قال في "الفتح": عبد الله بن سلام - بتخفيف اللام -؛ أي: ابن الحارث، من بني قينقاع، وهم من ذرية يوسف الصديق ﵇، وكان اسم عبد الله بن سلام في الجاهلية الحصين، فسمّاه النبيّ - ﷺ - عبد الله، أخرجه ابن ماجه، وكان من حلفاء الخزرج، من الأنصار، أسلم أوّلَ ما دخل النبيّ - ﷺ - المدينة، وزعم الداوديّ أنه كان من أهل بدر، وسَبَقه إلى ذلك أبو عَروبة، وتفرَّد بذلك، ولا يثبت، وغَلِط مَن قال: إنه أسلم قبل وفاة النبيّ - ﷺ - بعامين، ومات عبد الله بن سلام سنة ثلاث وأربعين. انتهى (^١)،
وقال في "الإصابة": عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف من ذرية يوسف النبيّ ﵇، حليف القوافل من الخزرج، الإسرائيليّ، ثم الأنصاريّ، كان حليفًا لهم، وكان من بني قينقاع، يقال: كان اسمه الحصين، فغيَّره النبيّ - ﷺ -، وجزم بذلك الطبريّ، وابن سعد، وأخرجه يعقوب بن سفيان في
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥١٣، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٢).
[ ٣٩ / ٤٧٧ ]
"تاريخه" عن أبي اليمان، عن شعيب، عن عبد العزيز، قال: كان اسم عبد الله بن سلام: الحصين، فسمّاه النبيّ - ﷺ - عبد الله.
أسلم أول ما قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة، وقيل: تأخر إسلامه إلى سنة ثمان، قال قيس بن الربيع عن عاصم، عن الشعبيّ، قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة النبيّ - ﷺ - بعامين، أخرجه ابن الْبَرْقيّ، وهذا مرسلٌ، وقيس ضعيف.
وقد أخرج أحمد، وأصحاب "السنن" من طريق زُرارة بن أبي أوفى، عن عبد الله بن سلام، قال: لَمّا قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة كنت ممن انجفل، فلما تبيّنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فسمعته يقول: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام. . ." الحديث.
وفي البخاريّ من طريق حميد، عن أنس؛ أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله - ﷺ - مَقْدَمه المدينة، فقال: "إني سائلك عن ثلاث خصال، لا يعلمها إلا نبيّ. . ." الحديث، وفيه قصته مع اليهود، وأنهم قوم بُهْتٌ، ومن طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: أقبل نبيّ الله - ﷺ - إلى المدينة، فاستشرفوا ينظرون إليه، فسمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل لأهله، فعَجِل، وجاء، فسمع من نبيّ الله - ﷺ -، فقال: أشهد أنك رسول الله حقًّا، وأنك جئت بحقّ، ولقد عَلِمتَ أني سيدهم، وأعلمهم، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. . . الحديث.
وفي "التاريخ الصغير" للبخاريّ بسند جيّد، عن يزيد بن عَميرة، قال: حضرت معاذًا الوفاة، فقيل له: أوصنا، فقال: التمسوا العلم عند أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًّا، فأسلم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة".
وأخرجه الترمذيّ عن معاذ مختصرًا.
وأخرج البغويّ في "المعجم" بسند جيّد عن عبد الله بن مَعْقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليًّا، عن خروجه إلى العراق، وقال: الزم منبر رسول الله - ﷺ -، فإن تَرَكْته لا نراه أبدًا، فقال عليّ: إنه رجل صالح منّا.
وأخرج ابن عساكر بسند جيّد عن أبي بردة بن أبي موسى: أتيت المدينة، فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة متخشعًا، عليه سِيْما الخير.
[ ٣٩ / ٤٧٨ ]
وروى الزُّبيديّ من طريق ابن أخي عبد الله بن سلام، قال: لمّا أريدَ عثمان جاء عبد الله بن سلام، فقال: جئت لأنصرك، فخرج عبد الله، فقال: إنه كان اسمي في الجاهلية فلانًا، فسمّاني رسول الله - ﷺ - عبد الله، ونزلت فِيّ آيات من كتاب الله، ونزل فِيّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، ونزل فيّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].
قال الطبريّ: مات في قولِ جميعهم بالمدينة سنة ثلاث وأربعين، قال الحافظ: وفيها أرّخه الهيثم بن عديّ، وابن سعد، وأبو عبيد، والبغويّ، وأبو أحمد العسكريّ، وآخرون. انتهى من "الإصابة" (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: توفّي عبد الله بن سلام في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين، وجملة ما روى من الحديث عن النبيّ - ﷺ - خمسة وعشرون حديثًا، أخرجا له في "الصحيحين" حديثين. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٦٠] (٢٤٨٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي: إِنَّهُ فِي الْجَنَّة، إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب بن الطّبّاع، سكن أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٤) وقيل: بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في "الكسوف" ٣/ ٢١١٠.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها مالك، عن نافع، عن ابن عمر
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ١١٩.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤١٣.
[ ٣٩ / ٤٧٩ ]
(ت ١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٤ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٦ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب، الزهريّ، أبو إسحاق ومناقبه كثيرة، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور، وهو آخر العشرة وفاة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀ وهو مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، والباقيان بغداديّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمّة، فهو من السايقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنّة، وأول مَن رَمَى بسهم في سبيل الله - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّضْرِ) في رواية أبي يعلى عن يحيى بن معين، عن أبي مُسهِر، عن مالك: حدّثني أبو النضر (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) في رواية عاصم بن مِهْجَع، عن مالك، عند الدارقطنيّ: "قال: سمعت عامر بن سعد". (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - (يَقُولُ: مَا) نافية، (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ لِحَيٍّ) اللام بمعنى "عن"، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١١]، وقوله: (يَمْشِي) جملة في محل جرّ صفة لـ "حيّ"، زاد في رواية البخاريّ: "على الأرض". (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها مقول القول؛ أي: إن ذلك الحيّ (فِي الْجَنَّةِ)؛ أي: من أهل الجنّة، فهو على حَذْف مضاف، و"في" بمعنى "من"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ … ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ
أي: من ثلاثة أحوال. (إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) قال النوويّ ﵀: قد ثبت
[ ٣٩ / ٤٨٠ ]
أن النبيّ - ﷺ - قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة. . ." إلى آخر العشرة، وثبت أنه - ﷺ - أخبر بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن عُكاشة منهم، وثابت بن قيس، وغيرهم، وليس هذا مخالفًا لقول سعد، فإن سعدًا قال: ما سمعته، ولم ينف أصل الإخبار بالجنة لغيره، ولو نفاه كان الإثبات مقدَّمًا عليه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": استُشكل حديث سعد هذا بأنه - ﷺ - قد قال لجماعة: إنهم من أهل الجنة غير عبد الله بن سلام، ويبعد أن لا يطّلع سعد على ذلك.
وأجيب بأنه كَرِه تزكية نفسه؛ لأنه أحد العشرة المبشرة بذلك.
وتُعُقِّب بأنه لا يستلزم ذلك أن ينفي سماعه مثل ذلك في حقّ غيره.
قال الحافظ: ويظهر لي في الجواب أنه قال ذلك بعد موت المبشَّرين؛ لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم، ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد، ويؤخذ هذا من قوله: "يمشي على الأرض".
قال: لكن وقع عند الدارقطنيّ من طريق سعيد بن داود، عن مالك، ما يعكر على هذا التأويل، فإنه أورده بلفظ: "سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: لا أقول لأحد من الأحياء: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وبلغني أنه قال: وسلمان الفارسيّ"، لكن هذا السياق منكَر، فإن كان محفوظًا حُمِل على أنه - ﷺ - قال ذلك قديمًا قبل أن يبشّر غيره بالجنة.
وقد أخرج ابن حبّان من طريق مصعب بن سعد، عن أبيه، سبب هذا الحديث بلفظ: "سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: يدخل عليكم رجل من أهل الجنة، فدخل عبد الله بن سلام".
وهذا يؤيد صحة رواية الجماعة، ويُضْعف رواية سعيد بن داود (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤١ - ٤٢.
(٢) "الفتح" ٨/ ٥١٣، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٢).
[ ٣٩ / ٤٨١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٦٣٦٠] (٢٤٨٣)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨١٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٦٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ١٠٧ و١١٤)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٢٦/ ١٠)، و(البغويّ) في "تفسيره" (٣٩٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن سلام - ﵁ - حيث إنه - ﷺ - بشّره بالجنّة.
٢ - (ومنها): بيان أن المبشَّرين بالجنّة أكثر من عشرة، فقد بشّر النبيّ - ﷺ - كثيرًا من الصحابة جملة وتفصيلًا، كأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وكعبد الله بن سلام هذا، وغير ذلك.
٣ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث قوله: "وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١٠]، قال: لا أدري قال مالك الآية، أو هي في الحديث". انتهى.
وقوله: "قال: لا أدري قال مالك الآية، أو في الحديث"؛ أي: لا أدري هل قال مالك: إن نزول هذه الآية في هذه القصة من قِبَل نفسه، أو هو بهذا الإسناد؟
قال الحافظ: وهذا الشك في ذلك من عبد الله بن يوسف شيخ البخاريّ، ووَهِم من قال: إنه من القعنبيّ؛ إذ لا ذِكر للقعنبي هنا، ولم أر هذا عن عبد الله بن يوسف إلا عند البخاريّ، وقد رواه عن عبد الله بن يوسف أيضًا إسماعيل بن عبد الله الملقَّب سَمُّوَيْه في "فوائده"، ولم يذكر هذا الكلام عن عبد الله بن يوسف، وكذا أخرجه الاسماعيليّ من وجه آخر عن عبد الله بن
[ ٣٩ / ٤٨٢ ]
يوسف، وكذا أخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من وجهين آخرين عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه من طريق ثالث عنه بلفظ آخر مقتصرًا على الزيادة، دون الحديث، وقال: إنه وَهَمٌ.
وروى ابن منده في "الإيمان" من طريق إسحاق بن سيار، عن عبد الله بن يوسف الحديث، والزيادة، وقال فيه: قال إسحاق: فقلت لعبد الله بن يوسف: إن أبا مسهر حدّثنا بهذا عن مالك، ولم يذكر هذه الزيادة، قال: فقال عبد الله بن يوسف: إن مالكًا تكلم به عقب الحديث، وكانت معي ألواحي، فكتبت. انتهى.
وظهر بهذا سبب قوله للبخاريّ: ما أدري. . . إلخ.
وقد أخرجه الإسماعيليّ، والدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريق أبي مسهر، وعاصم بن مهجع، وعبد الله بن وهب، وإسحاق بن عيسى، زاد الدارقطنيّ: وسعيد بن داود، وإسحاق الفَرْويّ، كلهم عن مالك بدون هذه الزيادة، قال: فالظاهر أنها مُدرَجة من هذا الوجه.
ووقع في رواية ابن وهب عند الدارقطنيّ التصريح بأنها من قول مالك، إلا أنها قد جاءت من حديث ابن عباس عند ابن مردويه، ومن حديث عبد الله بن سلام نفسه، عند الترمذيّ، وأخرجه ابن مردويه أيضًا من طرق عنه، وعند ابن حبان من حديث عوف بن مالك أيضًا أنها نزلت في عبد الله بن سلام نفسه.
وقد استَنْكَر الشعبيّ فيما رواه عبد بن حميد، عن النضر بن شُميل، عن ابن عون، عنه نزولها في عبد الله بن سلام؛ لأنه إنما أسلم بالمدينة، والسورة مكية، فأجاب ابن سيرين بأنه لا يمتنع أن تكون السورة مكية، وبعضها مدنيّ، وبالعكس، وبهذا جزم أبو العباس في "مقامات التنزيل"، فقال: "الأحقاف" مكية إلا قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ إلى آخر الآيتين. انتهى.
ولا مانع أن تكون جميعها مكية، وتقع الإشارة فيها إلى ما سيقع بعد الهجرة من شهادة عبد الله بن سلام.
وروى عبد بن حميد في "تفسيره" من طريق سعيد بن جبير؛ أن الآية نزلت في ميمون بن يامين، وفي "تفسير الطبريّ" عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن سلام، وعمير بن وهب بن يامين النضريّ، وفي "تفسير مقاتل" اسمه:
[ ٣٩ / ٤٨٣ ]
يامين بن يامين، ولا مانع أن تكون نزلت في الجميع. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٣٦١] (٢٤٨٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: كنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ، فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ (^٢)، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن، يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَدَخَلْتُ، فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ، قَالَ رَجُلٌ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَاُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟ رَأَيْتُ رُؤْيَا، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْه، رَأَيْتُني فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ سَعَتَهَا، وَعُشْبَهَا، وَخُضْرَتَهَا - وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُود مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الأَرْض، وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاء، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ (^٣)، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ، حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُود، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوة، فَقِيلَ لِيَ: اسْتَمْسِكْ، فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ، وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ (^٤)، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَام، وَتلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ"، قَالَ: وَالرَّجُل: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٥١٣، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٢).
(٢) وفي نسخة: "في وجهه بعض أثر من".
(٣) وفي نسخة: "فقيل له: ارقه".
(٤) وفي نسخة: "تلك الروضة روضة الإسلام".
[ ٣٩ / ٤٨٤ ]
٢ - (مُعَاذُ بْن مُعَاذِ) العنبريّ البصريّ تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ) البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) البصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) - بضم العين المهملة، وتخفيف الموحّدة - الضُّبَعيّ - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو عبد الله البصريّ، مخضرمٌ، ثقة [٢].
قَدِم المدينة في خلافة عمر، وروى عنه، وعن عليّ، وعمار، وأبي ذرّ، وعبد الله بن سلام، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمرو، وأُبَيّ بن كعب، وغيرهم.
رَوَى عنه ابنه عبد الله، وصهره عبد الله بن مطر، وابن ابنه النضرة بن عبد الله بن مطر، وأبو مِجْلَز، والحسن، وابن سيرين، وأبو نضرة العبديّ، وغيرهم،
قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: كان ثقةً، من كبار الصالحين، وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وكانت له مناقب، وحِلْم، وعبادة، وذكره أبو مِخْنف عن شيوخه فيمن قتله الحَجّاج، ممن خرج مع ابن الأشعث، وذَكَره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، وقال: إنه يشكريّ، وذَكَره ابن قانع في "معجم الصحابة"، وأورد له حديثًا مرسلًا، مات بعد الثمانين، ووَهِمَ مَن عَدَّه في الصحابة.
أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط (^١)، هذا برقم (٢٤٨٤) وأعاده بعده، وحديث (٢٧٧٩): "في أصحابي اثنا عشر منافقًا. . ." الحديث، وأعاده بعده، وحديث (٣٠٣٣): "هذان خصمان اختصموا في ربّهم. . ." الحديث.
و"عبد الله بن سلام" ذُكر أول الباب.
_________________
(١) قال في "الفتح" (١٦/ ٣٥٢): ليس له في البخاري سوى حديثين، وهو بصريّ تابعيّ ثقةٌ كبير، له إدراك. قدم المدينة في خلافة عمر، ووَهِمَ من عدّه في الصحابة. انتهى.
[ ٣٩ / ٤٨٥ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، فإن ابن عون تابعيّ رأى أنسًا - ﵁ -، فهو من الطبقة الخامسة من طبقة الأعمش، كما تقدّم تحقيق البحث عنه في ترجمته في "شرح المقدّمة".
شرح الحديث:
(عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، ووقع في رواية للبخاريّ: "عن محمد بن سيرين: حدّثني قيس بن عُباد". (قَالَ: كُنْتُ بالْمَدِينَةِ) النبويّة (فِي نَاسٍ)؛ أي: مع ناس، أو في جملة ناس، (فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي الرواية التالية: "عن محمد بن سيرين، قال: قال قيس بن عُباد: كنت في حَلْقة فيها سعد بن مالك، وابن عمر، فمرّ عبد الله بن سلام. . .". (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن سلام رحبه، (فِي وَجْهِهِ أثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ) وفي بعض النُّسخ: "وفي وجهه بعض أثر من خشوع"، (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْم)، لم يُسمّوا: (هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) مكرّرًا، وفي رواية خرشة بن الحر الآتية: "كنت جالسًا في حَلْقة في مسجد المدينة، وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام، فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا، فلما قام قال القوم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"، وفي رواية النسائيّ: "فجاء شيخ يتوكأ على عصا له"، فذكر نحوه.
ويُجْمَع بينهما بأنهما قصتان اتفقتا لرجلين، فكأنه كان في مجلس يتحدث، كما في رواية خَرَشة، فلما قام ذاهبًا مرّ على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، فحضر ذلك قيس بن عُباد، كما في روايته هنا، وكلٌّ من خَرَشة وقيس اتّبَعَ عبد الله بن سلام، ودخل عليه منزلة، وسأله، فأجابه، ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص، كما سيأتي، سواء كان زمن اجتماعهما بعبد الله بن سلام، اتحد أم تعدد، أفاده في "الفتح" (^١).
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣، كتاب "التعبير" رقم (٧٠١٠).
[ ٣٩ / ٤٨٦ ]
(فَصَلَّى) ذلك الرجل (رَكْعَتَيْنِ) لعلهما ركعتا تحيّة المسجد، (يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا)؛ أي: يأتي بأقل ما يجوز فيها، يقال: تجوّزت في الصلاة: ترخّصتُ، فأتيت بأقلّ ما يكفي (^١).
[تنبيه]: هكذا وقع في بعض النُّسخ بلفظ: "فصلى ركعتين، يتجوّز فيهما"، وهي النسخة التي شرح عليها الأبّيّ، وهي النسخة الإستانبوليّة (^٢)، والمعنى عليها واضح، ووقع في نسخة "شرح النوويّ" بلفظ: "فصلى ركعتين فيها، ثم خرج"، قال النوويّ ﵀: قوله: "فصلى ركعتين فيها، ثم خرج"، وفي بعض النسخ: "فصلى ركعتين فيهما، ثم خرج"، وفي بعضها: "فصلى ركعتين، ثم خرج"، فهذه الأخيرة ظاهرة، وأما إثبات "فيها"، أو "فيهما" فهو الموجود لمعظم رواة مسلم، وفيه نقص، وتمامه ما ثبت في البخاريّ: "ركعتين تجوّز فيهما". انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وتمامه ما ثبت في البخاري" هذا يدلّ على أن النوويّ لم تقع له النسخة التي شرح عليها الأبيّ، وتَبعْته فيها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ خَرَجَ)؛ أي: من المسجد (فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَدَخَلْتُ)؛ أي: منزلة بعد الاستئذان، ففي رواية خرشة الآتية: "قال: فاستأذنت عليه، فأذن لي"، (فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنسَ)؛ أي: انبسط، يقال: استأنستُ به، تأنّستُ به: إذا سكن إليه القلب، ولم ينفر (^٤). (قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لوقعها مقول القول، (لمَّا)؛ أي: حين (دَخَلْتَ قَبْلُ) بالبناء على الضمِّ؛ لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: قبل هذا الوقت. (قَالَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه (^٥)، وتقدّم في الرواية الماضية بلفظ: "فقال بعض القوم"، وقوله: (كَذَا وَكَذَا) كناية عما قال، وتقدّم أنهم قالوا: "هذا رجلٌ من أهل الجنّة"، وفي رواية البخاريّ: "فقلت له:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١١٥.
(٢) راجع: النسخة الإستانبولية ٧/ ١٦٠.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٢.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٢٥.
(٥) "تنبيه المعلم" ص ٤١٧.
[ ٣٩ / ٤٨٧ ]
إنهم قالوا كذا وكذا"، قال في "الفتح": وكأنه نَسب القول للجماعة، والناطقُ به واحد لِرضاهم به، وسكوتهم عليه، وفي رواية خَرَشة الآتية: "فقلت: والله لأتّبعنه، فلأعْلمنّ مكان بيته، فانطَلَق حتى كان يخرج من المدينة، ثم دخل منزلة، فاستأذنت عليه، فأذِن لي، فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ فقلت: سمعت القوم يقولون"، فذكر اللفظ الماضي، وفيه: "فأعجبني أن أكون معك"، وسقطت هذه القصة في رواية النسائيّ، وعنده: "فلما قضى صلاته قلت: زعم هؤلاء". انتهى (^١).
(قَالَ) عبد الله بن سلام تعجّبًا من قولهم هذا: (سُبْحَانَ اللهِ) اسم مصدر لسبّح، قال الفيّوميّ -﵀-: سبحان الله عَلَمٌ على التسبيح، ومعناه: تنزيه الله عن كلّ سوء، وهو منصوب على المصدر، غير متصرّف؛ لجموده. انتهى (^٢). (مَا) نافية، (يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ) قال النوويّ -﵀-: هذا إنكار من عبد الله بن سلام -﵁- حيث قطعوا له بالجنة، فَيُحْمَل على أن هؤلاء بَلَغهم خبر سعد بن أبي وقاص بأن ابن سلام من أهل الجنة، ولم يَسمَع هو، ويَحْتَمِل أنه كره الثناء عليه بذلك؛ تواضعًا، وإيثارًا للخمول، وكراهةً للشهرة. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قوله: "ما ينبغي لأحد … إلخ" هذا إنكار من عبد الله بن سلام على من قَطَع له بالجنة، فكأنه ما سمع حديث سعد، وكأنهم هم سمعوه، ويَحْتَمِل أن يكون هو أيضًا سمعه، لكنَّه كَرِه الثّناء عليه بذلك تواضعًا، ويَحْتَمِل أن يكون إنكارًا منه على من سألة عن ذلك؛ لكونه فَهِم منه التعجب من خبرهم، فأخبره بأن ذلك لا عَجَب فيه بما ذكره له من قصة المنام، وأشار بذلك القول إلى أنه لا ينبغي لأحد إنكار ما لا علم له به، إذا كان الذي أخبره به من أهل الصدق، قاله في "الفتح" (^٤).
ووقع في رواية خَرَشة: "فقال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مما قالوا ذلك؟ " فذكر المنام، وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم، ولم يُنْكِر
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣، كتاب "التعبير" رقم (٧٠١٠).
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٣.
(٣) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٢.
(٤) "الفتح" ٨/ ٥١٥، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٨١٣).
[ ٣٩ / ٤٨٨ ]
أصل الإخبار بأنه من أهل الجنة، وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع، ووقع في رواية النسائيّ: "الجنة لله يُدخلها من يشاء"، زاد ابن ماجه من هذا الوجه: "الحمد لله". انتهى (^١).
(وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟)؛ أي: لأيّ شيء قال هؤلاء ما قالوا؟ (رَأَيْتُ رُؤْيَا، عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ -ﷺ-)؛ أي: في زمانه -ﷺ-، فـ "على" بمعنى "في"، (فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ)؛ أي: أخبرته -ﷺ- بتلك الرؤيا، ثم بيّن تلك الرؤيا، فقال: (رَأَيْتُنِي)؛ أي: رأيت نفسي.
[تنبيه]: قوله: "رأيتني" هذا مما اتّحد فيه الفاعل والمفعول، وهو من خواصّ أفعال القلوب، قال الفيّوميّ -﵀ -: ورَأَيْتُنِي قائمًا يكون الفاعل هو المفعولَ، وهذا مختصّ بأفعال القلوب، على غير قياس، قالوا: ولا يجوز ذلك في غير أفعال القلوب، والمراد ما إذا كانا متصلين، مثل رَأَيْتُنِي، وعَلِمتُني، أما إذا كان غير ذلك، فإنه غير ممتنع بالاتفاق، نحو: أهلكَ الرجلُ نفسه، وظلمت نفسي. انتهى (^٢).
وقال الخضريّ -﵀ - في "حاشيته على شرح ابن عقيل" عند تعداد خواصّ أفعال القلوب، ما حاصله: وتختصّ بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كظننتني قائمًا، وخِلْتُني لي اسم، وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلْحِق بها في ذلك رأى الْحُلميّة، والبصريّة بكثرة، نحو: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي
وعَدِمَ، وفَقَدَ، ووَجَدَ بمعنى لَقِيَ بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني اتّفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل ضربت نفسي، وظلمتُ نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النَّفْس، نحو: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥]، و﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]، و﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٣٥٣، كتاب "التعبير" رقم (٧٠١٠).
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٧.
[ ٣٩ / ٤٨٩ ]
مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتّحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننتُ نفسي عالمةً، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلًا جاز في كلّ فعل، نحو: ما ضربتُ إلا إيّاي. انتهى (^١).
(فِي رَوْضَةٍ) بفتح، فسكون؛ أي: بستان، قال الفيّوميّ -﵀-: الرَّوْضَةُ: الموضع الْمُعْجِب بالزهور، يقال: نزلنا أرضًا أَرِيضَةً، قيل: سُمِّيت بذلك؛ لاستراضة المياه السائلة إليها؛ أي: لسكونها بها، وأَرَاضَ الوادي، واسْتَرَاضَ: إذا استَنقع فيه الماء، واسْتَرَاضَ: اتَّسَع، وانبسط، ومنه يقال: افعل ما دامت النفس مريضةً، وجَمْع الرَّوضة: رِياضٌ، وروْضَاتٌ بسكون الواو؛ للتخفيف، وهُذيلٌ تفتح على القياس. انتهى (^٢).
وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن يراد بالروضة: جميع ما يتعلق بالدِّين، وبالعمود: الأركان الخمسة، وبالعروة الوثقى: الإيمان. انتهى.
وفي "التوضيح": والعمود دالّ على كل ما يُعتمَد عليه؛ كالقرآن، والسنن، والفقه في الدين، ومكان العمود، وصفات المنام تدلّ على تأويل الأمر، وحقيقة التعبير، وكذلك العروة: الإسلام والتوحيد، وهي العروة الوثقى، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فأخبر النبيّ -ﷺ- بأن عبد الله بن سلام يموت على الإيمان، ولِمَا في هذه الرؤيا من شواهد ذلك حَكَم له الصحابة بالجنة بحكم النَّبيّ -ﷺ- بموته على الإسلام، وقال الداوديّ: قالوا: لأنه كان بدريًّا، وفيه القطع بأن كل من مات على الإسلام والتوحيد لله دخل الجنة، وإن نالت بعضهم عقوبات. انتهى (^٣).
(ذَكَرَ سَعَتَهَا)؛ أي: ذكر عبد الله بن سلام سعة تلك الروضة، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ "روضة". (وَعُشْبَهَا) بضمّ العين المهملة، وسكون الشين
_________________
(١) "حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة" ١/ ١٥١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٥.
(٣) "عمدة القاري" ٢٤/ ١٤٩.
[ ٣٩ / ٤٩٠ ]
المعجمة: هو الكلأ الرطب في الربيع، وعَشِبَ الموضع يَعْشَبُ، من باب تَعِبَ: نَبَت عُشْبه، وأَعْشَبَ بالألف كذلك، فهو عَاشِبٌ على تداخل اللغتين، وعَشِبَتِ الأرض، وأَعْشَبَتْ، فهي عَشِيبَةٌ، ومُعْشِبَةٌ، ومنهم من يقول: أرض عَشِبَةٌ، وعَشِيبَةٌ، ولا يقول: أَعْشَبَتْ، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
(وَخُضْرَتَهَا) بضمّ، فسكون: لون معروفٌ جَمْعه: خُضَرٌ، وخُضْرٌ، والخُضْرة في الخيل: غُبْرة تُخالطها دُهْمة، قاله المجد (^٢).
(وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ) بفتح الواو، وسكون السين المهملة، قال ابنُ الأَثِيرِ -﵀-: الوَسْط بالتَّسْكِينِ يُقالُ فيِما كانَ مُتَفَرِّقَ الأَجْزَاء، غَيْرَ مُتَّصِلٍ؛ كالنّاس، والدَّوَابِّ، وغَيْرِ ذلِكَ، فإِذا كانَ مُتَّصِلَ الأَجْزَاءِ؛ كالدّار، والرَّأْسِ، فهو بالفَتْحِ، وكُلُّ ما يَصْلُحُ فِيهِ "بَيْن"، فَهُوَ بالسُّكُونِ، وما لا يَصْلُحُ فِيهِ "بَيْن" فَهُوَ بالفَتْحِ، وقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُما يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَر، قالَ: وكَأَنَّه الأَشْبَهُ. انتهى (^٣).
وقال في "التاج": قال الشَّيْخ أَبو مُحَمَّدِ بنِ بَرِّيّ -﵀-: اعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ بالتَّحْرِيكِ: اسمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَي الشَّيْءِ، وهُوَ مِنْهُ؛ كقَوْلِكَ: قَبَضْتُ وَسَطَ الحَبْلِ، وكَسَرْتُ وَسَطَ الرُّمْحِ، وجَلَسْتُ وَسَطَ الدّار، قال: وجاءَ الوَسَطُ مُحَرَّكًا أَوْسَطُه على وِزانٍ نَقِيضِه في المَعْنَى، وهو الطَّرَفُ؛ لأَنَّ نَقِيضَ الشَّيْءِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نَظِيره في كَثِيرٍ من الأَوْزَانِ، نَحْوُ: جَوْعَان وشَبْعان، وطَوِيلٍ وقَصِير، قال: واعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ قَدْ يَأْتِي صِفَةً، وإِنْ كانَ أَصْلُه أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَوْسَطَ الشَّيْءِ أَفْضَلُه، وخِيَارُه كوَسَطُ المَرْعَى خَيْرٌ مِنْ طَرَفَيْه، وكوَسَطُ الدَّابَّة للرُّكُوبِ خَيْرٌ من طَرَفِيْهَا؛ لِتَمَكُّنِ الرّاكِب، قال: وحَقِيقَةُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ، وهو مِنْهُ، أَو هُمَا فِيمَا مُصْمَتٌ كالحَلْقَةِ مِنَ النَّاسِ، والسُّبْحَةِ، والعِقْد، فإذا كانَتْ أَجْزَاؤُه مُتبايِنةً فبالإِسْكَانِ فَقَط، أَو كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ "بَيْنَ" فهُوَ وَسْطٌ بالتَّسْكِين، وإِلَّا فبِالتَّحْرِيك، وهذا نَقَلَهُ الجَوْهَرِيّ.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤١٠.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٣٧٦.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ص ٩٧١ - ٩٧٢.
[ ٣٩ / ٤٩١ ]
قال: ورُبَّمَا سُكِّنَ ولَيْسَ بالوَجْهِ. قال ابنُ بَرِّيّ: وأَمّا الوَسْطُ بسُكُونِ السِّين فهُوَ ظَرْفٌ، لا اسْمٌ، جَاءَ على وَزانِ نَظِيرِهِ في المَعْنَى، وهُوَ بَيْنَ، تَقُولُ: جَلَسْتُ وَسْطَ القَوْم؛ أي: بَيْنَهُمْ، قال: ولَمّا كانَتْ "بَيْنَ" ظَرْفًا كانت "وَسْطَ" ظَرْفًا، ولهذَا جاءَتْ سَاكِنَةَ الأَوْسَط؛ لِتَكُونَ على وِزَانِهَا، ولَمّا كانَتْ "بَيْنَ" لا تَكُونُ بَعْضًا لِمَا يُضَافُ إِلَيْهَا بخِلافِ الوَسَطِ الَّذِي هو بَعْضُ ما يُضَافُ إِلَيْه، كَذلِكَ "وَسْط" لا تكُونُ بَعْضَ ما تُضَافُ إِلَيْه، أَلا تَرَى أَنَّ وَسَطَ الدّارِ مِنْهَا، ووَسْط القَوْمِ غَيْرهم، ومِنْ ذلِكَ قَوْلُهم: وَسَطُ رَأْسِه صُلْب؛ لأَنَّ وَسَطَ الرّأْسِ بَعْضها، وتَقُولُ: وَسْطَ رَأْسِهِ دُهْنٌ. فتَنْصِبُ وَسْطَ على الظَّرْف، ولَيْسَ هو بَعْضَ الرَّأس، فقَدْ حَصَلَ لَكَ الفَرْقُ بَيْنَهُما من جِهَةِ المَعْنَى، ومِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، أَمَّا من جِهَةِ المَعْنَى فإِنَّهَا تَلْزَمُ الظَّرْفِيَّةَ، ولَيْسَتْ باسْمٍ مُتَمَكِّنٍ يَصِحُّ رَفْعُهُ، ونَصْبُه عَلَى أَنْ يَكُونَ فاعِلًا ومَفْعُولًا، وغَيْرَ ذلِكَ، بِخلافِ الوَسَطِ.
وأَمَّا من جِهَةِ اللَّفْظِ فإِنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْه، بخِلافِ الوَسَطِ أَيْضًا.
قال المرتضى بعد أن أطال التقرير في هذا، ما نصّه: وقَدِيمًا كُنْتُ أَسْمَعُ شُيُوخَنَا يَقُولُون في الفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَلامًا شَامِلًا لِما ذَكَرُوهُ، وهو: السَّاكِنُ مُتَحَرِّكٌ، والمُتَحَرِّكُ ساكِنٌ، وما فَصَّلْناه مُدْرَجٌ تَحْتَ هذا الكامِنِ. انتهى من "التاج" باختصار (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت الضابط المذكور، فقلت:
إِذَا أَرَدتَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَسَطِ … مُحَرَّكًا وَبِسُكُونٍ فَاضْبِطِ
فِإِنْ أَتَى بِمَعْنَى"بَيْنَ" سَكِّنَا … أَو لَا فَحَرِّكَنْ تَكُونُ مُحْسِنًا
أَوْ إِنْ أَتَى مُفَرَّقَ الأَجْزَاءِ … كَالنَّاسِ سَكِّنَنْ بِلَا عَنَاءِ
وَإِنْ أَتَى مُتَّصِلًا كَالرَّأْسِ … وَالدَّارِ فَافْتَحَنْ بِدُونِ بَأْسِ
_________________
(١) "تاج العروس" ١/ ٥٠٣٤ - ٥٠٣٦.
[ ٣٩ / ٤٩٢ ]
وَقِيلَ كُل مِنْهُمَا يَقعُ فِي … مَوْقِعِ الآخَرِ (^١) وَذَا قَدِ اصْطُفِي
لِبَعْضِهِمْ فَابْنُ الأَثِيرِ قَدْ ذَكَرْ … كَأَنَّهُ الأَشْبَهُ حَقِّقِ الْخَبَرْ
(عَمُودٌ) بفتح العين: جَمْعه: أعمِدةٌ، وعُمُدٌ بضمّتين، وبفتحتين، وقوله: (مِنْ حَدِيدٍ) متعلّقٌ بصفة لـ "عمود". (أَسْفَلُهُ)؛ أي: أسفل ذلك العمود، (فِي الأَرْضِ)؛ أي: غائص فيها، (وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ)؛ أي: مرتفع إليها، وجملة "أسفله" صفة لـ "عمود" بعد صفة، أو حال منه؛ لوصفه بالجارّ والمجرور، ومثله ما بعده. (فِي أَعْلَاهُ)؛ أي: في أعلى ذلك العمود، (عُرْوَةٌ) بضمّ، فسكون، قال في "التاج": الْعُرْوة بالضمّ من الدلو، والكوز: الْمَقْبِض، وعُرْوة القميص مَدخل زِرّه؛ كالْعُرْيِ، ويُكْسَرُ. انتهى (^٢).
(فَقِيلَ لِي) لم يُعرف القائل، والله تعالى أعلم، ووقع في بعض النسخ: "فقيل له"، (ارْقَهْ) بهاء ساكنة، وهي هاء السكت، كما قال في "الخلاصة":
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلّ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَـ "عِ" أَوْ … كَ "يَعِ" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوَا
ويَحْتَمِل أن تكون الهاء ضميرًا، عائدًا على "عمود"، فتكون مضمومة، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: للذي أمرني بالرقيّ على ذلك العمود: (لَا أَسْتَطِيعُ) الرُّقيّ، (فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ) بكسر الميم، وفتحها، وسكون النون، وفتح الصاد المهملة، آخره فاء، فسّره بقوله: (قَالَ) عبد الله (بْنُ عَوْنٍ) الراوي عن محمد بن سيرين مفسّرًا للمِنصف: (وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ) وفي رواية البخاريّ: "والمِنصف الوَصِيف"، وهذا التفسير مُدرَجٌ من كلام ابن عون، كما صرّح به هنا في رواية مسلم (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: الْمِنصف بكسر الميم، وفتح الصاد، ويقال: بفتح الميم أيضًا، وقد فسّره في الحديث بالخادم، والوصيف، وهو صحيح، قالوا:
_________________
(١) بنقل حركة الهمزة إلى اللام، ودرجها، وهو لغة، لا ضرورة، فتنبّه.
(٢) "تاج العروس" ١/ ٨٤٩٤.
(٣) فما قاله في "الفتح" من أن التفسير من ابن سيرين، فيه نظر لا يخفى، فتنبّه.
[ ٣٩ / ٤٩٣ ]
هو الوصيف الصغير المُدرِك للخدمة. انتهى (^١).
وقال المجد: "المصنف كمَقْعَدٍ، ومِنْبَرٍ: الخادم، وهي بِهاء، جَمْعه: مَنَاصف". انتهى (^٢).
قال: والوَصِيف كأمير: الخادم، والخادمة، جَمْعه: وُصفَاءُ؛ كالوصيفة، جَمْعه وَصَائف. انتهى (^٣).
(فَقَالَ)؛ أي: أخذ (بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي) فرفعها حتى أتمكّن من الرقيّ، وفيه استعمال القول للفعل، وهو شائع، وقد مرّ تحقيقه غير مرّة، فلا تغفل. (وَصَفَ) عبد الله بن سلام (أَنَّهُ)؛ أي: ذلك المصنف (رَفَعَهُ)؛ أي: رفع الثوب (مِنْ خَلْفِهِ)؛ أي: خلف عبد الله، وفيه التفات، ويَحْتَمِل أن يكون فاعل "وَصَف" لابن عون، أو ابن سيرين، فعلى هذا فلا التفات. (بِيَدِهِ)؛ أي: بيد المصنف، (فَرَقِيتُ) بكسر القاف على الأفصح، ويجوز الفتح، على لغة من قال: بَقَى يبقَى، وفَنَى يفنى، وهي لغة طيّئ؛ أي: صعِدت.
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "فرقيت" بكسر القاف، على اللغة المشهورة الصحيحة، وحُكي فتحها، قال القاضي: وقد جاء بالروايتين في مسلم، والموطأ، وغيرهما في غير هذا الموضع. انتهى (^٤).
(حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُود، فَأخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ)؛ أي: استمسكت بها حتى لا أسقط، (فَقِيلَ لِيَ) لم يُعرف القائل. (اسْتَمْسِكْ، فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ، وَإِنَّهَا)؛ أي: العروة، (لَفِي يَدِي)؛ أي: أن الاستيقاظ كان في حال الأخذ من غير فاصلة، ولم يُرِدْ أنها بقيت في يده في حال يقظته، ولو حُمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله تعالى، لكن الذي يظهر خلاف ذلك، ويَحْتَمِل أن يريد: أن أثرها بقي في يده بعد الاستيقاظ، كأن يُصبح، فيرى يده مقبوضةً (^٥).
ووقع في رواية خَرَشة الآتية: "حتى أتى بي عمودًا، رأسه في السماء، وأسفله في الأرض، في أعلاه حَلْقةٌ، فقال لي: اصعَد فوق هذا، قال: قلت:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٢.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٢٨٩.
(٣) "القاموس المحيط" ص ١٤٠٢.
(٤) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٢ - ٤٣.
(٥) "الفتح" ٨/ ٥١٥، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٢٨١٣).
[ ٣٩ / ٤٩٤ ]
كيف أصعد؟ فأخذ بيدي، فزَجَل بي -وهو بزاي، وجيم؛ أي: رفعني- فإذا أنا متعلق بالحلقة، ثم ضرب العمود، فخَرّ، وبقيت متعلقًا بالحلقة، حتى أصبحت".
(فَقَصَصْتُهَا)؛ أي: هذه الرؤيا (عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ) -ﷺ-: ("تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ) وفي بعض النسخ: "تلك الروضة روضة الإسلام"، (وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى) قال السمين الحلبيّ -﵀-: العُروة: موضع شدّ الأيدي، وأصل المادّة يدل على التعلّق، ومنه عَرَوته: ألممت به متعلّقًا، واعتراه الهمّ: تعلّق به، و"الوُثقى": فُعْلى للتفضيل، تأنيث الأوثق؛ كفُضلَى تأنيث الأفضل، وجَمْعها على وُثَق، نحو كُبرى وكُبَر. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: العروة: الشيء المتعلَّق به، حبلًا كان أو غيره، ومنه عروة القميص، والدلو، وقال بعضهم: أصله من عروته: إذا ألممت به متعلقًا، واعتراه الهمُّ: تعلّق به، وقيل: من العروة: وهي شجرة تبقى على الجدب، سُمّيت بذلك؛ لأنَّ الإبل تتعلق بها إلى زمان الخصب، وتُجْمَع العروة: على عُرَى.
و"الوُثقى": الوثيقة؛ أي: القوية التي لا انقطاع فيها، ولا ضَعف، وقد أضاف العروة هنا إلى صفتها، فقال: عروة الوثقى، كما قالوا: مسجدُ الجامع، وصلاةُ الأُولى. انتهى (^٢).
وقوله: (وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنك ثابت على الإسلام (حَتَّى تَمُوتَ) غاية لثباته عليه. (قَالَ) قيس بن عُباد، وقال في "الفتح": هو من قول عبد الله بن سلام، ولا مانع من أن يُخبر بذلك، ويريد نفسه، ويَحْتَمل أن يكون من كلام الراوي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد الاحتمال الأول، فالظاهر هو الاحتمال الثاني، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" ٢/ ٥٤٨.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤١٥.
[ ٣٩ / ٤٩٥ ]
(وَالرَّجُلُ)؛ أي: الذي قال في أول الحديث: "فجاء رجل في وجهه أثر من خُشوع"؛ لأن النكرة إذا أُعيدت معرفة فهي عين الأُولى، كما قال السيوطيّ -﵀- في "عقود الجمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … "لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ" أَبَدًا
ثم ذَكَر تعقّب السبكي للقاعدة، فقال:
وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
قال الجامع عفا الله عنه متعقّبًا لكلام السبكيّ هذا:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
وللعلامة الأجهوريّ -﵀- في هذا المعنى قوله:
وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا … فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَا مِرَا
وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَّلِ … وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي
قُلْتُ وَفي "مُغْنِي اللَّبِيبِ" حَكَمَا … بِأنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلِّمَا
إِذْ قَوْلُهُ ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أَبْطَلَهْ … ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ
وَقَوْلُهُ أَيْضًا ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ … لأَنَّ رَبِّي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ
قال الجامع: فقلت أيضًا متعقّبًا على الأجهوريّ:
قُلْتُ يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ … تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ خُذْهَا فَائِدَهْ
أَو قُل إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ … فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ
فقوله: "والرجلُ" مبتدأ خبره قوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام) -﵁-، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن سلام -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٦٣٦١ و٦٣٦٢ و٦٣٦٣] (٢٤٨٤)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨١٣) و"التعبير" (٧٠١٠ و٧٠١٤)،
[ ٣٩ / ٤٩٦ ]
و(ابن ماجه) في "تعبير الرؤيا" (٣٩٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن سلام -﵁-.
٢ - (ومنها): أن فيه من تعبير الرؤيا معرفةَ اختلاف الطرق، وتأويل العمود، والجبل، والروضة الخضراء، والعروة.
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدًا، فوقع كذلك، مات على فراشه في أول خلافة معاوية -﵁- بالمدينة.
٤ - (ومنها): ما نَقَل ابن التين عن الداوديّ أن القوم إنما قالوا في عبد الله بن سلام: إنه من أهل الجنة؛ لأنه كان من أهل بدر، كذا قال، وتعقّبه الحافظ، فقال: والذي أوردته من طرق القصة يدلّ على أنهم انما أخذوا ذلك من قوله لمّا ذكر طريق الشمال: "إنك لست من أهلها"، وإنما قال: ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع، كما تقدم، وكراهة أن يُشار إليه بالأصابع؛ خشية أن يدخله العُجْب، ثم إنه ليس من أهل بدر أصلًا، والله تعالى أعلم (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَميُّ ابْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ، فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالُوا: هَذا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فَنُصِبَ فِيهَا، وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ، وَفِي أَسْفَلِهَا (^٢) مِنْصَف -وَالْمِنْصَفُ: الْوَصِيفُ- فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ، فَرَقِيتُ (^٣)، حتَّى
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٣٥٥، كتاب "التعبير" رقم (٧٠١٠).
(٢) وفي نسخة: "وفي أسلفه".
(٣) وفي نسخة: "فرقيته".
[ ٣٩ / ٤٩٧ ]
أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "يَمُوتُ عَبْدُ الله، وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) الْعَتَكيّ -بفتح العين المهملة، والمثناة- أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (حَرَميُّ بْنُ عُمَارَةَ) بن أبي حفصة نابت -بنون، وموحّدة، ثم مثناة- وقيل: كالجادّة، الْعَتَكيّ البصريّ، أبو رَوْح، صدوقٌ يَهِم [٩] (ت ٢٠١) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣١/ ١٣٩٤.
٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ البصريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، وتقدّم أنه وقع في رواية: "عن محمد بن سيرين، حدّثني قيس بن عُباد". (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ) بفتح الحاء المهملة، وسكون اللام، قال الفيّوميّ -﵀-: حَلْقَةُ الباب، بالسكون، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كله، والجمع: حَلَقٌ، بفتحتين، على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَق، بالكسر، مثل قَصْعَةٍ وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَر، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَةَ بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ، وجَمَعَ ابنُ السراج بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقٌ، ثم خففوا
[ ٣٩ / ٤٩٨ ]
الواحد حين ألحقوه الزيادة، وغُيِّر المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه. انتهى (^١). وقال المجد -﵀-: وحَلْقَةُ الباب، والقوْمِ، وقد تُفْتَحُ لامُهما، وتُكْسَرُ، أوْ ليس في الكلامِ حَلَقَةٌ محرَّكةً، إلَّا جَمْعُ حالِقٍ، أو لغةٌ ضعيفةٌ، جَمْعه: حَلَقٌ محرَّكةً، وكبِدَرٍ، وحَلَقاتٌ محرَّكةً، وتُكْسَرُ الحاءُ. انتهى (^٢).
(فِيهَا)؛ أي: في تلك الحلقة (سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) هو سعد بن أبي وقّاص -﵁-، (وَ) عبد الله (بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-. (فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام) -﵁- (فَقَالُوا)؛ أي: قال بعض الحاضرين، وتقدّم بلفظ: "فقال بعض القوم"، وبلفظ: "فقال رجل كذا وكذا". (هَذَا) إشارة إلى عبد الله بن سلام -﵁-، (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). قال قيس: (فَقُمْتُ) من المجلس (فَقُلْتُ لَهُ) وذلك بعدما ذهب إلى بيته، فاستأذنه، ثم دخل عليه: (إِنَّهُمْ)؛ أي: القوم الجالسين في الحلقة؛ أي: بعضهم، (قَالُوا: كَذَا وَكَذَا) كناية عن قولهم: هذا رجل من أهل الجنّة. (قَالَ) ابن سلام: (سُبْحَانَ الله، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاء، فَنُصِبَ فِيهَا) -بضم النون، وكسر الصاد المهملة، بعدها موحّدة- قال في "الفتح": وفي رواية المستملي، والكشميهني: "قبضت" بفتح القاف، والموحّدة، بعدها ضاد معجمة ساكنة، ثم تاء المتكلم. (وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ) ضمير المؤنّث للعمود، وهو مذكر، وكأنه أُنِّث باعتبار الدعامة، قاله في "الفتح" (^٣). (وَفِي أَسْفَلِهَا) وفي بعض النسخ: "وفي أسفله"؛ أي: أسفل العمود، (مِنْصَفٌ) تقَدم أنه بكسر الميم، وفتحها، (وَالْمِنْصَفُ: الْوَصِيفُ)؛ أي: الخادم، وتقدّم أن هذا مُدْرَج من ابن عون، وجعله في "الفتح" من ابن سيرين (فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ) بهاء السكت، أو هي ضمير للعمود، (فَرَقِيتُ) وفي بعض النُّسخ: "فرقيته"، (حتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ) وفي رواية: "فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة، فاستمسكت، فاستيقظت، وإنَّها لفي يدي"، (فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ١١٣٠ - ١١٣١.
(٣) "الفتح" ١٦/ ٣٥٣.
[ ٣٩ / ٤٩٩ ]
"يَمُوتُ عَبْدُ اللهِ) بن سلام (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه (آخِذٌ بِالْعُرْوة الْوُثْقَى")؛ أي: ثابت على الإسلام، ومن مات على الإسلام، فهو من أهل الجنّة؛ لأن الله تعالى وعده بذلك، وهو لا يخلف الميعاد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ، فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَفيهَا شَيْخٌ، حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لأَتْبَعَنَّهُ، فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِه، قَالَ: فَتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَة، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأَعْجَبَنِي أَنْ أكُونَ مَعَكَ، قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِأهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ؟ إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: فَإذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي، قَالَ: فَأخَذْتُ لآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَال، قَالَ: فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِيِنِي (^١)، فَقَالَ لِي: خُذْ هَا هُنَا، فَأَتَى بِي جَبَلًا، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ، قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي، قَالَ: حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ فِي السَّمَاء، وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ، فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ، فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أصْعَدُ هَذَا، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي، قَالَ: فَإِذَا أَنَا
_________________
(١) وفي نسخة: "عن يميني".
[ ٣٩ / ٥٠٠ ]
مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ، فَخَرَّ، قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ، حَتَّى أَصْبَحْتُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْه، فَقَالَ: "أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِين، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاء، وَلَنْ تَنَالَهُ، وَأَمَّا الْعَمُودُ، فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأمّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا (^١) حَتَّى تَمُوتَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريبًا.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ) الْفَزاريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] ووَهِم من ذَكَره في الصحابة (م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٨/ ٣٠١.
٦ - (خَرَشَةُ بْنُ الْحُرِّ) هو: خَرَشة -بفتحات، والشين معجمة- ابن الحر -بضم الحاء المهملة- الفزاريّ، كان يتيمًا في حِجْر عمر -﵁-، قال أبو داود: له صحبةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ من كبار التابعين، فيكون من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٨/ ٣٠٠.
و"عبد الله بن سلام -﵁-" ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني مروزيّ، وفيه رواية صحابي عن صحابيّ، على قول من قال بصحبة خَرَشة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
_________________
(١) وفي نسخة: "به".
[ ٣٩ / ٥٠١ ]
شرح الحديث:
(عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ)؛ أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ) تقدّم أنها بفتح اللام، وسكونها، (فِي مَسْجِدِ الْمَدِينة، قَالَ) خرشة: (وَفِيهَا)؛ أي: في تلك الحلقة (شَيْخٌ، حَسَنُ الْهَيْئَةِ)؛ أي: الصفة، قال الفيّوميّ -﵀-: الهيئة: الحالة الظاهرة، يقال: هاء يهوء، ويهيء هيئةً حسنةً: إذا صار إليها (^١). (وَهُوَ)؛ أي: ذلك الشيخ (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) -﵁- (قَالَ) خَرَشة: (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (يُحَدِّثُهُمْ)؛ أي: القوم الحاضرين في تلك الحلقة، وهذا يخالف من سبق، وقد تقدّم الجمع بحَمْل الروايتين على واقعتين، فتنبّه. (حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ) عبد الله بن سلام (قَالَ الْقَوْمُ)؛ أي: بعضهم، (مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ خبره "فلينظر". (سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا)؛ أي: عبد الله بن سلام. (قَالَ) خرشة: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لأَتْبَعَنَّهُ، فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ)؛ أي: حتى يدخل عليه، ويسأله سبب قولهم هذا. (قَالَ: فَتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ) كون خبر "كاد" مقترنًا بـ "أن" قليل، عكس "عسى"، كما قال في "الخلاصة":
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى" … نَزْرٌ و"كَادَ" الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
(ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، قَالَ) خرشة: (فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: طلبت منه الإذن في الدخول عليه، (فَأَذِنَ لِي) بكسر الذال المعجمة، (فَقَالَ) ابن سلام: (ما) استفهاميّة، (حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟، قَالَ) خرشة: (فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ)؛ أي: من أجلك، (لَمَّا قُمْتَ) من الحلقة، (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ)؛ أي: حتى أسألك عن السبب. (قَالَ) ابن سلام: (اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ) وقد سبق أنه قال: "سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم"، (وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ؟) "ممّ" هي "ما" الاستفهاميّة جُرّت بـ "من"، فحُذفت ألفها تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":
و"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ "اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى"
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٥.
[ ٣٩ / ٥٠٢ ]
(إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ) تقدَّم البحث في "بينما"، و"بينا" غير مرّة، فلا تغفل.
(إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ) لم يُعرف، ويَحْتمل أن يكون ملَكًا، أو غيره، (فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأخَذَ بيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ) ابن سلام: (فَإذَا أَنَا) "إذا" هي الفجائيّة، (بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي) قال النوويّ -﵀-: الجوادّ جَمْع جادّة، وهي الطريق الْبَيِّنة المسلوكة، والمشهور فيها جوادّ بتشديد الدال، قال القاضي عياض: وقد تُخَفَّف، قاله صاحب "العين". انتهى (^١).
(قَالَ) ابن سلام: (فَأَخَذْتُ)؛ أي: شرعت (لآخُذَ فِيهَا)؛ أي: لأسير في تلك الجوادّ، (فَقَالَ لِي) ذلك الرجل: (لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ)؛ أي: الكفرة، والمنافقين، وفي رواية النسائيّ: "فبينا أنا أمشي؛ إذ عَرَض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها". (قَالَ) ابن سلام: (فَإذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ)؛ أي: طُرُقٌ واضحة مستقيمة، والنهج: الطريق المستقيم، ونهج الأمر، وأنهج: إذا وضح، وطريق منهج، ومنهاج، ونهج؛ أي: بيّنٌ واضح، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فإذا جواد منهج" الجوادّ: جمع جادّة مشدد الدال؛ وهي: الطريق، و"منهجٌ" مرفوع على الصفة؛ أي: جوادُّ ذوات منهج؛ أي: استقامة، ووضوح، والمنهج: الطريق الواضح، وكذلك: المنهاج، والنهج، وأنهج الطريقُ؛ أي: استبان، ووضح، ونهجته أنا: أوضحته، ويقال أيضًا: نهجت الطريق: إذا سلكته. انتهى (^٣).
(عَلَى يَمِيِنِي) وفي بعض النسخ: "عن يميني"، (فَقَالَ لِي) الرجل: (خُذْ هَا هُنَا)؛ أي: اسلك هذا الطريق، (فَأَتَى بِي جَبَلًا)؛ أي: فلما أخذت في تلك الجهات، أوصلني إلى جبل (فَقَالَ لِي: اصْعَدْ) بفتح العين، أمرٌ مِن صَعِد يصعد، من باب تعب، لكن قال المجد: لم يُسمَع صَعِد الجبل ثلاثيًّا، وإنما هو صعّد بالتشديد، ونصّه: صَعِدَ في السلّم، كسَمِعَ، صُعُودًا، وصَعَّدَ في الجبل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمَع صَعِدَ فيه. انتهى (^٤).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٤.
(٢) "شرح النوويّ" ١٦/ ٤٤.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤١٤.
(٤) "القاموس المحيط" ص ٧٣٩.
[ ٣٩ / ٥٠٣ ]
لكن أثبت الفيّوميّ: صَعِد في الجبل ثلاثيًّا على قلّة، ونصّه: وصَعِدَ في السلم، والدرجة يَصْعَدُ، من باب تَعِبَ صُعُودًا، وصَعِدْتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدْتُ في الجبل، بالتثقيل: إذا عَلَوْته، وصَعِدْتُ في الجبل، من باب تَعِبَ لغة قليلة. انتهى (^١).
وقال في "التاج" بعد ذكر ما تقدّم عن المجد، ما نصّه: قلت: وقَرَأَ الحَسَنُ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾، جَعَل الصُّعُودَ في الجَبَلِ كالصُّعُودِ في السُّلَّم، وقال ابن السّكّيت: يقال: صَعِدَ في الجَبَل، وأَصْعَدَ في البلاد، وقال ابن الأَعرابيّ: صَعِدَ في الجَبَل، واستشهدَ بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقد رَجَعِ أبو زيدٍ إلى ذلك، فقال: استوْأَرَتِ الإِبِلُ: إذا نَفَرَتْ، فَصَعِدَت في الجِبَال، ذَكرَه في الهمز، وقد أَشار في "المصباح" إلى بعضٍ من ذلك. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن قوله هنا: "فقال لي: اصْعَد" فصيحٌ تشهد له الآيتان المذكورتان، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن سلام: (فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ) بفتحتين، من بابي ضرب، وقعد: سقطت، (عَلَى اسْتِي) بهمزة الوصل؛ أي: دُبُري.
[فائدة]: "الاست" أحد الأسماء التي تبدأ بهمزة الوصل، وقد بيّن الخضريّ في "حاشيته" قاعدة همزة الوصل، فقال ما حاصله: همزة الوصل لا تدخل على المضارع أصلًا، ولا الحرف، سوى "أل"، ولا ماضي الثلاثيّ، والرباعيّ، ولا اسمًا غير مصدر الخماسيّ، والسداسيّ، والأسماء العشرة -يعني: المذكورة في الأبيات الآتية- و"أل" الموصولة، فجملة الأسماء اثنا عشر (^٣)، لا غير. انتهى.
وقد أشار ابن مالك -﵀- إلى هذا في "الخلاصة"، حيث قال:
لِلْوَصْلِ هَمْزٌ سَابِقٌ لَا يَثْبُتُ … إِلَّا إِذَا ابْتُدِي بِهِ كَ "اسْتَثْبِتُوا"
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٠.
(٢) "تاج العروس" ١/ ٢٠٧٢.
(٣) أي: هي الأسماء العشرة، بزيادة "أل" الموصولة، ومصدر الخماسيّ، والسداسيّ، صارت اثني عشر.
[ ٣٩ / ٥٠٤ ]
وَهْوَ لِفِعْلٍ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى … أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِةٍ نَحْوُ "انْجَلَى"
وَالأَمْرِ وَالْمَصْدَرِ مِنْهُ وَكَذَا … أَمْرُ الثُّلَاثِي كَـ "اخْشَ" و"امْضِ" و"انْفُذَا"
وَفِي اسْم اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعْ … وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأنِيثٍ تَبِعْ
وَايْمُن هَمْزُ "أَلْ" كَذَا وَيُبْدَلُ … مَدًّا فِي الاسْتِفَهَامِ أَو يُسَهَّلُ
(قَالَ) ابن سلام: (حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ)؛ أي: محاولة الصعود، (مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي)؛ أي: ذهب الرجلُ (حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ، وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ، فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ) تقدَّم الخلاف في ضبطها بسكون اللام، أو بفتحها، (فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذا، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْعَدُ هَذا، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ) الرجل (بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي) بالزاي، والجيم؛ أي: رمى بي.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فزجل بي" يُروى بالجيم، وبالحاء المهملة، فبالجيم: معناه: رمى، يقال: لعن الله أُمًّا زَجَلتْ به، والزَّجْلُ: إرسال الحمام، والمِزْجَل: الْمِزْراق (^١)؛ لأنَّه يُرمى به، فأمَّا زحل: فمعناه تنحَّى، وتباعد، يقال: زحل عن مكانه زُحُولًا، وتزحَّل: تنحَّى، وتباعد، فهو زَحِلٌ، وزحيل، ورواية الجيم أَولى، وأوضح. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ضَبْطه بالحاء المهملة أظنّه تصحيفًا؛ لأنه لا معنى له هنا، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ) التي في أعلى العمود، (قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ)؛ أي: ليسقط، (فَخَرَّ)؛ أي: سقط ذلك العمود، (قَالَ: وَبَقِيتُ) بكسر القاف على الأفصح، كما سبق. (مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ)، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه: "ثم عُرِضَت عليّ طريقٌ عن يميني، فسلكتها، حتى إذا انتهيت إلى جبل زَلْقٍ، فأخذ بيدي، فزَجَل بي، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ، ولم أتماسك، وإذا عمود من حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي، فزجل بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسكتَ؟ قلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة". (حَتَّى أَصْبَحْتُ)؛ أي: دخلت في الصباح، واستيقظت
_________________
(١) "المزراق": الرمح القصير".
(٢) "المفهم" ٦/ ٤١٥.
[ ٣٩ / ٥٠٥ ]
من نومي. (قَالَ) ابن سلام: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ) -ﷺ-: ("أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ) من الكفرة والمنافقين الفجار. (قَالَ) -ﷺ-: (وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) من الأنبياء، والشهداء، والصالحين، (وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، وَلَنْ تَنَالَهُ)؛ أي: لن تموت شهيدًا، وإنما تموت على فراشك، وهذا، وقوله -ﷺ- الآتي: "ولن تزال متمسّكًا بها حتى تموت"، من أعلام النبوّة، ومن المعجزات الظاهرة، حيث مات عبد الله سلام على فراشه، وهو متمسّك بالإسلام (وَأَمَّا الْعَمُودُ، فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا) (^١)؛ أي: بعروة الإسلام، وفي بعض النُّسخ: "به"؛ أي: بالإسلام، (حَتَّى تَمُوتَ")؛ معناه: أنه لا يتخلّل إسلامك انحراف إلى أن تموت، وهذه منقبة عظيمة لعبد الله بن سلام -﵁-.
قال القرطبيّ -﵀-: وإخباره -ﷺ- عن عبد الله بن سلام أنه لا ينال الشهادة، وأنه لا يزال على الإسلام حتى يموت، خبران عن غيب، وقعا على نحو ما أخبر؛ فإنَّ عبد الله مات بالمدينة، ملازمًا للأحوال المستقيمة، فكان ذلك من دلائل صدق رسول الله -ﷺ-. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم تخريجه، وبقيّة مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.