أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
_________________
(١) وفي نسخة: "فميتته".
[ ٣٢ / ١٧٦ ]
فكوفيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالطائف سنة (٦٨).
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، وقوله: (يَرْوِيهِ) جملة حاليّة؛ أي: حال كون ابن عبّاس - ﵄ - ينقل هذا الحديث عن النبيّ - ﷺ -، قال في "الفتح": هو في معنى قوله: "عن النبيّ - ﷺ -" (^١)، ثم أوضح معنى "يرويه"، بقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ) شرطيّة مبتدأ، خبره "فليصبر"، (رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ) لمخالفته الشرع، أو لمخالفته ما تحبّه نفسه، (فَلْيَصْبِرْ) على ذلك المكروه، (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل؛ والهاء ضمير الشأن؛ أي: لأن الأمر والشأن (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا)؛ أي: مقدار شبر، وَكَنَى به عن الخروج على السلطان، ولو بأدنى نوع من أنواع الخروج، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة.
وقال في "الفتح": وقوله: "شبرًا" - بكسر المعجمة، وسكون الموحدة - وهي كناية عن معصية السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة: السعي في حَلّ عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر؛ لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حقّ (^٢).
(فَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) وفي بعض النسخ: "فميتته جاهليّة"؛ أي: كموتة أهل الجاهليّة من الضلالة، والفرقة، وفي الرواية التالية: "فإنه ليس أحدٌ من الناس يخرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتةً جاهليّةً"، وفي رواية للبخاريّ: "مات ميتةً جاهليّةً"، وفي حديث ابن عمر الآتي عند مسلم، رفعه: "مَن خَلَع يدًا من طاعةٍ، لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ، مات ميتةً جاهليةً".
وقال الكرمانيّ - ﵀ - عند قوله: "فإنه من فارق الجماعة شبرًا، فمات إلا
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦٢٦ رقم (٧١٤٣).
(٢) "الفتح" ١٦/ ٤٣٨ رقم (٧٠٥٣).
[ ٣٢ / ١٧٧ ]
مات ميتةً جاهليّةً" قال: "من" للاستفهام الإنكاريّ؛ أي: ما فارق الجماعة أحدٌ إلا جرى له كذا، أو "ما" مُقَدَّرة، قال ابن مالك: جاز ذلك كقوله [من الطويل]:
فَوَاللهِ مَا نِلْتُمْ وَلَا نِيلَ مِنْكُمُ … بِمُعْتَدِلٍ وَفْقٍ وَلَا مُتَقَارِبِ
أو "إلا" زائدة، قال الأصمعيّ: تقع "إلا" زائدةً، كقوله [من الطويل]:
حَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إِلَّا مُنَاخَةً … عَلَى الْخَسْفِ أَوْ يَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرَا (^١)
أو عاطفة على رأي الكوفيين.
والمراد بالميتة الجاهلية - وهي بكسر الميم: حالة الموت؛ أي: كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا.
ويَحْتَمِل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه: أنه يموت مثل موت الجاهليّ، وإن لم يكن هو جاهليًّا، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير، وظاهره غير مراد، ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه قوله في الحديث الآخر: "من فارق الجماعة شبرًا، فكأنما خَلَع رِبْقة الإسلام من عنقه"، أخرجه الترمذيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من حديث الحارث بن الحارث الأشعريّ في أثناء حديث طويل، وأخرجه البزار، والطبرانيّ في "الأوسط"، من حديث ابن عباس، وفي سنده خُلَيد بن دعلج، وفيه مقال (^٢)، وقال: "من رأسه" بدل "عنقه".
قال ابن بطال - ﵀ -: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لِمَا في ذلك من حَقْن الدماء، وتسكين الدَّهْماء، وحجتهم هذا الخبر، وغيره، مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قَدَر عليها، أفاده في "الفتح" (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح الكرمانيّ على صحيح البخاريّ" ٢٤/ ١٤٧.
(٢) قال عنه في "التقريب": ضعيف من السابعة.
(٣) "الفتح" ١٦/ ٤٣٨، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٥٣).
[ ٣٢ / ١٧٨ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٤٧٨١ و٤٧٨٢] (١٨٤٩)، و(البخاريّ) في "الفتن" (٧٠٥٣ و٧٠٥٤) و"الأحكام" (٧١٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧٥ و٣١٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣١٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٢٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ١٦٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٢٣٤)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنّة" (٢/ ٥٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٥٧) و"شعب الإيمان" (٦/ ٦٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْجَعْدُ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا، فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ (^١) مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ)؛ أي: ذلك الشيء الذي كرهه.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ. . . إلخ) الضمير للشأن، كما سبق قريبًا.
وقوله: (خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ)؛ أي: من طاعة السلطان، وفي بعض النسخ: "يخرج".
وقوله: (فَمَاتَ عَلَيْهِ)؛ أي: على ذلك الخروج؛ يعني: أنه لم يتب منه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
_________________
(١) وفي نسخة: "يخرج".
[ ٣٢ / ١٧٩ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٣] (١٨٥٠) - (حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن الفُرات الأسديّ، أبو حمزة البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الصحيح (م) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٤، من أفراد المصنّف.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يلقّب بالطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو مِجْلَزٍ) لاحق بن حُميد بن سعيد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (٦ أو ١٠٩) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٤٧.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) ثمّ الْعَلَقيّ، أبو عبد الله الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - بعد الستين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جندب بن عبد الله البجليّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه هنا [١٣/ ٤٧٨٣] (١٨٥٠)، وأخرجه (النسائيّ) في "البيعة" (٧/ ١٢٣) وفي "الكبرى" (٣٥٨٠)، وشرحه يُعلم من شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٤] (١٨٥١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ - عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ، حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ، زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: اطْرَحُوا لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -
[ ٣٢ / ١٨٠ ]
يَقُولُ: "مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمريّ المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٤ - (زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أخو عاصم (^١) الراوي عنه، ثقةٌ [٧] (م س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٥/ ١٦٧٨.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا.