وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١١] (٣٠٢٧) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إِلَّا أَرْيَعُ سِنِينَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، من صغار [١٠]، تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) أبو محمد المصريّ الحافظ [٩]، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ [٧]، تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ [٦]، تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٥ - (عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الهذليّ، أبو عبد الله الكوفيّ [٤]، تقدم في "المساجد مواضع الصلاة" ٢٧/ ١٣٦١.
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ٤٥ / ٤٢٧ ]
٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ ابن أخي عبد الله بن مسعود، من كبار [٢]، تقدم في "الطلاق" ٨/ ٣٧٢١.
٧ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله -﵁-، تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
شرح الحديث:
(عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عتبة بن مسعود، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، (أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ) -﵁- (قَالَ: مَا) نافية، (كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ) قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، تقول: عاتبته معاتبة، قال الشاعر [من الطويل]:
أُعَاتِبُ ذَا الْمَوَدَّةِ مِنْ صَدِيقٍ … إِذَا مَا رَابَنِي مِنْهُ اجْتِنَابُ
إِذَا ذَهَبَ الْعِتَابُ فَلَيْسَ وُدٌّ … ويَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ
(﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾) ألم يَحِنْ، قال الشاعر [من الطويل]:
أَلَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أَنْ أَتْرُكَ الْجَهْلَا … وَأَنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ الْمُنِيرُ لَنَا عَقْلَا
وماضيه: أَنَى يَأْنِي، فأمَّا آنَ الممدود فمضارعه يَئِين، وأنشد ابن السكيت [من الطويل]:
أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تَجَلَّى عَمَايَتِي … وَأَفْصِمُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا
فجمع بين اللغتين.
وقرأ الحسن: "ألما يأن" وأصلها "ألم" زيدت "ما"، فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا، و"لم" نفي لقوله: كان كذا (^١).
(﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ﴾)؛ أي: تذلّ، وتلين (﴿قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾) وتعظيمه، وقيل: معناه تجزع من خشية الله، وقيل: الذكر هنا القرآن، وفيه بُعْد؛ لأن قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ وهو القرآن، فيكون تكرارًا.
وقوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: رأوا الموت بعيدًا؛ يعني: أنهم لطول أملهم لا يرون الموت يقع بهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: جَفَت، وغلُظت، فلم يفهموا دلالةً، ولا صدّقوا رسالة. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
_________________
(١) "تفسير القرطبي" ١٧/ ٢٤٨.
[ ٤٥ / ٤٢٨ ]
﴿فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ أي: خارجون عن مقتضى العقل من التوحيد، وعن مقتضى الرسالة من التصديق، وفائدة هذه الآية أنه لمّا رسخ الإيمان في قلوبهم أرشدهم إلى الازدياد في أحوالهم، والمراقبة في أعمالهم، وحذّرهم عن جفوة أهل الكتاب بأبلغ خطاب، وألطف عتاب (^١).
(إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ) قال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀- في "تفسيره": رُوي أن المزاح والضحك كَثُر في أصحاب النبيّ -ﷺ- لَمّا ترفهوا بالمدينة، فنزلت الآية، ولمّا نزلت هذه الآية قال -ﷺ-: "إن الله يستبطئكم بالخشوع"، فقالوا عند ذلك: خشعنا.
وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن.
وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة.
وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة، فنزلت: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف: ١] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية [يوسف: ٣]، فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره، وأنفع لهم، فكَفُّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان.
قال السديّ وغيره: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالظاهر، وأسرُّوا الكفر، ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقيل: نزلت في المؤمنين، قال سعد: قيل: يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا، فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، فقالوا بعد مدة: لو ذكّرتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. ونحوه عن ابن مسعود، قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض، ويقول: ما أحْدَثْنا؟ قال الحسن: استبطأهم، وهم أحب خلقه إليه.
وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد -ﷺ-؛ لأنه قال
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
[ ٤٥ / ٤٢٩ ]
عقيب هذا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى -﵇- إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيّهم، فقست قلوبهم (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٥١١] (٣٠٢٧)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٦/ ٤٨١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ١٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان ذمّ قسوة القلب؛ لأن القلب القاسي أبعد من الله -﷾-، كما قال:
وَإِنَّ أَبْعَدَ قُلُوبِ النَّاسِ … مِنْ رَبِّنَا الرَّحِيمِ قَلْبٌ قَاسِ
٣ - (ومنها): بيان أَن رقّة القلب، وخشوعه من صفات المؤمنين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ عتابًا وتوبيخًا؛ لإخلالهم، وبُعدهم عن مقتضى إيمانهم، ففيه أن الذمّ جاءهم ببُعدهم عن صفاتهم التي تليق بهم، والله تعالى أعلم.