وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٢٥] (١٥٢٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً، فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا، فَلْيَحْلُبْهَا، فَإِنْ رَضِيَ حِلَابَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِلَّا رَدَّهَا، وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ").
[ ٢٦ / ٦٨٦ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرَّحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفرّاء الدبّاغ القرشيّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٤.
٣ - (مُوسَى بْنُ يَسَارٍ) المطّلبي مولاهم المدنيّ، عم محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه ابن أخيه محمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الرَّحمن ابن الغَسِيل، وعبيد الله بن عمر العُمَريّ، وأبو معشر، وداود بن قيس الفرّاء، وعثمان بن واقد المدنيون.
قال عباس، عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٥٢٤)، وحديث (١٦٦٣): "إذا صَنع لأحدكم خادمه طعامه … ".
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - به تقدّم في الباب الماضي، والسند مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ اشْتَرَى شَاةَ مُصَرَّاةً) أي: محبوسة لبنها، أيامًا، فلم تُحلب، قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": والمصرّاة: التي صُرّي لبنها، وحُقِن فيه، وجُمع، فلم يُحلَب أيامًا، وأصل التصرية حبس الماء، يقال منه: صَرّيتُ الماء: إذا حبسته. انتهى.
وقال الإمام النسائيّ - ﵀ - في "سننه": التصرية: أن يُربط أخلاف الناقة، أو الشاة - أي: ضروعها - وتترك من الحلب يومين، والثلاثة حتى يجتمع لها لبن، فيزيد مشتريها في قيمتها؛ لِمَا يرى من كثرة لبنها. انتهى.
[ ٢٦ / ٦٨٧ ]
(فَلْيَنْقَلِبْ)؛ أي: فليرجع (بِهَا)؛ أي: بالمصرّاة إلى بيته (فَلْيَحْلُبْهَا) بضمّ اللام، وكسرها (^١)، من بابي نصر، وضرب. (فَإِنْ رَضِيَ حِلَابَهَا) بكسر أوله؛ أي: محلوبها، وهو اللبن، قال في "القاموس": الْحَلْبُ - أي: بسكون اللام - ويُحرَّك: استخراج ما في الضرع من اللبن، كالْحِلاب بالكسر، والاحتلاب، يَحْلُبُ - بضمّ اللام - وَيحْلِبُ - بكسرها - والْمِحْلَبُ، والْحِلابُ بكسرهما: إناء يُحْلَبُ فيه. انتهى (^٢)، فأطلق الحلاب هنا، وأراد المحلوب، من إطلاق المصدر على المفعول.
(أَمْسَكَهَا)؛ أي: أمسك المصرّاة لنفسه، ولا يردّها إلى صاحبها (وَإِلَّا) أي: وإن لَمْ يرضها، بل سخطها (رَدَّهَما) وقوله: (وَمَعَهَا صَاعٌ) مبتدأ وخبره، الجملة حالية من المفعول، وقوله: (مِنْ تَمْرٍ) بيان للصاع. وفي رواية البخاريّ من طريق ثابت مولى عبد الرَّحمن بن زيد، عن أبي هريرة - ﵁ -: "وإن سخطها، ففي حَلْبتها صاع تمر".
قال في "الفتح": قوله: "وفي حلبتها" - بسكون اللام -، على أنَّه اسم للفعل، ويجوز الفتح، على إرادة المحلوب، وظاهره أن التمر مقابل للحلبة، وزعم ابن حزم أن التمر في مقابلة الحلب، لا في مقابلة اللبن؛ لأنَّ الحلبة حقيقة في الحلب، مجاز في اللبن، والحمل على الحقيقة أولي، فلذلك قال: يجب رد التمر واللبن معًا، وشَذَّ بذلك عن الجمهور.
وظاهره أيضًا أن صاع التمر، في مقابل المصرّاة، سواء كانت واحدة، أو أكثر؛ لقوله: "من اشترى غنمًا" ثم قال: "ففي حلبتها صاع من تمر"، ونقله ابن عبد البرّ عمن استعمل الحديث، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قُدامة عن الشافعيّة، والحنابلة، وعن أكثر المالكيّة: يردّ عن كلّ واحدة صاعًا حتى قال المازريّ: من المستبشع أن يغرَّم متلف لبن ألف شاة، كما يغرم متلف لبن شاة واحدة.
وأجيب بأنّ ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدّم من أن الحكمة في اعتبار الصاع قطع النزاع، فجُعل حدًّا يُرجع إليه عند التخاصم، فاستوى القليل
_________________
(١) راجع: "القاموس" مادّة: "حَلَبَ".
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٥٧.
[ ٢٦ / ٦٨٨ ]
والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة، أو الناقة الواحدة، يختلف اختلافًا متباينًا، ومع ذلك فالمعتبر الصاع، سواء قلّ اللبن، أم كثُر، فكذلك هو معتبرٌ، سواء قلّت المصرّاة، أو كثُرت، والله تعالى أعلم. انتهى (^١)، والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه قبل بابين، وأذكر هنا ما لَمْ يتقدّم من المسائل، فأقول:
(المسألة الأولى): في فوائده:
١ - (منها): ما قاله الحافظ ابن عبد البر - ﵀ -: هذا الحديث أصل في النهي عن الغشّ، وأصل في ثبوت الخيار لمن دُلّس عليه بعيب، وأصل في أنه لا يَفسُد أصل البيع، وأصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام، وأصل في تحريم التصرية، وثبوت الخيار بها. انتهى.
وقد روى أحمد، وابن ماجة عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: "بيع المحفّلات خِلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم"، وفي إسناده ضعيف، وقد رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، موقوفًا، بإسناد صحيح.
وروى ابن أبي شيبة، من طريق قيس بن أبي حازم، قال: كان يقال: التصرية خِلابة. وإسناده صحيح، قاله في "الفتح" (^٢).
٢ - (ومنها): أن بيع المصرّاة صحيحٌ؛ لقوله - ﷺ -: "إن رضيها أمسكها"، وهو مجمع عليه، وأنه يثبت للمشتري الخيار، إذا علم بالتصرية، وبه قال الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فقال: لا يردّها، بل يرجع بنقصان العيب، وسيأتي الردّ عليه.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: إن العقد المنهيّ عنه المحرّم، إذا كان لأجل الآدميّ، لَمْ يدلُّ على الفساد، ولا يُفسخ به العقد، ألا ترى أن التصرية غشّ، محرّم، ثم إن النبيّ - ﷺ - لَمْ يفسخ به العقد، لكن جعل للمشتري الخيار؟ انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ فيه نظر لا يخفي، بل
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٢٨ - ٦٢٩.
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٢٦.
(٣) "المفهم" ٤/ ٣٧٢.
[ ٢٦ / ٦٨٩ ]
الحقّ أن المنهيّ عنه المحرّم فاسد؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد، إلَّا ما خصّه الشرع، من مسألة المصرّاة، وتلقي الجلب، ونحو ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قاله أيضًا: إن الغرر بالفعل معتبر شرعًا؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب، ولا يختلف في الغرر الفعليّ، وإنما اختُلف في الغرر بالقول، هل هو معتبر، أم لا؟ فيه قولان.
[فرع]: لو كان الضرع كثير اللحم، فظنّه المشتري لبنًا، لَمْ يجب له الخيار؛ إذ لا غرور، ولا تدليس، لا بالفعل، ولا بالقول (^١).
٥ - (ومنها): أن التصرية عيب يوجب الخيار، وهو حجة على أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، حيث قالا: إن التصرية ليست بعيب، ولا توجب خيارًا، وقد رُوي عن أبي حنيفة أنَّها عيب توجب الأرش، وقال زفر من أصحابه: يردّ صاعًا من تمر، أو نصف صاع من برّ (^٢).
٦ - (ومنها): أن بيع الخيار موضوعٌ لتمام البيع، واستقراره، لا للفسخ، وهو أحد القولين عند المالكيّة، وقيل: هو موضوع للفسخ، قال القرطبيّ: والأول أولى؛ لقوله - ﷺ -: "إن شاء أمسكها"، والإمساك: استدامة التمسّك لِمَا قد ثبتٌ وجوده، كما قال - ﷺ - لغيلان: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهنّ"؛ أي استدم حكم العقود السابقة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): أشار الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" إلى أنه اختُلف في قوله: "وصاعًا من تمر"، فرواه بعضهم: "وصاعًا من طعام"، فقال بعد إيراد هذا الحديث من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، ما نصّه: ويُذكَر عن أبي صالح، ومجاهد، والوليد بن رَبَاح، وموسى بن يسار، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: "صاع تمر"، وقال بعضهم، عن ابن سيرين: "صاعًا من طعام، وهو بالخيار ثلاثًا"، وقال بعضهم عن ابن سيرين: "صاعًا من تمر"، ولم يذكر "ثلاثًا"، والتمر أكثر. انتهى.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٧٢.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٧٣.
[ ٢٦ / ٦٩٠ ]
وقد بيّن ما أشار إليه الحافظ في "الفتح"، فقال: قوله: "ويذكر عن أبي صالح، ومجاهد، والوليد بن رباح، وموسى بن يسار … إلخ": يعني أن أبا صالح، ومَن بعده وقع في رواياتهم، تعيين التمر:
فأما رواية أبي صالح، فوصلها أحمد، ومسلم، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، بلفظ: "من ابتاع شاة مصرّاة، فهو فيها بالخيار، ثلاثة أيام، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها، وردّ معها صاعًا من تمر".
وأما رواية مجاهد، فوصلها البزار، قال مغلطاي: لَمْ أرها إلَّا عنده، قال الحافظ: قد وصلها أيضًا الطبراني في "الأوسط" من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن ابن أبي نَجيح، والدارقطنيُّ من طريق الليث بن أبي سليم، كلاهما عن مجاهد، وأولُ رواية ليث: "لا تبيعوا المصراة، من الإبل، والغنم" الحديث، وليث ضعيف، وفي محمد بن مسلم أيضًا لين. وأما رواية الوليد بن رَباح، وهو - بفتح الراء، وبالموحدة -، فوصلها أحمد بن منيع، في "مسنده" بلفظ: "من اشترى مصرّاة، فليردّ معها صاعًا من تمر".
وأما رواية موسى بن يسار، وهو - بالتحتانية، والمهملة - فوصلها مسلم بلفظ: "من اشترى شاة مصرّاة، فلينقلب بها، فليحلبها، فإن رضي بها أمسكها، وإلا ردّها، ومعها صاع من تمر"، وسياقه يقتضي الفورية.
وقوله: "وقال بعضهم، عن ابن سيرين: صاعًا من طعام، وهو بالخيار ثلاثًا"، وقال بعضهم، عن ابن سيرين: "صاعًا من تمر"، ولم يذكر "ثلاثًا":
أما رواية من رواه بلفظ "الطعام"، و"الثلاث"، فوصلها مسلم (^١)، والترمذيّ، من طريق قُرَّة بن خالد، عنه، بلفظ: "من اشترى مصرّاة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردّها، ردّ معها صاعًا من طعام، لا سمراء"، وأخرجه أبو داود، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام، وحبيب، وأيوب، عن ابن سيرين نحوه.
وأما رواية من رواه بلفظ التمر، دون ذكر الثلاث، فوصلها أحمد، من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، بلفظ: "من اشترى شاة مصرّاة، فإنه
_________________
(١) هي الرواية التي نحن في شرحها.
[ ٢٦ / ٦٩١ ]
يحلبها، فإن رضيها أخذها، وإلا رَدّها وردّ معها صاعًا من تمر"، وقد رواه سفيان، عن أيوب، فذكر الثلاث، أخرجه مسلم (^١) من طريقه، بلفظ: "من اشترى شاة مصراه، فهو بخير النظرين، ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها، وصاعًا من تمر، لا سمراء".
قال: ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطعام، ولم يقل: ثلاثًا، أخرجه أحمد، والطحاوي، من طريق عون، عن ابن سيرين، وخِلاس بن عمرو، كلاهما عن أبي هريرة، بلفظ: "من اشترى لِقحة مصراة، أو شاة مصراة، فحلبها، فهو بأحد النظرين، بالخيار إلى أن يحوزها، أو يردها، وإناء من طعام".
قال الحافظ: فحصلنا عن ابن سيرين على أربع روايات، ذكر التمر والثلاث، وذكر التمر، بدون الثلاث، والطعام بدل التمر كذلك.
والذي يظهر في الجمع بينها، أن من زاد الثلاث، معه زيادة علم، وهو حافظ، ويُحْمَل الأمر فيمن لَمْ يذكرها، على أنَّه لَمْ يحفظها، أو اختصرها، وتُحْمَل الرواية التي فيها الطعام على التمر.
وقد روى الطحاوي، من طريق أيوب، عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية. وروى ابن أبي شيبة، وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين: "لا سمراء"؛ يعني الحنطة.
وروى ابن المنذر من طريق ابن عون، عن ابن سيرين؛ أنه سمع أبا هريرة، يقول: "لا سمراء": تمر ليس ببر.
فهذه الروايات تبيّن أن المراد بالطعام التمر، ولمّا كان المتبادر إلى الذهن، أن المراد بالطعام القَمْح، نفاه بقوله: "لا سمراء"، لكن يعكُر على هذا الجمع، ما رواه البزار، من طريق أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، بلفظ: "إن ردّها ردّها، ومعها صاع من برّ، لا سمراء"، وهذا يقتضي أن المنفي في قوله: "لا سمراء"، حنطة مخصوصة، وهي الحنطة الشامية، فيكون المثبت قوله: "من طعام"؛ أي: من قمح.
_________________
(١) هي الرواية التالية هنا.
[ ٢٦ / ٦٩٢ ]
قال: ويَحتمل أن يكون راويه رواه بالمعني، الذي ظنه مساويًا، وذلك أن المتبادر من الطعام البر، فظن الراوي أنه البر، فعبّر به.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الحكم على هذه الرواية بلفظ: "صاعًا من برّ"المخالفة للروايات الكثيرة بالشذوذ ليس ببعيد، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر؛ لأنه كان غالب قوت أهل المدينة، فهذا طريق الجمع، بين مختلف الروايات، عن ابن سيرين في ذلك.
قال: لكن يعكُر على هذا، ما رواه أحمد، في سناد صحيح، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن رجل من الصحابة، نحو حديث الباب، وفيه: "فإن ردّها ردّ معها صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر"، فإن ظاهره يقتضي التخيير، بين التمر والطعام، وأن الطعام غير التمر. ويَحْتَمِل أن تكون "أو" شكًّا من الراوي، لا تخييرًا.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال أولى ما توجّه به هذه الرواية، فتأمله بإمعان.
قال: وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات، لَمْ يصح الاستدلال بشيء منها، فَيُرجَع إلى الروايات التي لَمْ يختلف فيها، وهي التمر، فهي الراجحة، كما أشار إليه البخاريّ.
وأما ما أخرجه أبو داود، من حديث ابن عمر، بلفظ: "إن ردها رد معها مثل، أو مثلي لبنها قَمْحًا"، ففي إسناده ضعف، وقد قال ابن قدامة: إنه متروك الظاهر بالاتفاق. وقوله: "والتمر أكثر"؛ أي: أن الروايات الناصة على التمر أكثر عددًا، من الروايات التي لَمْ تنص عليه، أو أبدلته بذكر الطعام، فقد رواه بذكر التمر غير من تقدم ذكره، ثابت بن عياض عند البخاريّ، وهمام بن منبه عند مسلم (^١)، وعكرمة، وأبو إسحاق عند الطحاويّ، ومحمد بن زياد، عند الترمذيّ، والشعبيّ عند أحمد، وابن خزيمة، كلهم عن أبي هريرة - ﵁ -.
وأما رواية من رواه بذكر الإناء، فيفسرها رواية من رواه بذكر الصاع، وقد تقدم ضبطه في الزكاة. انتهى (^٢).
_________________
(١) هي الرواية الأخيرة في هذا الباب.
(٢) الفتح" ٥/ ٦١٩ - ٦٢١.
[ ٢٦ / ٦٩٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح رواية من رواه:
"وصاعًا من تمر"، وأن رواية من رواه: "وصاعًا من طعام" يردّ إلى معنى الأولي، فالمراد بالطعام هو التمر، وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر؛ لأنه كان غالب قوت أهل المدينة، كما تقدّم في كلام الحافظ - ﵀ -، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم من اشترى مصرّاة:
ذهب عامّة أهل العلم إلى أن من اشترى مصرّاة من بهيمة الأنعام، لَمْ يَعلم تصريتها، ثم علم، فله الخيار في الرد والإمساك، رُوي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس - ﵃ -، وإليه ذهب مالك، وابن أبي ليلي، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف.
وذهب أبو حنيفة، ومحمد، إلى أنه لا خيار له؛ لأنَّ ذلك ليس بعيب، بدليل أنَّها لو لَمْ تكن مصرّاة، فوجدها أقلّ لبنًا من أمثالها، لَمْ يملك ردها، والتدليس بما ليس بعيب، لا يُثبت الخيار، كما لو علفها فانتفخ بطنها، فظن المشتري أنَّها حامل.
واحتجّ الأولون بحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: "لا تصرّوا الإبل، والغنم، فمن ابتاعها بعدُ، فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها وصاعًا من تمر"، متَّفقٌ عليه.
قال ابن قُدامة - ﵀ -: ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه، فوجب به الرد، كما لو كانت شمطاء، فسوّد شعرها، وقياسهم يبطل بتسويد الشعر، فإن بياضه ليس بعيب كالكِبَر، وإذا دلسه ثبتٌ له الخيار، وأما انتفاخ البطن، فقد يكون من الأكل والشرب، فلا معنى لحمله على الحمل، ثم إن هذا القياس مخالف للنص، واتباع قول رسول الله - ﷺ - أوجب من غيره. أفاده في "المغني" (^١).
وقال في "الفتح": وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة، ولا مخالف لهما من الصحابة، وقال به من
_________________
(١) راجع: "المغني" ٦/ ٢١٦ - ٢١٧.
[ ٢٦ / ٦٩٤ ]
التابعين، ومَن بعدهم مَن لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتُلِب قليلًا، أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد، أم لا.
وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية، وفي فروعها آخرون، أما الحنفية، فقالوا: لا يُرَدّ بعيب التصرية، ولا يجب ردّ صاع من التمر، وخالفهم زفر، فقال بقول الجمهور، إلَّا أنه قال: يتخير بين صاع تمر، أو نصف صاع برّ، وكذا قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف في رواية، إلَّا إنهما قالا: لا يتعين صاع التمر، بل قيمته، وفي رواية عن مالك، وبعض الشافعية كذلك، لكن قالوا: يتعين قوت البلد؛ قياسًا على زكاة الفطر، وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب، أنهما لو تراضيا بغير التمر، من قوت، أو غيره كفي، وأثبت ابن كجّ الخلاف في ذلك، وحكى الماوردي وجهين، فيما إذا عجز عن التمر، هل تلزمه قيمته ببلده، أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه؟ وبالثاني قال الحنابلة.
واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة، بأعذار شَتَّي، فمنهم من طعن في الحديث؛ لكونه من رواية أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود، وغيره، من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفًا للقياس الجليّ، وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غِنًى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياسَ الجليّ لرواية أبي هريرة - ﵁ - وأمثاله، كما في الوضوء بنبيذ التمر، ومن القهقهة في الصلاة، وغير ذلك، قال الحافظ: وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاريّ حديث ابن مسعود، عقب حديث أبي هريرة، إشارةً منه، إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة، فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت، لما خالف ابن مسعود القياس الجليّ في ذلك.
وقال ابن السمعانيّ في "الاصطلام": التعرض إلى جانب الصحابة، علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد من الحفظ؛ لدعاء رسول الله - ﷺ - يعني الذي أخرجه البخاريّ في "كتاب العلم"، وفي أول "البيوع" أيضًا: وفيه قوله: "إن إخواني من المهاجرين، كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله - ﷺ -، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا" الحديث، ثم مع ذلك، لَمْ ينفرد أبو هريرة، برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود، من حديث ابن عمر، وأخرجه الطبراني من وجه
[ ٢٦ / ٦٩٥ ]
آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنسا، وأخرجه البيهقيّ في "الخلافيات" من حديث عمرو بن عوف المزنيّ، وأخرجه أحمد، من رواية رجل من الصحابة، لَمْ يُسَم.
وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته، وثبوته من جهة النقل، واعتلّ من لَمْ يأخذ به بأشياء، لا حقيقة لها.
ومنهم من قال: هو حديث مضطرب؛ لذكر التمر فيه تارة، والقمح أخرى، واللبن أخرى، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة، وبالاناء أخرى.
والجواب أن الطرق الصحيحة، لا اختلاف فيها، كما تقدم، والضعيف لا يُعِلّ الصحيح.
ومنهم من قال: هو معارض لعموم القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦].
وأجيب بأنه من ضمان المتلفات، لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل، وبغير المثل.
ومنهم من قال: هو منسوخ.
وتُعُقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ مع مدعيه؛ لأنهم اختلفوا في الناسخ، فقيل: حديث النهي عن بيع الدَّين بالدَّين، وهو حديث أخرجه ابن ماجة وغيره، من حديث ابن عمر، ووجه الدلالة منه؛ أن لبن المصرّاة، يصير دَينًا في ذمة المشتري، فماذا أُلزم بصاع من تمر، نسيئةً صار دَينًا بدَين، وهذا جواب الطحاويّ.
وتُعُقِّب بأن الحديث ضعيف، باتفاق المحدثين، وعلى التنزّل، فالتمر إنما شُرع في مقابل الحلب، سواء كان اللبن موجودًا، أو غير موجود، فلم يتعيّن في كونه من الدَّين بالدَّين. وقيل: ناسخه حديث: "الخراجُ بالضمان"، وهو حديث أخرجه أصحاب "السنن" عن عائشة - ﵂ -، وجهة الدلالة منه؛ أن اللبن فضلة من فضلات الشاة، ولو هلكت لكان من ضمان المشتري، فكذلك فضلاتها، تكون له، فكيف يُغَرَّم بدلها للبائع؟ حكاه الطحاوي أيضًا.
وتُعُقّب بأن حديث المصرّاة أصح منه باتفاق، فكيف يُقَدّم المرجوح على
[ ٢٦ / ٦٩٦ ]
الراجح؟ ودعوى كونه بعده، لا دليل عليها، وعلى التنزل، فالمشتري لَمْ يؤمر بغرامة ما حدَث في ملكه، بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد، ولم يدخل في العقد، فليس بين الحديثين على هذا تعارض.
وقيل: ناسخه الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال، وقد كانت مشروعة قبل ذلك، كما في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، في مانع الزكاة: "فإنا آخذوها وشطر ماله"، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه في الذي يَسرِق من الجرين، "يُغَرَّم مثليه"، وكلاهما في "السنن"، وهذا جواب عيسى بن أبان، فحديث المصرّاة من هذا القبيل، وهي كلها منسوخة.
وتَعَقّبه الطحاويّ بأن التصرية، إنما وجدت من البائع، فلو كان من ذلك الباب للزمه التغريم، والفرض أن حديث المصرّاة، يقتضي تغريم المشترى فافترقا.
ومنهم من قال: ناسخه حديث: "البيعان بالخيار، ما لَمْ يتفرقا"، وهذا جواب محمد بن شجاع، ووجه الدلالة منه، أن الفرقة تقطع الخيار، فثبت أن لا خيار بعدها، إلَّا لمن استثناه الشارع بقوله: "إلَّا بيع الخيار".
وتعقبه الطحاويّ بأن الخيار الذي في المصراة، من خيار الرد بالعيب، وخيار الرد بالعيب لا تقطعه الفرقة.
ومن الغريب أنهم لا يقولون بخيار المجلس، ثم يحتجون به فيما لَمْ يرد فيه.
ومنهم من قال: هو خبر واحد، لا يفيد إلَّا الظن، وهو مخالف لقياس الأصول، المقطوع به، فلا يلزم العمل به.
وتُعُقّب بأن التوقف في خبر الواحد، إنما هو في مخالفة الأصول، لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول، بدليل أن الأصول: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والكتاب والسنة في الحقيقة، هما الأصل، والآخران مردودان إليهما، فالسنة أصل، والقياس فرع، فكيف يردّ الأصل بالفرع؟ بل الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: إن الأصل يخالف نفسه؟ وعلى تقدير التسليم بكون قياس الأصول، يفيد القطع، وخبر الواحد لا يفيد إلَّا الظن، فتناوُل الأصلِ لمحلّ هذا الخبر الواحد، غير مقطوع به؛ لجواز استثناء محله من ذلك الأصل.
[ ٢٦ / ٦٩٧ ]
قال ابن دقيق العيد: وهذا أقوى متمسَّك به، في الردّ على هذا المقام.
وقال ابن السمعانيّ: متى ثبتٌ الخبر صار أصلًا من الأصول، ولا يُحتاج إلى عرضه على أصل آخر؛ لأنه إن وافقه فذاك، وإن خالفه فلا يجوز رد أحدهما؛ لأنه رد للخبر بالقياس، وهو مردود باتفاق، فإن السنة مقدمة على القياس بلا خلاف، إلى أن قال: والأولى عندي في هذه المسألة، تسليم الأقيسة، لكنها ليست لازمة؛ لأنَّ السنة الثابتة مقدمة عليها، والله تعالى أعلم.
وعلى تقدير التنزل، فلا نسلّم أنه مخالف لقياس الأصول؛ لأنَّ الذي ادَّعَوه عليه من المخالفة، بيّنوها بأوجه:
[أحدهما]: أن المعلوم من الأصول، أن ضمان المثليات بالمثل، والمتقومات بالقيمة، وههنا إن كان اللبن مثليأ، فليضمن باللبن، وإن كان متقومًا، فليضمن بأحد النقدين، وقد وقع هنا مضمونًا بالتمر، فخالف الأصل.
[والجواب]: منع الحصر، فإن الحرّ يُضمن في ديته بالإبل، وليست مثلًا، ولا قيمةً، وأيضًا فضمان المثل ليس مطّردًا، فقد يُضمن المثل بالقيمة، إذا تعذرت المماثلة، كمن أتلف شاة لبونًا، كان عليه قيمتها، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنًا آخر؛ لتعذر المماثلة.
[ثانيها]: أن القواعد تقتضي، أن يكون المضمون مُقَدَّر الضمان بقدر التالف، وذلك مختلف، وقد قدّرنا هنا بمقدار واحد، وهو الصاع، فخرج عن القياس.
[والجواب]: منع التعميم في المضمونات؛ كالموضِحة، فأرشها مُقَدَّر، مع اختلافها بالكبر والصغر، والغرةِ مقدرة في الجنين، مع اختلافه، والحكمة في ذلك، أن كلّ ما يقع فيه التنازع، فليقدّر بشيء معين؛ لقطع التشاجر، وتُقدَّم هذه المصلحة على تلك القاعدة، فإن اللبن الحادث بعد العقد، اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يُعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، ولو عُرف مقداره، فوُكل إلى تقديرهما، أو تقدير أحدهما، لأفضى إلى النزاع والخصام، فقطع الشارع النزاع والخصام، وقدّره بحد لا يتعديانه؛ فصلًا للخصومة، وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن، فإنه كان قوتهم إذ ذاك؛ كاللبن وهو مكيل كاللبن، ومقتات، فاشتركا في كون كلّ واحد منهما
[ ٢٦ / ٦٩٨ ]
مطعومًا، مقتاتًا، مكيلَا واشتركا أيضًا في أن كلًّا منهما يُقتات به بغير صنعة، ولا علاه.
[ثالثها]: أن اللبن التالف، إن كان موجودًا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه، من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطًا، فما كان منه موجودًا عند العقد، وما كان حادثًا لَمْ يجب ضمانه.
[والجواب]: أن يقال: إنما يمتنع الرد بالنقص، إذا لَمْ يكن لاستعلام العيب، وإلا فلا يمتنع، وهنا كذلك.
[رابعها]: أنه خالف الأصول، في جعل الخيار فيه ثلاثًا، مع أن خيار العيب، لا يقدّر بالثلاث، وكذا خيار المجلس عند من يقول به، وخيار الرؤية عند من يثبته.
[والجواب]: بأن حكم المصرّاة انفرد بأصله عن ممائلة، فلا يُستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره، والحكمة فيه أن هذه المدة هي التي يتبيَّن بها لبن الخلقة، من اللبن المجتمع بالتدليس غالبًا، فشُرعت لاستعلام العيب، جخلاف خيار الرؤية والعيب، فلا يتوقف على مدة، وأما خيار المجلس، فليس لاستعلام العيب، فظهر الفرق بين الخيار في المصراة، وغيرها.
[خامسها]: أنه يلزم من الأخذ به، الجمع بين العوض والمعوَّض، فيما إذا كانت قيمة الشاة صاعًا من تمر، فإنها ترجع إليه من الصاع الذي هو مقدار ثمنها.
[والجواب]: أن التمر عوض عن اللبن، لا عن الشاة، فلا يلزم ما ذكروه.
[سادسها]: أنه مخالف لقاعدة الربا، فيما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعًا، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، فيكون قد باع شاة وصاعًا بصاع.
[والجواب]: أن الربا إنما يُعتبر في العقود، لا الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبًا بفضة، لَمْ يجز أن يتفرقا قبل القبض، فلو تقايلا في هذا العقد بعينه، جاز التفرق قبل القبض.
[ ٢٦ / ٦٩٩ ]
[سابعها]: أنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها، فيما إذا كان اللبن موجودًا، والأعيان لا تضمن بالبدل، إلَّا مع فواتها، كالمغصوب.
[والجواب]: أن اللبن، وإن كان موجودًا، لكنه تعذر رده؛ لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وتعذر تمييزه، فأشبه السابق، بعد الغصب، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه؛ لتعذر الرد.
[ثامنها]: أنه يلزم منه إثبات الرد بغير عيب، ولا شرط، أما الشرط فلم يوجد، وأما العيب فنقصان اللبن، لو كان عيبًا لثبت به الرد، من غير تصرية.
[والجواب]: أن الخيار يثبت بالتدليس، كمن باع رَحًى دائرة، بما جمعه لها بغير علم المشتري، فإذا اطلع عليه المشتري، كان له الرد، وأيضًا فالمشتري لَمّا رأى ضرعًا، مملوءًا لبنًا، ظن أنه عادة لها، فكأنّ البائع شرط له ذلك، فتبيَّن الأمر بخلافه، فثبت له الرد؛ لفقد الشرط المعنويّ؛ لأنَّ البائع يُظهر صفة المبيع تارة بقوله، وتارة بفعله، فإذا أظهر المشتريَ على صفة، فبان الأمر بخلافها، كان قد دلّس عليه، فشرع له الخيار، وهذا هو محض القياس، ومقتضى العدل، فإن المشتري إنما بذل ماله؛ بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، وقد أثبت الشارع الخيار للركبان، إذا تُلُقُّوا، واشتُرِيَ منهم قبل أن يَهبِطوا إلى السوق، ويعلموا السعر، وليس هناك عيب، ولا خُلْف في شرط، ولكن لِمَا فيه من الغش والتدليس.
(ومنهم): من قال: الحديث صحيح، لا اضطراب فيه، ولا علة، ولا نسخ، وإنما هو محمول على سورة مخصوصة، وهو ما إذا اشترى شاة، بشرط أنَّها تحلب مثلًا خمسة أرطال، وشرط فيها الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار، صح العقد، وإن لَمْ يتفقا بطل العقد، ووجب ردّ الصاع من التمر؛ لأنه كان قيمة اللبن يومئذ. وتُعُقّب بأن الحديث ظاهر في تعليق الحكم بالتصرية، وما ذكره هذا القائل، يقتضي تعليقه بفساد الشرط، سواء وُجدت التصرية، أم لا؟ فهو تأويل مُتعَسَّف، وأيضًا فلفظ الحديث لفظ عموم، وما ادّعوه على تقدير تسليمه، فرد من أفراد ذلك العموم، فيحتاج من ادعى قصر العموم عليه الدليلَ على ذلك، ولا وجود له. انتهى ما في
[ ٢٦ / ٧٠٠ ]
"الفتح" (^١) بطوله، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا كلّه أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من ثبوت الخيار بسبب التصرية، كما نصّ عليه رسول الله - ﷺ -، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في ردّ بدل اللبن:
ذهب كلّ من جوّز رد المصرّاة بعيب التصرية إلى أنه إذا علم التصرية، واختار الرد بعد أن حلبها، لزمه رد بدل اللبن، وهو مقدَّر في الشرع بصاع من تمر، كما في الحديث الصحيح المذكور في الباب، ولا فرق في ذلك بين الغنم، والإبل، وغيرهما مما أُلحق بهما، ولا بين أن يكون اللبن قليلًا، أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت البلد، أم لا. وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور.
وذهب مالك، وبعض الشافعية، إلى أن الواجب صاع، من غالب قوت البلد؛ لأنَّ في بعض طرق الحديث: "وردّ معها صاعًا من طعام"، وفي بعضها: "وردّ معها مثل أو مثلي لبنها قَمْحًا"، فجمع بين الأحاديث، وجعل تنصيصه على التمر؛ لأنه غالب قوت البلد في المدينة، ونص على القَمْح؛ لأنه غالب قوت بلد آخر.
وقال أبو يوسف: يردّ قيمة اللبن؛ لأنه ضمان متلف، فكان مقدرًا بقيمته، كسائر المتلفات، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، وحكي عن زفر: أنه يردّ صاعًا من تمر، أو نصف صاع من بر، بناءً على قولهم في الفطرة، والكفارة.
وحجة الأولين الحديث الصحيح المذكور، وهو المعتمد عليه في هذه المسألة، وقد نصّ فيه على التمر، فقال: "إن شاء ردّها وصاعًا من تمر"، وفي لفظ: "من اشترى غنمًا مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر"، وفي لفظ: "وردّ صاعًا من تمر، لا سمراء"، وفي
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٢١ - ٦٢٦.
[ ٢٦ / ٧٠١ ]
لفظ: "طعامًا، لا سمراء": يعني لا يردّ قَمْحًا، والمراد بالطعام ها هنا التمر؛ لأنه مطلق في أحد الحديثين، مقيد في الآخر في قضية واحدة، والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد، وحديث ابن عمر، مُطَّرح الظاهر بالإتفاق، إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها، أو مثلي لبنها قَمْحًا، ثم قد شك فيه الراوي، وخالفته الأحاديث الصحاح، فلا يعوّل عليه.
وقياس أبي يوسف مخالف للنص، فلا يلتفت إليه، ولا يبعد أن يقدّر الشرع بدل هذا المتلف، قطعًا للخصومة، ودفعًا للتنازع، كما قدّر بدل الآدمي، ودية أطرافه، ولا يمكن حمل الحديث، على أنَّ الصاع كان قيمة اللبن، فلذلك أوجبه؛ لوجوه ثلاثة:
[أحدها]: أن القيمة هي الأثمان، لا التمر.
[الثماني]: أنه أوجب في المصراة من الإبل، والغنم جميعًا، صاعًا من تمر، مع اختلاف لبنها.
[الثالث]: أن لفظه للعموم، فيتناول كلّ مصرّاة، ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كلّ مصراة صاعًا، وإن أمكن أن يكون كذلك، فيتعين إيجاب الصاع؛ لأنه القيمة التي عيّن الشارع إيجابها، فلا يجوز أن يعدل عنها.
وإذ قدمت هذا، فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدًا، غير معيب؛ لأنه واجب بإطلاق الشارع، فينصرف إلى ما ذكوناه، كالصاع الواجب في الفطرة، ولا يجب أن يكون من الأجود، بل يجوز أن يكون من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد، ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر، مثل قيمة لبن الشاة، أو أقلّ، أو أكثر، نص عليه أحمد، وليس هذا جمعًا بين البدل والمبدَل؛ لأنَّ التمر بدل اللبن، قدّره الشرع به، كما قدّر في يدي العبد قيمته، وفي يديه ورجليه قيمته مرتين، مع بقاء العبد على ملك سيده.
وإن عُدم التمر في موضعه، فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد؛ لأنه بمثابة عين أتلفها، فيجب عليه قيمتها، أفاده في "المغني" (^١)، وهو بحثّ جيّدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" لابن قدامة - ﵀ - ٦/ ٢١٧ - ٢١٩.
[ ٢٦ / ٧٠٢ ]
(المسألة الخامسة): قال ابن قُدامة - ﵀ -: إن علم بالتصرية قبل حلبها، مثل أن أقر به البائع، أو شهد به من تُقبل شهادته، فله ردّها، ولا شيء معها؛ لأنَّ التمر إنما وجب بدلًا للبن المحتلب، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: "من اشترى غنمًا مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر"، ولم يأخذ لها لبنًا ها هنا، فلم يلزمه ردّ شيء معها، وهذا قول مالك، قال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أن الخلاف موجود، فقد قال في "الفتح": فيه وجه للشافعية، ويرجح أنه لا يثبت، رواية عكرمة، عن أبي هريرة، في هذا الحديث عند الطحاويّ، فإن لفظه: "من اشترى مُصَرّاة، ولم يعلم أنَّها مصراة" الحديث. انتهى.
قال الجامع: لكن الحديث ضعيف؛ لأنَّ في إسناده ابن لَهِيعة، فظهر بهذا أن الصحيح أنه يثبت له الخيار، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال ابن قدامة: وأما لو احتلبها، وترك اللبن بحاله، ثم ردّها ردّ لبنها، ولا يلزمه أيضًا بشيء؛ لأنَّ المبيع إذا كان موجودًا، فردّه لَمْ يلزمه بدله، فإن أبي البائع قبوله، وطلب التمر، لَمْ يكن له ذلك، إذا كان بحاله لَمْ يتغير، وقيل: لا يلزمه قبوله؛ لظاهر الخبر، ولأنه قد نقص بالحلب، وكونه في الضرع أحفظ له، ولنا إنه قَدِر على ردّ المبدَل، فلم يلزمه البدل؛ كسائر المبدلات مع
أَبدالها، والحديث المراد به التمر، حالة عدم اللبن؛ لقوله: "ففي حلبتها صاع من تمر"، ولمَا ذكرنا من المعنى، وقولهم: إن الضرع أحفظ له لا يصح؛ لأنه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام، وبقاؤه يضر بالحيوان.
وإن كان اللبن قد تغيَّر ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه قبوله، وهذا قول مالك؛ للخبر، ولأنه قد نقص بالحموضة، فأشبه ما لو أتلفه، والثاني يلزمه قبوله؛ لأنَّ النقص حصل بإسلام المبيع، وبتغرير البائع، وتسليطه على حلبه، فلم يمنع الرد كلبن غير المصراة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت التصرية في البقرة:
ذهب الجمهور إلى أنه لا فرق في التصرية، بين الشاة، والناقة، والبقرة،
[ ٢٦ / ٧٠٣ ]
وشذ داود، فقال: لا يثبت الخيار بتصرية البقرة؛ لأنَّ الحديث: "لا تصروا الإبل والغنم"، فدل على أنَّ ما عداهما بخلافهما، ولأن الحكم ثبت فيهما بالنص، والقياس لا تثبت به الإحكام، واحتجّ الجمهور بعموم قوله: "من اشترى مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام"، وفي حديث ابن عمر: "من ابتاع مُحَفَّلة"، ولم يفصل، ولأنه تصرية بلبن من بهيمة الأنعام، فأشبه الإبل والغنم، والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر؛ لأنَّ لبنها أغزر، وأكثر نفعًا، وقولهم: إن الأحكام لا تثبت بالقياس ممنوع، ثم هو ههنا ثبتٌ بالتنبيه، وهو حجة عند الجميع، قاله في "المغني" (^١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم مصرّاة غير بهيمة الأنعام:
قال ابن قدامة - ﵀ -: فإن اشترى مصرَّاة من غير بهيمة الأنعام، كالأمة، والأتان، والفرس، ففيه وجهان:
[أحدهما]: يثبت له الخيار، اختاره ابن عقيل، وهو ظاهر مذهب الشافعيّ؛ لعموم قوله: "من اشترى مصراة"، و"من اشترى محفَّلة"، ولأنه تصرية بما يختلف الثمن به، فأثبت الخيار، كتصرية بهيمة الأنعام، وذلك أن لبن الآدمية يراد للرضاع، ويرغب فيها ظئرًا، ويُحَسِّن ثديها، ولذلك لو اشترط كثرة لبنها، فبان بخلافه، مَلَك الفسخ، ولو لَمْ يكن مقصودًا لَمَا ثبتٌ باشتراطه، ولا ملك الفسخ بعدمه، ولأن الأتان والفرس يرادان لولدهما.
[والثاني]: لا يثبت به الخيار؛ لأنَّ لبنها لا يعتاض عنه في العادة، ولا يُقصد قصد لبن بهيمة الأنعام، والخبر ورد في بهيمة الأنعام، ولا يصح القياس عليه؛ لأنَّ قصد لبن بهيمة الأنعام أكثر، واللفظ العام أريد به الخاص، بدليل أنه أمر في ردّها بصاع من تمر، ولا يجب في لبن غيرها، ولأنه ورد عامًا وخاصًا في قضية واحدة، فيحمل العام على الخاص، ويكون المراد بالعام في أحد الحديثين الخاصَّ في الحديث الآخر.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٢٦ / ٧٠٤ ]
وعلى الوجه الأول، إذا ردها لَمْ يلزم بدل لبنها، ولا يردّ معها شيئًا؛ لأنَّ هذا اللبن لا يباع عادة، ولا يعاوض عنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثاني - وهو عدم ثبوت الخيار في غير بهيمة الأنعام - أرجح؛ لظهور حجته، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: [إن قلت]: قوله: "بعد أن يحلبها" يقتضي أنه لا يثبت الخيار إلَّا بعد الحلب، مع أنه ثابتٌ قبله، إذا علم التصرية.
[قلت]: قال الشيخ تقيّ الدين في "شرح العمدة": جوابه أنه يقتضي إثبات الخيار في هذين الأمرين المعنيين، أعني الإمساك والرّدّ مع الصاع، وهذا إنما يكون بعد الحلب؛ لتوقّف هذين المعنيين على الحلب؛ لأنَّ الصاع عوضٌ عن اللبن، ومن ضرورة ذلك الحلب. انتهى.
قال وليّ الدين: وقد يجاب عنه بأن التصرية لا تُعرف غالبًا إلَّا بالحلب؛ لأنه إذا حلب أَوّلًا لبنًا غزيرًا، ثم حلب ثانيًا لبنًا قليلًا، عُرف حينئذ ذلك، فعبّر بالحلب عن معرفة التصرية؛ لأنه ملازم له غالبًا، والله أعلم. انتهى (^١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في الردّ، هل هو على الفور، أم لا؟
ذهب بعضهم إلى أنه على الفور؛ كسائر العيوب، وصححه البغويّ، والرافعيّ، والنوويّ؛ لظاهر قوله: "وإن كرهها ردّها".
وذهب بعضهم إلى أنه يمتدّ إلى ثلاثة أيام؛ لقوله: "فهو بالخيار ثلاثة أيام"، وصوّبه ابن دقيق العيد في "شرح العمدة"، وهو الصحيح، وحُكي عن نصّ الشافعيّ، وقال ابن المنذر: إنه مذهب الشافعيّ، وهو مذهب الحنابلة، وجواب الأولين عن هذه الرواية بحملها على ما إذا لَمْ يعلم أنَّها مصرّاة إلَّا في ثلاثة أيام؛ لأنَّ الغالب أنه لا يُعلم فيما دون ذلك، فإنه إذا نقص لبنها في اليوم
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٧٨.
[ ٢٦ / ٧٠٥ ]
الثاني عن الأول، احتَمَل كون النقص لعارض، من سوء مرعاها في ذلك اليوم، أو غير ذلك، فإذا استمرّ كذلك ثلاثة أيام، عُلم أنَّها مصرّاة، مما لا يُلتفت إليه؛ لكونه خلاف الظاهر، والله تعالى أعلم.
ثم اختلف القائلون بامتداد الخيار ثلاثة أيام في ابتدائها، وللشافعيّة في ذلك وجهان:
[أحدهما]: أن ابتداءها من العقد.
[الثاني]: أنه من التفرّق، وشبّهوا الوجهين بالوجهين في خيار الشرط، ومقتضى ذلك أن الراجح أن ابتداءها من العقد، وقال الحنابلة: إن ابتداءها من حين تبيّنت التصرية، قاله في "الطرح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنابلة هو الأرجح عندي؛ لموافقته لظاهر الحديث، حيث رتّب ثبوت الخيار بما بعد الحلب، وهو معنى تبيّن التصرية، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: رتّب الشافعيّة على القول بامتداد الخيار ثلاثة أيام فروعًا:
[منها]: أنه لو عرف التصرية قبل ثلاثة أيام امتدّ الخيار إلى آخر الثلاثة فقط.
[ومنها]: أنه لو عَرَف التصرية في آخر الثلاثة، أو بعدها، فلا خيار على القول بأن مدّته ثلاثة أيام؛ لامتناع مجاوزة الثلاثة.
[ومنها]: أنه لو اشترى عالمًا بالتصرية، ثبتٌ له الخيار ثلاثة أيام، وأما على القول بأنه على الفور، فلا يختلف الحكم في الفرعين الأولين، ولا خيار في الثالث؛ كسائر العيوب. قال وليّ الدين - ﵀ -: وفيما ذكره أصحابنا في هذه الفروع نظرٌ، والظاهر أن الشارع إنما اعتبر المدّة من حين معرفة سبب الخيار، وإلا كان يلزم أن يكون الفور متَّصلًا بالعقد، ولو لَمْ يعلم به لخيف أنه إذا تأخّر علمه به عن العقد، فات الخيار، وهذا لا يمكن القول به، ويلزم على ما ذكروه أن يكون الفور أوسع من ثلاث في الفرع الثاني، وهو بعيد، ويلزم عليه
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٧٩.
[ ٢٦ / ٧٠٦ ]
أيضًا أن تُحسب المدّة قبل التمكن من الفسخ، وذلك يفوّت مقصود التوسيع بالمدّة، ويؤدّي إلى نقصانها فيما إذا لَمْ يعلم به إلَّا بعد مضيّ بعضها، وهذا مما يقوّي مذهب الحنابلة في ذلك، وهو عندي أظهر، وأوفق للحديث، وللمعني، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ وليّ الدين - ﵀ -، من ترجيح مذهب الحنابلة؛ لموافقته ظاهر النصّ، إنصاف منه - ﵀ -، ويا ليت جميع أتباع المذاهب سلكوا هذا المسلك؛ فإنه عَيْنُ اتّباع الحقّ، والحقّ أحقّ أن يتّبع، لكننا نرى العجب العجاب، حينما يبذل متأخروهم - إلَّا من عصمه الله - قصارى جهدهم في الدفاع عن مذهبهم، إذا خالف النصوص بالتأويلات الزائفة، والتكلّفات الباردة، - كما أسلفنا آنفًا عن الحنفيّة في ردّهم حديث المصرّاة - فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
فيا أيها المسلم الحريص على دينه، اتبع الحقّ، فكن غيورًا على النصوص، وابْذُل جهدك في الدفاع عنها، وإن أدّى ذلك إلى مخالفة رأي إمامك، فإنك مسؤول عن الكتاب والسنّة، لا عن آراء الرجال، وآراؤهم إنما تُطلَب للاستعانة بها على فهمهما فقط، فأيّ استعانة إذا خالفتهما؟
وبالجملة فليس هناك أحد أوجب الله اتباعه، وأناط الهدى والفلاح به، إلَّا رسول الله - ﷺ -، فقال الله - ﷾ -: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال - ﷾ -: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أن ظاهره أنه لا خيار فيما إذا لَمْ يقصد البائع التصرية، بل ترك الحلب، ناسيًا، أو لشغل عرض له، أو تصرّت هي بنفسها؛ لأنه - ﷺ - نهى عن التصرية لأجل البيع، ثم ذكر أن من اشترى ما هو بهذه الصفة تخيّر، وهذه الصورة المذكورة لَمْ يقع فيها تصرية لأجل البيع، وبهذا جزم
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٧٩.
[ ٢٦ / ٧٠٧ ]
الغزاليّ، وتبعه عبد الغفّار القزوينيّ في "الحاوي الصغير"، وحَكَى البغويّ فيها وجهين، وصحح ثبوت الخيار لحصول الضرر للمشتري، وإن لَمْ يقصد البائع التدليس، قاله في "الطرح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما صححه البغويّ أرجح؛ نظرًا لتضرّر المشتري، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): ظاهر الحديث أنه إذا تبيّن للمشتري التصرية، لكن درّ اللبن علي الحدّ الذي أشعرت به التصرية، واستمرّ كذلك، ثبتٌ له الخيار؛ لأنه - ﷺ - أطلق ثبوت الخيار، ولم يفصّل، لكن تغيّر الحال عما كان عليه، وصيرورتها ذات لبن غزير بعد أن لَمْ تكن كذلك قبل التصرية سورة نادرة، فيظهر أنَّها مرادة من العموم، فلا. خيار فيها، وفي المسألة وجهان للشافعيّة، قال وليّ الدين: وينبغي بناؤهما على أنَّ الفرع النادر هل يدخل في العموم، أم لا؟ والصحيح في الأصول دخوله، لكن شبّه أصحابنا الوجهين بالوجهين فيما إذا لَمْ يعرف العيب القديم إلَّا بعد زواله، وبالقولين فيما لو عتقت الأمة تحت عبد، ولم تعلم عتقها حتى عتق العبد، ومقتضى التشبيه تصحيح أنه لا خيار له، كما هو الصحيح في تينك الصورتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم ثبوت الخيار هو الذي يظهر لي؛ لأنه إنما شُرع دفعًا للضرر، وقد زال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): قال وليّ الدين - ﵀ -: أخذ أصحابنا من ثبوت الخيار في المصرّاة ثبوت الخيار في كلّ موضع حصل فيه تدليسٌ، وتغرير من البائع، كما لو حبس ماء القناة، أو الرحى، ثم أرسله عند البيع، أو الإجارة، فظنّ المشتري كثرته، ثم تبيّن له الحال، أو حمّر وجه الجارية، أو سوّد شعرها، أو جعّده، أو أرسل الزنبور على وجهها، فظنها المشتري سمينة، ثم بان خلافه، فله الخيار في هذه الصور كلّها.
وحكى أصحابنا خلافًا فيما لو لطّخ ثوب العبد بمداد، أو ألبسه ثوب الكتّاب، أو الخبّازين، وخيّل كونه كاتبًا، أو خبّازًا، فبان خلافه، أو أكثر علف البهيمة، حتى انتفخ بطنها، فظنها المشتري حاملًا، أو أرسل الزنبور على
[ ٢٦ / ٧٠٨ ]
ضرعها، فانتفخ، فظنها لبونًا، والأصحّ في هذه الصور أنه لا خيار؛ لتقصير المشتري، وأثبت المالكيّة الخيار في تلطيخ الثوب بالمداد. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بثبوت الخيار في هذه الصور كلها أظهر؛ لأنَّ الغرر بها لا يقلّ عن الغرر بالتصرية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٢٦] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا قريبًا، وأصل الحديث متّفقٌ عليه، كما سبق تخريجه، وأما بهذا السياق فهو من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٢٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي الْعَقَدِيَّ - حَدثنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) هو: محمد بن عمرو بن عبّاد بن جبَلَة بن أبي رَوَّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو الْقَيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
[ ٢٦ / ٧٠٩ ]
٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٤ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين، تقدّم في الباب الماضي.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (صَاعًا مِنْ طَعَام) قال وليّ الدين - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يريد بالطعام فيه: التمر، بدليل الرواية الأخرى، وعلى هذا مشى البيهقيّ، فقال: المراد بالطعام المذكور فيه التمر، واستدلّ على ذلك بالرواية الأخرى.
ويَحْتَمِل أن يريد مطلق الطعام، ثم أخرج منه السمراء، وخرج ما هو أدون منها، من الأقوات، والخُضَر للأمر بالتمر، كما في الرواية الأخرى، وهذا الاحتمال يعود في المعنى للذي قبله، لكنه يخالفه في التقدير. انتهى (^١).
وقوله: (لَا سَمْرَاءَ) قال القرطبيّ: هو معطوف على "صاعًا"، وهمزته للتأنيث، فلذلك لَمْ يُصرف، و"السمراء": قَمْحة الشام، و"البيضاء": قَمحة مصر، وقيل: البيضاء: الشعير، و"السمراء: الْقَمْح مطلقًا، وإنما نفاها تخفيفًا، ورفعًا للحرج. انتهى (^٢).
وقال وليّ الدين - ﵀ -: فيه تنصيص على أنَّ السمراء، وهي القَمْح لا تجزئ في هذا، وإنما نصّ عليه، دون غيره؛ لِفَهْم غيره من طريق الأولي، فإنه أغلى الأقوات، وأنفسها، فإذا لَمْ يجزيء، فغيره أولى بذلك. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: ذهب الشافعيّ، وأكثر العلماء إلى أنه لا يجوز فيها إلَّا الصَّاع من التمر، وقال الداوديّ: الطعام المذكور هنا هو التمر، وذهب مالك إلى أن التمر إنما ذُكر في الحديث؛ لأنه أغلب قوتهم، فيخرج الغالب من قوت بلده؛ قَمْحًا، أو شعيرًا، أو تمرًا؛ متمسكًا بعموم قوله: "طعام"؛ فإنَّه يَعُمّ التمر وغيره، ومستأنسًا بأن الشرع قد اعتبر نحو هذا في الدِّيات، ففرض على أهل الإبل إبلًا، وعلى أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق، وكذلك فعل في زكاة الفطر، وقد رُوي عن مالك رواية شاذَّة أنه يخرج فيها
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٨٨.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٧٥.
(٣) "طرح التثريب" ٦/ ٨٨.
[ ٢٦ / ٧١٠ ]
مكيلة ما حلب من اللبن تمرًا، أو قيمته، وقد تقدَّم قول أبي حنيفة وزُفر، وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى: يُخرج القيمة بالغة ما بلغت، وأحسن هذه الأقوال مشهور مذهب مالك؛ لما ذكرناه، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: بل أحسن الأقوال هو الذي تقدّم عن الشافعيّ، وأكثر العلماء أنه لا يجوز إلَّا الصاع من التمر؛ لأنه الذي نصّ عليه رسول الله - ﷺ -، فلا يُعدل عنه إلَّا بدليل، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، وقد سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٢٨] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْن، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيه عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و"ابن أبي عمر" هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ المكيّ، و"سفيان" هو: ابن عيينة، و"محمد" هو: ابن سيرين.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، وقد سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٢٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى مِنَ الْغَنَمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ").
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٧٤.
[ ٢٦ / ٧١١ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الْوَهَّاب، عن أيوب هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٣٨٣٠] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا مَا أَحَدُكُمُ اشْتَرَى لِقْحَةً مُصَرَّاةً، أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْن، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِمَّا هِيَ، وَإِلَّا فَلْيَرُدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ) أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى مجموع أحاديث رواها همَّام عن أبي هريرة - ﵁ -، وهي الأحاديث المجموعة في "صحيفة همّام"، فقوله: "هذا" مبتدأ خبره قوله: (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ) همّام (أَحَادِيثَ) وعددها (١٣٨) حديثًا، وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ) أي: أبو هريرة - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فقوله: "وقال إلخ" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: "قال رسول الله - ﷺ -" مقول "وقال" ("إِذَا مَا) زائدة بعد "إذا"، قال ابن هشام الأنصاريّ - ﵀ - في "مغنيه": وتزاد "ما" بعد أداة الشرط جازمةً كانت، نحو: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [النساء: ٧٨]، ونحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ [الأنفال: ٥٨]، أو غير جازمة، نحو: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا
[ ٢٦ / ٧١٢ ]
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠]، وبين المتبوع وتابعه في نحو: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦]. انتهى (^١)، وقال شيخنا عبد الباسط المناسيّ - ﵀ - في نظمه:
وَزِيدَ بَعْدَ أَدَوَاتٍ تَجْزِمُ … "إِمَّا تَخَافَنَّ" وَأَيْضًا يُحْكَمُ
بَعْدَ أدَاةِ الشَّرْطِ غَيْرَ جَازِمِ … وَبَيْنَنَ تَابِعٍ وَمَتْبُوعٍ نُمِي
كـ "مَثَلًا" يَلِيهِ "مَا بَعُوضَةُ" … بَالنَّصْبِ رَاوِي الرَّفْعِ فِيهَا رُؤبَةُ (^٢)
(أَحَدُكُمُ اشْتَرَى لِقْحَةً) بكسر اللام، وتُفتح، قال الفيّوميّ - ﵀ -: اللِّقْحة بالكسر: الناقة ذات لبنٍ، والفتح لغة، والجمع لِقَحٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، أو مثلُ قَصْعَةٍ وقِصَعٍ، واللَّقُوح بفتح اللام، مثلُ اللِّقْحَة، والجمع لِقَاحٌ، مثلُ قَلُوصٍ وقِلاصٍ. انتهى (^٣). (مُصَرَّاةً) هي التي صُرّي لبنها في ضوعها؛ أي: جُمِع وحُبس حتى يظن من يشتريها أنَّها كثيرة اللبن (أَوْ شَاةً) الظاهر أن "أو" هنا للتنويع، لا للشكّ (مُصرَّاةً، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْن، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا) تقدّم أنه بضمّ اللام، وكسرها، من بابي نصر، وضرب (إِمَّا هِيَ) بكسر الهمزة، هي حرف تفصيل؛ أي: إنما أن يمسك هذه المصرّاة إن رضيها (وَإِلَّا) هي "إن" الشرطيّة أدغمت في "لا" النافية؛ أي: وإن يمسكها؛ لعدم رضاه بها (فَلْيَرُدَّهَا) أي: المصرّاة (وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ") بنصب "صاعًا" عطفًا على الضمير المنصوب، وَيحْتَمل أن تكون الواو معيّة، فـ "صاعًا" منصوب على أنَّه مفعول معه.
وفي رواية البخاريّ من طريق ثابت مولى عبد الرَّحمن بن زيد؛ أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "من اشترى غَنَمًا مصرّاةً، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها، ففي حَلْبتها صاع من تمر".
قال في "الفتح": قوله: "من اشترى غَنَمًا مُصَرّاة، فاحتلبها" ظاهره أن صاع التمر متوقف على الحلب.
وقوله: "ففي حلبتها صاع من تمر" ظاهره أن صاع التمر في مقابل
_________________
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ٦٠١/ ١.
(٢) أي قرأ رؤبة برفع "بعوضةٌ"، وعليه فـ "ما" موصولة، و"بعوضة" خبر لمحذوف، والجملة صلة "ما"، أي الذي هو بعوضة، راجع: "المغني" ١/ ٦٠١ - ٦٠٢.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٦.
[ ٢٦ / ٧١٣ ]
المصرّاة سواء كانت واحدةً، أو أكثر؛ لقوله: "من اشترى غنمًا"، ثم قال: "ففي حلبتها صاع من تمر"، ونقله ابن عبد البر عمن استَعْمَل الحديثَ، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قُدامة عن الشافعية والحنابلة.
وعن أكثر المالكية: يرُدّ عن كلّ واحدة صاعًا، حتى قال المازريّ: من المُستَبشَع أن يُغَرَّم مُتْلِف لبن ألف شاة كما يُغَرَّم متلف لبن شاة واحدة.
وأجيب بأن ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدم من أن الحكمة في اعتبار الصاع قطع النزاع، فجُعِل حدًّا يُرْجَع إليه عند التخاصم، فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة، أو الناقة الواحدة يَختَلِف اختلافًا متباينًا، ومع ذلك فالمعتبر الصاع، سواء قَلّ اللبن، أم كثر، فكذلك هو معتبر، سواء قلّت المصرّاة، أو كثرت، والله تعالى أعلم. انتهى (^١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء السادس والعشرين من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثَّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الأربعاء، وهو يوم عاشوراء المبارك العاشر من شهر الله المحرّم الحرام (١٠/ ١/ ١٤٣٠ هـ الموافق ٧ يناير ٢٠٠٩ م).
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلِّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٢٧ - ٦٢٨.
[ ٢٦ / ٧١٤ ]
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء السابع والعشرون مفتتحًا بـ (٨) - (بَابُ بُطْلَانِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ) رقم الحديث [٣٨٣١] (١٥٢٥).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
[ ٢٦ / ٧١٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ليلة الخميس الحادي عشر من شهر الله المحرّم ١١/ ١/ ١٤٣٠ هـ أول الجزء السابع والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى.