أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -؛ كلاحقه، وهو (٣٤٨) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالبصرين، وفيه أثبت الناس في شيخ وهو حماد في ثابت، وألزم الناس لشيخه، وهو ثابت، فقد لزم أنسًا - ﵁ - أربعين سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَغَدْوَةٌ) اللام للابتداء، و"غَدوة" مبتدأ خبره قوله: "خيرٌ. . . إلخ"، وقال في "العمدة": قوله: "لغدوة" مبتدأ تخصّص بالصفة، وهو قوله: "في سبيل الله"، والتقدير: لغدوة كائنة في سبيل الله، وقوله: "أو روحة" عَطْف عليه، وكلمة "أو" للتقسيم، لا للشكّ، وقوله: "خير" خبر المبتدأ، واللام في "لغدوة" لام التأكيد، وقال
[ ٣٢ / ٤٠٢ ]
بعضهم: للقَسَم، وفيه نظر. انتهى (^١).
و"الغَدْوة" بفتح الغين المعجمة، وسكون الدال المهملة: المرّة الواحدة من الْغُدُوّ، وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه. (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: في الجهاد لإعلاء كلمة الله - ﷿ -، (أَوْ رَوْحَةٌ) بفتح الراء، وسكون الواو: المرّة الواحدة من الرّواح، وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: "الْغَدَوة" - بفتح الغين -: السير أولَ النهار إلى الزوال، والرَّوْحة: السير من الزوال إلى آخر النهار، و"أو" هنا للتقسيم، لا للشكّ، ومعناه: أن الروحة يحصل بها هذا الثواب، وكذا الغدوة، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غَدْوة أو رَوْحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غَدوةٌ وروحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يُسَمّى غَدْوة وروحة في سبيل الله. انتهى (^٣).
(خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا") قال النوويّ - ﵀ -: معنى هذا الحديث أن فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلها، لو مَلَكها إنسان، وتصوّر تنعّمه بها كلها؛ لأنه زائل، ونعيم الآخرة بأن، قال القاضي عياض: وقيل في معناه، ومعنى نظائره، من تمثيل أمور الآخرة، وثوابها بأمور الدنيا: إنها خير من الدنيا وما فيها، لو مَلَكها إنسان، ومَلَك جميع ما فيها، وأنفقه في أمور الآخرة، قال هذا القائل: وليس تمثيل الباقي بالفاني على ظاهر إطلاقه، والله أعلم. انتهى (^٤).
وقال في "العمدة": قال المهلّب: معنى قوله: "خير من الدنيا" أن ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا كلها، وكذا قوله: "لَقَابُ قوس أحدكم"؛ أي: موضع سوط في الجنة، يريد ما صَغُر في الجنة من المواضع كلها من بساتينها وأرضها، فأخبر أن قصير الزمان، وصغير المكان في الآخرة،
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٤/ ٩٢.
(٢) "الفتح" ٧/ ٥٤، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٩٢).
(٣) "شرح النوويّ" ١٣/ ٢٦.
(٤) "شرح النوويّ" ١٣/ ٢٦ - ٢٧.
[ ٣٢ / ٤٠٣ ]
خير من طويل الزمان، وكبير المكان في الدنيا؛ تزهيدًا وتصغيرًا لها وترغيبًا في الجهاد؛ إذ بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه، وأنفق ماله.
وقال غيره: معنى خير من الدنيا: ثواب ذلك في الجنة خير من الدنيا، وقيل: خير من أن يتصدق بما في الدنيا إذا مَلَكها، وقيل: إذا مَلَك ما في الدنيا، وأنفقها في وجوه البرّ والطاعة غير الجهاد.
وقال القرطبيّ: أي: الثواب الحاصل على مَشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا، وما فيها لو جُمعت له بحذافيرها، وهذا كما قال في الحديث الآخر: "وموضع قوس أحدكم، أو سوطه في الجنّة خير من الدنيا، وما فيها"، وهذا منه - ﷺ - إنما هو على ما استقرّ في النفوس من تعظيم مُلْك الدنيا، وأما على التحقيق فلا تدخل الجنّة تحت أفعل، إلا كما يقال: العسل أحلى من الخلّ، وقد قيل: إن معنى ذلك - والله أعلم - أن ثواب الغَدوة والروحة أفضل من الدنيا وما فيها لو ملكها مالكٌ، فأنفقها في وجوه البرّ والطاعة غير الجهاد، وهذا أليق، والأول أسبق. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
وقال العينيّ: والظاهر أنه لا يَختصّ ذلك بالغدوّ والرواح من بلدته، بل يحصل هذا حتى بكل غدوة، أو روحة في طريقه إلى الغزو، وقال النوويّ: وكذا غدوة وروحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة، وروحة في سبيل الله. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قال ابن دقيق العيد: قوله: "خير من الدنيا وما فيها" يَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيَّب منزلة المحسوس؛ تحقيقًا له في النفس؛ لكون الدنيا محسوسةً في النفس، مستعظمةً في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذَرّةً مما في الجنة.
والثاني: أن المراد: أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٩ - ٧١٠.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ٩٢.
[ ٣٢ / ٤٠٤ ]
يَحصُل لمن لو حصلت له الدنيا كلها وأنفقها في طاعة الله تعالى.
قال الحافظ: ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في "كتاب الجهاد" من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا، فيهم عبد الله بن رواحة، فتأخّر ليشهد الصلاة مع النبيّ - ﷺ -، فقال له النبيّ - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض، ما أدركت فضل غَدْوَتهم".
والحاصل أن المراد: تهوين أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قَدْر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات.
والنكتة في ذلك أن سبب التأخّر عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبّه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة، أفضل من جميع ما في الدنيا. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٤٨٦٥] (١٨٨٠)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٧٩٢ و٢٧٩٦) و"الرقاق" (٦٥٦٨)، و(الترمذيّ) في "فضل الجهاد" (١٦٥١)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٥٧)، و(ابن المبارك) في "الجهاد" (١/ ٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٢ و١٥٣ و٢٠٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٠٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٦٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٦٦] (١٨٨١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "وَالْغَدْوَةَ يَغْدُوهَا الْعَبْدُ في سَبِيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا").
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٥٤ - ٥٦، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٩٢).
[ ٣٢ / ٤٠٥ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٠٩.
٣ - (أَبُوهُ) أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج التمّار القاصّ المدنيّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدّم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدّم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.