حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ (^٢) وأحمدُ بنُ القاسم بنِ عبدِ الرَّحمن، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مِسْكين، قال: سمعتُ عبدَ اللَّه بنَ وَهْبٍ يقول: لولا أنِّي أدرَكْتُ مالكًا واللَّيْثَ لضَلَلْتُ (^٣).
قال ابنُ وضّاح: وسمِعتُ (^٤) أبا جعفرٍ الأيْليَّ يقول: سمِعتُ ابنَ وَهْبٍ ما لا أُحصي يقول: لولا أنَّ اللَّهَ أنقَذَني بمالكٍ واللَّيْثِ لضلَلْتُ (^٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ اللَّه بن محمد، قال (^٦): حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَيُّون (^٧)، قال: حدَّثنا هارونُ الأيْلِي (^٨)،
_________________
(١) كتب المصنف هذا الباب في النشرة الأولى (المسودة) ثم حذفه في النشرة الأخيرة وتناوله في كتابه "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء"، وأوردناه ملحقًا للفائدة وإن لم يكن من الكتاب.
(٢) في ق: "نصر" خطأ، والمثبت من ف ١، وهو أحمد بن سعيد بن بشر، أبو العباس ابن الحصار القرطبي المتوفى سنة ٣٩٢ هـ. (تاريخ الإسلام ٨/ ٧١٠).
(٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ٤٢، ومن طريقه الهروي في ذم الكلام ٤/ ١١٧، والجوهري في مسند الموطأ (١٠٦)، وابن النحاس في أماليه (٢٧ و٢٨)، ومن طريقه الخطيب في تاريخه ١٤/ ٥٢٩، ومن طريق الخطيب ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٠/ ٣٥٩.
(٤) لم ترد الواو في ق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ٢٢ - ٢٣ من طريق أبي جعفر الأيلي، به.
(٦) وهو الجوهريُّ في مسند الموطأ ١/ ١١٠.
(٧) قوله: "ابن حيون" سقطت من م، وهو ثابت في النسخ.
(٨) قوله: "الأيلي" لم يرد في ف ١، م، وهو ثابت في ق، وينظر: توضيح المشتبه للعلامة ابن ناصر الدين ٣/ ٤٦٠.
[ ١ / ٦٧٧ ]
قال: سمِعتُ الشافعيَّ يقول، وذكَر الأحكامَ والسُّنَن، فقال: العلْمُ -يعني الحديثَ- يدورُ على ثلاثة؛ على (^١) مالكِ بنِ أنس، وسفيانَ بنِ عُيَيْنة، واللَّيثِ بنِ سعد.
وقال (^٢) عبدُ الرَّحمن بنُ مَهْديٍّ: أئمَّةُ الناسِ في زمانِهم أربعةٌ؛ سفيانُ الثَّوريُّ بالكوفة، ومالكٌ بالحجاز، والأوزاعيُّ بالشّام، وحمّادُ بنُ زيدٍ بالبصرة (^٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمن. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم بنِ سهل، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيق، أنّهما جميعًا سمِعا أبا عبدِ الرَّحمن أحمدَ بنَ شعيبٍ النَّسائيَّ يقول (^٤): "أُمناءُ اللَّه ﷿ على علْم رسولِه -ﷺ-: شعبةُ بنُ الحجّاج، ومالكُ بنُ أنس، ويحيى بنُ سعيدٍ القطّان". قال: والثَّوريُّ إمامٌ، إلَّا أنّه كان يروِي عن الضُّعفاء.
وكذلك ابنُ المبارك من أجلِّ أهل زمانِه إلا أنَّه يَرْوي عن الضعفاء. قال: وما أحدٌ عندي بعدَ التّابعين أنْبلُ من مالكِ بنِ أنسٍ ولا أجلُّ، ولا آمنُ على الحديثِ منه، ثم إليه (^٥) شُعبةُ في الحديث، ثم يحيى بن سعيدِ القطّان، ليس بعدَ التّابعين آمنُ على الحديثِ (^٦) من هؤلاء الثّلاثة، ولا أقلُّ روايةً عن الضعفاءِ.
_________________
(١) "على" من ق.
(٢) هذه الفقرة لم ترد في ق جملة.
(٣) أخرجه الترمذي في العلل الصغير الملحق بالجامع ٦/ ٢٤٣ من طريق عمرو بن علي بن عبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١١، ١/ ١١٨ من طريق عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني عن ابن مهدي، وأخرجه في مواطن أخرى من الطريق نفسه بألفاظ مختلفة. ينظر: ١/ ٣١، ١/ ١٧٦ - ١٧٧، ٤/ ٢٢٤.
(٤) أسئلة للنسائي في الرجال ١/ ٧٥ ضمن مجموع رسائل للنسائي، ت: جميل علي حسن، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ١٩٨٥ م، والخبر وجدناه في رسالة أخرى للنسائي "تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد" ١/ ١٢٢ ضمن مجموع في علوم الحديث، ت: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، حلب ١٣٩٦ هـ. ورويت هذه الرسائل من طريق علي بن منير الخلال الممري الشاهد (ت: ٤٣٩ هـ) عن ابن رشيق الممري (ت: ٣٧٠ هـ).
(٥) قوله: "إليه" من ق، والمقصود: ثم يليه.
(٦) قوله: "على الحديث" سقط من م.
[ ١ / ٦٧٨ ]
وقال يحيى القطّان: سفيانُ وشعبةُ ليس لهما ثالثٌ إلّا مالكٌ (^١).
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مالك، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ بنِ أبي الشَّريف، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ الغافقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم والربيعُ بنُ سليمان، قالا: سمِعنا الشافعيَّ يقول (^٢): "لولا مالكٌ وسفيانُ -يعني ابنَ عُيَينَةَ- ذهَب علْمُ الحجاز" (^٣). قالا: وسمِعنا الشافعيَّ يقول: كان مالكٌ إذا شكَّ في الحديثِ طرَحه كلَّه (^٤).
حدَّثنا عبدُ اللَّه (^٥)، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الشَّريف، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الحكم، قال: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: إذا جاء الأثرُ فمالكٌ النَّجْم (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير ٢/ ٣٤٤ (٣٢٧٥) عن علي بن المديني عن يحيى القطان بلفظ: "ما في القوم أصح حديثًا من مالك" بدون المقولة الثانية. وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٥، ٨/ ٢٠٤ عن صالح بن أحمد عن علي بن المديني، عن يحيى القطان، به. وأخرج المقولة الأولى في موضع آخر ١/ ٢٤٤.
(٢) مسند الشافعي - ترتيب سنجر ٢/ ١٨٣٥ (١٦٠٦)، وترتيب السندي ٢/ ١٩٨ (٧٠٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٢، ١/ ٣٢، والجوهري في مسند الموطأ ١٠١ (٤٣)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٢٢، ٩/ ٧٠، والبيهقي في المناقب ١/ ٥٠٢ من طرق عن الشافعي مثله.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٤، والجوهري في مسند الموطأ ١٠٢ (٤٦)، والبيهقي في المناقب ١/ ٥٠٣ من طرق عن الربيع عن الشافعي مثله.
(٥) هو عبد اللَّه بن محمد بن يوسف، المعروف بابن الفرضي، وشيخه يحيى: هو ابن مالك بن عائذ الأندلسيّ.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٤ وفي آداب الشافعي له ص ١٥٠، وابن عدي في الكامل ١/ ٩٢، ومن طريقه البيهقي في المناقب ١/ ٥١٨، والجوهري في مسند الموطأ ١٠١ (٤٤)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٣١٨، ٩/ ٧٠ من طرق عن الشافعيِّ، به.
[ ١ / ٦٧٩ ]
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد ابنُ المُفَسِّر، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سعيدٍ القاضي، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللَّه بنُ عمرَ (^١) القوارِيريُّ، قال: كنا عندَ حمّادِ بنِ زيد، فجاءه نعِيُّ مالكِ بنِ أنس، فسالَتْ دُموعُه، ثم قال: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عبدِ اللَّه، لقد كان من الدِّينِ بمكان. ثم قال حمّادٌ: سمِعتُ أيوبَ يقول: لقد كانت له حَلْقةٌ في حياةِ نافع (^٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبَرنا أسْلَم (^٣) بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ الشَّافعيَّ يقول: إذا جاءك (^٤) الحديثُ عن مالك، فشُدَّ به يدَيك (^٥). قال: وسمِعتُ الشّافعيَّ يقول: إذا جاء الأثَرُ فمالكٌ النَّجْمُ (^٦).
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الورد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ عبدِ السَّلام الخفّافُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ
_________________
(١) قوله: "عبيد اللَّه بن عمر" لم يرد في ق.
(٢) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ ١١٤ - ١١٥ (٩٤) عن شيخه أبي أحمد عبد اللَّه بن محمد ابن المفسِّر، به. وأخرج كلام أيوب البيهقيُّ في السنن الكبرى ١٠/ ٤٧١ (٢١٣٥٨) من طريق عُبيد اللَّه بن عُمر القواريري، به.
(٣) في م: "مسلم" خطأ بيّن، والمثبت من ق، فهو أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد الأموي، أبو الجعد الأندلسي الفقيه المالكي المتوفى سنة ٣١٩ هـ، وترجمته في تاريخ ابن الفرضي (٢٨٠)، وتاريخ الإسلام ٧/ ٣٥٢.
(٤) في م: "جاء"، والمثبت من ف ١، ق، وهو الذي في الانتقاء.
(٥) أخرجه بهذا الإسناد المصنف في الانتقاء، ص ٢٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٤ عن الربيع والجوهري في مسند الموطأ بإسناده عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، مثله.
(٦) أخرجه المصنف في الانتقاء، ص ٢٣ بهذا الإسناد، وأخرجه ابن حبّان في المجروحين ١/ ٤١ من طريق الربيع بن سليمان، به.
[ ١ / ٦٨٠ ]
البخاريُّ، قال (^١): سمِعتُ عليَّ بنَ المَدينيِّ يقول: مالكٌ إمامٌ. قال عليٌّ: وسمِعتُ سفيانَ بنَ عُيَيْنةَ يقول: مالكٌ إمامٌ.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^٢): حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ المتوكِّل، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مهديٍّ، قال: لا يكونُ إمامًا في العلْم مَن أخذَ بالشّاذِّ من العِلْم، ولا يكونُ إمامًا في العلْم مَن روَى عن كلِّ أحد، ولا يكونُ إمامًا في العلْم مَن روَى كلَّ ما سَمِع. قال: والحفْظُ الإتقان.
قال أبو عمرُ: معلومٌ أنَّ مالكًا كان أشدَّ الناسِ ترْكًا لشذُوذِ العلْم، وأشدُّهم انتقادًا للرِّجال، وأقلُّهم تكلُّفًا، وأتقنُهم حفظًا؛ فلذلك صار إمامًا.
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أيمن، قال: حدَّثنا عَلّان، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطّانَ يقول: كان مالكٌ إمامًا في الحديث (^٣).
_________________
(١) التاريخ الأوسط ٤/ ٧٢٧ (١١٣٢). وأخرجه الجوهري في مسند الموطأ ١٠٤ (٥٧) من طريق أحمد بن عبد السلام الخفّاف، به.
(٢) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨ (٦٩١)، وفي أخبار المكيِّين (٢٨٢). وأخرجه ابن شاهين في تاريخ الثقات (٢٧٠) عن ابن أبي خيثمة، به. وأخرجه المحاملي في أماليه - رواية ابن مهدي ١٨٠ (٣٤٧)، ومن طريقه الخطيب في الجامع ١/ ٦٦٨، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٩/ ٤، والبيهقي في المدخل إلى السنن ٣٧٦ (٦٤٣)، وقاضي المارستان في مشيخته ٣/ ١١٦٢ - ١١٦٣ (٥٦٠) من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي نحوه. وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١١، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٦، وابن عدي في الكامل ١/ ١١٠ وغيرهم بألفاظ مختلفة وطرق أخرى عن عبد الرحمن بن مهدي، به.
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٣١٠ (١٣٢٣)، والأوسط ٤/ ٧٣٠ (١١٣٥) عن علي بن المديني، به. وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٤ عن صالح بن أحمد بن حنبل، به.
[ ١ / ٦٨١ ]
قال عليٌّ: وسمِعتُ ابنَ عُيَيْنةَ يقول: ما كان أشَدَّ انتقادَ مالكٍ للرِّجال، وأعْلَمَه بهم (^١).
قال صالح: وحدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مهديٍّ يقول: أخبَر في وُهَيْبُ بنُ خالد، وكان من أبصرِ الناسِ بالحديثِ وبالرِّجال، أنّه قَدِم المدينةَ، قال: فلم أرَ أحدًا إلَّا تَعرِفُ منه (^٢) وتُنكِرُ (^٣)، إلَّا مالكًا ويحيى بنَ سعيد (^٤).
وقال عبدُ الرَّحمن بن مهديٍّ: ما أُقدِّمُ على مالكٍ في صحَّةِ الحديثِ أحدًا (^٥).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى عبدُ اللَّه بنُ أبي مَسَرَّةَ بمكّة، قال: حدَّثني مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّه، عن مالكِ بنِ أنس، قال: لقد ترَكْتُ جماعةً من أهلِ المدينةِ ما أخذْتُ عنهم من العلْم شيئًا، وإنَّهم لممَّن يُؤخَذُ عنهم العلْمُ، وكانوا أصنافًا؛ فمنهم مَن كان كذّابًا في غيرِ علْمِه، تَركْتُه لكذبِه، ومنهم مَن كان جاهِلًا بما عندَه، فلم يكُنْ عندِي مَوْضِعًا للأخْذِ عنه؛ لجَهْلِه، ومنهم من كان يَدِينُ برأي سوء (^٦).
حدَّثنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قراءةً منِّي عليه، أنَّ أبا الطّاهرِ محمدَ بنَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط ٣/ ٢٥٣ (٤٠١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ٢٣، ٤٧ و٨/ ٢٠٤ عن صالح بن أحمد، كلاهما عن عليِّ بن المديني، به. وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٥٨ (بتحقيقنا)، وابن عدي في الكامل ١/ ٩٠ من طرق عن علي بن المديني، به.
(٢) "منه" سقطت من م.
(٣) "تعرف وتنكر" من عبارات التجريح الخفيفة ومعناها: أنه يأتي مرة بالمناكير ومرة بالمشاهير. ينظر: تدريب الراوي للسيوطي ١/ ٤١٢.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٣، وابن عدي في الكامل ١/ ٩٠.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٤، والجوهري في مسند الموطأ (٦٦)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٢٢ من طريق نعيم بن حماد عن عبد الرحمن بن مهديّ، مثله.
(٦) أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ١٥ - ١٦. وذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك ١/ ١٣٧ عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشِّخير، به.
[ ١ / ٦٨٢ ]
أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ يحيى القاضيَ بمصرَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر الحِزاميُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى أو محمدُ بنُ صَدَقَة، أحدُهما أو كلاهما، قالا: كان مالكُ بنُ أنسٍ يقول: لا يُؤخَذُ العلْمُ من أربعة، ويُؤخَذُ ممّن (^١) سوى ذلك؛ لا يُؤخذُ من سَفِيه، ولا يُؤخَذُ من صاحبِ هَوًى يدْعو النّاسَ إلى هواه، ولا من كذّابِ يكذِبُ في أحاديثِ النّاسِ وإن كان لا يُتَّهمُ على أحاديثِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ولَا من شَيخٍ له فضلٌ وصلاحٌ وعبادة، إذا كان لا يَعرِفُ ما يُحدِّثُ (^٢).
قال إبراهيمُ بنُ المنذر: فذَكَرتُ هذا الحديثَ لمُطَرِّفِ بنِ عبدِ اللَّه، فقال: أشهَدُ على مالكٍ لسمِعتُه يقول: أدْرَكْتُ بهذا البلدِ مَشْيَخةً أهلَ فضلٍ وصلاحٍ يُحدِّثون، ما سمِعتُ من أحدٍ منهم شيئًا قطُّ. قيل: لمَ يا أبا عبدِ اللَّه؟ قال: كانوا لا يَعرِفُون ما يُحدِّثُون (^٣).
وأخبرنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ العُقَيليُّ (^٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر،
_________________
(١) في ق: "من"، والمثبت من ف ١، وهو الموافق لما في الانتقاء.
(٢) أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ١٦. وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٦٨٤، ومن طريقه الخطيب في الكفاية ١/ ٣٥٦ (٣٠٣)، والدينوري في المجالسة ٥/ ٨٣ - الجملة الأولى فقط- وابن حبان في المجروحين ١/ ٧٩ - ٨٠، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٤٠٣) -وزاد في آخره، قال مالك: كنا نزدحم على باب ابن شهاب- وابن عدي في الكامل ١/ ٩١ - ٩٢، وابن شاهين في تاريخ الضعفاء (٤١) -الجملة الأولى فقط- جميعهم من طرق عن إبراهيم بن المنذر، به.
(٣) أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ١٧، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٦٨٤، والعُقيليّ في الضعفاء ١/ ١٣، وابن عديّ في الكامل ١/ ٩٢.
(٤) في الضعفاء ١/ ١٠٩ (بتحقيقنا). وأخرجه يعقوب بن سفيان الفسويّ في المعرفة والتاريخ ١/ ٦٨٤، ومن طريقه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١٦٨)، وفي الكفاية في علم الرواية ص ١٦٦.
[ ١ / ٦٨٣ ]
قال: أخبرنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: كان مالكُ بنُ أنس يقول: لا يُؤخَذُ العلْمُ من أربعة. فذكَره إلى آخرِه سواء، لم يذكُرْ فيه محمدَ بنَ صَدَقة.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي أويسٍ (^١) يقول: سمِعتُ خالي مالكَ بنَ أنسٍ يقول: إنَّ هذا العلْمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذُون دِينَكم، لقد أدركْتُ سبعينَ ممّن يقول: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-. عند هذه الأساطين (^٢) - وأشار إلى مسجدِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنَّ أحدَهم لو اؤتُمِن على بيتِ مالٍ لكان به (^٣) أمينًا؛ لأنهم لم يكونوا من أهلِ هذا الشَّأن، وقدِم علينا ابنُ شِهاب، فكُنّا نزدحِمُ على بابِه (^٤).
وحدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ وعبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمد بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم (^٥)، قال سمِعتُ أشْهَبَ يقول: سمِعتُ مالكًا يقول: أدْرَكْتُ بالمدينةِ مشايخَ أبناءَ مئةٍ وأكثرَ، فبعضُهم قد حدَّثْتُ بأحاديثه، وبعضُهم لم أُحدِّثْ بأحاديثِه كلِّها، وبعضُهم لم أُحدِّثْ من أحاديثِه شيئًا، ولم أترُكِ الحديثَ عنهم لأنّهم لم يكونوا ثقاتٍ فيما حمَلوا، إلَّا أنّهم حمَلوا شيئًا لم يعقِلُوه.
_________________
(١) هو إسماعيل.
(٢) الأساطين: جمع أُسطوانة: وهي السارية. القاموس المحيط (أسطوانة).
(٣) "به" من ق.
(٤) أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ١٦. وأخرجه الجوهريُّ في مسند الموطأ (٣٧)، والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص ١٥٩، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٥/ ٣٥١.
(٥) هو سعيد بن الحكم بن محمد، المعروف بسعيد بن أبي مريم الجُمحي المصري، وشيخه أشهب: هو ابن عبد العزيز القيسي، المصري. قيل: اسمه مسكين، وأشهب لقبٌ.
[ ١ / ٦٨٤ ]
وحدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الواحدِ الخَوْلانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمةَ الدِّمشقيُّ، عن ابنِ كنانة، عن مالك، قال: رُبَّما جلَس إلينا الشَّيْخُ فيتحَدَّثُ جُلَّ نهارِه، ما نأخذُ عنه حديثًا واحدًا، وما بنا أن (^١) نتهِمُه، ولكنَّه ليس مِن أهلِ الحديث (^٢).
حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ وأبو القاسم عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقَاشِيُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال سألْتُ مالكَ بنَ أنسٍ عن رجلٍ، فقال: هل رأَيْتَه في كتبِي؟ قلتُ: لا. قال: لو كان ثقَةً لرأيْتَه في كُتبِي (^٣).
وممَّا يُؤَيِّدُ قولَ مالكٍ ﵀ أنَّه لا يؤخذُ عن الكذَّابِ في أحاديثِ الناسِ وإن لم يكُنْ يكذِبُ في حديثِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ما رواه عبدُ الرَّزَّاق (^٤)، عن مَعْمَر،
_________________
(١) في ق: "أن لا"، وفي م: "أنّا"، والمثبت من ف ١ والانتقاء.
(٢) أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ١٧، بالإسناد نفسه دون ذكر "عمرو بن أبي سلمة الدمشقيّ" فيه، وكذا أورده القاضي عياض في ترتيب المدارك ١/ ١٣٧، وابن خلفون في أسماء شيوخ مالك ص ٩٥، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٨/ ٧٢، ثلاثتهم: عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم ابن البرقي، عن عثمان بن كنانة، به.
(٣) أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة ص ١٧. وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ٢٦، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٢٢، والعقيليّ في الضعفاء ١/ ١٤ - ١٥، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٤١٠)، وابن عدي في الكامل ١/ ٩١ من طريق بشر بن عمر الزهرانيّ، به.
(٤) في المصنَّف ١١/ ١٥٩ (٢٠١٩٧). وعنه إسحاق بن راهوية في مسنده (١٢٤٦). وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٤/ ٢٠٤ (بتحقيقنا)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ١٩٦ (٢١٣٤٤) من طريق عبد الرزاق، به. وليس عند أحد منهم قوله في آخره: "أو كذب على أحد من الناس". وموسى الجندي: هو موسى بن أبي شيبة، قال أحمد كما عند العقيليّ: "روى عنه معمر أحاديث مناكير". ووقع في بعض المصادر: "موسى بن شيبة"، قال البيهقي: "كذا في "كتابي": موسى بن أبي شيبة".
[ ١ / ٦٨٥ ]
عن موسى الجَنَدِيِّ، قال: ردَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- شهادةَ رجلٍ في كِذبةٍ كذَبها. قال معْمَرٌ: لا أدْرِي أكَذَبَ على اللَّه، أو على رسولِه -ﷺ- أو كذَبَ على أحدٍ من النَّاس؟
حدَّثنا أبو القاسم عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ خالدٍ الهمْدَانيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مالك، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحَرْبِيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَة، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، فذكَره (^١).
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا بدرُ بنُ الهَيثم القاضِي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حكيم الأوْديُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حكيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاري، قال: سُئِل شرِيكٌ فقِيل له: يا أبا عبدِ اللَّه، رجلٌ سمِعْتُه يكْذِبُ مُتَعَمِّدًا، أَأُصلِّي (^٢) خلفَه؟ قال: لا (^٣).
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو العُقَيليُّ، قال (^٤): حدَّثنا أحمدُ بنُ زُكَير (^٥)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ قَعْنَب (^٦)، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- إذا اطَّلَع على أحدٍ مِن أهلِ بيتِه يكْذِبُ كِذبةً، لم يزلْ مُعْرِضًا عنه حتى يُحْدِثَ للَّه توبة.
_________________
(١) أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ١٧.
(٢) في ق: "أصلي"، والمثبت من ف ١، وهو الموافق لما في تفسير القرطبي.
(٣) أورده القرطبي في تفسيره ٨/ ٢٨٩ دون عزوٍ لأحد.
(٤) في الضعفاء ٢/ ١١١ و٤/ ٤٨٧ (بتحقيقنا). ولا يصح الحديث بهذا الإسناد، يحيى بن قعنب حدث بمناكير ولا يتابع على حديثه كما قال العقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٨٧، وينظر: المغني في الضعفاء ٢/ ٧٤٤ (٧٠٥٤).
(٥) في ق: "زكرياء" محرف، وهو أحمد بن زكير الحضرمي. وينظر: تاريخ الإسلام ٦/ ٨٧٩.
(٦) هو يحيى بن مسلمة بن قعنب، نسبه العقيلي إلى جده، ومنه نقل المؤلف.
[ ١ / ٦٨٦ ]
قال أبو عُمر: قال يحيى بنُ مَعِين: آلةُ المُحدِّثِ الصِّدقُ (^١).
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ عبدِ اللَّه القرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ القاضِي، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: سمِعْتُ بِشْرَ بنَ بكر، قال: رأيْتُ الأوزاعيَّ في المنام مع جماعةٍ مِن العلماء في الجنَّةِ، فقلتُ: فأين مالكُ بنُ أنسٍ؟ فقيل: رُفِعَ. فقلتُ: بماذا؟ قال: بصدقِه (^٢).
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكرِ بنِ عمرانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ أحمدَ (^٣) الأزديُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى السَّاجِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ صالحٍ الأزديُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا مُطَرِّفٌ، قال: سمِعْتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقولُ: قلَّما كان رَجُلًا صادقًا لا يَكْذِبُ إلَّا مُتِّعَ بعقلِه، ولم يُصِبْه ما يُصِيبُ غيرَه من الهرَم والخرَف (^٤).
أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَفَّار، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عُرْوَةَ، عن مالكٍ، قال: قَدِم علينا الزُّهْرِيُّ، فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدَّثنا بنَيِّفٍ وأربعين حديثًا. قال: ثم أتَيناه منَ الغَدِ، فقال:
_________________
(١) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ٣٩، وينظر: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي المالكي ١/ ٨.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ٢٨ بزيادة ألفاظ ودون قوله في آخره: "بصدقه".
(٣) قوله: "بن أحمد" لم يرد في ق.
(٤) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٧ من طريق أبي الفتح الأزدي، به. وأخرجه بنحوه أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ٢٢١ (٣٢٣) من طريق ابن وهب عن مالك. قال ابن رشد في البيان والتحصيل ١٧/ ٣٤٤ بعد ذكر هذا القول دون أن ينسبه لأحد: "ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف، وإن صحّ فمعناه في الغالب، واللَّه أعلم".
[ ١ / ٦٨٧ ]
انظروا كتابًا حتى أُحَدِّثَكم منه، أرأيتُم ما حدَّثْتُكم أمس، أيُّ شيءٍ في أيديكم منه؟ قال: فقال له ربيعةُ: هاهنا مَن يُوردُ (^١) عليك ما حدَّثْتَ به بالأمس. قال: مَن هو؟ قال: ابنُ أبي عامر. قال: هاتِ. فحدَّثْتُه بأربعين حديثًا منها، فقال الزُّهريُّ: ما كنتُ أظُنُّ أنَّه بَقِيَ أحدٌ يحفظُ هذا غيري (^٢).
قال إسماعيلُ: وحدَّثني عتيقُ بنُ يعقوبَ الزُّبَيْريُّ (^٣)، قال: سمِعْتُ مالكًا يقول: حدَّثني ابنُ شهابٍ ببضعةٍ وأربعين حديثًا، ثم قال: إيهِ، أعِدْ عليَّ. فأعَدْتُ عليه أربعينَ، وأسقَطْتُ البضعَ (^٤) (^٥).
حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ سيِّدٍ بن سعيد (^٦) وعبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الباجيُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه الزُّبَيْدِيُّ (^٧)، قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ إسماعيلَ الأصبهانيُّ في المسجدِ الحرام، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ عبدِ اللَّه (^٨) الزُّبَيْرِيُّ، قال: سمِعْتُ أبي يقول: كنتُ جالسًا مع
_________________
(١) في م والانتقاء: "يرد"، والمثبت من ق، وهو الأوفق إن شاء اللَّه.
(٢) أخرجه المصنف في الانتقاء، ص ١٨.
(٣) سقطت النسبة من م، وهو عتيق بن يعقوب بن صديق، أبو بكر الأسدي الزبيري. (تاريخ الإسلام ٥/ ٦٣٠).
(٤) في ق: "وسقطتِ البضعُ"، والمثبت من ف ١ ومصادر التخريج.
(٥) ذكره قوام السنة في سير السلف الصالحين ص ١٠٤٤، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٨/ ٧٢ مختصرًا.
(٦) هو الحاطبي من أهل إشبيلية. (الصلة البشكوالية ١/ ٢٨٩).
(٧) في ق: "الحسن بن عبيد اللَّه الزبيري"، محرف، وهو الحسن بن عبد اللَّه بن مذحج الزبيدي، أبو القاسم الإشبيلي المتوفى سنة ٣١٨ هـ، ترجمة الخشني في أخبار الفقهاء (٦٩)، وابن الفرضي في تاريخه (٣٣٨)، والحميدي في جذوة المقتبس (٣٦٩)، والذهبي في تاريخ الإسلام ٧/ ٣٣٨ وغيرهم.
(٨) في ق: "عبيد اللَّه"، محرف.
[ ١ / ٦٨٨ ]
مالكِ بنِ أنسٍ في مسجدِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، إذْ أتاه رجلٌ، فقال: أيُّكُم أبو عبدِ اللَّه مالكٌ؟ فقالوا: هذا. فجاءه فسلَّم عليه، واعْتَنَقَه، وقبَّل بين عَيْنَيْه وضمَّه إلى صدرِه، وقال: واللَّه لقد رأيتُ البارحةَ رسولَ اللَّه -ﷺ- جالسًا في هذا الموضع، فقال: "هاتُوا مالكًا". فأُتي بك تَرْتعدُ فرائصُك، فقال: "ليس بك بأسٌ يا أبا عبدِ اللَّه". وكنَّاك، وقال: "اجلسْ". فجلستَ، فقال: "افتَحْ حَجْرَك". ففتحتَ، فملأهُ مِسكًا منثُورًا، وقال: "ضُمَّه إليك وبُثَّه في أُمَّتِي". قال: فبكى مالكٌ طويلًا وقال: الرُّؤْيا تَسُرُّ ولا تَغُرُّ، وإن صدقَتْ رُؤْياك، فهو العلْمُ الذي أوْدَعني اللَّه (^١).
وقال ابنُ بُكَير: عن ابنِ لَهِيعَةَ، قال: قَدِم علينا أبو الأسودِ -يعني يتِيمَ عُرْوَةَ- سنةَ إحدى وثلاثين ومئة، فقلتُ: مَنْ للرَّأي بعدَ ربيعةَ بالحجاز؟ فقال: الغلامُ الأصْبَحِيُّ (^٢).
وعن ابنِ مهدِيٍّ أنَّه سُئِل: من أعْلَمُ، مالكٌ أو أبو حنيفة؟ فقال: مالكٌ أعْلَمُ من أُستاذِ أبي حنيفة. يعني حمادَ بنَ أبي سليمان (^٣).
أخبَرني خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ شعبان، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجستانيُّ، قال (^٤): سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: مالكُ بنُ أنسٍ أتْبَعُ من سفيانَ.
_________________
(١) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ٣٩. وينظر: سير السلف الصالحين لإسماعيل بن محمد الأصبهاني ص ١٠٤٧، وترتيب المدارك لعياض ٢/ ١٥٣، وأسماء شيوخ مالك لابن خلفون ص ١٠١.
(٢) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (٦٤) من طريق أبي القاسم العتبي، عن ابن بكير، به. وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١١ من طريق عبيد بن حبان أو غيره -كذا عنده في الجرح- عن ابن لهيعة بنحوه، وفيه: "قدم علينا بكر بن سوادة".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١١، والجوهري في مسند الموطأ (٧٣)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ١١ من طريق عبد الرحمن بن مهدي بنحوه.
(٤) سؤالات أبي داود (٤٠٣)، ومن طريقه الجوهري في مسند الموطأ (٧٠).
[ ١ / ٦٨٩ ]
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمون، قال: حدَّثنا أبو زُرْعة، قال (^١): سمِعْتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسْألُ (^٢) عن سفيانَ ومالكٍ إذا اختلَفا في الرَّأي، فقال: مالكٌ أكبرُ في قلبي. قلتُ: فمالكٌ والأوْزَاعِيُّ إذ اختلفا؟ فقال: مالكٌ أحبُّ إليَّ وإن كان الأوْزَاعِيُّ من الأئمَّةِ. فقيل له: فمالكٌ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ؟ فقال: هذا -كأنَّه شنَّعه- ضعْه مع أهلِ زمانِه.
وأخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو المَيْمُون، قال: حدَّثنا أبو زُرْعَة (^٣)، قال: حدَّثني الوليدُ بنُ عُتْبَة، قال: حدَّثنا الهَيْثَمُ بنُ جَمِيل، قال: شَهِدْتُ مالكَ بنَ أنسٍ سُئِل عن ثمانٍ وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدرِي.
قال أبو زُرْعَة (^٤): وحدثني سليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن مالك، قال: سمِعتُ ابنَ هُرْمُزَ يقول: ينبغي للعالم أنْ يُوَرِّثَ جُلَسَاءَه من بعدِه "لا أدْرِي"، حتى يكُونَ أصلًا في أيديهم، فإذا سُئِل أحدُهم عمَّا لا يَعْلَمُ قال: لا أدْرِي.
قال أبو زُرْعَةَ (^٥): وحدَّثنا محمودُ بنُ إبراهيمَ، عن أحمدَ بنِ صالح، عن
_________________
(١) في تاريخه، ص ٤٣٩.
(٢) في ق: "سئل"، والمثبت من ف ١، وهو الموافق لما في تاريخ أبي زرعة.
(٣) في تاريخه، ص ٤٢٢.
(٤) في تاريخه، ص ٤٢٢.
(٥) في تاريخه، ص ٤٣٨. وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٦٨٢، والبخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٣١٠ من طريق الأصمعي عن شعبة، وقد شكّ في سماعه -أي هو نفسه- من شعبة، فقال: "سمعته من شعبة أو حُدِّثت عنه، قال: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة، فرأيت مالكًا له حلقة" كما عند البخاري في تاريخه، وقال علي بن المديني: إن الحلقة كانت لغيره وكان مالك يجلس فيها، وكان يجلس إلى عبيد اللَّه. وأخرجه الدارقطني في سننه ٤/ ٣٤٨ (٣٥٨١)، والنسائي في السنن الكبرى ٥/ ١٧٢ (٥٣٥٢)، وابن عدي في الكامل ١/ ٩٢ من طريق أبي داود عن شعبة، به.
[ ١ / ٦٩٠ ]
يحيى بنِ حسَّان، عن وَهْبٍ -يَعْنِي ابنَ جريرٍ- قال: سمِعْتُ شعبةَ يقول: قدِمتُ المدينةَ بعد موتِ نافع بسنة، ولمالكٍ يومئذٍ حَلْقَةٌ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْر، قال (^١): سمِعْتُ يحيى بنَ مَعينٍ يقول: مالكُ بنُ أنسٍ أثبتُ في نافع مِن عبيدِ اللَّه بنِ عمرَ وأيوبَ.
وقال ابنُ أبي مريم: قلتُ لابنِ مَعين: اللَّيْثُ أرْفَعُ عندك أو مالكٌ (^٢)؟ قال: مالكٌ. قلتُ: أليس مالكٌ أعلى أصحابِ الزُّهْريِّ؟ قال: نعم. قلتُ: فعُبَيْدُ اللَّه أثبتُ في نافع أو مالكٌ (^٣)؟ فقال: مالكٌ أثبَتُ الناس.
وقال يحيى بنُ مَعِين: كان مالكٌ مِن حُجَجِ اللَّه على خَلْقِه.
حدَّثنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أبو عَمْرٍو عثمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نصرٍ الحافظ، قال: سمِعتُ يونسَ بنَ عبدِ الأعلى يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: إذا ذُكِر العلماءُ فمالكٌ النَّجْمُ، وما أحدٌ أمَنُّ عليَّ في عِلْم مِن مالكِ بن أنس (^٤).
وروَى طاهرُ بنُ خالدِ بنِ نِزَار، عن أبيه، عن سفيانَ بنِ عُيَيْنَة، أنَّه ذكَر
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٢/ ٢١٧ (٢٥٢٦)، وعنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٦، والجوهريُّ في مسند الموطأ (٧٢).
(٢) قفز نظر ناسخ ف ١ إلى "مالك" الآتية في السطر الآتي، فسقط ما بينهما.
(٣) إلى هنا ينتهي السقط في ف ١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه ص ١٥٠، وفي تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٤، وابن عديّ في الكامل ١/ ٩٢، والجوهري في مسند الموطأ (٤٤) ثلاثتهم من طريق يونس بن عبد الأعلى، به.
[ ١ / ٦٩١ ]
مالكَ بنَ أنسٍ فقال: كان لا يُبَلِّغُ من الحديثِ إلا صحيحًا، ولا يُحَدِّثُ إلا عن ثقاتِ الناس، ما أُرَى المدينةَ إلا سَتَخْرَبُ بعدَ موتِ مالكِ بنِ أنس (^١).
وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نصر، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: قال لي محمدُ بنُ الحسن: صاحِبُنا أعْلَمُ مِن صاحبِك، وما كان على صاحبِك أن يتكَلَّم، وما كان لصاحِبِنا أن يَسْكُت. قال: فغَضِبْتُ، وقلت: نشَدْتُك اللَّهَ، مَن كان أعلمَ بسُنَّةِ رسولِ اللَّه -ﷺ-؛ مالكٌ أو أبو حنيفةَ؟ فقال: مالكٌ، لكنَّ صاحِبَنا أقيسُ. فقلت: نعم، ومالكٌ أعلمُ بكتابِ اللَّه، وناسخِه ومنسوخِه، وسُنّةِ رسولِ اللَّه -ﷺ- مِن أبي حنيفة، فمَن كان أعلمَ بكتابِ اللَّه تعالى وسُنّةِ رسولِ اللَّه -ﷺ- كان أوْلى بالكلام (^٢).
قال أبو عُمر: الأخبارُ في إمامةِ مالكٍ وحِفْظِه وإتقانِه وورعِه وتَثَبُّتِه أكثرُ مِن أنْ تُحْصَى، وقد ألَّف الناسُ في فضائلِه كتبًا كثيرة، وإنَّما ذكَرْتُ هاهُنا فِقَرًا مِن أخبارِه دالَّةً على ما سواها.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبد اللَّه (^٣) بن محمد، قال (^٤): حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَيُّونَ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في المستخرج ١/ ٥١ (٤٢) من طريق طاهر بن خالد الأيلي، به. وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٨/ ٧٣ عن طاهر بن خالد الأيليّ.
(٢) أخرجه المصنف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ٢٤. وأخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١/ ٤، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٢٩ و٩/ ٧٤ بإسناده إلى يحيى بن آدم الجوهري، كلاهما عن محمد بن عبد الحكم بنحوه.
(٣) قوله: "بن عبد اللَّه" سقط من م.
(٤) وهو الجوهريُّ، في مسند الموطأ له (٧٧). وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٢٩ من طريق الربيع، والبيهقي في المناقب ١/ ٥٠٧ من طريق أبي الطاهر، كلاهما عن الشافعي، مثلَه.
[ ١ / ٦٩٢ ]
سعيدٍ الأيْليُّ، قال: سمِعتُ الشَّافعيَّ قال: ما كتابٌ أكثرُ صوابًا بعد كتابِ اللَّه تعالى من كتابِ مالك. يَعْنِي "الموطأ".
حدَّثنا عبدُ اللَّه (^١) بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مالك، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ بنِ أبي الشَّريف، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا يونسُ (^٢) بنُ عبدِ الأعلى، قال: قال الشافعيُّ: ما في الأرضِ بعدَ كتابِ اللَّه أكثرُ صوابًا من "موطَّأ مالكِ بنِ أنسٍ" (^٣).
أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ المَدائِنيُّ (^٤)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ، قال: سمِعتُ هارونَ بنَ سعيدٍ الأيليَّ يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: ما كتابٌ بعدَ كتابِ اللَّه ﷿ أنفعُ من "موطَّأ مالكِ بنِ أنسٍ" (^٥).
وأخبرنا ابنُ حَمُّوية، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ المؤمنِ بنِ سليمانَ (^٦) التِّنِّيسِيُّ أبو محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى بنِ زيدٍ اللَّخْمِيُّ، قال: قال لنا عمرُو بنُ أبي سلمة: ما قرأتُ كتابَ الجامع مِن "موطَّأ
_________________
(١) في ق: "عبيد اللَّه"، محرف، وهو ابن الفرضي صاحب تاريخ علماء الأندلس.
(٢) في ق: "يوسف"، محرف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعيّ ومناقبه ص ١٥٠، وفي تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٢ عن يونس بن عبد الأعلى، به.
(٤) في ق، ف ١، م: "المدني"، وهو خطأ، فهو منسوب إلى المدائن المدينة المعروفة قرب بغداد وفيها قبر سليمان الفارسي، وهو مصري الدار، ذكره ابن يونس في تاريخه (المرتب منه ١/ ١٧) وهو من شيوخ ابن عدي الجرجاني (الكامل ١/ ١٠٣، ١٦٧، ١٧٣. . . إلخ).
(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٧٠، والبيهقي في المناقب ١/ ٥٠٧، والخطيب في الجامع ٢/ ٢٧٣ (١٦١٨) من طريق يحيى بن عثمان، به.
(٦) قوله: "بن سليمان" سقط من ق.
[ ١ / ٦٩٣ ]
مالكِ بنِ أنسٍ" إلَّا أتاني آتٍ في المنام، فقال لي: هذا كلامُ رسولِ اللَّه -ﷺ- حقًّا (^١).
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ عمرٍو القاضي المالكيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا أبو طاهر، قال: حدَّثنا صفوانُ (^٢)، عن عمرَ بنِ عبدِ الواحدِ صاحب الأوزاعيِّ، قال: عَرَضْنا على مالك "الموطّأ" في أربعين يومًا، فقال: كتابٌ ألَّفْتُه في أربعين سنةً أخذتموه في أربعين يومًا، ما أقلَّ ما تَفْقَهون فيه.
حدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن (^٣) بنُ العبّاس الهاشميُّ، قال: حدَّثنا عبّاسُ بنُ عبدِ اللَّه التَّرْقُفيُّ، قال: قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْديٍّ: ما كتابٌ بعدَ كتابِ اللَّه أنفعُ للناسِ من "الموطّأ". أو كلامٌ هذا معناه.
وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحسنِ السِّيرافيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالح، قال: سمِعتُ أبي يقول: قال ابنُ وهب: مَن كتَب "موطَّأ مالك" فلا عليه ألّا يكتُبَ من الحلالِ والحرام شيئًا.
وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحسن، قال: سمِعتُ يحيى بنَ عثمان يقول: سمِعتُ سعيدَ بنَ
_________________
(١) أخرجه العلائيّ في بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس ص ٨٨ - ٨٩ من طريق الحسن بن رشيق، به. وسقطت لفظه "حقًا" من ق.
(٢) هو صفوان بن صالح الثقفي، أبو عبد الملك الدمشقي.
(٣) في ف ١: "عبد الواحد"، والمثبت من ق، ولم نقف على ترجمته. أما الراوي عنه فهو القاضي محمد بن أحمد بن محمد بن عمرو التستري المالكي، من كبار علماء مالكية البصرة بالعراق، توفي سنة ٣٤٥ هـ، وله كتاب في مناقب الإمام مالك في عشرين جزءًا. وترجمه القاضي عياض في ترتيب المدارك ٥/ ٢٦٨، والذهبي في تاريخ الإسلام ٧/ ٨٢٣.
[ ١ / ٦٩٤ ]
أبي مريمَ يقولُ وهو يُقرَأُ عليه "موطّأ مالك"، وكان ابنا أخيه قد رَحَلا إلى العراقِ في طلبِ العلم، فقال سعيدٌ: لو أنَّ ابنَي أخي مكَثا بالعراق عُمرَهما يَكتُبانِ ليلًا ونهارًا، ما أتيا بعلم يُشْبِهُ "موطّأ مالك بن أنس". أو قال: ما أتيا بسُنَّةٍ مُجْتَمَع عليها خلافَ "موطّأ مالك بنِ أنس".
وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا القاضي، قال: حدَّثني عليُّ بنُ الحُسين القطّان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ القَزْوينيُّ، قال: سمِعتُ يونسَ بنَ عبدِ الأعلى يقول: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: ما رأيتُ كتابًا أُلِّفَ في العلم أكثرَ صوابًا من "موطّأ مالك" (^١).
حدَّثنا أبو القاسم خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمرَ بنِ راشدٍ البَجَليُّ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمرٍو الدِّمشْقيُّ، قال (^٢): حدَّثنا أبو مُسْهِر، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيز، عن سليمانَ بنِ موسى، قال: إذا كان فِقْهُ الرَّجلِ حجازيًّا، وأدبُه عراقيًّا، فقد كَمُل.
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ ببغداد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه، ص ١٤٩ - ١٥٠، وفي تقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٢ من طريق يونس بن عبد الأعلى، به. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٨/ ١١١ معقّبًا على هذه الرواية: "قلت: هذا قاله قبل أن يؤلَّف الصحيحان". وقال ابن حجر في تغليق التعليق ٥/ ٤٢٤: "فإنما قال ذلك قبل وجود الكتابين (يعني الصحيحين) ثم إن كتاب البخاري أصحُّ الكتابين صحيحًا، وأكثرهما فوائد".
(٢) في تاريخه ص ٣١٥ - ٣١٦. وهو عند المصنف في جامع بيان العلم وفضله (١٥٤٩) و(٢١٧٧).
[ ١ / ٦٩٥ ]
الجَهْضَميُّ، قال: حدَّثنا الأصمعيُّ، عن سفيانَ بنِ عُيَينَة، قال: مَن أراد الإسنادَ والحديثَ المعروفَ الذي تَسْكُنُ إليه القلوبُ، فعليه بحديثِ أهلِ المدينة (^١).
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: أخبرنا عبدُ الرَّحمن بنُ عبد اللَّه محمدٍ الغافقيُّ الجَوهريُّ، قال (^٢): أخبَرني أحمدُ بنُ محمد (^٣) المَدنيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: قال محمدُ بنُ إدريس الشافعيُّ: إذا وَجَدْتَ مُتَقَدِّمِي (^٤) أهلِ المدينة على شيء، فلا يَدخُلْ عليك شكٌّ أنّه الحقُّ، وكلُّ ما جاءك من غيرِ ذلك فلا تَلتَفِتْ إليه؛ فإنّك تقعُ في اللُّجَج، وتقعُ في البحار.
قال (^٥): وحدَّثنا أبو الطّاهرِ القاضي محمدُ بنُ أحمدَ الذُّهْليُّ، قال: حدَّثنا جعفرٌ، قال: حدَّثنا أبو قُدامة، قال: قال عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ: السُّنَّةُ المتقدِّمةُ من سُنَّةِ أهلِ المدينةِ خير من الحديث. يعني حديثَ أهلِ العراق.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ سيفٍ التُّجيبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الحكم، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: إذا جاوزَ الحديثُ الحَرَّتَينِ ضَعُف نُخاعُه (^٦).
_________________
(١) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (٣٥) من طريق نصر بن علي الجهضميّ، به.
(٢) مسند الموطأ (٤١).
(٣) في ف ١ ق، م: "محمد بن أحمد المدني"، مقلوبٌ، وهو أبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو المدني الخامي، المتوفى سنة ٣٤١ هـ، وترجمته في معجم شيوخ أبي محمد ابن النحاس، الورقة (٣٧) وتاريخ الإسلام ٧/ ٧٦٥، وهو من الرواة المشهورين عن يونس بن عبد الأعلى.
(٤) في م: "متقدم"، خطأ، والمثبت من النسخ، وهو الذي في مسند الجوهري.
(٥) يعني الجوهريّ في مسند الموطأ (٥٦).
(٦) أخرجه البيهقي في المناقب ١/ ٥٢٥ - ٥٢٦، والخطيب في الجامع ٢/ ٤٣٤ (١٩٣٨) من طريق عبد اللَّه بن عبد الحكم، وكلاهما بلفظ "جاوز الحرمين" وعند الخطيب "ضعف سماعه"، وكلُّه تحريف، وما أثبتناه هو الصواب.
[ ١ / ٦٩٦ ]
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ عبدِ اللَّه بن محمد (^١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن النَّجِيرَميُّ (^٢)، قال: حدَّثنا العُتْبيُّ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ الشافعيَّ يقول: اذاجاوز الحديثُ الحَرَّتَينِ ضَعُفَ نُخاعُه (^٣).
وروى شعبةُ، عن عُمارةَ بنِ أبي حفصة، عن أبي مِجْلَز، عن قيسِ بنِ عُباد، قال: قَدِمْتُ المدينةَ أطلُبُ العلمَ والشَّرَف، وذكَر الحديث (^٤).
وأخبرنا عبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدِ بنِ مسرور، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ أبي سليمان، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ (^٥)، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: سمِعتُ مالكًا يقول: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يكتُبُ إلى الأمصارِ يُعَلِّمُهم السُّنَنَ والفقه، ويكتُبُ إلى المدينةِ يسألُهم عمّا مضَى وأنْ يعمَلوا بما عندَهم، ويكتبُ إلى أبي بكر بنِ عَمْرو بن حزم أن يَجْمَعَ السُّنَنَ ويكتُبَ إليه بها، فتوفِّي عُمرُ وقد كتَب ابنُ حزم كُتُبًا قبلَ أن يبعثَ بها إليه (^٦).
_________________
(١) هو الجوهريُّ، في مسند الموطأ (٤٢).
(٢) في ق: "النجيري"، محرف، وسقطت النسبة من م، والمثبت موافق لما في مسند الجوهري.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ص ١٥٣، ومن طريقه الخطيب في الجامع ٢/ ٤٣٤ (١٩٣٩) عن الربيع بن سليمان، به. وفيه لفظ: "الحرمين" بدل "الحرّتين"، وهو تحريف كما بيّنّا.
(٤) أخرجه يحيى بن معين في تاريخه - رواية الدوري (٤٥٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٥٣٥)، ومن طريقه عبد اللَّه بن أحمد في العلل ٢/ ٤٥٠ (٣٠٠١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٤٤٥ مطوّلًا، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٩/ ٤٣٦، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ١/ ١٣٨ (١٦٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ١/ ٨٠ (٣٠٥) جميعهم من طريق شعبة بن الحجّاج، به.
(٥) في ق: "إسحاق" تحريف.
(٦) أخرجه ابن مندة في الفوائد (٦٧) من طريق محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، عن عبد اللَّه بن وهب، به. وأورده القاضي عياض في ترتيب المدارك ١/ ٣٩ من طريق مالك بن أنس، به.
[ ١ / ٦٩٧ ]
قال ابنُ وهب: وحدَّثني مالكٌ، قال: كان أبو بكر بنُ حزم على قضاءِ المدينة. قال: ووَليَ المدينةَ أميرًا، وقال له يومًا قائل: ما أدري كيف أصنعُ بالاختلاف؟! فقال له أبو بكر بنُ حزم: يا ابنَ أخي، إذا وجَدْتَ أهلَ المدينةِ مجتمعينَ على أمرٍ فلا تَشُكَّ فيه أنّه الحقُّ.
قال ابنُ وَهْب: وقال لي مالكٌ: لم يكنْ بالمدينةِ قطُّ إمامٌ أخذ (^١) بحديثينِ مختلفين (^٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ اللَّه، قال (^٣): حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ الذُّهْليُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أبو قُدامةَ عبيدُ اللَّه بنُ سعيد، قال: سمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مهديٍّ يقول: ما أدركتُ أحدًا إلّا وهو يخافُ هذا الحديثَ إلّا مالكَ بنَ أنسٍ وحمّادَ بنَ سلمة، فإنَّهما كانا يجعلانِه من أعمالِ البرِّ.
قال: وقال عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ: السُّنَّةُ المُتقدِّمةُ من سُنّةِ أهلِ المدينةِ خيرٌ من الحديث. قال: وقال أبو قدامة (^٤): كان مالكُ بنُ أنسٍ أحفظَ أهلِ زَمانِه. وقال عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ، وقد سُئل: أيُّ الحديثِ أصحُّ؟ قال: حديثُ أهلِ الحجاز. قيل له: ثم مَن؟ قال: حديثُ أهلِ البصرة. قيل: ثم مَن؟ قال: حديثُ أهلِ الكوفة. قالوا: فالشّامُ؟ قال: فنفَضَ يدَه (^٥).
_________________
(١) في ق: "أخبر"، محرف.
(٢) ذكره المصنِّف في جامع بيان العلم وفضله (٢١٧٨) عن عبد اللَّه بن وهب، به.
(٣) هو الجوهريّ، في مسند الموطأ (٥٥) و(٥٦).
(٤) هو عبيد اللَّه بن سعيد، وهو في مسند الموطأ بالإسناد السالف قبله (٦٧).
(٥) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع ٢/ ٤٣٧ (١٩٤٨) عن ابن مهدي، بزيادة في آخره: "وللمصريين روايات مستقيمة، إلا أنها ليست بالكثيرة" وأخرجه من طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١/ ٣٦٣، وشكك ابن عساكر في ثبوت هذا الخبر.
[ ١ / ٦٩٨ ]
وذكَر الحسنُ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: ما أعلمُ الورعَ اليومَ إلّا في أهلِ المدينةِ وأهلِ مصر (^١).
قال أبو عُمر: لقد أحسنَ القائلُ (^٢):
أقولُ لِمَنْ يَرْوي الحديثَ ويكتُبُ ويَسْلُكُ سُبْلَ الفقهِ فيه ويَطْلُبُ
إنَّ احْبَبْتَ أنْ تُدعَى لدى الخلقِ (^٣) عالمًا فلا تَعْدُ ما تَحْوي من العلمِ يَثْرِبُ
أتتْرُكُ دارًا كان بين بيوتِها يروحُ ويَغْدُو جِبرَئيلُ المُقرَّبُ
ومات رسولُ اللَّه فيها وبعدَهُ بسُنَّتِه أصحابُه قد تأدَّبوا
وفُرِّق شملُ العلم في تابِعيهِمُ وكلُّ امرئ منهم له فيه مذهبُ
فخَلَّصه بالسَّبكِ للناسِ مالكٌ ومنه صحيحٌ في المَجسِّ وأجرَبُ
فأبْرا بتصحيحِ الرِّوايةِ داءَه وتصحيحُها فيه دواءٌ مجرَّبُ
ولو لم يَلُحْ نورُ المُوطّا لمَن سَرَى بليلٍ عَمَاه ما دَرى أين يذهبُ
أيا طالبًا للعلمِ إنْ كنتَ تطلُبُ حقيقةَ علمِ الدِّينِ مَحْضًا وتَرْغَبُ (^٤)
فبادرْ موطَّا مالكٍ قبلَ فَوْتِه فما بعدَهُ إن فات للحقِّ مطلَبُ
_________________
(١) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٤٨٤ من طريق عبد اللَّه بن صالح، به.
(٢) وقائلها هو سعدون الورجيني، من شعراء إفريقية، كان يمدح بني الأغلب ويلي أعمالهم (ترجمته مختصرة تجدها عند القاضي النعمان الإسماعيلي افتتاح الدعوة (٣٠٠». والأبيات في ترتيب المدارك للقاضي عياض ٢/ ٧٧، وكشف المُغطّى في فضل الموطا لأبي القاسم ابن عساكر ١/ ٤٤، والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون ١/ ١٢١، والحطّة في ذكر الصحاح الستة للقنّوجي ١/ ١٦٠.
(٣) في ق، ف ١: "الحقّ"، خطأ بيّن، والمثبت من المدارك وغيره.
(٤) هذا البيت لم يرد في ق.
[ ١ / ٦٩٩ ]
ودع للموطَّا كلَّ علمٍ تُريدُهُ فإنَّ الموطَّا الشمسُ والعلمُ كوكبُ
هو الأصلُ طاب الفَرْعُ منه لطيبِهِ ولِمْ لا يطِيبُ الفرعُ والأصلُ طَيِّبُ
هو العلمُ عندَ اللَّه بعدَ كتابِهِ وفيه لسانُ الصِّدقِ بالحقِّ مُعرِبُ
لقد أعْرَبَتْ آثارُه ببيانِها فليس لها في العالَمينَ مُكَذِّبُ
وممّا به أهلُ الحجازِ تفاخَروا بأنَّ الموطَّا بالعراقِ مُحَبَّبُ
وكلُّ كتابٍ بالعراقِ مُؤلَّفٌ نَراه بآثارِ الموطَّأِ يَعْصبُ (^١)
ومَن لم تكنْ كتْبُ الموطَّا ببيتِهِ فذاك مِن التَّوفيقِ بيتٌ مُخَيَّبُ
أتعجبُ منه إذْ علا في حياتِه تعالِيه مِن بعدِ المَنِيَّةِ أعجبُ
جزَى اللَّهُ عنّا في موطَّاهُ مالكًا بأفضلَ ما يُجزَى اللَّبِيبُ المُهَذَّبُ
لقد أحسَن التَّحصيلَ في كلِّ ما روَى كذا فِعْلُ مَن يَخْشَى الإلهَ وَيرْهَبُ (^٢)
لقد رفَع الرحمنُ بالعلمِ (^٣) قدرَهُ غلامًا وكَهْلًا ثم إذْ هو أشْيَبُ
فمَنْ قاسَه بالشمسِ يَبْخَسْه حقَّهُ كلَمْعِ نُجومِ الليلِ ساعَةَ تغْرُبُ
يَرَى علمَهم أهلُ العراقِ مُصَدَّعًا إذا لم يَرَوْهُ بالموطَّأِ يَعْصِبُ
وما لاح نورٌ لامرِئٍ بعدَ مالكٍ فذِمَّتُه من ذمَّةِ الشمسِ أوجبُ
لقد فاق أهلَ العلمِ حيًّا ومَيِّتًا فاضْحَتْ به الأمثالُ في الناسِ تُضْرَبُ
وما فاقَهمْ إلَّا بتقوى وخَشْيةٍ وإذْ كان يَرْضَى في الإلهِ ويَغْضَبُ
_________________
(١) كذلك.
(٢) الأبيات الأربعة الآتية لم ترد في ق.
(٣) في ف ١: "في العلم".
[ ١ / ٧٠٠ ]
فلا زال يَسْقِي قبرَه كلُّ عارضٍ (^١) بمُنْبَعِقٍ (^٢) ظلَّتْ عَزالِيهِ (^٣) تَسْكُبُ
ويَسْقِي قُبورًا حولَهُ دونَ سَقْيهِ فيصبحُ فيها بينَها وهْوَ مُعْشِبُ
وما بيَ بُخْلٌ أنْ تَسَقَّى كسَقْيِهِ ولكنَّ حقَّ العلْمِ أوْلى وأوجَبُ
فلِلَّهِ قبرٌ دمعُنا فوقَ ظهرِهِ وفي بطنِه وَدْقُ (^٤) السَّحائبِ تُسْكَبُ (^٥)
وقال غيرُه (^٦):
ألا إنَّ فَقْدَ العلمِ في فقدٍ مالكٍ فلا زال فينا صالحَ الحالِ مالكُ
فلولاه ما قامتْ حقوقٌ كثيرةٌ ولولاه لانْسَدَّتْ علينا المسالكُ
يُقِيمُ سبيلَ الحقِّ والحقُّ واضحٌ ويَهْدِي كما تَهْدِي النُّجومُ الشَّوابِكُ
وقال آخَرُ (^٧) في مالكٍ ﵀:
_________________
(١) العارضُ: هو السحاب المُعْتَرِض في الأُفق. الصحاح (عرض).
(٢) في مصادر التخريج عدا كشف المغطّى "بمندفق"، وفي كشف المغطّى "بمنبثق" ومعانيها متقاربة. يقال: انبعق المطرُ: إذا سال لكثرته. وانبعق المُزْن: إذا انبعج بالمطر، وانبثق الماء: إذا انفجر. ينظر: الصحاح (بعق)، والمحكم لابن سيده ١/ ٣٤٥، وجمهرة اللغة لابن دريد ١/ ٢٦٠.
(٣) العزالي والعَزالى: جمع العَزْلاء: فم المزادة الأسفل، أو مصبُّ الماء من الراوية أو المزادة حيث يُستفرغ ما فيها. ينظر: الصحاح والمحيط في اللغة (عزل).
(٤) الوَدْق: المطر. ينظر: اللسان (ود ق).
(٥) هذا البيت لم يرد في ق، ولا في المدارك.
(٦) هو أبو المعافى "ترتيب المدارك" ٢/ ١٦١، وقال القاضي عياض عن هذه الأبيات: "وبعضهم يزيد فيها على بعض ويذكر بعضها لأبي المعافى".
(٧) روى أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣١٨ - ٣١٩ هذين البيتين بسنده إلى أبي يونس المدني - محمد الجمحي - عن بعض المدنيين، وعزاهما القاضي عياض في موضع من ترتيب المدارك ٢/ ٣٤ إلى سفيان الثوري، وفي موضع آخر ٢/ ١٦١ إلى عبد الله بن سالم الخياط. ونسبهما الذهبي في السير ٨/ ١١٣ إلى مصعب بن عبد الله الزُّبيري.
[ ١ / ٧٠١ ]
يَأبَى الجوابَ فما يُراجَعُ هيبةً والسَّائلونَ نواكِسُ الأذقانِ
أدبُ الوَقارِ وعِزُّ سلطانِ التُّقَى فهْوَ المطاعُ وليس ذا سلطانِ
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ بنِ العبّاس، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ منيِّر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ جَنّاد، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ عبدِ الله الزُّبَيْرِيُّ، قال: قال سفيانُ بنُ عيينة: نرى أنَّ هذا الحديثَ الذي يُرْوَى عن النبيِّ - ﷺ -: "تُضْرَبُ أكبادُ الإبلِ فلا يَجِدونَ أعلَمَ من عالِم المدينة" أنّه مالكُ بنُ أنس.
وقال مصعبٌ: وكنتُ إذا لَقيتُ سفيانَ بنَ عيينةَ سألني عن أخبارِ مالك (^١).
قال أبو عُمر: وهذا الحديثُ حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال (^٢): حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد،
_________________
(١) = وقال الزبير بن بكار في الأخبار الموفقيات (٢٨٩): أنشدني الزبير لابن الخياط: يأبى الجواب. ونسبهما الجاحظ في الحيوان ٣/ ٢٣٨، والمبرد في الكامل ٢/ ٨٤٨ إلى ابن الخياط. وأخرجهما العلائي في بغية الملتمس (٧٣) من طريق السِّلفي عن الطيوري بسنده إلى ابن وهب. وفيه اختلاف بالألفاظ عندهم.
(٢) أخرجه الجوهريُّ في مسند الموطأ (٣٤) من طريق إبراهيم بن جنّاد، به.
(٣) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٢/ ٣٤٠ (٣٢٦٠). وأخرجه الحميدي في مسنده (١١٤٧)، وأحمد في المسند ١٣/ ٣٥٨ (٧٩٨٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٣٤٦، والترمذي (٢٦٨٠)، والبزار في مسنده ١٥/ ٣٥٣ (٨٩٢٥)، والنسائي في الكبرى ٤/ ٢٦٣ (٤٢٧٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠/ ١٨٦ (٤٠١٦) و١٠/ ١٨٨ (٤٠١٨) من طرق عن سفيان بن عيينة، به. ورجال إسناده ثقات غير أبي الزبير وهو محمد بن مسلم بن تدرس، فهو صدوق حسن الحديث، إلّا أن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز مدلّس، ولا يدلّس إلا عن الضعفاء، وقد عنعن هنا ولم يصرِّح بالسماع من أبي الزبير، وهو مدلّس أيضًا وقد عنعن. وقال الذهبي بعد أن ساقه بروايته: هذا حديث نظيف الإسناد غريب المتن، رواه عدة عن سفيان بن عيينة وقد رواه المحاربي عن ابن جريج موقوفًا. ويروى عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن جريج مرفوعًا. (سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٦).
[ ١ / ٧٠٢ ]
قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن ابنِ جريج، عن أبي الزُّبَيْر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "يوشكُ النّاسُ أن يَضْرِبوا أكبادَ الإبلِ فلا يجِدُون عالِمًا أعلمَ من عالِم المدينة".
وقال سعيدُ بنُ عبدِ الجبّار: كنا عندَ سفيانَ بنِ عيينة، فأتاه نَعيُّ مالكِ بنِ أنس، فقال: مات والله سيِّدُ المسلمين (^١).
وروى (^٢) الحارثُ بنُ مِسْكين، قال: أخبَرنا أشْهَبُ بنُ عبدِ العزيز، قال: سألتُ المغيرةَ المَخْزُوميَّ - مع تَباعُدِ ما كان بينَه وبينَ مالك - عن مالكٍ وعبدِ العزيز، فقال: ما اعتَدَلا في العلْم قطُّ. ورفَع مالكًا على عبدِ العزيز (^٣).
وبَلَغني عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الله اليَسَاريِّ (^٤) الأصَمِّ صاحبِ مالك، أنّه قال: قال لي مالك بن أنس: ما يقولُ الناسُ في "مُوطَّئي"؟ فقلتُ له: الناسُ رجُلان؛ مُحِبٌّ مُطْرٍ، وحاسِدٌ مُفْتَرٍ. فقال له مالكٌ: إنْ مُدَّ بك العُمُرُ (^٥)، فسترى ما يُرادُ اللهُ به (^٦).
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عمرٍ والقاضي المالكيُّ، قال: حدَّثني المُفضَّلُ بنُ محمدِ بنِ حربٍ المدنيُّ، قال: أوَّلُ من
_________________
(١) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ ١١٥ (٩٥) من طريق موسى بن سهل عن سعيد بن عبد الجبار، به.
(٢) هذه الفقرة لم ترد في ق.
(٣) ذكره المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ٢٣ عن الحارث بن مسكين، به. وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٨/ ٧٤ عن أشهب بن عبد العزيز، به.
(٤) وقع في بعض النسخ والمطبوعات: "النيسابوري"، وهو تحريف بيّن، وهو مطرِّف بن عبد الله بن مطرّف بن سليمان بن يسار اليساري الهلالي المدني، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - وابن أخت مالك بن أنس، كما في تهذيب الكمال ٢٨/ ٧٠ - ٧١.
(٥) في ق: "عمر"، والمثبت من ف ١، وهو الذي في ترتيب المدارك.
(٦) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك ٢/ ٧٦ عن مطرِّف بن عبد الله اليساري، به.
[ ١ / ٧٠٣ ]
عمِل كتابًا بالمدينةِ على معنى "الموطَّأ"، من ذكْرِ ما اجتمع عليه أهلُ المدينة؛ عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله بنِ أبي سلَمَةَ الماجِشُونُ، وعَمِل ذلك كلامًا بغيرِ حديث.
قال القاضي: ورأيتُ أنا بعضَ ذلك الكتاب، وسَمِعتُه ممَّنْ حدَّثني به، وفي "موطَّأ ابنِ وهب" منه عن عبدِ العزيزِ غيرُ شيء.
قال: فأُتي به مالكٌ، فنظَر فيه، فقال: ما أحسنَ ما عَمِل، ولو كنتُ أنا الذي عَمِلْتُ، لبَدأْتُ بالآثار، ثم شددْتُ ذلك بالكلام. قال: ثم إنَّ مالكًا عزَم على تَصْنيف "الموطّأ"، فصَنَّفَه، فعَمِل مَن كان بالمدينةِ يومئذٍ من العُلماء "الموطَآت"، فقيل لمالك: شغَلْتَ نفسَكَ بعملِ هذا الكتاب، وقد شَرِكَك فيه الناسُ، وعمِلوا أمثالَه. فقال: ائْتُوني بما عمِلوا، فأتِيَ بذلك، فنظَر فيه، ثم نبَذه، وقال: لتعْلَمُنَّ أنّه لا يَرتَفِعُ من هذا إلّا ما أُرِيدَ به وجهُ الله. قال: فكانما ألقِيتْ تلك الكُتبُ في الآبار، وما سُمِع لشيءٍ منها بعدَ ذلك بذكْر (^١).
حدَّثني أبو القاسم أحمدُ بنُ فتح بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الرَّازيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ الفرج، قال: حدَّثنا أبو عَدِيٍّ محمدُ بنُ عديٍّ بن أبي بكر الزُّهريُّ، قال: رأيْتُ مالكَ بنَ أنسِ بنِ أبي عامرٍ الأصْبَحيَّ لم يكُن يَخْضِبُ، ومات أبيضَ الرأسِ واللِّحية، وشَهِدْتُ جِنازتَه.
قال أبو عُمر: أبو عَدِيٍّ هذا هو محمدُ بنُ عَدِيِّ بنِ أبي بكر بنِ إبراهيمَ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ الزُّهريُّ، لا أعلمُ له روايةً عن مالك، وهو يروِي عن عبدِ الله بنِ نافع وغيرِه من أصحابِ مالك.
ووُلِد مالكُ بنُ أنسٍ ﵁ سنةَ ثلاثٍ وتسعين فيما ذكَره ابنُ بُكَير (^٢).
_________________
(١) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك ٢/ ٧٥ - ٧٦، والقاسم بن يوسف التُّجيبيّ في برنامجه ص ٦٢.
(٢) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ ١١٦ (١٠٠) عن يحيى بن بكير.
[ ١ / ٧٠٤ ]
وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم: وُلِد مالكُ بنُ أنسٍ سنةَ أربع وتسعين (^١). قال محمدٌ: وفيها وُلِد اللَّيْثُ بنُ سعد.
ولا خِلاف أنّه مات سنةَ تِسع وسبعين ومئة (^٢)، وفيها مات حَمّادُ بنُ زيد.
وقال أبو رِفاعةَ عُمارةُ بنُ وَثِيمةَ بنِ موسى: وُلِد مالكٌ في ربيع الآخرِ سنةَ أربع وتسعين (^٣).
وتوفِّي بالمدينةِ لعشرٍ خَلَون من ربيع الأوَّل، سنةَ تسع وسبعين ومئة، مَرِض يومَ الأحد، ومات يومَ الأحد، لتمام اثنين وعشرين يومًا، وغسَّله ابنُ كِنانةَ وسعيدُ بنُ داودَ بنِ أبي زَنْبَر، قال حبيبٌ: وكنتُ أنا وابنُه يحيى بنُ مالكٍ نَصُبُّ الماءَ. ونزَل في قَبْرِه جماعةٌ.
قال أبو عُمر: كان لمالكٍ ﵀ أربعةٌ من البنينَ؛ يحيى، ومحمدٌ، وحمّادةُ، وأمُّ أبيها (^٤). فأمّا يحيى وأمُّ أبيها (^٥)، فلم يُوصِ بهما إلى أحد، فكانا مالكينِ لأنفسِهما. وأمّا حمّادةُ ومحمدٌ، فأوصى بهما إلى إبراهيمَ بنِ حبيب، رجلٍ من أهلِ المدينة، كان مشارِكًا لمحمدِ بنِ بشير.
وأوصى مالكٌ رحمةُ الله عليه أن يُكَفَّنَ في ثيابٍ بياض، ويُصلَّى عليه في موضع الجنائز، فصلَّى عليه عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ
_________________
(١) ينظر: ترتيب المدارك ١/ ١١٨.
(٢) ذكره عبد الله بن أحمد في العلل، عن أبيه ٣/ ١٤٧ (٤٦٤٦) وزاد زيادة لطيفة، فقال: "وهي السنة التي طلبت فيها الحديث"، وذكره ابن المديني في علله ٧٤ (١١٣)، وخليفة بن خياط في تاريخه (٤٥١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ١٧٠، وابن قتيبة في المعارف (٤٩٨) وغير هم.
(٣) ينظر: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ١٠.
(٤) في م: "أم ابنها"، والمثبت من ق، ولا وجود في الأسماء "أم ابنها".
(٥) كذلك.
[ ١ / ٧٠٥ ]
عبدِ الله بنِ عبّاس، وكان واليًا على المدينةِ من قبلِ أبيه محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عليٍّ وحَضَر جِنازتَه ماشيًا، وكان أحدَ من حمَل نعْشَه. وبلَغ كفنُه خمسةَ دنانير، وترَك ﵀ من النّاضِّ (^١) ألفَيْ دينار، وستَّ مئةِ دينار، وتسعةً وعشرين دينارًا، وألفَ درهم، فكان الذي اجتَمَع لورثَتِه ثلاثةَ آلافِ دينارٍ وثلاثَ مئةِ دينارٍ ونَيِّفًا، فقبَض إبراهيمُ بنُ حبيبٍ مالَ محمدٍ وحمّادة، وقبَض يحيى مالَه (^٢)، كذلك أمُّ أبيها قبَضتْ مالَها.
وكان الذي خَلَف مالكًا في حلْقتِه عثمانُ بنُ عيسى بن كِنانة، وحجَّ هارونُ الرَّشيدُ عامَ مات مالكٌ، فوَصَل يحيى بنَ مالكٍ بخمسِ مئة دينار، ووَصَل جميعَ الفقهاءِ يومئذٍ بصِلاتٍ سَنِيّة.
ذكَر ذلك كلَّه إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيس، وعبدُ العزيز بنُ أبي أُويس، وحبيبٌ، وعُمارةُ بنُ وثِيمةَ وغيرُهم، دخَل كلامُ بعضِهم في بعض، واللهُ المستعان.
وقال البخاريُّ (^٣): مالكُ بنُ أنسِ بنِ مالكِ بنِ أبي عامرٍ الأصْبَحيُّ، كُنيتُه أبو عبدِ الله، حَليفُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عثمانَ بنِ عُبيدِ الله التَّيْميِّ (^٤) القُرَشيِّ ابنِ أخي طلحةَ بنِ عُبيدِ الله، كان إمامًا، روَى عن (^٥) يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ.
_________________
(١) قوله: "الناضّ" قال أبو عبيد عن الأصمعيّ: اسم الدراهم والدنانير عند أهل الحجاز الناضّ، وإنما يُسمُّونه ناضًّا إذا تحوَّل عينًا بعد أن يكون متاعًا. وفِعْلُه: نضَّ المالُ، أىِ: صار عينًا بعدما كان متاعًا. ينظر: تهذيب اللغة للأزهري ١١/ ٣٢٢.
(٢) في ف ١: "ماله كلَّه".
(٣) ينظر شيء منه في التاريخ الكبير ٧/ ٣١٠ (١٣٢٣).
(٤) هكذا ذكر ابن سعد في طبقاته (٩/ الورقة ٢٥٠)، وعبد الرحمن صحابي أسلم في الحديبية، وقيل: عام الفتح، وقتل في مكة مع ابن الزبير سنة ٧٣ هـ. والذي في تاريخ البخاري الكبير أنهم حلفاء لوالده عثمان بن عبيد الله التيمي، وكذا قال المزّي في تهذيب الكمال ٢٧/ ٩٣.
(٥) في ق، م: "عنه" وهو غلط محض.
[ ١ / ٧٠٦ ]
وأخبرني أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ الفرج أبو الزِّنْباع، قال: سمِعتُ أبا مُصْعَبٍ يقول: مالكُ بنُ أنسٍ من العربِ صَليبة (^١)، وحِلْفُه في قُريشٍ في بني تَيْم بنِ مُرّة (^٢).
وقال خليفةُ بنُ خيّاط (^٣): مالكُ بنُ أنس بنِ أبي عامرٍ من ذي أصْبَحَ مِن حِمْيَر، مات سنةَ تسع وسبعين ومئة، يكنى أبا عبدِ الله.
وقال الواقِديُّ: عالش مالكٌ تسعين سنة (^٤).
وقال سُحْنُونٌ، عن عبدِ الله بنِ نافع: إنَّ مالكًا توفِّي وهو ابنُ سبع وثمانين سنةً، سنةَ تسْع وسبعين ومئة، وأقام مُفْتيًا بالمدينةِ بينَ أظهُرِهم ستين سنة (^٥).
قال أبو عُمر: لا أعْلَمُ في نسَبِه اختلافًا بين أهلِ العلْم بالأنساب؛ أنّه مالكُ بنُ أنسِ بنِ مالكِ بنِ أبي عامر بنِ عمرِو بنِ الحارثِ بنِ عثمانَ بنِ خُثيلِ (^٦) بنِ عمرِو بنِ الحارث، وهو ذو أصْبَح، إلّا أن بعضَهم قال في عثمان:
_________________
(١) يعني خالص النَّسب. تاج العروس (صلب).
(٢) سيأتي لاحقًا خبر تحالف جدِّه مالك بن أبي عامر مع عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وانظر: الطبقات الكبير لابن سعد ٧/ ٦٧، وتاريخ ابن أبي خيثمة ٢/ ٣٤٨ (٣٢٩٥).
(٣) في الطبقات، ص ٤٧٩ (٢٤٧٩).
(٤) ينظر: ترتيب المدارك ١/ ١٢٢، والديباج المذهب ١/ ٩١.
(٥) ينظر: ترتيب المدارك ١/ ١٢٠.
(٦) في ق: "جثيل" وقد اختلف في ضبطه، فقال الدارقطني في المؤتلف والمختلف ٢/ ٧٦٩ وغيره: جُثيل، بجيم ثم بمثلثة، وقال ابن سعد في الطبقات الكبير ٧/ ٦٦ وغيره: خثيل، بالخاء المعجمة، ووافقه ابن ماكولا في اجممال ٢/ ٥٦٦ مخالفًا الدارقطني، ورجح الذهبي خثيل بالخاء المعجمة (السير ٨/ ٧١).
[ ١ / ٧٠٧ ]
غَيْمان (^١). بالغينِ المنقُوطةِ والياءِ المنقُوطَةِ من أسفَلَ باثنتَيْن، وفي خُثَيل: جُثَيلٌ. وقد قيل: حِسْل.
وقيل في اسم أُمِّه: العاليةُ (^٢) بنتُ شَريكِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ شَريكٍ، من الأزْد. وحُمِل به سنتين، وقيل: ثلاثَ سنين (^٣). في بَطْنِ أُمِّه، وكان أشْقَرَ شديدَ البياض، رَبْعةً إلى الطُّولِ، كبيرَ الرأس، أصْلَعَ، ولم يكُنْ بالطَّويل، رحمةُ الله ورِضوانُه عليه.
روَى عنه جماعةٌ من الأئمّةِ وحدَّثوا عنه، وكلُّهم مات قبلَه بسنين، ولو ذكَرْناهم لطال الكتابُ بذِكْرِهم وذِكْرِ وفاةِ كلِّ واحدٍ منهم.
واختلَف أهلُ العلم بالنَّسبِ بعد أصبَحَ في رفعِه إلى آدمَ ﵇ ما لم أرَ لذِكْرِه هاهُنا معنًى، وقد ذكَرْنا أنَّ ذا أصبَحَ من حِمْيَرَ في كتابِنا (^٤)؛ "كتاب القبائل التي روَتْ عن النبيِّ - ﷺ -" (^٥)، فأغنَى عن إعادتِه هاهنا.
_________________
(١) اختلف في ضبطه، والأكثر يضبطونها (غَيمان) بفتح المعجمة، ورجح هذا الذهبي في السير ٨/ ٧١، وهكذا قيده الفيروزآبادي في القاموس المحيط في الغَيم، وقال: غَيمان بن خثيل: جد للإمام مالك.
(٢) أورد اسمها ابن حبان في الثقات ٧/ ٤٥٩، والجوهري في مسند الموطأ (١١٩)، وابن حزم في جمهرة أنساب العرب ١/ ٤٣٦.
(٣) قال ابن حزم في المُحَلّى ١٠/ ٣١٦: "لا يجوز أن يكون الحمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر". وهذا ما أثبته الطب الحديث خلافًا لما كان يعتقد سابقًا!
(٤) يعني كتاب الإنباه على قبائل الرُّواة ص ١٣٣، ط. دار الكتاب العربي.
(٥) انظر: نسب معدّ واليمن للكلبي ٢/ ٥٣٤ - ٥٤٢، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٣٦ وما قبله)، وفيها جميعًا نسبة أصبح إلى حمير بن سبأ. وذكر هذا خليفة بن خياط في الطبقات (٤٣)، وابن ماكولا في الإكمال ١/ ٩٨ - ٩٩ وغيرهم. وخالف ابن سعد، فذكر في الطبقات الكبرى ٧/ ٦٧ نسبة أصبح إلى كهلان بن سبأ، وقال: "هكذا نسبه لي أبو بكر بن عبد الله بن أويس، ابن عم مالك".
[ ١ / ٧٠٨ ]
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ جعفر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنُ عبدِ السَّلام الخفّافُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال (^١): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأُويسيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال، عن نافع بنِ مالكِ بنِ أبي عامر، عن أبيه، قال: قال لي عبدُ الرَّحمنِ بنُ عثمانَ بنِ عُبيدِ الله التَّيْميُّ: يا مالكُ، هل لك إلى ما دعانا إليه غيرُك فأبينا عليه؛ أنْ يكونَ دَمُنا دَمَك، وهَدمُنا هَدمَك (^٢)، ما بَلَّ بحرٌ صُوفَةً (^٣)؛ فأجَبْتُه إلى ذلك (^٤).
أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ يعقوبَ بنِ سُوَيْدٍ الوَرّاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج المَهْريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذرِ الحِزاميُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال:
_________________
(١) التاريخ الأوسط ٢/ ٩٣٢ - ٩٣٣ (٧٠٤).
(٢) قال ابن الجوزي في قوله: "هدمي هدمك" بعضُهم يُسكّن الدال، فمن فتح أراد ما انهَدَم، قال ابن الأعرابي: "العرب تقول: هدمي هدمك؛ بفتح الدال، والهدم: القبر، سُمّيَ بذلك لأنه إذا حُفِر رُدّ تُرابه عليه، فهو هدمه". والمعنى: إذا طُلب دمُكم فقد طُلب دمي، وإن أُهدِرَ دمُكم فقد أُهدِرَ دمي، لاستحكام الأُلفة بيننا، وهو قولٌ معروف للعرب، يقولون: دمي دمُك، وهدْمي هدْمُك، وذلك عند المعاهدة والنُّصرة. ينظر: غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٢١، ٤٩٣، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٥١.
(٣) صوف البحر: شيءٌ على شكل الصوف الحيواني، واحدتُه صُوفة، ومن الأبديّات قولهم: لا أتيك ما بلَّ صُوفَهُ، وحكى اللحياني: ما بلَّ البحر صوفة؛ قاله ابن سيده في المحكم ٨/ ٣٨٣.
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٧/ ٦٧ عن أبي بكر الأويسي، عن عم جده الربيع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه مثله. وأخرجه الجوهري في مسند الموطأ (١٠٤) من طريق الخفاف عن البخاري، به.
[ ١ / ٧٠٩ ]
كان نَقْشُ خاتم مالكِ بنِ أنس: "حسبيَ اللهُ ويعْمَ الوكيلُ". فسُئِل عن ذلك، فقال: سمِعتُ اللهَ ﵎ يقول لقوم، قالوا: حسبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (^١).
وأخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيْر، قال: مات مالكُ بنُ أنسٍ في ربيع الأوّلِ سنةَ تسع وسبعين ومئة، ووُلِد سنةَ ثلاثٍ وتسعين (^٢).
قال أبو عُمر: كذا يقولُ ابنُ بُكَيْر، وغيرُه يُخالفُه (^٣) على ما ذكَرْنا في كتابِنا هذا. وبالله توفيقُنا.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٧/ ٥٧١ عن مطرف بن عبد الله اليساري، وقال مطرف بعد سماعه الجواب من مالك - وهو السائل -: "فمحوت نقش خاتمي ونقشته حسبي الله ونعم الوكيل".
(٢) أخرجه الجوهري في مسند الموطأ (١٠٠) من طريق يحيى بن بكير، به.
(٣) في ق: "يخالف".
[ ١ / ٧١٠ ]