وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٣] (٣٠٢٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ -وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي، فَابْغِينَا شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لَهُنَّ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، أبو محمد الكوفيّ [٥]، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٢ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة [٤]، تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) وقع تصريح الأعمش بالسماع من أبي سفيان، قال الحافظ أبو بكر البزار: حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا عليّ بن سعيد، حدّثنا الأعمش، حدّثني أبو سفيان، عن جابر، قال: كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية. . . الحديث، صرّح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه، إنما هو صحيفة، حكاه البزار، نقله ابن كثير (^١).
(عَنْ جَابِرٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) برفع "ابنُ"؛ لأنه
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٨٩.
[ ٤٥ / ٤٣٤ ]
صفة لـ"عبدُ الله"، لا لأبيّ، وأبيّ والد عبد الله، وسَلُول أمه، ولذا مُنعت من الصرف؛ للعلَميّة والتأنيث المعنويّ، ومن القاعدة أن همزة "ابن" الثاني تُكتب مع وقوعها بين علمين كالأُولى؛ لأن شرط حذفها كون العَلَم الثاني أبًا للأول، كـ"أبيّ"، وقد تقدّم تحقيق هذا في غير موضع، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق.
(يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ) سيأتي في الرواية الثانية، أنهما أمتان له، يُقَالُ لإحداهما: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَال لَهَا: أُمَيْمَةُ، وفي بعض الروايات سميت معاذة، فقد أخرج ابن أبي حاتم، عن السّدّيّ، قال: كان لعبد الله بن أبي جارية تدعى معاذة، فكان إذا نزل به ضيف، أرسلها إليه؛ ليواقعها؛ إرادة الثواب منه، والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر، فشكت ذلك إليه، فذكره أبو بكر للنبيّ -ﷺ-، فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أُبَيّ: من يعذرنا من محمد، يغلبنا على مماليكنا، فنزلت الآية.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الزهريّ أن رجلًا من قريش أُسر يوم بدر، وكان عند عبد الله بن أبيّ أسيرًا، وكانت لعبد الله بن أبيّ جارية، يقال لها: معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبيّ يُكرهها على ذلك، ويضربها، رجاء أن تحمل للقرشيّ، فيطلب فداء ولده، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (^١).
(اذْهَبِي، فَابْغِينَا) بقطع الهمزة، ووصلها، يقال: أبغاه الشيءَ: طلبه له، وكَبَغَاه إيّاه، كَرَماه، أو أعانه على طلبه، قاله المجد -﵀- (^٢)، فتبيّن بهذا أن بَغَى ثلاثيًّا، وأبغى رباعيًّا يتعديان إلى اثنين، فـ "نا" هو المفعول الأول، والمفعول الثاني قوله: (شَيْئًا)؛ أي: من أجرة الزنا. (فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لَهُنَّ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).
قال الإمام ابن جرير -﵁- في "تفسيره": يقول تعالى ذِكره: زوّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم، ولا تُكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنى، إن
_________________
(١) راجع: "الدر المنثور" ٦/ ١٩٣.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٢٠.
[ ٤٥ / ٤٣٥ ]
أردن تحصنًا، يقول: إن أردن تعففًا عن الزنى؛ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنى عرض الحياة، وذلك ما تَعْرِض لهم إليه الحاجة من رياشها، وزينتها، وأموالها، ومن يُكرههن، يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك لهم غفور رحيم، ووزر ما كان من ذلك عليهم دونهن.
وذكر أن هذه الآية أُنزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول حين أكره أمته مُسيكة على الزنى. انتهى (^١).
وقال ابن كثير -﵀-: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة، يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف، والخلف، في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يُكرههنّ على البغاء؛ طلبًا لِخَراجهنّ، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم. انتهى (^٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀-: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مُكرِهًا، ويمكن أن ينهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد: لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنى، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وإلى هذا المعنى أشار ابن العربيّ، فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصّلوه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين، فقال بعضهم: قوله: "إن أردن تحصنًا" راجع إلى الأيامى، قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنًا. وقال بعضهم: هذا الشرط في قول: "إن أردن" مُلْغًى، ونحو ذلك مما يضعف، والله الموفق.
_________________
(١) "تفسير الطبريّ" ١٨/ ١٣٢.
(٢) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٨٩.
[ ٤٥ / ٤٣٦ ]
وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها، والولد يسترقّ، فيباع. وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾؛ أي: يقهرهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ "لهن" ﴿رَحِيمٌ﴾ بهن، وقرأ ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن جبير: "لهن غفور" بزيادة لهنّ. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "لهن غفور رحيم" هكذا وقع في النسخ كلها: "لهن غفور رحيم" وهذا تفسير، ولم يُرَد به أن لفظة "لهنّ" منزلة، فإنه لم يقرأ بها أحد، وإنما هي تفسير، وبيان، يريد أن المغفرة والرحمة لهنّ؛ لكونهنّ مكرهات، لا لمن أكرههنّ.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فخرج على الغالب؛ إذ الإكراه إنما هو لمريدة التحصن، أما غيرها فهي تسارع إلى البغاء من غير حاجة إلى الإكراه، والمقصود أن الإكراه على الزنى حرام، سواء أردن تحصنًا أم لا، وصورة الإكراه مع أنها لا تريد التحصن أن تكون هي مريدة الزنى بإنسان، فيُكرهها على الزنى بغيره، وكله حرام. انتهى (^٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٧٥١٣ و٧٥١٤] (٣٠٢٩)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٣١١)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤١٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٣١)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٩/ ٣٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٩٩)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (١٨/ ١٣٢)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٢٢٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ١٢/ ٢٥٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٨/ ١٦٣.
[ ٤٥ / ٤٣٧ ]
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان تحريم الزنا، على جميع الناس حُرّهم، وعبدهم.
٣ - (ومنها): بيان أن الإكراه بالزنا يُسقط الحدّ والإثم، وإنما يتحمّل الإثم المكرِه بكسر الراء.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه عبد الله بن أُبيّ من النفاق، وحبّه للفجور، حيث كان يُكره المسلمة العفيفة عليه، وهذا من جراءته، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ جَارَيةً لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَيْمَةُ، فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حُسين البصريّ [١٠]، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله الواسطيّ [٧]، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَيْمَةُ) بتصغير الاسمين، وقال النوويّ: أما مُسيكة فبضم الميم، وقيل: إنهما معاذة وزينب، وقيل: نزلت في ستّ جَوَارٍ له، كان يُكرههنّ على الزنى: مُعاذة، ومُسيكة، وأُميمة، وعمرة، وأَرْوَى، وقُتيلة، والله تعالى أعلم (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٨/ ١٦٣.
[ ٤٥ / ٤٣٨ ]