إسحاقُ، عن رافع بن إسحاق، حديثانِ: حديثٌ حاديَ عشَرَ لإسحاقَ
مالكٌ (^١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، أن رافعَ بنَ إسحاقَ مولى الشِّفَاء أخبَره، قال: دخَلتُ أنا وعبدُ اللَّه بنُ أبي طلحةَ على أبي سعيدٍ الخدريِّ نَعودُه، فقال لنا أبو سعيدٍ: أخبَرنا رسولُ اللَّه -ﷺ- أنَّ الملائكةَ لا تدخُلُ بيتًا فيه تماثيلُ أو تصاويرُ. يشُكُّ إسحاقُ، لا يدري أَيَّتهما قال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ (^٢).
قال أبو عُمر: هذا أصحُّ حديثٍ في هذا البابِ، وأحسنُه إسنادًا. وقال فيه زيدُ بنُ الحُبابِ: عن مالكٍ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن رافع بنِ إسحاقَ بنِ طلحةَ. ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، عن زيدٍ (^٣).
وقد رُوِيَ من حديثِ عليٍّ (^٤)، وابنِ عباسٍ (^٥)، وأُسامةَ بنِ
_________________
(١) الموطأ ٢/ ٥٥٥ (٢٧٧١).
(٢) قوله: "أبو سعيد الخدري" لم يرد في ف ١، وهو ثابت في الأصل، ق.
(٣) لم نقف عليه في المصنَّف، فلعله ذكره في مسنده.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٦٥ (٦٣٢)، وأبو داود (٢٢٧) و(٤١٥٢)، والنسائي في المجتبى (٢٦١)، وفي الكبرى ١/ ١٧٢ (٢٥٣)، والبزار في مسنده ٣/ ٩٩ (٨٨٥)، وأبو يعلى في مسنده ١/ ٢٦٥ (٣١٣)، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٥ (١٢٠٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٧١ من طرق عن شعبة بن الحجاج، عن عليّ بن مدرك، عن أبي زرعة عمرو بن جرير بن عبد اللَّه البَجليّ، عن عبد اللَّه بن نُجَيّ الحضرمي الكوني، عن أبيه، عن عليّ ﵁. وإسناده ضعيف، عبد اللَّه بن نُجَيّ ضعيف يعتبر بحديثه، وأبوه: مجهول تفرد بالرواية عنه ابنه وهو ضعيف كما ذكرنا، ولم يوثّقه سوى العجلي وهو معروف بالتساهل في توثيق الكوفيِّين، وينظر تفصيل القول فيهما: تحرير التقريب (٣٦٦٤) و(٧١٠٢)، والحديث في الصحيحين من حديث أبي طلحة زيد بن سهل ﵁، البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٢١٠٦)، ومن حديث عائشة ﵂، البخاري (٥٩٦١)، ومسلم (٢١٠١).
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٠٦ (٢٥٠٨)، والبخاري (٣٣٥١)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٤٥٥ (٩٦٨٧) من حديث كريب مولى ابن عباس، عنه ﵄.
[ ١ / ٥٤٠ ]
زيدٍ (^١)، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "لا تَدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه صُورةٌ".
وقيل في الملائكة هاهُنا: ملائكةُ الوَحْي. وقيل: بل كُلُّ مَلَكٍ، على ظاهرِ اللفظِ. كما أنَّ لفظَ "بيتٍ" على لفظِ النَّكِرةِ يقتَضِي كلَّ بيتٍ، واللَّهُ أعلمُ.
وظاهرُ هذا الحديثِ يقتَضِي الحَظْرَ عن استعمالِ الصُّوَرِ على كلِّ حالٍ؛ في حائطٍ كانت أو في غيرِه.
ومثلُه حديثُ نافع، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، في النُّمرُقَةِ التي فيها تَصاويرُ (^٢).
وقد استَثْنَى في حديثِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ: "إلَّا ما كان رَقْمًا في ثوبٍ" (^٣).
واختَلَف الناسُ في الصُّوَرِ المكروهَةِ؛ فقال قومٌ: إنَّما كُرِه من ذلك ما له ظلٌّ، وما لا ظلَّ له فليس به بأسٌ.
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (٦٦١)، وابن أبي شيبة في المصنّف (٢٥٧١٢)، وأحمد في المسند ٣٦/ ١٠٧ (٢١٧٧٢)، والبزار في مسنده ٧/ ٤٢ (٢٥٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٨٣ (٦٩٢١)، وفي شرح مشكل الآثار ٢/ ٣٤٠ (٨٨٧)، والطبراني في الكبير ١/ ١٦٢ (٣٨٧) من طرق عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن القرشي، عن كريب مولى ابن عباس، عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، عن أسامة بن زيد ﵁. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات غير الحارث بن عبد الرحمن القرشي المدني خال ابن أبي ذئب فهو صدوق حسن الحديث. وسيأتي من هذا الطريق في أثناء شرح الحديث الثالث والثلاثين لنافع عن عبد اللَّه بن عمر في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٥٨ (٢٧٧٣)، وهو الحديث الثالث والسبعون لنافع، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٥٥ (٢٧٧٢) عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد اللَّه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن سهل بن حُنيف ﵁، وهو الحديث التاسع لأبي النضر، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٥٤١ ]
وقال آخَرون: ما قُطِع رأسُه فليس بصورةٍ.
وقال آخرون: تُكرَهُ الصورةُ في الحائطِ وعلى كلِّ حالٍ، كان لها ظِلٌّ أو لم يكنْ، إلَّا ما كان في ثَوْبٍ يُوطَأُ ويُمتهَنُ.
وقال آخَرون: هي مَكرُوهَة في الثِّيابِ وعلى كلِّ حالٍ. ولم يَستَثنُوا شيئًا، وروَتْ كلُّ طائفةٍ منهم بما قالَتْه أثَرًا اعتمَدَتْ عليه وعمِلَتْ به.
وأمَّا اختِلافُ فقهاءِ الأمصارِ أهلِ الفتوَى في هذا البابِ؛ فذكَر ابنُ القاسم (^١)، قال: قال مالكٌ: يُكْرَهُ التماثيلُ في الأسرَّةِ والقِبابِ، وأمَّا البُسُطُ والوسائدُ والثِّيابُ، فلا بأسَ به. وكَرِه أن يُصَلَّى إلى قبلةٍ فيها تماثيل.
وقال الثوريُّ (^٢): لا بأسَ بالصُّوَرِ في الوسائدِ؛ لأنَّها تُوطَأُ ويُجلَسُ عليها.
وكَرِه الحسنُ بنُ حَيٍّ (^٣) أنْ يَدخُلَ بيتًا فيه تمثالٌ في كنِيسةٍ أو غيرِ ذلك، وكان لا يرى بأسًا بالصلاةِ في الكنيسةِ والبِيعَةِ.
وكان أبو حنيفةَ وأصحابُه يَكرَهون التَّصاويرَ في البُيوتِ بتمثالٍ، ولا يَكرَهون ذلك فيما يُبسَطُ، ولم يَختَلِفوا أنَّ التَّصاويرَ في السُّتُورِ المعلَّقةِ مكروهةٌ، وكذلك عندَهم ما كان خَرْطًا أو نَقْشًا في البناء (^٤).
وكَرِه الليثُ التماثيلَ التي تكونُ في البُيوتِ والأَسرَّةِ والقِبابِ والطِّسَاسِ (^٥) والمناراتِ، إلَّا ما كان رَقْمًا في ثَوْبٍ (^٦).
_________________
(١) المدوّنة ١/ ١٨٢.
(٢) كما في مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٤/ ٣٧٩.
(٣) نقله عنه الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٧٩.
(٤) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٤/ ٣٧٩، وبدائع الصنائع ٥/ ١٢٦.
(٥) جمع طسّ.
(٦) نقله عن الليث الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٧٩.
[ ١ / ٥٤٢ ]
وقال المزنيُّ (^١) عن الشافعيِّ: وإن دُعِيَ رجلٌ إلى عُرْسٍ فرأى صورةً ذاتَ رُوح أو صُوَرًا ذاتَ أرواح، لم يَدخُلْ إنْ كانَت منصوبَةً، وإنْ كانت تُوطأُ (^٢) فلا بأسَ، وإنْ كانَت صُوَرَ الشجرِ فلا بأسَ.
وقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا دُعيتُ لأَدخُلَ، فرأيتُ سِتْرًا معلّقًا فيه تصاويرُ، أأرجعُ؟ قال: نعم، قد رجَعَ أبو أيوبَ. قلتُ: رجَعَ أبو أيوبَ من سَتْرِ الجُدُرِ، قال: هذا أشدُّ، وقد رجَعَ عنه غيرُ واحدٍ من أصحاب رسُول اللَّه -ﷺ-.
قلتُ له: فالسَّتْرُ يجوزُ أن يكونَ فيه صورةٌ؟ قال: لا. قيل: فصُورةُ الطائرِ وما أشبَهَهُ؟ فقال: ما لم يكن له رأسُ، فهو أهْوَن (^٣).
فهذا ما للفقهاء في هذا الباب، وسيأتي ما للسَّلَف فيه ممّا بلَغَنا عنهم في باب سالم أبي النّضرِ من هذا الكتاب (^٤) إن شاءَ اللَّه.
_________________
(١) في مختصره ٨/ ٢٨٦، وهو في الأم ٦/ ١٩٦ بنحو ما نُقل عنه، وهو بالسياق المذكور عنه عند الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٧٩.
(٢) في الأصل: "إن كان يوطأ"، وهاهنا من النسخ، وهو الذي عند المزني والطحاوي.
(٣) ومثل ذلك نقل إسحاق بن منصور الكوسج عن أحمد وإسحاق بن راهوية في مسائله ٩/ ٤٧٠١ (٣٣٥٩) و٩/ ٤٧٠١ (٣٣٦٠). وينظر: الغني لابن قدامة ٧/ ٢٨٠.
(٤) في أثناء شرح الحديث التاسع له، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٥٤٣ ]