رُوِيَ عن رسول الله -ﷺ- قال: "إني لا أخاف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيُقْمِعُه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم كلَّ منافق الجَنان، عالم اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون" تعددت روايته.
في هذا الحديث الشريف تصوير أدبي بليغ للنماذج البشرية في ثلاث صور بليغة؛ فأما الصورة الأولى: فلا يخاف منها النبي -ﷺ- على أمته من بعده وهي التعبير البلاغي عن المؤمن فقال: "فأما المؤمن فيمنعه إيمانه"، ليكون له حارسًا أمينًا وصادقًا على اللسان والقلب، في النية والقول والعمل، فلا يقول ما لا يفعل، ولا يظهر ما لا يخفي، ولا يتلون بألوان مختلفة، بل يخلص القلب واللسان والعمل لله وحده، فيعبر عنه بصدق وأمانة وإخلاص، لا يأتي هؤلاء بوجه، ولا هؤلاء بوجه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وأما الصورة الثانية: التي لا
[ ٢٩ ]
يخاف النبي -ﷺ- على أمته منها، فهي التعبير البلاغي عن المشرك فقال: "وأما المشرك فيُقْمُعُه الله بشركه" لأن الله تعالى يتولى أمره؛ فيحاربه وينصر المسلمين عليه، ويخزيه فلا يستطيع أن يخدع المؤمن، لأن المؤمن يكون دائمًا على حذر منه، فلا يتمكن منه أبدًا في جميع الأحوال، لذلك قيل: عليك أن تخشى العدو مرة والصديق ألف مرة، وأما الصورة الثالثة التي يخاف النبي -ﷺ- على أمته منها: فهي التعبير البلاغي عن منافق القلب عالم اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون؛ فهو عذب اللسان، ناصع الفكرة، قوي الحجة، يقلب الحقائق، ويلفقُ الباطل، ويجعله في صورة الحق، ويُزِّور المسلمات، ويخلع عليها لباسًا غير لباسها الحقيقي، في أسلوب هادئ، يضفي على صاحبه ثوب الوقار والحكمة، في حديث عذب ولسان رطب، يعبر عن تجربة حياة، يفتلها من خبرة محنك بالدواهي والأحاييل، وذلك في أسلوب عصري، ممزوج بما يتفتح له العقل، وتقبل عليه النفس من مغريات الحياة، ومقتضيات الإنسان في مجتمعه الجديد، فهو يملك زمام الحيل، يرد بها كل اتهام، يسخر لها شباك الدُّهاة، ليصطاد بها صيده، ثم يصل به الزيف والضلال إلى أن يجعل الله تعالى شاهدًا على قوله، فيقول المنافق في ختام حديثه: الله يعلم أني صادق فيما أقول، أو أن الله شاهد على ما أقول، وغيرها من عبارات الافتراء والتلفيق، ولقد عبر الحديث الشريف عن التصوير القرآني لهذا النموذج البشري الخطير، يقول ﷾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ فإذا حقق مراده أفسد في الأرض بإيقاع العداوة بين الناس، فتنعدم الثقة، وتنتشر البغضاء، فيحاول تدمير المجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ
[ ٣٠ ]
اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ لذلك ورد في حديث آخر رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ يصور خصومته: "أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم" وعن أبي الدرداء فيما رواه ابن حنبل، قال النبي -ﷺ: "كفى بك إثمًا ألا تزال مماريًا، وكفى له ظلمًا ألا تزال مخاصمًا، وكفى بك كذبًا ألا تزال محدثًا إلا حديثًا في ذات الله ﷿"، وأحيانًا في المجتمع الذي تصدع بظاهرة النفاق، يلمع هذا النموذج البشري الخطير، فتتسلط عليه الأضواء زيادة في التعمية، ويتصدى لدعوة الإصلاح والتقويم، ويتصدر المجالس والاجتماعات، يدير الحوار الخادع، لا يبتغي من وراء ذلك إلا الشهرة وذيوع الصيت، ليصل إلى أغراضه من أقرب طريق، وفي أسرع وقت، وهؤلاء صورهم القرآن في أصح صورة، ليفضح أمرهم فتبور تجارتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ .
في هذه الأحاديث الشريفة التي عبرت عن المنافق الخطير كما ورد في القرآن الكريم، فحددت صفاته وأبزرت معالمه، لكنه مع ذلك لا يخفى على المؤمن؛ فيستعين على فضح أمره ببصيرته النافذة وذكائه وفطنته، كما قال الرسول -ﷺ: "المؤمن كيس فطن" فيفطن إلى تزييفه وتلفيقه
[ ٣١ ]
فيقرعه الحجة بالحجة، ويأخذ بيديه إلى الحق والحقيقة من أقرب طريق، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ .
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- تحذير النبي -ﷺ- لأمته من المنافقين، فهم أخطر النماذج البشرية من الفاسقين والمشركين وأعداء الإسلام، لذلك توعدهم الله ﷿ بأشد أنواع العذاب: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ .
٢- لا يخشى على المسلم من المؤمنين لأن المؤمن لا يؤذي أحدًا، ولأن إيمانه يمنعه من ذلك، فهو أمين يتقي الله ويخشاه، ويخاف عذابه "لا إيمان لمن لا أمانة له"، "لا يؤمن أحد حتى يأمن جاره بوائقه".
٣- كما أنه -ﷺ- لا يخشى على المسلمين من المشركين بالله ﷿؛ لأن الله ﷾ تكفل بخزيهم وقمعهم؛ إنما يمهلهم ليأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولن يفلتوا من عذابه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
٤- حدد النبي -ﷺ- صفات المنافقين حتى يحذرهم المسلمون، ووضح علامات النفاق ليفطنوا إليها، فيحذروهم، من هذه العلامات أن المنافق يظهر ما لا يخفيه، فتختلف أقواله وأفعاله عما يسره في قلبه، متخذًا في ذلك بيانًا خلابًا في بلاغة القول، وفنون الأحاديث وأساليب الخداع والدهاء؛ فيخدعهم بما يعرفون؛ لكنه يفعل ما ينكرون.
٥- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
[ ٣٢ ]