قال القرطبيّ -﵀-: هؤلاء القبائل، وأسلم، وغفار، ومَن كان نحوهم، كانوا بالجاهلية خاملين، لم يكونوا من ساداتِ العرب، ولا مِن رؤسائها، كما كانت بنو تميم، وبنو مُرّة، وبنو أسدٍ، وغطفان، ألا ترى قول الأقرع بن حابس للنبيّ -ﷺ-: إنما بايعك سُرَّاق الحجيج من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة. لكن هؤلاء القبائل سبقوا للإسلام، وحَسُن بلاؤهم فيه، فشرَّفهم اللهُ تعالى به، وفضَّلهم على مَن ليس بمؤمن من سادات العرب بالإسلام، وعلى من تأخر إسلامُه بالسَّبق، كما شرَّف بلالًا، وعمّارًا، وصُهيبًا، وسلمان على صناديد قريش، وعلى أبي سفيان ومعاوية وغيرهم من المؤلَّفة قلوبُهم كما تقدَّم، فأعزَّ اللهُ بالإسلام الأذلاء، وأذلَّ به الأعزاءَ بحكمته الإلهية، وقسمته الأزلية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وعلى هذا فقولُه -ﷺ-: "مزينة، وجهينة، وغفار، وأشجع، ومن كان من بني عبد الله مواليَّ دون الناس" جَبْرٌ لهم مِنْ كَسْرهم، وتنويه بهم من خمولهم، وتفخيم لأمر الإسلام وأهلِه، وتحقير لأهل الشرك، ولمن دخل في الإسلام ولم يُخلِص فيه؛ كالأقرع بن حابس، وغيره ممن كان على مثل حاله، وهذا التَّفضيلُ، والتنويه إنما ورد جوابًا لمن احتقر هذه القبائل بعد إسلامها، وتمسَّك بفخر الجاهلية
[ ٤٠ / ٥ ]
وطغيانها، فحيث ورد تفضيل هذه القبائل مطلقًا فإنَّه محمول على أنهم أفضل من هذه القبائل المذكورين معهم، في محاورة الأقرع، وهو آخر حديث ذكرناه، فإنَّه مفسِّر لِمَا تقدَّم، ومقيِّد له. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال في "الفتح" عند قول البخاريّ: "باب ذِكر أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع" ما نصّه: هذه خمس قبائل كانت في الجاهلية في القوّة والمكانة دون بني عامر بن صعصعة، وبني تميم بن مُرّ، وغيرهما من القبائل، فلما جاء الإسلام كانوا أسرع دخولًا فيه من أولئك، فانقلب الشرف إليهم بسبب ذلك.
فأما أسلم وغفار فقد تقدم ذِكر نَسَبهما في الباب الماضي.
وأما مزينة: -فبضم الميم، وفتح الزاي، وسكون التحتانية، بعدها نون- وهو اسم امرأة عمرو بن أُدّ بن طابخة -بالموحدة، ثم المعجمة- ابن إلياس بن مضر، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أم أوس، وعثمان بني عمرو، فوَلَدُ هذين يقال لهم: بنو مزينة، والمزنيون، ومن قدماء الصحابة منهم: عبد الله بن مُغَفّل بن عبد نهم المزنيّ، وعمه خزاعيّ بن عبد نهم، وإياس بن هلال، وابنه قرة بن إياس، وهذا جدّ القاضي إياس بن معاوية بن قرة، وآخرون.
وأما جهينة: فهم بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم -بضم اللام- ابن إِلْحَاف -بالمهملة، والفاء، وزانُ إلياس- ابن قضاعة، من مشهوري الصحابة منهم: عقبة بن عامر الجهنيّ، وغيره.
واختُلف في قضاعة: فالأكثر أنهم من حِمْيَر، فيرجع نَسَبهم إلى قحطان، وقيل: هم من ولد معدّ بن عدنان.
وأما أشجع: فبالمعجمة، والجيم، وزان أحمر، وهم: بنو أشجع بن ريث -بفتح الراء، وسكون التحتانية، بعدها مثلثة- ابن غَطَفان بن سعد بن قيس، من مشهوري الصحابة منهم: نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف.
والحاصل: أن هذه القبائل الخمس من مضر، أما مزينة، وغفار، وأشجع، فبالاتفاق، وأما أسلم، وجهينة، فعلى قول، ويرجحه أن الذين ذُكروا
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
[ ٤٠ / ٦ ]
في مقابلهم، وهم تميم، وأسد، وغطفان، وهوازن، جميعهم من مضر بالاتفاق.
وكانت منازل بني أسد بن خزيمة ظاهر مكة، حتى وقع بينهم وبين خزاعة، فقَتَل فَضَالة بن عُبادة بن مُرارة الأسديّ هلالَ بن أمية الخزاعيّ، فقَتلت خُزاعة فَضَالة بصاحبها، فنشبت الحرب بينهم، فبرحت بنو أسد عن منازلهم، فحالفوا غطفان، فصار يقال للطائفتين: الحليفان: أسد، وغطفان، وتأخر من بني أسد آل جحش بن رياب، فحالفوا بني أمية، فلما أسلم آل جحش، وهاجروا احتوى أبو سفيان على دُورهم بذلك الحلف، ذكر ذلك عمر بن شَبّة في "أخبار مكة". انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو بحثٌ مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤١٧] (٢٥١٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- أَخْبَرَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "الأَنْصَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَغِفَارُ، وَأَشْجَعُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللهِ، مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَاهُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٦٠٢) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ) سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود الأربعين ومائة (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٤ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] ويقال: إنه وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، مات سنة ثلاث ومائة على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
٥ - (أَبُو أيُّوبَ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ، من كبار الصحابة،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٤٣.
[ ٤٠ / ٧ ]
شَهِد بدرًا، ونزل النبيّ -ﷺ- حين قَدِم المدينة عليه، مات غازيًا الروم سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "الأَنْصَارُ) هو اسم إسلاميّ سَمَّى به النبيّ -ﷺ- الأوس والخزرج، وحلفاءهم، كما في حديث أنس -﵁-، والأوس يُنسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج يُنسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قيلة، وهو اسم أمهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه أنساب الأزد، قاله في "الفتح" (^١).
(وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَغِفَارُ، وَأَشْجَعُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ بَني عَبْدِ اللهِ) قال القاضي عياض -﵀-: المراد ببني عبد الله هنا: بنو عبد العزَّى، من غطفان، وكذلك جاء ذِكره مِن بعد هذا، سمّاهم النبيّ -ﷺ-: بني عبد الله، فسمّتهم العرب: بني مُحَوَّلة؛ لتحويل اسم أبيهم. انتهى (^٢).
(مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ) جمع مولى، مضاف إلى ياء المتكلّم؛ أي: ناصريّ، والمختصّين بي دون سائر الناس.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "مواليّ دون الناس"؛ يعني: أنا الذي أنصرهم، وأتولّى أمورهم كلها، فلا ينبغي لهم أن يلجؤوا بشيء من أمورهم إلى أحد غيري من الناس، وهذا فسّره كما قال -ﷺ- في الحديث الآخر: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دَينًا أو ضَياعًا، فعليّ وإليَّ". انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٨٣، كتاب "مناقب الأنصار" رقم (٣٧٧٦).
(٢) "إكمال المعلم" ٧/ ٥٥٨.
(٣) "المفهم" ٦/ ٤٧٤.
[ ٤٠ / ٨ ]
وقال القاضي عياض -﵀- في "المشارق": قوله: "مواليّ دون الناس، وليس لهم مولى دون الله ورسوله"؛ أي: أوليائي المختصون بي، وهذا مثل الحديث الآخر: "من كنت مولاه فعليّ مولاه": أي: وليّه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد: ١١]: أي: لا وليَّ، ويَحْتَمِل: لا ناصر لهم، وقيل: الوليّ هنا: القائم بأمورهم الكافل لهم، وقد قيل: معناه: أن الخلق كلهم مِلك لله تعالى، ثم يوالي تعالى، ويعادي من يشاء، واختصاص تلك القبائل بولاية الله تعالى ورسوله -ﷺ- دون المسلمين: إما لأنهم لم تكن لهم حلفاء من العرب كما كان لغيرهم، أو لأنهم أسلموا أوّلًا، وفارقوا أصول قبائلهم، وعادَوهم، فوالاهم الله، وشرّفهم بذلك، وقد يكون تخصيصًا لهم وَسِمَة، كما قيلَ للأنصار: أنصار، وإن كان قد نَصَر غيرهم.
وفي رواية الجرجانيّ: "موالٍ" بغير ياء النسب، كأنه قال: أنصار الله، وأولياء الله، ورسوله -ﷺ-، والأول أظهر، والله أعلم بمراد نبيّه -ﷺ- (^١).
(وَاللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَاهُمْ")؛ أي: وليّهم، والمتكفّل بهم، وبمصالحهم، وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "مولاهم" كذا الرواية بتوحيد "مولاهم"، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، فوحَّد الضمير؛ لأنه عائد على الله تعالى، ورَفع رسوله -ﷺ- بالابتداء، وخبر مُضْمَر تقديره: والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله كذلك، وعلى هذا: فتقدير الحديث: والله مولاهم، ورسوله كذلك. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيّوب الأنصاريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٤١٧] (٢٥١٩)، و(الترمذيّ) في
_________________
(١) "مشارق الأنوار" ٢/ ٢٨٧.
(٢) "المفهم" ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
[ ٤٠ / ٩ ]
"المناقب" (٣٩٤٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤١٧) وفي "فضائل الصحابة" (٢/ ٨٨٦)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٩٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤/ ١٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل هؤلاء القبائل.
٢ - (ومنها): بيان شرف الإسلام، وعلوّ منزلته؛ لأن هؤلاء القبائل ما شُرّفوا هذا التشريف إلا من أجله، وإلا فكانوا في الجاهليّة دون الذين فضّلوا عليهم، فلما سابقوا إلى الإسلام، ونصروه أعزّهم الله تعالى به، وفضّلهم عليهم.
٣ - (ومنها): بيان أن النبيّ -ﷺ- لا يفضّل أحدًا على أحد إلا بوحي من الله -﷿-، كما تقدّم في حديث أبي هريرة -﵁-، قال -ﷺ-: "أما إني لم أقلها، ولكن قالها الله -﷿-"، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤١٨] (٢٥٢٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "قُرَيْشٌ، وَالأَنْصَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَأَشْجَعُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللهِ وَرَسُولِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله أربع وثمانون (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] وكان ربما دلّس (ت ١٦١) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، وَلي قضاء
[ ٤٠ / ١٠ ]
المدينة، وكان ثقةً، فاضلًا عابدًا [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "قُرَيْشٌ) هم ولد النضر بن كنانة، وبذلك جزم أبو عبيدة، أخرجه ابن سعد، عن أبي بكر بن الجهم، ورُوي عن هشام بن الكلبي عن أبيه: كان سُكّان مكة يزعمون أنهم قريش دون سائر بني النضر، حتى رحلوا إلى النبيّ -ﷺ-، فسألوه: مَن قريش؟ قال: "مَن وَلَد النضرُ بن كنانة"، وقيل: إن قريشًا هم وَلَد فهر بن مالك بن النضر، وهذا قول الأكثر، وبه جزم مصعب، قال: ومن لم يلده فهر فليس قرشيًّا، وعن ابن الكلبي مثله، وقيل: أول مَن نُسب إلى قريش: قُصَيّ بن كلاب، فروى ابن سعد أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى سُمِّيت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرّقها، فقال: ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن قصيًّا كان يقال له: القرشيّ، ولم يسمّ أحد قريشًا قبله، وروى ابن سعد من طريق المقداد: لمّا فرغ قُصَيّ من نفي خزاعة من الحرم، تجمعت إليه قريش، فسُمّيت يومئذ قريشًا؛ لحال تجمعها، والتقرش: التجمع، وقيل: لتلبّسهم بالتجارة، وقيل: لأن الجد الأعلى جاء في ثوب واحد متجمعًا فيه، فسمِّي قريشًا، وقيل: من التقرش، وهو أخذ الشيء أوّلًا، فأوّلًا، وقد أكثر ابن دحية من نقل الخلاف في سبب تسمية قريش قريشًا، ومن أول من تسمى به، وحَكَى الزبير بن بكار عن عمه مصعب أن أول من تسمى قريشًا: قريش بن بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة، وكان دليل بني كنانة في حروبهم، فكان يقال: قدمت عير قريش، فسُمّيت قريش به قريشًا، وأبوه صاحب بدر الموضع المعروف.
[ ٤٠ / ١١ ]
وقال المطرزيّ: سُمِّيت قريش بدابة في البحر، هي سيدة الدواب البحرية، وكذلك قريش سادة الناس، قال الشاعر [من الخفيف]:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ … رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْـ … رُكُ فِيهِ لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشَا
هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ … يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا
وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ … يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا
وقال صاحب "المحكم": قريش دابة في البحر، لا تدع دابة في البحر إلا أكلتها، فجميع الدوابّ تخافها، وأنشد البيت الأول.
قال الحافظ: والذي سمعته من أفواه أهل البحر: القِرْش -بكسر القاف، وسكون الراء- لكن البيت المذكور شاهد صحيح، فلعله من تغيير العامّة، فإن البيت الأخير من الأبيات المذكورة يدلّ على أنه من شِعر الجاهلية، ثم ظهر لي أنه مصغَّر القرش الذي بكسر القاف.
وقد أخرج البيهقيّ عن ابن عباس قال: قريش تصغير قرش، وهي دابة في البحر، لا تمرّ بشيء من غَثّ، ولا سمين إلا أكلته.
وقيل: سمّي قريشًا لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم، ويسدّها، والتقريش هو التفتيش، وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لمعرفتهم بالطِّعان، والتقريشُ: وَقْعُ الأسنة، وقيل: التقرش: التنزه عن رذائل الأمور، وقيل: هو مِن أقرشت الشجةُ إذا صدعت العظم، ولم تهشمه، وقيل: أقرش بكذا: إذا سعَى فيه، فوقع له، وقيل غير ذلك، قاله في "الفتح" (^١).
(وَالأَنْصَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَأَشْجَعُ) تقدّم الكلام في هذه القبائل، "قريش" وما عُطف عليه مبتدأ، خبره قوله: (مَوَالِيَّ)؛ أي: ناصريّ، والمختصّين بي، وهو أيضًا وليّهم وناصرهم، والمتكفّل بهم، وبمصالحهم (^٢).
فقوله: "مواليّ" -بتشديد التحتانية- إضافة إلى النبيّ -ﷺ-، وهذا هو المناسب هنا، وإن كان للمولى عدّة معان، ويروى بتخفيف التحتانية،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٥٤ - ١٥٥، كتاب "المناقب" رقم (٣٥٠٠).
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٣٨٣٣.
[ ٤٠ / ١٢ ]
والمضاف محذوف؛ أي: موالي الله تعالى ورسوله -ﷺ-، ويدل عليه قوله: (لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ") -ﷺ-؛ أي: لا ولاء لأحد عليهم إلا لله تعالى، ورسوله -ﷺ-، أو أن أشرافهم لم يَجْرِ عليهم رقّ، ولا يقال لهم: موالي لأنهم ممن بادر إلى الإسلام، ولم يُسْبَوْا، فَيُرَقُّوا لغيرهم (^١).
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "ليس لهم مولى" جملة مقرِّرة للجملة الأولى، على الطرد، والعكس، وفي تمهيد ذِكر الله لذِكر رسوله -ﷺ-، وفي تخصيص ذكر الرسول -ﷺ- إيذان بمكانته، ومنزلته عند الله تعالى، وإشعار بأن توليه إياهم بلغ مبلغًا لا يُقْدَر قدرُهُ. انتهى (^٢).
وهذه فضيلة ظاهرة لهؤلاء القبائل، والمراد من آمن منهم، والشرف يحصل للشيء إذا حصل لبعضه، قيل: إنما خُصُّوا بذلك؛ لأنهم بادروا إلى الإسلام، فلم يُسْبَوْا كما سُبي غيرهم، وهذا إذا سُلِّم يُحْمَل على الغالب، وقيل: المراد بهذا الخبر: النهي عن استرقاقهم، وأنهم لا يدخلون تحت الرقّ، وهذا بعيدٌ، قاله في "الفتح" (^٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٤١٨ و٦٤١٩] (٢٥٢٠)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٥٠٤ و٣٥١٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤٠٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩١ و٣٨٨ و٤٦٧ و٤٨١) و"فضائل الصحابة" (٢/ ٨١٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ١٧٢)، و(البزّار) في "مسنده" (٣/ ٢٢٩)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "فيض القدير على الجامع الصغير" للمناويّ ٤/ ٥١٦.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ١٢/ ٣٨٣٢.
(٣) "الفتح" ٨/ ١٦٩، كتاب "المناقب" رقم (٣٥١٢).
[ ٤٠ / ١٣ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ سَعْدٌ فِي بَعْضِ هَذَا: فِيمَا أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب الماضي.
وقوله: (قَالَ سَعْدٌ فِي بَعْضِ هَذَا: فِيمَا أَعْلَمُ) قال القاضي عياض -﵀-: كذا لسائر الرواة، وعند العذريّ: "قال شعبة"، وهو وَهَمٌ عندهم، والصواب الأول، وأن سعدًا زاد في هذه الرواية في بعض هذه الكلمات: "قريشًا"، وبعض كلمات، فقال: "فيما أعلم"، كأنه شكّ فيها، أو خالفه غيره فيها، فأخبر بما علمه. انتهى كلام القاضي -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن نسخة العذريّ هي الصواب، وأن الشاكّ هو شعبة، لا سعد؛ لِمَا يأتي في التنبيه من رواية أحمد، والطيالسيّ في "مسنديهما"، فقد صرّحا بأن شعبة هو الشاكّ، وأن الذي شكّ فيه هو كونه عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، فتأملّ بالإمعان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية شعبة عن سعد بن إبراهيم هذه ساقها أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٠٠٤١) - حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، وحجاج، قال: أنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج -فيما أعلم، شك شعبة- عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "قريش، والأنصار، وأسلم، وغفارٌ، وجهينة، ومزينة، وأشجع، مواليّ، ليس لهم مولًى دون الله ورسوله". انتهى (^٢).
وساقها أيضًا أبو داود الطيالسيّ -﵀- في "مسنده"، فقال:
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٧/ ٥٥٩.
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ٤٦٧.
[ ٤٠ / ١٤ ]
(٢٣٧٨) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبد الرحمن -قال شعبة: ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة- أن رسول الله -ﷺ- قال: "الأنصار، وقريشٌ، ومزينة، وجُهينة، وغِفَارٌ، وأسلم، وأشجع، بعضهم موالِي بعضٍ، ليس لهم مولى دون الله، ورسوله". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٢٠] (٢٥٢١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّهُ قَالَ: "أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَو جُهَيْنَةُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِى عَامِرٍ، وَالْحَلِيفَيْنِ: أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّهُ قَالَ: "أَسْلَمُ) وما عُطف عليه مبتدأ خبره قوله: "خير من تميم"، (وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ) وفي الرواية الآتية: "وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةَ"؛ يعني: بعضًا منهم، وهذا تقييد لِمَا أُطلق في هذه الرواية. (وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَو جُهَيْنَةُ) "أو" للشكّ من الراوي، (خَيْرٌ مِنْ بَني تَمِيمٍ، وَبَنِي عَامِرِ) بن صعصعة، (وَالْحَلِيفَيْنِ)؛ أي: المتحالفين، وقوله: (أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ") بالجرّ بدل تفصيل من "الحليفين"، أما بنو أسد فقد ظهر مصداق قول النبيّ -ﷺ- فيهم عقب وفاة النبيّ -ﷺ-، فارتدّ هؤلاء مع طُليحة بن خُويلد، وارتدّ الذين قبلهم، وهم بنو تميم مع سَجَاح، وقد تقدّم أن بني تميم وبني أسد كانوا أكثر عددًا، وأقوى مكانةً من مزينة، وجُهينة، وغيرهم، ولكن انقلب الشرف إلى مزينة، وجهينة، وغيرهم لإسراعهم إلى الإسلام (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "مسند الطيالسيّ" ١/ ٣١٣.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٢٨٨.
[ ٤٠ / ١٥ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٤٢٠ و٦٤٢١ و٦٤٢٢] (٢٥٢١)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٥٢٣)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٩٥٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٠ و٣٦٩ و٤٢٠ و٤٢٢ و٤٥٠ و٤٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤١١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ -يَعْني: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغِفَارُ، وَأَسْلَمُ، وَمُزَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَو قَالَ: جُهَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ مُزَيْنَةَ، خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ، وَطَيِّءٍ، وَغَطَفَانَ").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه قبله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِيَانِ ابْنَ عُلَيَّةَ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لأَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةَ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ،
[ ٤٠ / ١٦ ]
وَمُزَيْنَةَ، خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ -قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ-: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، وَهَوَازِنَ، وَتَمِيمٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) ابن كثير بن زيد بن أفلح العَبْديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرَقيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و"أيوب" هو: ابن أبي تميمة السختيانيّ، و"محمد" هو ابن سيرين.
وقوله: (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) هكذا صرّح مسلم برفعه، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "عن أبي هريرة قال: قال: أسلم، وغفار. . . إلخ"، فقال في "الفتح": كذا فيه بحذف فاعل "قال" الثاني، وهو اصطلاح لمحمد بن سيرين؛ إذا قال: "عن أبي هريرة قال: قال"، ولم يسمّ قائلًا، فالمراد به النبيّ -ﷺ-، وقد نبَّه على ذلك الخطيب، وتبعه ابن الصلاح، وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن زهير بن حرب، عن ابن علية، عن أيوب، فقال فيه: قال رسول الله -ﷺ-، وكذا أخرجه أحمد من طريق معمر، عن أيوب. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال:
[٦٤٢٣] (٢٥٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أبِيهِ؛ أَنَّ الأقرَعَ بْنَ حَابِسٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ، مِنْ أَسْلَمَ، وَغِفَارَ، وَمُزَيْنَةَ -وَأَحْسِبُ جُهَيْنَةَ، مُحَمَّدٌ الَّذِي شَكَّ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ -وَأَحْسِبُ جُهَيْنَةَ- خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٧١، كتاب "المناقب" رقم (٣٥١٦).
[ ٤٠ / ١٧ ]
وَبَنِي عَامِرٍ، وَأَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، أَخَابُوا، وَخَسِرُوا؟ "، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لأَخْيَرُ مِنْهُمْ"، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: مُحَمَّدٌ الَّذِي شَكَّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ) هو: محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب التميميّ البصريّ، نُسِب إلى جدّه، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الحيض" ١٩/ ٧٨٠.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (أَبُوهُ) نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة -بفتحتين- ابن عمرو الثقفيّ الصحابيّ الشهير، مشهور بكنيته، وقيل: اسمه مسروح -بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة إحدى، أو اثنتين وخمسين (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨١.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه ممن لُقّب بصيغة الكنية، فأبو بكرة لَقَبه، لُقّب به لكونه تدلّى إلى النبيّ -ﷺ- من حصن الطائف ببكرة البئر، فأسلم، فأعتقه.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) هو محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبيّ البصريّ، من بني تميم، نُسب لجدّه، وفي الرواية التالية: "قال شعبة: حدّثني سيّد بني تميم محمد بن أبي يعقوب"، وقال في "الفتح" بعد نقله: وهو ثقة عند الجميع (^١)، قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبيهِ) نُفيع بن الحارث -﵁-؛ (أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) بحاء مهملة، وموحّدة مكسورة، وبعدها سين مهملة، (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعَكَ) بالباء الموحدة، وبعد
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٧١، كتاب "المناقب" رقم (٣٥١٦).
[ ٤٠ / ١٨ ]
الألف ياء آخر الحروف، ويُرْوَى: "تابعك" بالتاء المثناة من فوقُ، وبعد الألف باء موحّدة (^١). (سُرَّاقُ الْحَجِيجِ) جمع سارق، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
يعني: أن الذين تابعوك، ودخلوا في دينك من أسافلة القوم، يسرقون أمتعة الحجّاج، يريد بذلك الاستخفاف بهذه القبائل التي أسلمت، ويتعاظم بقبيلته التي لم تُسْلم، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ [الأحقاف: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
وقوله: (مِنْ أَسْلَمَ) وما عُطف عليه بيان لـ "سُرّاق الحجيج". (وَغِفَارَ، وَمُزَيْنَةَ) وقوله: (وَأَحْسِبُ جُهَيْنَةَ، مُحَمَّدٌ الَّذِي شَكَّ) هذا من كلام شعبة؛ يعني: أن محمد بن أبي يعقوب شكّ في زيادة: "وجهينة"، قال في "الفتح": وقد ظهر من الرواية التي قبلها (^٢) أن لا أثر لشكّه، وأن ذلك ثابتٌ في الخبر (^٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَرَأَيْتَ) بمعنى "أخبرني"، والخطاب للأقرع بن حابس، (إِنْ كَانَ أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ) وقوله: (وَأَحْسِبُ جُهَيْنَةَ) هذا أيضًا من كلام شعبة في شكّ شيخه ابن أبي يعقوب في "جهينة"، وقوله: (خَيْرًا) خبر "كان"، وقوله: (مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) وما عُطف عليه متعلّق بـ "خيرًا"، وتَمِيمٍ هو: ابن مُرّ -بضم الميم، وتشديد الراء- ابن أُدّ -بضم الهمزة، وتشديد الدال- ابن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عبدنان، وفيهم بطون كثيرة جدًّا (^٤).
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٣.
(٢) أي: عند البخاريّ من رواية الثوريّ، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، فأثبتها من غير شكّ.
(٣) "الفتح" ٨/ ١٧١، كتاب "المناقب" رقم (٣٥١٦).
(٤) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٢.
[ ٤٠ / ١٩ ]
(وَبَنِي عَامِرٍ) بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة -بفتح الخاء المعجمة، والصاد المهملة، والفاء- ابن قيس عيلان، وقال ابن دُريد: هوازن ضربٌ من الطير، وفيه بطون كثيرة، وأفخاذ (^١).
(وَأَسَدٍ) هو ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر، وكانوا أعدادًا كثيرًا، وارتدّوا بعد وفاة النبيّ -ﷺ- مع طُليحة بن خُويلد، وارتدّ بنو تميم أيضًا مع سَجَاح التي ادّعت النبوة (^٢).
(وَغَطَفَانَ) -بفتح الغين المعجمة، والطاء المهملة، وتخفيف الفاء- وهو ابن سعد بن قيس غَيلان بن مضر، وكان اسم عبد الله بن غطفان في الجاهلية: عبد العزى، فغيّره النبيّ -ﷺ-: عبد الله، وبنوه يُعرفون ببني الْمُحَوَّلة (^٣).
(أَخَابُوا، وَخَسِرُوا؟ "، فَقَالَ: نَعَمْ)؛ أي: قال الأقرع: نعم خابوا، وخسروا.
قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "أخابوا وخسروا؟ قال: نعم"؛ هذا يدلّ على أنه -ﷺ- أراد كفار هذه القبائل، لا مسلميها؛ لأن الخيبة والخسران المطلق لا يكون إلا لأهل الكفر، ويدلّ عليه: مَدْح المسلمين من بني تميم في الحديث الآتي بعد هذا، والله تعالى أعلم. انتهى (^٤).
(قَالَ) -ﷺ-: ("فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ)؛ أي: إن أسلم وغفار ومزينة وجهينة (لأَخْيَرُ مِنْهُمْ")؛ أي: من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان (^٥)، قال الحافظ: والمراد خيريّة المجموع على المجموع، وإن جاز أن يكون في المفضولين فردٌ أفضل من الأفضلين. انتهى (^٦).
[تنبيه]: قوله: "لَأَخْير منهم" قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النسخ: "لَأَخْير"، وهي لغة قليلة، تكررت في الأحاديث، وأهل العربية ينكرونها، ويقولون: الصواب: خير، وشرّ، ولا يقال: أخْيَر، ولا أشرّ، ولا
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٣.
(٢) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٢.
(٣) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٢.
(٤) "المفهم" ٦/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٥) "عمدة القاري" ١٦/ ٨٣.
(٦) "الفتح" ١٥/ ٢٦٩، كتاب "الأيمان والنذور" رقم (٦٦٣٥).
[ ٤٠ / ٢٠ ]
يُقبل إنكارهم فهي لغة قليلة الاستعمال. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد ثبت كذلك في رواية الترمذيّ بلفظ: "لخير"، وقد أشار ابن مالك في "الكافية" إلى اللغة المشهورة في "خير"، و"شرّ"، فقال:
وَغَالِبًا أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وشَرّْ … عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّْ
وإنما كانوا خيرًا منهم؛ لأنهم سبقوهم إلى الإسلام، والمراد: الأكثر الأغلب (^٢).
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: مُحَمَّدٌ الَّذِي شَكَّ)؛ يعني: أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة لم يذكر قول شعبة: "محمد الذي شكّ"، وإنما ذكره محمد بن المثنّى، وابن بشار، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بكرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٤٢٣ و٦٤٢٤ و٦٤٢٥ و٦٤٢٦ و٦٤٢٧] (٢٥٢٢)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٥١٥ و٣٥١٦) و"الأيمان والنذور" (٦٦٣٥)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٩٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤١١)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٦ و٤١ و٤٨ و٥٠ و٥١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال:
[٦٤٢٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ الضَّبِّيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، قَالَ: "وَجُهَيْنَةُ"، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْسِبُ).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٦/ ٧٦.
(٢) "الفتح" ٨/ ١٧١، كتاب "المناقب" رقم (٣٥١٦).
[ ٤٠ / ٢١ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان البغداديّ، أبو موسى الْحَمّال البزاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ -بفتح المثناة، وتثقيل النون المضمومة- أبو سهل البصريّ، ثقةٌ (^١) ثبتٌ في شعبة [٩] (٢٠٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (الضَّبِّيُّ) قال القاضي عياض: كذا وقع هنا، وضبة لا تجتمع في بني تميم، إنما ضبة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وفي قريش أيضًا ضبة بن الحارث بن فِهْر، قال: وقد نسبه البخاريّ في "التاريخ" كما وقع في مسلم.
قال النوويّ: وفي هذيل أيضًا ضبة بن عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، فيجوز أن يكون ضبيًّا بالحلف، أو مجازًا؛ لمقاربته، فإن تميمًا تجتمع هي وضبية قريبًا. انتهى (^٢).
وقوله: (قَالَ: "وَجُهَيْنَةُ"، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْسِبُ) فاعل "قال"، و"يقل" ضمير عبد الصمد بن عبد الوارث.
[تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن شعبة هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٧٢٩٠) - أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبو بشر، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة، يحدّث عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أسلم، وغِفار، وجُهينة، ومُزينة، خير من بني تميم، وأسد، وغَطَفان، وبني عامر بن صعصعة"، قال شعبة: وحدّثني سيد بني تميم محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبيّ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: وقال رسول الله -ﷺ-: "أرأيتم إن
_________________
(١) هذا أَولى من قول "التقريب": صدوق، راجع ترجمته في: "تهذيب التهذيب".
(٢) "إكمال المعلم" ٧/ ٥٦١، و"شرح النوويّ" ١٦/ ٧٦ - ٧٧.
[ ٤٠ / ٢٢ ]
كانت أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، خيرًا من بني تميم، وبني عامر بن صعصعة، وأسد، وغطفان، أخابوا، وخسروا؟ " قالوا: نعم، قال: "فوالذي نفسي بيده إنهم خير منهم". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَمِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَالْحَلِيفَيْنِ: بَني أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) -بفتح الجيم، وسكون الهاء، بعدها معجمة مفتوحة- البصريّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوه) عليّ بن نصر بن علي الجهضميّ البصريّ، ثقةٌ من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٣ - (أَبُو بِشْرِ) (^٢) بن أبي وَحْشيّة -بفتح الواو، وسكون المهملة، وكسر المعجمة، وتثقيل التحتانية- جعفر بن إياس، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم، وفي مجاهد [٥] (ت ٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَمِنْ بَني عَامِرٍ)؛ أي: ابن صعصعة.
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١٦/ ٢٧٩.
(٢) كتب الشيخ الهرري حفظه الله تعالى هنا ترجمة بيان بن بشر، بدل جعفر بن إياس، والذي يظهر لي أنه جعفر بن إياس؛ لأنه واسطيّ بصريّ، من بلد شعبة، وممن لازمه، فإطلاقه بكنيته ينصرف إليه، وأما بيان فكوفيّ، وأيضًا مما يؤيّد ذلك أن صاحب "تهذيب الكمال" رمز لرواية شعبة عن جعفر برمز مسلم، ولرواية شعبة عن بيان برمز البخاريّ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
[ ٤٠ / ٢٣ ]
وقوله: (وَالْحَلِيفَيْنِ) بالحاء؛ أي: المتعاقدين، والمتعاهدين الحلف في الجاهليّة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٢٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لعبد الصمد، وشبابة بن سوّار.
[تنبيه]: لم أجد من ساق روايتَيْ عبد الصمد، وشبابة عن شعبة، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ -وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ جُهَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ، خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ؟ "، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ خَابُوا، وَخَسِرُوا، قَالَ: "فَإِنَّهُمْ خَيْرٌ"، وَفي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ جُهَيْنَةُ، وَمُزَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَغِفَارُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله سبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
[ ٤٠ / ٢٤ ]
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ، الكوفيّ، ويقال له: الفَرَسي نسبة إلى فرس له سابقٍ، كان يقال له: القبطيّ -بكسر القاف، وسكون الموحدة- وربما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقةٌ فصيح، عالمٌ، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٤] (ت ١٣٦) وله مائة وثلاث سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
والباقون ذُكروا في الباب، و"سفيان" هو: ابن سعيد الثوريّ.
وقوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ جُهَيْنَةُ. . . إلخ)؛ أي: أخبروني، والخطاب للأقرع بن حابس ومن معه.
وقوله: (وَبَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ) كان اسم عبد الله بن غطفان في الجاهلية عبد العزى فغيّره النبيّ -ﷺ- إلى عبد الله، وبنوه يُعرفون ببني المحوَّلة (^١).
وقوله: (وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ)؛ أي: رفع النبيّ -ﷺ- بهذه المقالة صوته؛ مبالغة في إشهارها، وإظهارها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.