٥ - أَخْبَرْنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عَمرو (١) بنُ يَحْيى بنِ عُمَارة (٢) بنِ أَبِي حَسَنٍ المازِنيُّ (٣)، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى (٤) أنَّه سَمِعَ (٥) جدَّهُ أبا حَسَن (٦) يَسألُ (٧)
_________________
(١) بفتح العين، وثَّقه النّسائي وأبو حاتم، قاله السيوطي.
(٢) بضم العين وخفَّة الميم.
(٣) بكسر الزاي من بنى مازن، صفة لعمرو.
(٤) وثَّقه النسائي، قاله السيوطي.
(٥) قوله: سمع، وقع في رواية يحيى الأندلسي، عن مالك أنه - أي: يحيى بن عمارة - قال لعبد الله بن زيد، فنسب السؤال إليه وهو على المجاز.
(٦) قوله: جدَّه أبا حسن، قيل: اسمه كنيته، لا اسم له غير ذلك، وقيل اسمه تميم بن عبد عمرو، وهو جد يحيى بن عمارة والد عمرو بن يحيى شيخ مالك، مدني له صحبة، يقال: إنه ممَّن شهد العقبة وبدرًا، كذا في "الاستيعاب في أحوال الأصحاب" لابن عبد البر (الاستيعاب ٧/٤٣) .
(٧) قوله: يسألإلخ، كذا ساقه سحنون في "المدوَّنة"، ولأبي مصعب وأكثر رواة الموطأ أن رجلًا قال لعبد الله، ولمعن بن عيسى، عن عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع أبا حسن وهو جدّ عمرو بن يحيى، وعند البخاري من طريق وهيب، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد، وعنده أيضًا من طريق سليمان بن (كذا في الأصل والصواب "عن") عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: كان عمرو يكثر الوضوء، فقال لعبد الله، وفي المستخرج لأبي نعيم من طريق =
[ ١ / ١٧٧ ]
عبدَ اللَّهِ بنَ زَيْد بْنِ عَاصِمٍ (١) وَكَانَ (٢) مِنْ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ قال: هل تستطيعُ (٣)
_________________
(١) = الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن. قال الحافظ ابن حجر: الذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى، فسألوه عن صفة الوضوء وتولّى السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، فحيث نُسب إليه السؤال كان على الحقيقة، وحيث نُسب إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه أكبر، وحيث نُسب ليحيى، فعلى المجاز أيضًا، كذا في "تنوير الحوالك" (١/٣٩، ٤٠ وفي "أوجز المسالك" ١/١٨٩: والأوجه عندي أن يرجع الضمير إلى جد عمرو المذكور، إذ كون عبد الله بن زيد من الصحابة ظاهر، وكون السائل من الصحابة في حيِّز الخفاء بعد، مع أنه قريب لفظًا، وكونه سائلًا لصفة وضوئه ﷺ أيضًا يوهم عدم صحبته، فإذًا التنبيه على كونه صحابيًا أشدّ احتياجًا من التنبيه على بيان صحبة عبد الله، والله أعلم) .
(٢) قوله: عبد الله بن زيد بن عاصم، وقع في رواية يحيى الأندلسي، عن مالك ها هنا: وهو جد عمرو بن يحيى، فظنوا أن الضمير يعود إلى عبد الله، وبناءً عليه قال صاحب الكمال وتهذيب الكمال في ترجمة عمرو بن يحيى بن عمارة أنه ابن بنت عبد الله بن زيد بن عاصم وليس كذلك، بل الضمير يعود إلى السائل، عن عبد الله، كذا في "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر.
(٣) قوله: وكان، أي: عبد الله بن زيد بن عاصم وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي حديث الأذان، ووهم من قال باتحادهما، وذكر السيوطي أن عبد الله المازني هذا مات سنة ٦٣ هـ.
(٤) قوله: هل تستطيع أن تريني، أي: أرني، قال الحافظ: فيه ملاطفة الطالب للشيخ، وكأنه أراد الإراءة بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون نسي ذلك لبُعد العهد، قاله الزرقاني (١/٤٣) .
[ ١ / ١٧٨ ]
أَنْ تُرِيَني (١) كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَتَوَضَّأُ قَالَ عبدُ اللَّه بنُ زَيْدٍ: نَعْمَ (٢)، فَدَعَا بِوَضُوْءٍ (٣) فَأَفْرَغَ (٤) عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْن (٥)، ثُمَّ مَضْمَضَ (٦) (٧) (٨)،
_________________
(١) من الإراءة، أي: تبصرني وتعلِّمني.
(٢) أي: أستطيع.
(٣) قوله: بوضوء، هو بالفتح الماءُ الذي يُتَوَضَّأ به، وبالضم إذا أردت الفعل. وقال الخليل: الفتح في الوجهين، ولم يعرف الضم، وكذا عندهم الطُّهور والطَّهور والغُسل والغَسل، وحكى غسلا وغُسلًا بمعنى، وقال ابن الأنباري: الأوجه هو الأوَّل، أي: التفريق بينهما وهو المعروف الذي عليه أهل اللغة، كذا في "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" للقاضي عياض.
(٤) أي: صبّ.
(٥) قوله: مرتين، قال الحافظ: كذا لمالك، ووقع في رواية وهيب عند التخاري، وخالد بن عبد الله عند مسلم، والدراوردي عند أبي نعيم: "ثلاثًا" فهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، ورواياتهم مقدَّمة على رواية الحافظ الواحد، وفي رواية أبي مصعب "يده" بالإفراد على إرادة الجنس، كذا في "التنوير" (١/٤٠ وانظر منتقى الباجي: ١/٦٤) .
(٦) المضمضة تحريك الماء، وفي الاصطلاح استيعاب الماء في الفم (قال النووي: وأقلها أن يجعل الماء في فيه، ولا يُشترط الإدارة على المشهور عند الجمهور. شرح صحيح مسلم ١/٥٠٥ باب صفة الوضوء) .
(٧) يحتمل مرتين نظرًا لما قبله، ويحتمل ثلاثًا اعتبارًا بما بعده.
(٨) قوله: ثم مضمض، واستنثر كذا في رواية يحيى، وفي رواية أبي مصعب بدله استنشق. قال الشيخ ولي الدين: فيه إطلاق الاستنثار على =
[ ١ / ١٧٩ ]
ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًَا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إلَى المِرْفَقَيْن (١) مَرَّتَيْن (٢)، ثُمَّ مَسَحَ (٣)
_________________
(١) = الاستنشاق، وفي "شرح مسلم" للنووي: الذي عليه الجمهور من أهل اللغة وغيرهم أن الاستننثار غير الاستنثاق، وأنه إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف، وأما الاستنشاق: فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنَّفَس إلى أقصاه، كذا في "التنوير" (١/٤٠) .
(٢) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس: العظم الناتئ في آخر الذراع.
(٣) قوله: مرتين مرتين، قال الشيخ وليّ الدين: المنقول في علم العربية أن أسماء الأعداد والمصادر والأجناس، إذا كُرِّرت كان المراد حصولها مكرَّرة لا التوكيد اللفظي، فإنه قليل الفائدة. مثال ذلك: جاء القوم اثنين اثنين أو رجلًا رجلًا، وهذا الموضع منه، أي: غسلهما مرتين بعد مرتين، أي: أفرد كل واحدة منهما بالغسل مرتين، وقال الحافظ: لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين ولكن في مسلم من طريق حبان بن واسع، عن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وفيه وغسل يده اليمنى ثلاثًا ثم الأخرى ثلاثًا، فيُحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحديثين غير متَّحد، كذا في "تنوير الحوالك" (١/٤١) .
(٤) قوله: ثم مسحإلخ، قال ابن عبد البر: روى سفيان هذا الحديث فذكر فيه مسح الرأس مرتين (قال النووي: مسح جميع الرأس مستحب باتفاق العلماء. شرح مسلم ١/٥٢٠. والمشهور عند المالكية أن الاستيعاب واجب، وبعض الرأس عند الشافعي، وهما روايتان عن أحمد، وقال الموفق: ظاهر مذهب أحمد الاستيعاب في حق الرجل، ويكفي المرأة أن تمسح مقدَّم رأسها، وربع الرأس أو مقدار الناصية عند الحنفية. أوجز المسالك ١/١٩٣) وهو خطأ لم يذكره أحد غيره، وقال القرطبي: =
[ ١ / ١٨٠ ]
مِنْ مُقَدَّمِ رأسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا (١) إِلَى قَفَاه (٢)، ثُمَّ رَدّهُما إِلَى المكانِ الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْه (٣) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا حَسَنٌ (٤) والوُضوءُ ثَلاثًا ثلاثًا (٥) أفْضَلُ (٦)
_________________
(١) = لم يجيء في حديث عبد الله بن زيد للأذنين ذكر، ويمكن أن يكون ذلك لأن اسم الرأس يضمهما، وتعقَّبه الشيخ ولي الدين بأن الحاكم والبيهقي أخرجا من حديثه: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يتوضأ فأخذ ماءً لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه. وقالا صحيح، كذا في "التنوير" (١/٤٢) .
(٢) أي: اليدين.
(٣) بالفتح منتهى الرأس من المؤخر.
(٤) زاد وهيب في روايته عند البخاري إلى الكعبين.
(٥) قوله: هذا حسن، إشارة إلى ما ورد في رواية عبد الله بن زيد من تثليث غسل بعض الأعضاء وتثنية غسل بعضها، وقد اختلفت الروايات، عن النبي ﷺ في ذلك باختلاف الأحوال: ففي بعضها تثليث غسل الكُلّ، وفي بعضها تثنية غسل الكُلّ، وفي بعضها إفراد غسل الكُلّ، وفي بعضها تثليث البعض وتثنية البعض، وكذا مسح الرأس ورد في بعضها الإفراد، وفي بعضها التعدّد، والكل جائز ثابت، غاية ما في الباب أن يكون بعضها أقوى ثبوتًا من بعض.
(٦) أي: في المغسولات دون المسح.
(٧) قوله: أفضل، لما روي أنه ﷺ توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوءُ مَن يُضاعَفُ له الأجر مرتين، وتوضأ ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، أخرجه الدارقطني والبيهقي، وروى نحوه ابن ماجه وأحمد والطبراني وابن حبان وغيرهم =
[ ١ / ١٨١ ]
وَالاثْنَانِ يُجْزِيان، والواحدةُ إِذَا أَسْبَغَتْ (١) تُجزئ أَيْضًا (٢) وَهُوَ (٣) قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا أبو الزِّناد (٤)،
_________________
(١) = بأسانيد يقوِّي بعضها بعضًا، والمتكفّل لبسطه شرحي شرح الوقاية المسمّى "بالسعاية في كشف ما في شرح الوقاية" (١/٤٩) .
(٢) قوله: أسبغت، بصيغة الخطاب أو بالتأنيث مجهولًا، أي: إذا استوعبت، كذا في "شرح الموطأ" لعليّ القارئ.
(٣) قوله: تجزئ أيضًا (والكل جائز إذا استوعب ولا إثم عليه، لأن الإثم بترك الواجب دون السنَّة، واختاره صاحب الهداية ١/٦ وقال القاري: إن الواجب هو المرة الواحدة وتثليث الغسل سنَّة، مرقاة المفاتيح ٢/١٥)، أي: بلا كراهة كما في "جامع المُضْمَرَات" عن شرح الطحاوي، أو مع كراهة كما هو ظاهر كلام الجمهور حيث عدّوا التثليث من السنن المؤكدة، وذُكر في "البناية" و"جامع المضمرات" و"المجتبى" و"الخلاصة" وغيرها أنه إ، اعتاد الاكتفاء بالواحدة أو الاثنين أثم وإلا لا.
(٤) قوله وهو، كون الثلاث أفضل، وجواز الاكتفاء بالواحدة والثِّنْتَين.
(٥) قوله: أبو الزِّناد، بكسر الزاي، هو عبد الله بن ذكوان وأبو الزناد لقبه، وكان يغضب منه لما فيه من معنى يلازم النار، ولكنه اشتهر به لجودة ذهنه، قال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عنه، قال الواقدي: مات سنة ١٣٠ هـ، كذا قال السيوطي وغيره (إسعاف المبطأ ص ٢٢) .
[ ١ / ١٨٢ ]
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) الأعْرَج (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِذَا توضَّأ أحدُكُم فلْيَجْعَلْ فِي أنفِهِ (٣)، ثُمَّ لِيَستَنثِر (٤) .
٧ - أَخْبَرَنَا مالكٌ، حَدَّثنا الزُّهري، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ (٥) الخَولانيِّ (٦)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "من توضَّأ فَلْيَسْتَنثِر (٧)
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن هرمز، اشتهر بالأعرج، وثَّقه يحيى والعجلي، مات سنة ١١٧ هـ بالإسكندرية، كذا قال السيوطي وغيره (إسعاف المبطأ ص ٢٧) .
(٢) قوله: الأعرج: قال السَّمعاني في "الأنساب": الأعرج بفتح الألف وسكون العين المهملة وفتح الراء في آخره جيم، هذه النسبة إلى العرج، والمشهور بها أبو حازم عبد الرحمن بن هرمز بن كيسان الأعرج مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يروي عن أبي هريرة روى عنه الزهري وأبو الزِّناد.
(٣) رواه القعنبي وابن بكير وأكثر الرواة، فقالوا: في أنفه ماء، قاله السيوطي.
(٤) في نسخة: لينتثر. قال الفراء: يقال نثر وانتثر واستنثر إذا حرّك النثرة في الطهارة، وهي طرف الأنف.
(٥) قوله: أبي إدريس، اسمه عائذ الله بن عمرو القاري العابد أبوه صحابي، وُلد هو في العهد النبوي ثقة حجة، مات سنة ٨٠ هـ، قاله السيوطي وغيره.
(٦) نسبة إلى قبيلة بالشام.
(٧) أي فليبالغ في استنشاقه فإن الشيطان يبيت على خياشيمه. استنبطوا منه أن الاستنثار سنّة على حدة غير الاستنشاق. =
[ ١ / ١٨٣ ]
وَمَنِ اسْتَجْمَرَ (١) فَلْيُوتِر (٢) ".
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا (٣) نأخُذُ، ينبغي (٤)
_________________
(١) = وليس في الموطأ في حديث مسند لفظ الاستنشاق ولا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق، كذا في "الاستذكار".
(٢) الاستجمار المسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار.
(٣) قوله: فليوتر، أي ندبًا لزيادة أبي داود وابن ماجة بإسناد حسن: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة في أن الإيتار مستحب لا شرط، كذا قال الزرقاني.
(٤) أي بما أفاده هذا الخبر.
(٥) قوله: ينبغيإلخ، المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء، فرضان في الجنابة عند أبي حنيفة وأصحابه والثوري، وعند الشافعي ومالك والأوزاعي والليث بن سعد والطبري سنتان فيهما، وعند ابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه فرضان فيهما، وعند أبي ثور وأبي عبيد المضمضة سنة والاستنشاق واجب، كذا في "الاستذكار" (١/١٥٩)، وذكر ابن حجر في "فتح الباري": أن ظاهر أمر الاستنثار للوجوب فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به القول بوجوبه، وهو ظاهر كلام "المغني" من الحنابلة. وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوبه. انتهى. إذا عرفت هذا فنقول: استعمال محمد "ينبغي" هاهنا مبنيّ على أنه أراد به المعنى الأعم لا الذي شاع في المتأخرين من كونه بمعنى "يُستحب". القدماء في ما هو أعلم من الاستحباب والاستنان والوجوب، وقس عليه أكثر المواضع التي استعمل فيها محمد "ينبغي" فتفسير ينبغي ها هنا بيُستحب كما صدر عن القارئ ليس كما ينبغي.
[ ١ / ١٨٤ ]
للمتوضِّئ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْثِرَ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَسْتَجمر (١) . والاستجمارُ: الاسْتِنْجَاءُ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣) .
٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نُعَيْمُ (٤) بْنُ عَبْدِ الله المُجْمر (٥)،
_________________
(١) قبل أن يشرع في التوضؤ.
(٢) قوله: الاستنجاء، هو إزالة النجو أي الأذى من المخرج بالماء أو الأحجار. وقال ابن القصار: يجوز أن نقول: إنه مأخوذ من الاستجمار (أو المراد بالاستجمار التبخر كما يكون في الأكفان، وكان مالك يقوله أولًا ثم رجع عنه، انظر هامش "بذل المجهود" ١/٨٥) بالبُخور الذي به يطيب الرائحة. وقد اختلف قول مالك في معنى الاستجمار المذكور في الحديث، فقيل: الاستنجاء، وقيل: المراد به في البخور أن يأخذ منه ثلاث قطع، أو يأخذ ثلاث مرات يستعمل واحدة بعد الأخرى. قال عياض: والأول أظهر، وقال النووي: إنه الصحيح المعروف، كذا في "التنوير".
(٣) وهو قول أبي حنيفة، اختلف الفقهاء في الاستنجاء: هل هو واجب أم سنة؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن ذلك ليس بواجب، وأنه سنة لا ينبغي تركها، فإن صلى كذلك فلا إعادة عليه، إلاّ أن مالكًا يستحب الإعادة في الوقت وأبو حنيفة يراعي ما خرج على فم المخرج مقدار الدرهم على أصله، وقال الشافعي وأحمد: الاستنجاء واجب لا يجزئ صلاة من صلى من دون أن يستنجي بالاحجار أو بالماء، كذا في "الاستذكار" (١/١٧٣) .
(٤) هو أبو عبد الله المدني، وثّقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما، قاله السيوطي.
(٥) قوله: المُجْمر، بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم صفة لنُعيم، بضم النون، لأنه كان يأخذ المجمر قُدّام عمر ﵁ إذا خرج إلى الصلاة =
[ ١ / ١٨٥ ]
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ (١): مَنْ توضَّأَ فَأَحْسَنَ (٢) وَضَوءَهُ ثمَّ خَرَجَ (٣) عَامِدًا (٤) إِلَى الصلاةِ (٥) فهو في صلاةٍ (٦)
_________________
(١) = في رمضان، قاله ابن حبان، وقال ابن ماكولا: كان يُجمر المسجد، لزم نعيم أبا هريرة عشرين سنة، وروى عنه كثيرًا، كذا في "أنساب السمعاني" وفي "فتح الباري": وُصف (في الأصل: "وصنف" وهو خطأ، والصواب: "وصف") هو وأبوه عبد الله بذلك لأنهما كانا يبخران مسجد النبي ﷺ، وزعم بعض العلماء أنه وصف أبيه حقيقة ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز، وفيه نظر.
(٢) قوله: يقول، أي موقوفًا، قال ابن عبد البر: كان نعيم يوقف كثيرًا من حديث أبي هريرة، ومثل هذا لا يقال بالرأي فهو مسند، وقد ورد معناه من حديث أبي هريرة وغيره بأسانيد صحاح، كذا قال علي (في الأصل: "العلي القاري"، وهو تحريف) القاري.
(٣) قوله: فأحسن وضوءَه، بإتيانه بفرائضه وسننه وفضائله وتجنّب منهياته.
(٤) أي من بيته، وفيه دلالة على فضل الوضوء قبل الخروج،
(٥) أي قاصدًا لها دون غيرها.
(٦) قوله: إلى الصلاة، فإن قلت: لو أراد الاعتكاف هل يدخل في هذا الحكم أم لا؟ قلت: نعم، إذ المراد أنه لا يريد إلا العبادة، ولما كان الغالب منها الصلاة فيه ذكر لفظ الصلاة، كذا في "الكواكب الدراري".
(٧) قوله: فهو في صلاة، أي في حكمها من جهة كونه مأمورًا بترك العبث وفي استعمال الخشوع، وللوسائل حكم المقاصد، وهذا الحكم مستمر "ما دام يَعْمِد" بكسر الميم يقصد، وزنًا ومعنىً، وما ضيه عَمَد كقَصَد، وفي لغة قليلة من باب فرح، ثم المراد أن يكون باعث خروجه قصد الصلاة وإنْ عرض له في خروجه أمر دنيوي فقضاه، والمدار على الإخلاص، وفي معناه ما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى =
[ ١ / ١٨٦ ]
مَا كَانَ يَعْمِدُ (١) وَأَنَّهُ (٢) تُكْتَبُ (٣) لَهُ بِإِحدى (٤) خَطْوَتَيْهِ (٥) حَسَنَةٌ، وتُمحى (٦) عنه بالأخرى (٧)
_________________
(١) = يرجع فلا يفعل هكذا وشبّك بين أصابعه. وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن كعب بن عجرة مرفوعًا: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءَه ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة، كذا قال الزرقاني.
(٢) قوله: ما كان يعمد، أي ما دام مستمرًا على ما يريده، وفيه إشارة إلى ما ورد أن الحسنة تكتب بقصدها ونيتها وإن لم يفعلها، فإذا خرج عامدًا إلى الصلاة فهو في صلاة حيث الثواب ما لم يبطل قصدها بعمل آخر مناف له.
(٣) بفتح الهمزة وكسرها.
(٤) مجهول من الكتابة.
(٥) هي اليمنى.
(٦) قوله: خطوتيه، بضم الخاء ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة، قاله الجوهري، وجزم اليعمري أنها ها هنا بالفتح، والقرطبي والحافظ بالضم، كذا قال الزرقاني.
(٧) قوله: وتمحي عنهإلخ، قال الباجي: يحتمل أن يريد أنّ لخُطاه حكمين فيكتب له ببعضها حسنات، ويمحى عنه ببعضها سيآت، وأن حكم زيادة الحسنات غير حكم محو السيآت، وهذا ظاهر اللفظ، ولذلك فرّق بينهما، وقد ذكر قوم أن معنى ذلك واحد، وأن كتابة الحسنات بعينه محو السيآت، كذا في "التنوير".
(٨) قوله: بالأخرى، فيه إشعار بأن هذا الجزاء للماشي لا للراكب، أي بلا عذر، وروى الطبراني والحاكم وصححه البيهقي عن ابن عمر رفعه: إذا توضأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلاّ الصلاة لم تزل رجله اليسرى تمحو عنه سيئة وتكتب له اليمنى حسنة حتى يدخل المسجد، كذا قال الزرقاني.
[ ١ / ١٨٧ ]
سيِّئة، فإنْ سَمِعَ أحدُكم (١) الإقامةَ فَلا يَسْعَ (٢) (٣)، فإنَّ أعظَمَكم أَجْرًا (٤) أبعَدُكُم دارًا (٥) قالوا (٦):
_________________
(١) وهو ماشٍ إليها.
(٢) أي لا يسرع، بل يمشي على هيئته.
(٣) قوله: فلا يسع، فإن قلت قال الله تعالى: ﴿فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وهو يشعر بالإسراع، قلت: المراد بالسعي الذهاب، يقال: سعيت إلى كذا أي ذهبت إليه، كذا في "الكواكب".
(٤) قوله: فإن أعظمكمإلخ، تعليل لما حكم به من عدم السعي لما يستبعد ذلك من أجل أن الإسراع والرغبة إلى العبادة أحسن، وحاصله أن أعظمكم أجرًا من كان داره بعيدة من المسجد، وما ذلك إلا لكثرة خطاه الباعثة لكثرة الثواب فلهذا الوجه بعينه يحكم بعدم السعي لئلا تقلّ خطاه فيقلّ ثوابه، وقد ورد في "صحيح مسلم" من طريق جابر، قال: خَلَتْ البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فقال لهم النبي ﷺ: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ قالوا: نعم، قال: يا بني سلمة، دياركم تُكْتَبْ آثارُكُم، ديارَكم تُكْتَب آثارُكم. وورد مثله من حديث أنس في "صحيح البخاري" وغيره. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم بأتموا. هذا لفظ البخاري.
(٥) قوله: أبعدكم دارًا، ولا ينافيه ما ورد من قوله ﵇: "شؤم الدار بُعدُها عن المسجد"، لأن شؤمها من حيث أنه قد يؤدي إلى تفويث الصلاة بالمسجد، وفضلها بالنسبة إلى من يتحمّل المشقة ويتكلّف المسافة، فشؤمها وفضلها أمران اعتباريان، قاله علي القاري.
(٦) أي الحاضرون في مجلسه.
[ ١ / ١٨٨ ]
لِمَ (١) يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مِنْ أَجْلِ كَثْرةِ (٢) الخُطَا (٣) .