليه في شيء من ذلك غَضاضة.
[ ٢٦ / ١٩٨ ]
٧ - (ومنها): أن فيه جوازَ ضرب الباب، ودَقِّه إذا لم يَسمع الداخل بغير ذلك.
٨ - (ومنها): جواز دخول الآباء على البنات، ولو كان بغير إذن الزوج، والتنقيب عن أحوالهنّ، لا سيما ما يتعلق بالمتزوجات.
٩ - (ومنها): أن فيه حسنَ تلطف ابن عباس - ﵄ -، وشدّة حرصه على الاطّلاع على فنون التفسير.
١٠ - (ومنها): أن فيه طلبَ علو الإسناد؛ لأن ابن عباس - ﵄ - أقام مدّةً طويلة ينتظر خلوة عمر؛ ليأخذ عنه، وكان يمكنه أخذ ذلك بواسطة عنه، ممن لا يهاب سؤاله، كما كان يهاب عمر - ﵁ -.
١١ - (ومنها): أن فيه حرص الصحابة - ﵃ - على طلب العلم، والضبط بأحوال الرسول - ﷺ -.
١٢ - (ومنها): أن طالب العلم يجعل لنفسه وقتًا يتفرغ فيه لأمر معاشه، وحال أهله.
١٣ - (ومنها): البحث في العلم في الطرُق، والخلوات، وفي حال القعود، والمشي.
١٤ - (ومنها): إيثار الاستجمار في الأسفار، وإبقاء الماء للوضوء، هكذا قال في "الفتح"، وهو محلّ نظر.
١٥ - (ومنها): أن فيه ذكرَ العالم ما يقع من نفسه وأهله، بما يترتب عليه فائدة دينية، وإن كان في ذلك حكاية ما يُسْتَهْجَنُ.
١٦ - (ومنها): جواز ذكر العمل الصالح لسياق الحديث على وجهه، وبيان ذكر وقت التحمل.
١٧ - (ومنها): الصبر على الزوجات، والإغضاء عن خطابهن، والصفح عما يقع منهنّ من زلل في حقّ المرء دون ما يكون من حق الله تعالى.
١٨ - (ومنها): جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابًا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، ويكون قول أنس - ﵁ - في المرأة التي وعظها النبيّ - ﷺ -، فلم تعرفه، ثم جاءت إليه، فلم تجد له بوّابين - رواه البخاريّ - محمولًا على الأوقات التي يجلس فيها للناس.
[ ٢٦ / ١٩٩ ]
١٩ - (ومنها): ما قال المهلَّب ﵀: وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته، وخاصته عند أمر يطرقه من جهة أهله، حتى يذهب غيظه، ويخرج إلى الناس، وهو منبسط إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذن، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر، عظيم المنزلة عنده.
٢٠ - (ومنها): أن فيه الرفقَ بالأصهار، والحياء منهم، إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم.
٢١ - (ومنها): أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام، وأفضل في بعض الأحايين؛ لأنه - ﷺ - لو أمر غلامه بِرَدّ عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى، فلما سكت فَهِمَ عمر من ذلك أنه لم يؤثر ردّه مطلقًا. أشمار إلى ذلك المهلب ﵀.
٢٢ - (ومنها): أن الحاجب إذا عَلِم مَنْعَ الإذن بسكوت المحجوب، لم يأذن.
٢٣ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ الاستئذان على الإنسان، وإن كان وحده؛ لاحتمال أن يكون على حالة يَكْرَه الاطلاع عليها.
٢٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ تكرار الاستئذان لمن لم يُؤْذَن له، إذا رجا حصول الإذن، وأن لا يتجاوز به ثلاث مرات، كما سيأتي إيضاحه في "كتاب الأدب" في قصة أبي موسى مع عمر - ﵁ -، ولا استدراك على عمر من هذه القصة؛ لأن الذي وقع من الإذن له في المرة الثالثة وقع اتّفاقًا، ولو لم يُؤْذَن له فالذي يظهر أنه كان يعود إلى الاستئذان؛ لأنه صرّح كما سيأتي بأنه لم يبلغه ذلك الحكم.
٢٥ - (ومنها): أن فيه أن كل لذّة، أو شهوة قضاها المرء في الدنيا، فهو استعجال له من نعيم الآخرة، وأنه لو ترك ذلك لادُّخِر له في الآخرة، أشار إلى ذلك الطبريّ ﵀.
٢٦ - (ومنها): أنه استنبط منه بعضهم إيثار الفقر على الغنى، وخصه الطبريّ بمن لم يصرفه في وجوهه، ويفرّقه في سبله التي أمر الله بوضعه فيها، قال: وأما مَن فَعَل ذلك فهو من منازل الامتحان، والصبرُ على المحن مع الشكر أفضل من الصبر على الضراء وحده. انتهى.
[ ٢٦ / ٢٠٠ ]
قال القاضي عياض ﵀: هذه القصة مما يَحتج به مَن يُفَضِّل الفقير على الغني؛ لما في مفهوم قوله: إن من تنعم في الدنيا يفوته في الآخرة بمقداره، قال: وحاوله الآخرون بأن المراد من الآية: أن حظ الكفار هو ما نالوه من نعيم الدنيا؛ إذ لا حظ لهم في الآخرة. انتهى.
قال الحافظ: وفي الجواب نظر، وهي مسألة اختَلَفَ فيها السلف والخلف، وهي طويلة الذيل، سيكون لنا بها إلمام - إن شاء الله تعالى - في "كتاب الرقاق".
٢٧ - (ومنها): أن المرء إذا رأى صاحبه مهمومًا استُحِبّ له أن يُحَدِّثه بما يزيل همه، ويطيب نفسه؛ لقول عمر: "لأقولنّ شيئًا يضحك النبي - ﷺ -"، ويستحب أن يكون ذلك بعد استئذان الكبير في ذلك، كما فعل عمر - ﵁ -.
٢٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في الوضوء بالصبّ على المتوضئ، وخدمة الصغير الكبير، وإن كان الصغير أشرف نسبًا من الكبير.
٢٩ - (ومنها): أن فيه التجملَ بالثوب، والعمامة عند لقاء الأكابر.
٣٠ - (ومنها): أن فيه تذكيرَ الحالف بيمينه، إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها، لا سيما ممن له تعلق بذلك؛ لأن عائشة - ﵂ - خَشِيت أن يكون - ﷺ - نَسِيَ مقدار ما حلف عليه، وهو شهر، والشهر ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون يومًا، فلما نزل في تسعة وعشرين ظنت أنه ذَهلَ عن القدر، أو أن الشهر لم يُهِلّ، فأعلمها أن الشهر استُهِلّ، فإن الذي كان الحلف وقع فيه جاء تسعًا وعشرين يومًا.
٣١ - (ومنها): أن فيه تقويةً لقول مَن قال: إن يمينه - ﷺ - اتَّفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين، وإلا فلو اتَّفق ذلك في أثناء الشهر، فالجمهور على أنه لا يقع الْبَرّ إلا بثلاثين، وذهبت طائفة في الاكتفاء بتسعة وعشرين؛ أخذًا بأقل ما يَنطلق عليه الاسم.
قال ابن بطال: يؤخذ منه أن مَن حَلَف على فعل شيء يَبَرّ بفعل أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، والقصة محمولة عند الشافعيّ، ومالك على أنه دخل أول الهلال، وخرج به، فلو دخل في أثناء الشهر لم يَبرّ إلَّا بثلاثين.
[ ٢٦ / ٢٠١ ]
٣٢ - (ومنها): أن فيه سكنى الغرفة ذات الدرج، واتخاذ الْخِزانة لأثاث البيت والأمتعة.
٣٣ - (ومنها): أن فيه التناوبَ في مجلس العالم، إذا لم تتيسر المواظبة على حضوره؛ لشاغل شرعيّ، من أمر دينيّ، أو دنيويّ.
٣٤ - (ومنها): أن فيه قبولَ خبر الواحد، ولو كان الآخذ فاضلًا، والمأخوذ عنه مفضولًا.
٣٥ - (ومنها): رواية الكبير عن الصغير.
٣٦ - (ومنها): أن الأخبار التي تُشاع، ولو كثر ناقلوها، إن لم يكن مرجعها إلى أمر حسيّ، من مشاهدة، أو سماع، لا تستلزم الصدق، فإنّ جزمَ الأنصاريّ في روايته بوقوع التطليق، وكذا جزْم الناس الذين رآهم عمر عند المنبر بذلك، محمول على أنهم شاع بينهم ذلك من شخص، بناءً على التوهم الذي توهمه من اعتزال النبيّ - ﷺ - نساءه، فظنّ لكونه لم تجر عادته بذلك أنه طلقهنّ، فأشاع أنه طلقهنّ، فشاع ذلك، فتحدث الناس به، وأَخْلِقْ بهذا الذي ابتدأ بإشاعة ذلك أن يكون من المنافقين (^١).
٣٧ - (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ بمعرفة الحكم بأخذه عن القرين، مع إمكان أخذه عاليًا عمن أخذه عنه القرين، وأن الترغيب في العلو حيث لا يعوق عنه عائق شرعيّ، ويمكن أن يكون المراد بذلك أن يستفيد منه أصول ما يقع في غيبته، ثم يسأل عنه بعد ذلك مشافهةً، وهذا أحد فوائد كتابة أطراف الحديث (^٢).
٣٨ - (ومنها): بيان ما كان الصحابة - ﵃ - عليه، من محبة الاطلاع على أحوال النبيّ - ﷺ - جَلَّت، أو قلّت، واهتمامهم بما يَهْتَمّ له؛ لإطلاق الأنصاريّ اعتزاله نساءه الذي أشعر عنده بأنه طلقهنّ المقتضي وقوعَ غَمِّه - ﷺ - بذلك أعظم من طروق ملك الشام الغسانيّ بجيوشه المدينةَ لغزو مَن بها، وكان ذلك بالنظر إلى أن الأنصاريّ كان يتحقق أن عدوّهم، ولو طرقهم مغلوب، ومهزوم، واحتمال خلاف ذلك ضعيف، بخلاف الذي وقع بما توهمه من التطليق الذي
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٢٣.
(٢) المصدر السابق.
[ ٢٦ / ٢٠٢ ]
يتحقق معه حصول الغمّ، وكانوا في الطرف الأقصى من رعاية خاطره - ﷺ - أن يحصل له تشويش، ولو قَلّ، والقَلَق لما يُقْلِقه، والغضب لما يُغضبه، والهمّ لما يُهِمه - ﵃ -.
٣٩ - (ومنها): أن الغضب والحزن يَحْمِل الرجل الوَقُور على ترك التأني المألوف منه؛ لقول عمر - ﵁ -: ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات.
٤٠ - (ومنها): شدة الفزَع والجزَع للأمور المهمة.
٤١ - (ومنها): جواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه، وما فيه، إذا عَلِمَ أنه لا يَكره ذلك، وبهذا يُجمع بين ما وقع لعمر - ﵁ - هنا، وبين ما ورد من النهي عن فضول النظر، أشار إلى ذلك النوويّ ﵀.
قال الحافظ: وَيحْتَمِل أن يكون نظر عمر - ﵁ - في بيت النبيّ - ﷺ - وقع أولًا اتِّفاقًا، فرأى الشعير والقرظ مثلًا، فاستقلّه، فرفع رأسه؛ لينظر هل هناك شيء أنفس منه؟ فلم ير إلا الأهب، فقال ما قال، ويكون النهي محمولًا على من تعمّد النظر في ذلك، والتفتيشَ ابتداءً.
٤٢ - (ومنها): أن فيه كراهيةَ سخط النعمة، واحتقار ما أنعم الله به، ولو كان قليلًا، والاستغفار من وقوع ذلك، وطلب الاستغفار من أهل الفضل.
٤٣ - (ومنها): أن فيه إيثارَ القناعة، وعدمَ الالتفات إلى ما خُصّ به الغير من أمور الدنيا الفانية.
٤٤ - (ومنها): أن فيه المعاقبةَ على إفشاء السرّ بما يليق بمن أفشاه (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.