إسحاقُ، عن أبي مُرّة، حديثٌ واحدٌ (^١) ١٤ حديثٌ رابعَ عشَرَ لإسحاق
مالكٌ (^٢)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن أبي مُرَّةَ مولى عَقِيلِ بنِ أبي طالب، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- بينَما هو جالِسٌ في المسجدِ والناسُ معه، إذْ أقبَل ثلاثةُ نفَرٍ، فأقبَلَ اثنانِ إلى رسولِ اللَّه -ﷺ- وذَهَب واحِدٌ، فلمَّا وقَفَا على رسولِ اللَّه -ﷺ- سَلَّمَا، فأمَّا أحَدُهما فرأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فجَلَس فيها، وأمَّا الآخَرُ فجَلَس خَلْفَهم، وأمَّا الثالِثُ فأدْبَر ذاهِبًا، فلمَّا فَرَغ رسولُ اللَّه -ﷺ- قال: "ألا أُخبِرُكُم على النَّفَرِ الثلاثةِ؟ أمَّا أحدُهم فأوَى إلى اللَّه فآوَاه اللَّهُ، وأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَا فاستَحْيَا اللَّهُ منه، وأمَّا الآخرُ فأعرَضَ فأعرَضَ اللَّهُ عنه".
هذا حديثٌ مُتَّصلٌ صحيحٌ، وأبو مُرَّةَ قيل: اسمُه يَزِيدُ. وقيل: عبدُ الرَّحمنِ بنُ مُرَّةَ (^٣)، فاللَّه أعلمُ، وهو مِن تابِعِي أهلِ المدينةِ، ثِقةٌ.
وأبو واقدٍ اللَّيثيُّ مِن جِلَّةِ الصحابةِ، شَهِد حُنَينًا والطائفَ، اسمُه الحارثُ بنُ عوفٍ. وقيل (^٤): الحارثُ بنُ مالكٍ. وقد ذكرناه ونسَبناه في كتابِنا في "الصحابِة" (^٥).
وفي هذا الحديثِ الجُلوسُ إلى العالم في المسجد.
وفيه أنَّ الآتيَ يُسَلِّمُ على المقصُودِ إليه، كما يُسَلِّمُ الماشي على القاعِدِ، والراكِبُ على الماشِي.
_________________
(١) قوله: "إسحاق بن أبي مرة حديث واحد" لم يرد في ف ١، وهو ثابت في الأصل، ق.
(٢) الموطّأ ٢/ ٥٥٠ (٢٧٦١).
(٣) ينظر: تهذيب الكمال والتعليق عليه ٣٢/ ٢٩٠ (٧٠٦٨).
(٤) قوله: "الحارث بن عوف وقيل" لم يرد في ف ١.
(٥) الاستيعاب ٤/ ١٧٧٤ (٣٢١٤).
[ ١ / ٥٦٠ ]
وفيه التَّخَطِّي إلى الفُرَج في حَلْقةِ العالم، وتَرْكُ التَّخَطِّي إلى غيرِ الفُرَجِ، وليس ما جاء مِن حَمْدِ التَّزاحُم في مجلِسِ العالِم والحضِّ على ذلك بمبِيح تَخَطِّيَ الرِّقابِ إليه؛ لما في ذلك مِنَ الأذَى، كما لا يجوزُ التَّخَطِّي إلى سَماع الخُطْبَةِ في الجُمُعَةِ والعِيدَينِ ونحوِ ذلك، فكذلك لا يجوزُ التَّخَطِّي إلى العالِم، إلَّا أنْ يكونَ رجلًا يُفيدُ قُرْبُه مِن العالِم فائدةً ويُثِيرُ عِلْمًا، فيَجِبُ حِينَئِذٍ أنْ يُتفسَّحَ له؛ لئلَّا يُؤْذِيَ أحدًا، حتى يَصلَ إلى الشيخ، ومِن شَرطِ العالِم أنْ يَلِيَه مَن يَفهَمُ عنه؛ لقولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "لِيَلِني مِنكم أولو الأحلام والنُّهَى" (^١)؛ يعْني: في الصلاةِ وغيرِها؛ ليَفهَموا عنه، ويُؤدُّوا ما سَمِعوا كما سَمِعوا، مِن غيرِ تَبدِيلِ معنًى ولا تَصْحِيفٍ".
وفي قولِ رسولِ اللَّه -ﷺ- للمُتَخَطِّي يومَ الجُمُعَةِ: "آذَيتَ وآنيتَ" (^٢) بَيانُ أنَّ التَّخَطِّيَ أذًى، ولا يَحِلُّ أذَى مسلم بحالٍ في الجُمُعَةِ وغيرِ الجُمُعَةِ.
ومعنَى التَّزاحُم بالرُّكَبِ في مَجْلِسِ العالِم: الانْضِمامُ والالتِصاقُ؛ يَنْضَمُّ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٧/ ٣٨٠ (٤٣٧٣)، ومسلم (٤٣٢) (١٢٣)، والترمذي (٢٢٨)، والنسائي في الكبرى ١٠/ ٣٥٤ (١١٦٦٠) من حديث علقمة بن قيس النخعي، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وأخرجه أحمد في المسند ٢٨/ ٣٢٧ (١٧١٠٢)، ومسلم (٤٣٢) (١٢٢)، وأبو داود (٦٧٤)، وابن ماجة (٩٧٦) والنسائي في المجتبى (٨٠٧) و(٨١٢)، وفي الكبرى ١/ ٤٢٩ (٨٨٣) و١/ ٤٣١ (٨٨٨) من حديث أبي معمر عبد اللَّه بن مخبرة، عن أبي مسعود البدريّ ﵁.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢٩/ ٢٢١ (١٧٦٧٤)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي في المجتبى (١٣٩٩)، وفي الكبرى ٢/ ٢٧٧ (١٧١٨) من طرق عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهريّة حُدير بن غريب الحضرمي الحمصي، عن عبد اللَّه بن بُسر ﵁، وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات، معاوية بن صالح: هو ابن حدير الحضرمي، وأبو الزاهرية حدير بن كريب ثقتان كما هو موضح في تحرير التقريب (١١٥٣) و(٦٧٦٢).
[ ١ / ٥٦١ ]
القَوْمُ (^١) على مَراتِبِهم، ومَن تقَدَّمَ إلى موضِع فهو أحقُّ به، إلَّا أنْ يكونَ ما ذكَرنا، مِن قُرْبِ أُولي الفَهْم مِن الشيخ فيُفْسَحَ له، ولا يَنبَغِي له أن يتَبطَّأَ ثم يتَخَطَّى إلى الشَّيْخ ليُرِيَ الناسَ موضِعَه منه، فهذا مذمومٌ، ويجبُ لكلِّ مَن عَلِم موضِعَه أن يتقَدَّمَ إليه بالتَّبكِيرِ، والبُكُورُ إلى مَجْلِسِ العالِم كالبُكُورِ إلى الجُمُعَةِ في الفضلِ إن شاءَ اللَّه.
وقد أتَينا مِن القولِ في أدَبِ العالِم والمتَعَلِّم بما فيه كفايَةٌ وشفَاءٌ، في كتابنا كتابِ "بيانِ العلمِ" (^٢).
وأمَّا قولُه -ﷺ- في هذا الحديثِ: "أوَى إلى اللَّه"، يَعْني: فعَل ما يرضَاهُ اللَّهُ، فحصلَ له الثوابُ مِن اللَّه، ومثلُ ذلك قولُه ﵇: "الدُّنيا ملْعونَةٌ، ملْعونٌ ما فيهَا، إلَّا ما أوَى إلى اللَّه" (^٣)، يعْني: ما كان للَّه ورَضِيَه، واللَّهُ أعلمُ.
_________________
(١) بعد هذا في ف ١: "بعضهم إلى بعض"، ولم ترد في الأصل ولا في ق.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٥٠١ - ٥٢٩.
(٣) يروى بهذا اللفظ من حديث أبي الدرداء ﵁ موقوفًا، أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٤٣)، وابن أبي الدُّنيا في الزهد (٢٤٣)، وفي ذمّ الدنيا (١٨٥)، وابن الأعرابيّ في الزهد وصفة الزاهدين (٦٨)، والمصنّف في جامع بيان العلم وفضله (١٣٤) من طرق عن ثور بين يزيد الحمصي، عن خالد بن معدان الكلاعي الحمصي، عنه وإسناده ضعيف لأنه منقطع، خالد بن معدان لم يسمع من أبي الدرداء فيما ذكر أحمد بن حنبل كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ٥٢ (١٨٢). ويروى مرفوعًا بلفظ: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذِكر اللَّه، وما ولاه وعالمٌ أو متعلّم" أخرجه الترمذي (٢٣٢٢)، وابن ماجة (٤١١٢) من طريقين عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عطاء بن قُرّة السّلولي، عن عبد اللَّه بن ضمرة السلولي، عن أبي هريرة ﵁، عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان صدوق حسن الحديث، وكذا عطاء وعبد اللَّه السلوليِّين فهما صدوقان حسنا الحديث. وبسبب علة الوقف قال الترمذي: حسنٌ غريب.
[ ١ / ٥٦٢ ]
وأمَّا قولُه في الثاني: "فاستَحْيَا فاسْتَحْيَا اللَّهُ منه". فهو مِنَ اتِّساع كلام العرَبِ في ألْفاظِهم وفَصِيح كلامِهم. والمعنى فيه، واللَّهُ أعلمُ، أنَّ اللَّهَ قد غفَرَ له؛ لأنَّه مَن استَحْيَا اللَّهُ منه لم يُعَذِّبْه بذَنْبِه، وغفَر له، بل لم يُعاتِبْه عليه، فكان المعنى في الأوَّلِ أنَّ فِعْلَه أوجَبَ له حسَنَةً، والآخَرُ أوجَب له فِعلُه مَحْوَ سَيِّئَةٍ عنه، واللَّهُ أعلم.
وأمَّا قولُه في الثالثِ: "فأعْرَضَ فأعْرَضَ اللَّهُ عنه". فإنَّه، واللَّهُ أعلم، أراد: أعرَض عن عملِ البِرِّ، فأعرَضَ اللَّهُ عنه بالثَّوابِ، وقد يَحتَمِلُ أنْ يكونَ المُعرِضُ عن ذلك المجلِسِ ممَّن (^١) في قلبِه نِفَاقٌ ومرَضٌ؛ لأنَّه لا يُعرِضُ في الأغلبِ عن مجلسِ رسولِ اللَّه -ﷺ- إلَّا مَن هذه حالُه، بل قد بانَ لنا بقولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "فأعرَضَ فأعرَضَ اللَّهُ عنه" أنَّه منهم؛ لأنَّه لو أعرَضَ لحاجَةٍ عرَضت له ما كان مِن رسولِ اللَّه -ﷺ- ذلك القولُ فيه، ومَن كانت هذه حالَه كان إعراضُ اللَّه عنه سَخَطًا عليه، وأسألُ اللَّهَ المُعافَاةَ والنَّجاةَ مِن سَخَطِه بمَنِّه ورحمتِه.
_________________
(١) في الأصل: "من"، والمثبت من بقية النسخ.
[ ١ / ٥٦٣ ]