إسحاقُ، عن حُمَيْدةَ، حديثٌ واحدٌ حديثٌ خامسَ عشَرَ لإسحاق
مالكٌ (^١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، عن حُميدةَ بنتِ أبي عُبيدةَ بنِ فَرْوةَ، عن خالتِها كبشَةَ بنتِ كعبِ بنِ مالكٍ، وكانت تحت ابنِ أبي قتادةَ، أنَّها أخبَرتها، أنَّ أبا قتادةَ، دخَل عليها فسَكَبت له وَضوءًا، فجاءت هِرَّةٌ لتشرَبَ منه، فأصغَى لها الإناءَ (^٢) حتى شَرِبَتْ، قالت كبشَةُ: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتَعجبين يا ابنةَ أخي؟ قالت: فقلتُ: نعم. فقال: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنَّها مِن الطوَّافينَ عليكم، أو الطوَّافاتِ".
هكذا قال يحيى: حُميدَةُ بنتُ أبي عُبيدةَ بن فَروَةَ. ولم يُتابعْه أحدٌ على قولِه ذلك، وهو غَلَطٌ منه، وإنَّما يقولُ الرُّواةُ لـ "المُوطَّأ" كلُّهم: ابنةُ عُبيدِ بنِ رِفاعةَ (^٣).
_________________
(١) الموطّأ ١/ ٥٦ (٤٦).
(٢) قوله: "فأصغى لها الإناء" أي: أماله ليسهلَ عليها الشُّرب منها. النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٣.
(٣) رواه عن مالك أبو مصعب الزهري (٥٤)، ومحمد بن الحسن الشيباني (٩٠)، وعبد الرحمن بن القاسم (١٢٣)، وسويد بن سعيد (٢٨)، والشافعيُّ في الأم ١/ ٢٠، ٢٢، وإسحاق بن عيسى الطباع عند أحمد في المسند ٣٧/ ٢٧٢ (٢٢٥٨٠)، وحمّاد بن خالد الخيّاط عنده ٣٧/ ٣١٦ (٢٢٦٣٦)، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي عند أبي داود (٧٥)، وابن حبّان ٤/ ١١٤ (١٢٩٩)، ومعن بن عيسى القزّاز عند الترمذي (٩٢)، وقتيبة بن سعيد عند النسائي في المجتبى (٦٨) و(٣٤٠)، وفي الكبرى ١/ ٩٥ (٦٣)، وعبد اللَّه بن وهب عند ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٥ (١٠٤)، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١٥ (٢٢٥)، والطحاويِّ في شرح مشكل الآثار ٧/ ٧٤ (٢٦٥٥)، وفي شرح معاني الآثار ١/ ٨١ (٤٥) وغيرهم، وهو حديث صحيح، حميدة ابنة عبيد بن رفاعة الأنصارية هي زوجة إسحاق بن عبد الملك بن أبي طلحة، ووالدة يحيى بن إسحاق روت عن كبشة بنت كعب بن مالك، وروى عنها زوجها إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة وابنها يحيى بن إسحاق، وذكرها ابن حبان في الثقات ٦/ ٢٥٠ (٧٥٩٠)، وقال =
[ ١ / ٥٦٤ ]
إلَّا أن زيدَ بنَ الحُبابِ قال فيه عن مالكٍ: حُميدةُ بنتُ عُبيدِ بنِ رافع (^١). والصَّوابُ رِفاعةُ: وهو رِفاعةُ بنُ رافع الأنصاريُّ، وقد ذكَرناه في كتابنا في "الصحابةِ" (^٢).
واختلَف الرواةُ عن مالكٍ في رفع الحاءِ ونصبِها مِن حميدةَ؛ فبعضُهم قال: حَمِيدَةُ. بفتح الحاءِ وكسرِ الميم. وبعضُهم قال: حُمَيدَةُ. بضمِّ الحاءِ وفتح الميم.
_________________
(١) = ابن حجر في التقريب (٨٥٦٨): "مقبولة"، وكبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية هي: زوج عبد اللَّه بن أبي قتادة، وقال ابن حبان في ثقاته ٣/ ٣٧٥ (١١٨١): "لها صحبة" وتبعه على ذلك المستغفري والزُّبير بن بكّار وأبو موسى المديني كما نقل عنهم ابن حجر في الإصابة ٨/ ٩٢، وتهذيب التهذيب ١٢/ ٤٤٧ (٢٨٧٨). وقال الترمذي: "وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبيِّ -ﷺ- والتابعين ومن بعدهم، مثل الشافعيِّ وأحمد وإسحاق، ولم يَرَوْا بسؤر الهِرّة بأسًا، وهذا أحسن شيءٍ في هذا الباب، وقد جوّد مالكٌ هذا الحديث، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، ولم يأتِ به أحدٌ أتمَّ من مالك". ونقل الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ٤١ تصحيح البخاري والعقيلي والدارقطني له وذكر أن الأخير ساق له في الأفراد طريقًا غير طريق إسحاق فقال: "وروى طريق الدراوردي، عن أسيد بن أبي أسيد، عن أبيه أنّ أبا قتادة كان يُصغي الإناء للهِرّة فتشرب منه، ثم يتوضأ بفضلها، فقيل له: أنتوضّأ بفَضْلها، فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنها ليست بنَجَسٍ، إنما هي من الطّوافين عليكم". ثم تعقّب ما ذكره ابن مندة من أن حُميدة وخالتها كبشة محلّهما محل الجهالة، ولا يُعرف لها إلا هذا الحديث، فذكر أن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس رواه أبو داود (٥٠٣٦)، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة ٦/ ٣٠٧٦ (٧١٠٩)، وقال: "وأمّا حالها فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين، وأمّا كبشة فقيل: إنها صحابية، فإن ثبت فلا يضرُّ الجهل بحالها، واللَّه أعلم". ونقل عن ابن دقيق العيد قوله: "لعلّ مَنْ صحّحه اعتمد على تخريج مالك، وأنّ كلَّ من خرّج له فهو ثقة عند ابن معين". قلنا: وصحّحه النووي في المجموع ١/ ١١٨. وينظر بلا بد تعليقنا على الموطأ.
(٢) رواية زيد بن الحُباب أخرجها عنه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٢٧)، ومن طريقه ابن حزم في المحلّى ١/ ١١٧.
(٣) الاستيعاب ٢/ ٤٩٧ (٧٧٤).
[ ١ / ٥٦٥ ]
وحُميدةُ هذه هي امرأةُ إسحاقَ. ذكَرَ ذلك يحيى القطَّانُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ الشيبانيُّ (^١) في هذا الحديثِ عن مالك.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ (^٢)، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالك، قال: حدَّثني إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثتني امرأتي حُميدةُ، قالت: حدَّثتني كَبشةُ ابنةُ كعبِ بنِ مالكٍ، قالت: رأيتُ أبا قتادةَ توضَّأ، ثم أصغَى إناءَه للهِرة. قالت: فنظَر إليَّ، فقال: أتَعجَبِينَ؟ سمِعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنَّها من الطوَّافاتِ عليكُم والطوَّافين".
ورواه ابنُ المُباركِ، عن مالكٍ، عن إسحاقَ، بإسنادِه، مثلَه، إلَّا أنَّه قال: كَبشةُ امرأةُ أبي قتادة. وهذا وهمٌ منه، وإنَّما هي امرأةُ ابنِ أبي قتادة (^٣).
وأمَّا حُميدةُ، فامرأةُ إسحاقَ، وكُنيتُها أمُّ يحيى.
وفي هذا الحديثِ أنَّ خبرَ الواحدِ، النساءُ فيه والرِّجالُ سَواءٌ، وإنَّما المُراعاةُ في ذلك؛ الحفظُ والإتقانُ والصلاحُ، وهذا لا خلافَ فيه بين أهلِ الأثر.
وفيه إباحةُ اتخاذِ الهِرِّ، وما أُبيحَ اتِّخاذُه للانتفاع به، جازَ بيعُه وأكلُ ثمنِه، إلَّا أنْ يَخُصَّ شيئًا مِن ذلك دليلٌ فيُخرِجَه عن أصلِه.
وفيه أنَّ الهِرَّ ليس يُنجِّسُ ما شرِبَ منه، وأنَّ سُؤرَه طاهر. وهذا قولُ مالكٍ
_________________
(١) في موطئه (٩٠)، وقوله: "ومحمد بن الحسن الشيباني" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في بقية النسخ.
(٢) هو ابن مسرهد، وشيخه يحيى: هو القطان.
(٣) جاء في بعض النسخ بعد هذا: "وانفرد يحيى بقوله: "عن خالتها" وسائر رواة الموطأ يقولون: عن كبشة، ولا يذكرون أنها خالتها"، ولم ترد هذه العبارة في الأصل، ولا في ق، والظاهر أنها من زيادات بعض القراء.
[ ١ / ٥٦٦ ]
وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، والأوزاعيِّ، وأبي يوسُفَ القاضي، والحسنِ بنِ صالح بنِ حي (^١).
وفيه دليلٌ على أنَّ ما أُبيحَ لنا اتِّخاذُه، فسُؤرُه طاهرٌ؛ لأنَّه مِنَ الطَّوافِينَ علينا، ومَعنَى الطوَّافينَ علينا: الذين يُداخِلُونَنا ويُخالِطُونَنا، ومنه قولُ اللَّه ﷿ في الأطفال: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]. وكذلكَ قال ابنُ عبَّاس وغيرُه في الهرِّ: إنَّها مِن مَتاع البيت.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الباجيُّ (^٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيسٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ شَبُّويَة السِّجسيُّ (^٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال (^٤): حدَّثنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، أو عكرمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الهِرُّ مِن مَتاع البيتِ، والطَّوَّافُ الخادِم.
ومن ذلك قولُه: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾ [الواقعة: ١٧]، أيْ: يَخْدُمُهم ولدانٌ، ويتَردَّدونَ عليهم بما يَشتَهون.
وطهارةُ الهِرِّ تدُلُّ على طهارةِ الكَلْبِ، وأنْ ليس في حيٍّ نَجاسةٌ سِوَى الخِنزير، واللَّهُ أعلم؛ لأنَّ الكلبَ مِن الطَّوَّافِينَ علينا، ومما أُبيحَ لنا اتِّخاذُه في مواضِعَ لأمورٍ، وإذا كان حكمُه كذلك في تلك المواضع، فمعلومٌ أنَّ سُؤرَه في غيرِ تلك المواضِع كسُؤْرِه فيها؛ لأنَّ عينَه لا تَنتقِلُ.
_________________
(١) ينظر: جامع الترمذي بإثر الحديث (٩٢)، ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية لإسحاق بن منصور الكوسج ٢/ ٤٥٣، ٤٥٤ (١٤١)، والموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني ١/ ٥٤ (٩٠).
(٢) قوله: "الباجي" لم يرد في الأصل.
(٣) نسبةً إلى: سجستان، والمحفوظ: السِّجزيّ.
(٤) في المصنّف ١/ ٤١ (٣٥٨)، وذكر فيه عكرمة، عن ابن عباس ﵄، وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلّام في الطهور (٢٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٢٦) وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١٣ (٢١٩) من طريق عكرمة، عنه ﵄.
[ ١ / ٥٦٧ ]
ودلَّ ما ذكَرنَاه على أنَّ ما جاءَ في الكَلبِ مِن غسلِ الإناءِ مِن وُلُوغِه سبعًا (^١)، أنَّه تعَبُّد واستِحبابٌ؛ لأنَّ قولَه -ﷺ- في الهِرِّ: "إنَّها ليستْ بنَجَسٍ، إنَّها مِن الطوَّافينَ عليكم". بيانٌ أنَّ الطوَّافينَ علينا ليسوا بنَجَسٍ في طباعِهم وخِلْقَتِهم، وقد أُبيحَ لنا اتِّخاذُ الكلبِ للصيدِ والغَنَم والزَّرع أيضًا، فصارَ مِن الطوَّافِينَ علينا، والاعتبارُ أيضًا يقضِي بالجمع بينَهما لعلَّةِ أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما سَبُعٌ يَفترِسُ ويأكُلُ المَيتةَ، فإذا جاءَ نصٌّ في أحدِهما كان حُكمُ نَظيرِه حُكمَه، ولمَّا فارقَ غسلُ الإناءِ مِن وُلوغِ الكلبِ سائرَ غسلِ النَّجاسَاتِ كلِّها، عَلِمنا أنَّ ذلك ليسَ لنَجاسةٍ، ولو كانَ لنَجاسَةٍ سُلِكَ به سَبيلُ النَّجاسَاتِ في الإنقَاءِ مِن غيرِ تَحديد.
وأمَّا قولُ مَن قال (^٢): إنَّه ليسَ في حديثِ أبي قَتَادةَ ما يدُلُّ مِن قَولِ رسولِ اللَّه -ﷺ- على طَهارَةِ الهِرِّ. وزعَمَ أنَّ أبا قَتَادةَ هو القائِلُ: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ". ثم قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّها مِن الطَّوَّافينَ عليكم". فإنَّه شُبِّه عليه برِوايةِ مَن روَى هذا الحديثَ، عن إسحاقَ وغيرِه، فقال فيه: عن أبي قَتَادةَ: إنَّها ليسَتْ بنَجس. وقال: قال أبو قَتادَةَ: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هي مِن الطَّوَّافينَ عليكم".
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٧٢ (٧١) عن أبي الزناد عبد اللَّه بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرّات". وأخرجه أحمد في المسند ١٦/ ٢٣ (٩٩٢٩)، والبخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) (٩٠) من طريق مالكٍ، به. وهو الحديث الخامس والعشرون لأبي الزناد، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) يشير بذلك إلى ما ذكره أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني وابن أبي ليلى وغيرهما، فيما نقل ذلك الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ١١٩ قال في سُؤر الهِرّة: "كرهه أبو حنيفة ومحمد وابن أبي ليلى، ورُويَ عن ابن عمر وأبي هريرة" ثم ذكر حديث أبي قتادة في هذا، وقال: "ولم يذكر حُكم سؤرها في كراهةٍ ولا إباحة، والإباحة المذكورة فيه من قول أبي قتادة". وينظر: شرح معاني الآثار له ١/ ٩١ بإثر الحديث (٥٠)، وشرح مشكل الآثار ٧/ ٧٤ بإثر الحديث (٢٦٥٥).
[ ١ / ٥٦٨ ]
قال: وقد يكونُ الطَّوَّافُونَ علينا يُنجِّسونَ الماءَ. قال: فقولُ أبي قتَادةَ: إنَّها ليست بنَجسٍ. لم يُضفْه إلى رَسولِ اللَّه -ﷺ-، وإنَّما أَضَافَ إلى رسولِ اللَّه قولَه: "إنَّها مِن الطَّوَّافينَ".
قال أبو عُمر: هذا اعتِلالٌ لا معنَى له؛ لأنَّ حديثَ مالكٍ، وهو أصحُّ الناسِ له نَقلًا عن إسحاقَ، فيه أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ، إنَّها مِن الطَّوَّافينَ عليكُم". وفي هذا بيانُ جَهلِه بحدِيثِ مالكٍ. ثم نقولُ: إنَّ ذلكَ لو كانَ كما ذكَر مِن قولِ أبي قَتادةَ ولم يكنْ مرفوعًا، لكنَّا أسعدَ بالتأويلِ منه؛ لأنَّ أبا قتادةَ إنَّما خاطَبَها بما فَهِمَه عن رسولِ اللَّه -ﷺ- في الهِرِّ، ومَن شَهِدَ القولَ وعرَفَ مَخرجَه سُلِّمَ له في التأويل.
والنجاسةُ في الحيوانِ أصلُها مأخوذٌ مِن التوقيفِ لا مِن جهةِ الرأي، فاستحالَ أنْ يكونَ ذلك رأيَ أبي قتادةَ، مع أنَّ روايَةَ مالكٍ في طَهارَةِ الهِرِّ مرفوعةٌ، ومَن خالفَ مالكًا فوَقَفها، ليسَ بحُجَّةٍ فيما قَصَّرَ عنه على مالكٍ، ومالكٌ عليه حُجَّةٌ عندَ جميع أهلِ النقلِ إن شاءَ اللَّه.
وما أعلمُ أحدًا أسقطَ مِن حديثِ أبي قتادة هذا قولَه عن النبيِّ ﵇: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ". إلَّا ما ذكرَه أسدُ بنُ موسى، عن حمَّاد بنِ سلمَةَ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن أبي قتادةَ، أنَّه كان يُصغي الإناءَ للسِّنَّورِ فيَلَغُ فيه، ثم يتوضَّأ منه ويقولُ: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هي مِنَ الطَّوَّافينَ والطَّوَّافاتِ عليكُم" (^١).
_________________
(١) ذكره الدارقطني في العلل ٦/ ١٦٢ (١٠٤٤) في سياق ذكره للاختلاف فيه على إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، قال: "ورواه حمّاد بن سلمة، عن أبي قتادة مرسلًا" ثم قال: "ورواه حمّاد بن سلمة، عن أبي قتادة مرسلًا" ثم قال: "ورفْعُه صحيح، ولعلّ مَنْ وقَفَه لم يسأل أبا قتادة: هل عنده عن النبيِّ -ﷺ- فيه أثرٌ أم لا؟ لأنهم حَكُوا فِعْلَ أبي قتادة حسْبُ. وأحسَنُها إسنادًا ما رواهُ مالكٌ عن إسحاق، عن امرأته، عن أُمِّها، عن أبي قتادة. وحَفِظَ أسماءَ النِّسْوةِ وأنسابِهُنَّ، وجوَّدَ ذلك، ورفَعَه إلى النبيِّ -ﷺ-". قلنا: وإسناد حديث حماد بن سلمة منقطع، فإن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة لم يدرك أبا قتادة الأنصاري، وسيشير المصنّف إلى هذا قريبًا.
[ ١ / ٥٦٩ ]
وما رواه أيضًا أسدٌ، عن قَيسِ بنِ الرَّبيع، عن كَعبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن جَدِّه أبي قتادَةَ (^١) نحوَه. وهذانِ لا يُحتَجُّ بهما؛ لانقطاعِهما وفَسَادِهما، وتَقصِير رُوَاتِهما عن الإتقانِ في الإسنَادِ والمَتن.
وقد روَى هذا الحديثَ جماعة عن إسحاقَ كما روَاه مالكٌ؛ منهم: همَّامُ بنُ يحيى (^٢)، وحُسينٌ المُعَلِّمُ (^٣)، وهشامُ بنُ عُروةَ (^٤)، وابنُ عُيينةَ (^٥). وإنْ كان هشامٌ وابنُ عُيينَةَ لم يُقيما إسنادَه (^٦)، وهؤلاء كلُّهم يقولون في هذا الحديثِ: عن النبيِّ -ﷺ-، أنَّه قال: "إنَّها ليسَت بِنَجسِ". وإن كان بعضُهم يُخالفُ في إسنادِه؛ فمالكٌ ومَن تابَعَه قد أقامَ إسنادَه وجوَّده.
وقد روَى إسحاقُ بنُ رَاهُويَة، عن الدرَاوَرديِّ، عن أسِيدِ بنِ أبي أسِيدٍ، عن أمِّه، عن أبي قَتَادةَ، عن النبيِّ -ﷺ- مثلَه، قال: "إنَّها ليسَتْ بنَجَسٍ، إنَّها مِن
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩ (٤٦)، وإسناده ضعيف، كعب بن عبد الرحمن لم يرو عنه غير اثنين، وذكره ابن حبّان في الثقات ٥/ ٣٣٥ (٥١٠٥) وقال: "يروي عن جدّه، إن كان سمع منه". وقيس بن الربيع: هو الأسدي ضعيف يعتبر بحديثه كما هو موضح في تحرير التقريب (٥٥٧٣).
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى ١/ ٢٤٥ (١٢٠٥).
(٣) أخرجه إسحاق بن راهوية كما في النكت الظراف ٩/ ٢٧٢، وأبو يعلى في مسنده كما في تعليقه على العلل لابن عبد الهادي ص ١٣١، وتلخيص الحبير لابن حجر ١/ ٤١ من طريق روح بن عبادة، عن حسين المعلم، به. وأخرجه البيهقي في الكبرى ١/ ٢٤٥ (١٢٠٤) من طريق خالد بن الحارث، عن حسين المعلّم، به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ١/ ١٠٠ (٣٥٢)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٣٩) وقرن معه ابن أبي شيبة عليَّ بن المبارك.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ١/ ١٠٠ (٣٥١)، والحميدي في مسنده (٤٣٠)، والقاسم بن سلّام في الطهور (٢٠٥)، وفي غريب الحديث ١/ ٢٧٠، وأحمد في المسند ٣٧/ ٢١١ (٢٢٥٢٨).
(٦) وقد أوضح ذلك الدراقطني في علله ٦/ ١٦٠ - ١٦٣ في سياق بسطه لوجوه الاختلاف عنهما وعن غيرهما، وقد استحسن إسناد مالك ومن وافقه في هذا كما سَبَق وأن ذكرنا ذلك عنه.
[ ١ / ٥٧٠ ]
الطَّوَّافينَ عَليكم" (^١). ومَن أسقطَ مِن حديثِ أبي قتادةَ عن النبيِّ -ﷺ- قولَه: "إنَّها ليستْ بنَجسٍ" فلم يَحْفَظْ، وقد ثبتَ ذلك بنقلِ الحُفَّاظِ الثقاتِ، وباللَّه التوفيق.
وقد رُوِيَ عن عائشةَ، عن النبيِّ -ﷺ-، أنَّه كان يمُرُّ به الهِر، فيُصغِي لها الإناءَ فتشربُ، ثم يتوضَّأُ بفَضلِها (^٢).
وممَّن رَوينا عنه أنَّ الهِرَّ ليسَ بنجسٍ، وأنَّه لا بأسَ بفَضلِ سُؤرِه للوَضوء والشُّربِ: العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلبِ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ، وعائشةُ، وأبو قتادةَ، والحسنُ، والحسينُ، وعَلقمةُ، وإبراهيمُ، وعِكرمةُ، وعطاءُ بنُ يسارٍ (^٣).
واختُلِفَ في ذلك عن أبي هريرةَ والحسنِ البصريِّ؛ فرَوَى عطاءٌ، عن أبي هريرةَ، أنَّ الهِرَّ كالكلبِ، يُغسلُ منه الإنَاءُ سَبعًا (^٤).
_________________
(١) عزاه ابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ٤١ للدارقطني في الأفراد، وإسناده ضعيف لجهالة أم أسيد بن أبي أسيد البراد.
(٢) أخرجه أحمد بن منيع كما في إتحاف المهرة بذيل المطالب العالية ١/ ٣٧٣، والبزار كما في كشف الأستار ١/ ١٤٤ (٢٧٥)، والدارقطني في سننه ١/ ١١٠ (١٩٨) من طرق عن عبد ربّه بن سعيد، عن أبيه عن عروة، عن عائشة. قال الدارقطني: "وعبد ربِّه: هو عبد اللَّه بن سعيد المَقْبُريّ، وهو ضعيف". قلنا: وهو عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩ (٤٧ - ٤٩) من طرق عن عمرة بنت عبد الرحمن، عنها ﵂، وأسانيدها ضعيفة.
(٣) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ١/ ٩٩ (٣٤٦) و(٣٤٧) و١/ ١٠١ (٣٥٥) و(٣٥٦) و١/ ١٠٢ (٣٥٩) و(٣٦٠)، والطهور للقاسم بن سلّام (٢١١) و(٢١٢)، والمصنَّف لابن أبي شيبة (باب من رخّص في الوضوء بسؤر الهِرِّ) (٣٢٦ - ٣٤٠)، والأوسط لابن المنذر ١/ ٤١١ - ٤١٦، وسنن الدارقطني ١/ ١١١ و١/ ١١٨، والسنن الكبرى للدارقطني ١/ ٢٤٧.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٤١)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١٢ (٢١٨) كلاهما عن إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة، عن ليث، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁ قال في: "السِّنَّنور إذا ولَغ في الإناء يُغسَل سبع مرات" وإسناده ضعيف لضعف ليث: وهو ابن أبي سُليم.
[ ١ / ٥٧١ ]
وروَى أبو صالح ذكوَانُ، عن أبي هريرةَ، قال: السِّنَّورُ مِن أهلِ البيتِ (^١).
وروَى أشعثُ، عن الحسنِ، أنَّه كان لا يرَى بأسًا بسُؤر السِّنَّورِ (^٢). وروَى يونُسُ، عن الحسنِ، أنَّه قال: يُغسلُ الإناءُ من وُلُوغِه مرَّةً (^٣). وهذا يَحتمِلُ أنْ يكُونَ رأى في فمِه أذًى، ليَصحَّ مَخرجُ الروايَتينِ عنه، ولا نعلمُ أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّه -ﷺ- رُويَ عنه في الهِرِّ أنَّه لا يُتَوضَّأُ بسُؤرِه إلَّا أبا هريرةَ، على اختِلافٍ عنه.
وأمَّا التابعُونَ، فروينا عن عطاءِ بنِ أبي رباح، وسعيدِ بنِ المُسيِّبِ، ومحمدِ بنِ سيرِينَ، أنَّهم أمرُوا بإراقةِ ماءٍ ولَغ فيه الهِرُّ، وغَسلِ الإناءِ منه (^٤). وسائِرُ التَّابعِينَ بالحِجَازِ والعراقِ يقولونَ في الهِرِّ: إنَّه طاهِرٌ، لا بأسَ بالوضُوءِ بسُؤرِه.
_________________
(١) حديث أبي صالح السمان عنه إنما يروى عنه بمعنى حديث عطاء بن أبي رباح عنه، أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٠ (٥٤)، وفي شرح مشكل الآثار ٧/ ٧٥، والدارقطني في سننه ١/ ١١٣ (٢٠) من طريق سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب المصري، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح ذكوان السمّان، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "يُغسَل الإناء من الهِرّ، كما يُغسل من الكلب". أمّا ما رُويَ عنه بلفظ: "إنما هو من أهل البيت" فإنما يروى عنه من رواية ميمون بن مهران الجزَرَيّ الرّقي، أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلّام في الطهور (٢٠٩)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ١/ ٤١٤ (٢٢٢) كلاهما عن عليّ بن معبد الرّقيّ، عن أبي المليح الحسن بن عمرو الفزاري، عن ميمون بن مهران الجزَرَيّ الرّقيّ، به. وأما رواية أبي صالح ذكوان السمان عنه، فقد ضعّفها الدارقطني، قال بعد أن ذكر أنه اختلف عليه في رفعه ووقفه وساق الروايتين: "هذا موقوفٌ ولا يثبت عن أبي هريرة، ويحيى بن أيوب في بعض أحاديثه اضطراب"، وقال بإثر الرواية المرفوعة: "لا يثبتُ هذا مرفوعًا، والمحفوظ من قول أبي هريرة، واختُلف عنه".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٣٥). أشعث: هو ابن عبد الملك الحمراني.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٤٣). يونس: هو ابن عُبيد البصريّ.
(٤) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ١/ ٩٨ (٣٤٢) و١/ ٩٩ (٣٤٥)، والطهور لأبي عبيد القاسم بن سلّام (٢١٨) و(٢١٩)، والمصنَّف لابن أبي شيبة (٣٤٢) و(٣٤٤) و(٣٤٦) و(٣٤٧)، والأوسط لابن المنذر ١/ ٤١٢.
[ ١ / ٥٧٢ ]
وروَى الوليدُ بنُ مُسلم قال: أخبَرني سعيدٌ (^١)، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيِّبِ والحسنِ، أنَّهما كَرِها الوُضوءَ بفَضلِ الهِرِّ (^٢). قال الوليدُ: فذكَرتُ ذلك لأبي عمرٍو الأوزاعيِّ ومالكِ بنِ أنسٍ، فقالا: تَوَضَّأْ به، فلا بأسَ به وإنْ وجَدتَ غيرَه (^٣).
قال أبو عُمر: الحُجَّةُ عندَ التَّنازُع والاختلافِ سُنَّةُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، وقد صحَّ عنه مِن حديثِ أبي قتَادَةَ في هذا البابِ ما ذكَرنا. وعليه اعتِمادُ الفقهاءِ في كُلِّ مصرٍ، إلَّا أبا حنيفَةَ ومَن قال بقَولِه.
قال أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ نصرٍ المَروَزيُّ: الذي صارَ إليه جُلُّ أهلِ الفتوَى مِن عُلماءِ الأمصارِ مِن أهلِ الأثَرِ والرَّأي جميعًا: إنَه لا بأسَ بسُؤرِ السِّنَّورِ اتِّباعًا للحديثِ الذي رَوَيْنا. يعني: عن أبي قتادةَ، عن النبيِّ -ﷺ-.
قال: ومِمَّن ذهَب إلى ذلك؛ مالكُ بنُ أنسٍ وأهلُ المدينة، واللَّيثُ بنُ سعدٍ فيمَن وافَقَه مِن أهلِ مصرَ والمغرِبِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشام، وسُفيانُ الثَّوريُّ فيمَن وافقَه مِن أهلِ العِراق.
قال: وكذلك قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ، وإسحاقَ، وأبي ثَورٍ، وأبي عُبيدٍ، وجماعةِ أصحابِ الحديث. قال: وكان النُّعمانُ يَكرَهُ سُؤرَه، وقال: إن توَضَّأَ به أجزأَه. وخالَفه أصحابُه فقالوا: لا بأسَ به.
قال أبو عُمر: ما حكاه المَروَزيُّ عن أصحابِ أبي حنيفةَ فليسَ كما حكاه عندَنا، وإنَّما خالَفَه مِن أصحابِه أبو يوسفَ وحدَه، وأمَّا محمدٌ وزُفَرُ والحسنُ بنُ
_________________
(١) هو ابن أبي عروبة.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٠ (٥٩)، وفي شرح مشكل الآثار ٧/ ٧٧ من طريق قتادة بن دعامة، به.
(٣) كتب ناسخ الأصل: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
[ ١ / ٥٧٣ ]
زيادٍ (^١) فيقولونَ بقولِه، وأكثرُهم يَروُونَ عنه أنه لا يُجزئُ الوضوءُ بفضلِ الهِرِّ، ويَحتجُّونَ لذلك، ويروُونَ عن أبي هريرةَ وابنِ عمرَ أنَّهما كَرِها الوضُوءَ بسُؤرِ الهِرِّ (^٢). وهو قولُ ابنِ أبي ليلَى.
وأمَّا الثَورِيُّ، فقد اختُلِفَ عنه في سُؤرِ الهِرِّ، فذَكَر في "جامِعِه" أنَّه يَكرَهُ سُؤرَ ما لا يُؤكَلُ لحمُه، وما يُؤكلُ لحمُه فلا بأسَ بسُؤرِه. وهو ممن يَكرهُ أكلَ الهِرِّ.
وذكَر المَروَزِيُّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ زُرارَةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثني الأشجَعيُّ، عن سُفيانَ، قال: لا بأسَ بفضلِ السِّنَّور.
قال أبو عُمر: لا أعلَمُ لمن كَرِهَ سُؤرَ الهِرِّ حُجَّةً أحسَنَ مِن أنَّه لم يَبلُغْه حديثُ أبي قتادةَ، وبلَغَه حَدِيثُ أبي هريرةَ في الكلبِ، فقاسَ الهِرَّ على الكَلبِ، وقد فَرَّقتِ السُّنَّةُ بينَ الهِرِّ والكَلب في بابِ التَّعبُّدِ، وجمَعَتْ بينَهما على حسَبِ ما قدَّمنَا ذِكْرَه مِن بابِ الاعتبارِ والنَّظرِ، ومَن حَجَّتْهُ السُّنَّةُ خَصَمَتْه، وما خالَفها مَطروحٌ، وباللَّه التوفِيق.
ومن حُجَّتِهم أيضًا ما رَوَاه قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هُريرَةَ، عنِ النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "طُهُورُ الإناءِ إذا وَلَغَ فيهِ الهِرُّ أنْ يُغسَلَ مرَّةً أو مرَّتَينِ" (^٣).
_________________
(١) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١١٩، ومختصر خلافيات البيهقي ١/ ٣٨٣.
(٢) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ١/ ٩٨ (٣٤٠) و(٣٤١) و١/ ٩٩ (٣٤٤)، والطهور لأبي عُبيد (٢١٦) و(٢١٧)، والأوسط لابن المنذر ١/ ٤١١ (٢١٥) و١/ ٤١٢ (٢١٧) و(٢١٨)، وشرح معاني الآثار ١/ ٢٠ (٥٢) و(٥٤) و(٥٥) و(٥٦) و(٥٧)، وسنن الدارقطني ١/ ١١١ (١٩٩) و(٢٠٠) و(٢٠١) و(٢٩٢) و١/ ١١٢ - ١١٤ (٢٠٥ - ٢١١)، والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٤٨.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩ (٥١)، وفي شرح مشكل الآثار ٧/ ٦٧ (٢٦٤٨) و(٢٦٤٩)، وابن المقرئ في معجمه (٣٤)، والدارقطني في سننه ١/ ١٠٥ (١٨٦) و١/ ١١٢ (٢٠٥)، وتمّام في فوائده (١٣٦٦) و(١٣٦٧)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٦٠، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٤٧.
[ ١ / ٥٧٤ ]
شكَّ قُرَّةُ. وهذا الحديثُ لم يَرفَعْه إلَّا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، وقُرَّةُ بنُ خالدٍ ثقةٌ ثَبْتٌ، وأمَّا غيرُه فيَروِيه عن ابنِ سيرِينَ، عن أبي هريرةَ قولَه (^١).
وفي هذا الحَدِيثِ، مِن رَأي أبي قَتادَةَ، دَليلٌ على أنَّ الماءَ اليَسيرَ تَلحَقُه النَّجاسَةُ، ألا تَرَى إلى قَولِه: أتَعجَبِينَ يا ابنةَ أخي؟ سمِعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقولُ: "ليسَتْ بنَجَسٍ". فدَلَّ هذا أنَّ الهِرَّ لو كان عندَه مِن بابِ النَّجاسَاتِ لأفسَدَ الماءَ، وإنَّما حمَلَه على أنْ يُصغِيَ لها الإناءَ طَهارَتُها، ولو كانَتْ ممَّا تُنَجِّسُ لم يَفعَلْ، فدلَّ هذا على أنَّ الماءَ عندَه تُفسِدُه النَّجاسَةُ وإن لم تَظهَرْ فيه؛ لأنَّ شُربَ الهِرِّ وغيرِه مِن الحَيَوانِ في الإناءِ، إذا لم يكنْ في فَمِه أذًى مِن غيرِه، ليسَ تُرَى معه نَجاسةٌ في الإناء.
وهذا المعنى اختلَفَ فيه أصحابُنا وسائرُ العُلماء؛ فذَهَب المصريون مِن أصحابِ مالكٍ إلى أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسةِ، وأنَّ الكثيرَ لا يُفسِدُه إلَّا ما غَيَّرَ لونَه أو طَعمَه أو ريحَه مِن المحرَّماتِ، وما غلَب عليه مِن الأشياءِ الطَّاهِرَةِ أخرَجَه مِن باب التَّطهِيرِ وأبقَاهُ على طهارَته. ولم يَحُدُّوا بينَ القَليلِ مِن الماءِ الذي يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، وبينَ الكَثيرِ الذي لا يُفسِدُه إلَّا ما غلَب عليه حدًّا يُوقَفُ عندَه، إلَّا أنَّ ابنَ القاسِم روَى عن مالكٍ في الجنُبِ: يَغتسِل (^٢) في حَوضٍ مِن الحِياض التي تُسقَى فيها الدَّوابُّ، ولم يكنْ غَسَلَ ما به مِن الأذَى، أنَّه قد أفسَدَ الماءَ (^٣). ورُوِيَ عن مالكٍ في الجنُبِ يَغتَسِلُ في الماءِ الدَّائم الكثيرِ، مثلَ الحِيَاضِ التي تكونُ بينَ مكَّةَ والمدِينَةِ، ولم يكنْ غسَلَ ما به مِن الأذَى، أنَّ ذلك لا يُفسدُ الماءَ. وهذا مَذهَبُ ابنِ القاسم، وأشهَبَ، وابنِ عبدِ الحَكَم، ومَن اتَّبَعَهم مِن أصحابِهم
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٠ (٥٢)، وفي شرح مشكل الآثار ٧/ ٧٠، ونقل الدارقطني في سننه ١/ ١١٢ بإثر الرواية المرفوعة عن أبي بكر النيسابوريِّ شيخه قوله: "ورواه غيره عن قُرّة: وُلوغ الكلب مرفوعًا، ووُلوغ الهِرِّ موقوفًا".
(٢) قفز نظر ناسخ ف ١ إلى "يغتسل" الآتية بعد سطر، فسقط ما بينهما.
(٣) ينظر: المدوّنة ١/ ١٣٣.
[ ١ / ٥٧٥ ]
المِصريِّينَ، إلَّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّه قال في الماءِ بقَولِ المدنيِّينَ مِن أصحابِ مالكٍ، وقَولُهم ما حكَاه أبو المُصعَبِ عنهم وعن أهلِ المَدِينَةِ أنَّ الماءَ لا تُفسِدُه النَّجاسَةُ الحالَّةُ فيه (^١)، قليلًا كان أو كثيرًا إلَّا أنْ تظْهَرَ فيه النَّجاسَةُ وتُغيِّرَ منه طَعمًا أو رِيحًا أو لَونًا. وكذلك ذكَرَ أحمدُ بنُ المعذَّلِ (^٢) أنَّ هذا قولُ مالكِ بنِ أنسٍ في الماء.
وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ (^٣)، عن ابنِ لَهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، أنَّه سألَ القاسمَ بنَ محمدٍ وسالِمَ بنَ عبدِ اللَّه عن الماءِ الرَّاكدِ الذي لا يجري تموتُ فيه الدَّابَّةُ، أيشرَبُ منه وَيغتسِل ويَغسِلُ منه الثِّيابَ؟ فقالا: انظُرْ بعَينِكَ، فإن رأيتَ ماءً لا يُدنِّسُه ما وقَعَ فيه، فنَرجُو ألّا يكُونَ به بأسٌ.
قال: وأخبَرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ قال: كُلُّ ماءٍ فيه فَضلٌ عمَّا يُصيبُه مِن الأذَى، حتى لا يُغيِّرُ ذلك طعمَه ولا لونَه ولا ريحَه، فهو طاهرٌ يُتَوضَّأُ به (^٤).
قال: وأخبَرني عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ، عن ربيعَةَ، قال: إذا وقَعتِ المَيتَةُ في البئرِ فلم يتَغيَّرْ طَعمُها ولا لَونُها ولا ريحُها، فلا بَأسَ أنْ يتَوضَّأَ منها وإن رأى فيها المَيتة. قال: وإن تغيَّرت نزَعَ منها قَدْرَ ما يُذهِبُ الرائحةَ عنها (^٥).
وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ. وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، ومحمدُ بنُ بُكيرٍ، وأبو الفَرَجِ، والأبهَرِيُّ، وسائرُ المُنتَحِلينَ لمذهَبِ مالكٍ مِن البَغدادِيِّينَ.
_________________
(١) المدوّنة ١/ ١٣١ - ١٣٢.
(٢) ينظر تفصيل ما نقله المصنِّف عن أصحاب مالك المدنيِّين وغيرهم وعن عبد اللَّه بن وهب في البيان والتحصيل لابن رشد ١/ ١٥٩.
(٣) كما في المدوّنة ١/ ١٣١.
(٤) في موطئه كما في تغليق التعليق ٢/ ١٤١. وأخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس، ٢/ ٧٣٥ (١١١٦) عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد اللَّه بن وهب، به.
(٥) أخرجه ابن جرير الطبريّ في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس، ٢/ ٧٣٥ (١١١٧) عن يونس بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن وهب، به.
[ ١ / ٥٧٦ ]
ورُوِيَ هذا المعنى عن عبدِ اللَّه بنِ عبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ المُسيِّب، على اختِلافٍ عنه، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (^١). وهو قولُ الأوزاعِيِّ، والليثِ بنِ سعدٍ، والحسنِ بنِ صالح (^٢)، وداودَ بنِ عليٍّ (^٣). وهو مذهَبُ أهلِ البصرَةِ أيضًا، وهو الصَّحيحُ في النَّظَرِ وجيِّدِ الأثَرِ.
وأمَّا الكُوفيُّونَ، فالنَّجاسَةُ عندَهم تُفسِدُ قليلَ الماءِ وكَثِيرَه إذا حلَّتْ فيه، إلَّا الماءَ المستَبْحِرَ الكثيرَ الذي لا يَقدِرُ آدَمِيٌّ على تَحريكِ جَمِيعِه (^٤)؛ قِياسًا على البحرِ الذي قال فيه رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه" (^٥).
وأمَّا الشَّافعيُّ، فمَذهَبُه في الماءِ نحوُ مَذهَبِ المِصريِّين مِن أصحابِ مالكٍ، وروايَتُهم في ذلك عن مالكٍ أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، ولا يفسِدُ كثيرَه إلَّا ما غلَبَ عليه فغيَّرَ طعمَه أو رائحتَه أو لَونَه (^٦).
إلَّا أنَّ مالِكًا في هذه الرِّوايَةِ عنه لا يَحُدُّ حدًّا بينَ قليلِ الماءِ الذي تَلحَقُه النَّجاسةُ وبينَ كثيرِه الذي لا تَلحقُه النَّجاسَةُ إلَّا بالغَلَبةِ عليه، إلَّا ما غلَبَ على
_________________
(١) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ١/ ٨٢ (٢٧٥)، والطهور لأبي عبيد (١٥٧) و(١٧٧) و(١٧٩)، وسنن الدارقطني ١/ ٣٢.
(٢) كان الحسن بن صالح زيديًّا.
(٣) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١١٧.
(٤) ينظر: المبسوط للسرخسي ١/ ٧٠، وبداية المجتهد لابن رشد ١/ ٣٠.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٥٥ (٤٥) عن صفوان بن سُليم، عن سعيد بن سلمة، من آل بني الأزرق، عن المُغيرة بن أبي بُردة، عن أبي هريرة ﵁. ومن طريق مالك أخرجه أحمد في المسند ١٢/ ٧١ (٧٢٣٣)، وأبو داود (٨٣)، وابن ماجة (٣٨٦)، والترمذي (٦٩)، والنسائي في المجتبى (٥٩)، وفي الكبرى ١/ ٩٣ (٥٨)، وهو حديث صحيح، وهو الحديث الثاني لصفوان بن سُليم، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٦) ينظر: الأمّ للشافعي ١/ ١٦.
[ ١ / ٥٧٧ ]
النُّفُوسِ أنَّه قليلٌ، وما الأغلبُ عندَ الناسِ أنَّه كثيرٌ. وهذا لا يُضبَطُ؛ لاختلافِ آراءِ الناسِ وما يقعُ في نُفُوسِهم.
وأمَّا الشَّافعيُّ (^١)، فحدَّ في ذلك حدًّا بينَ القَليلِ والكثيرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -ﷺ-: "إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم تَلحقْه نجاسةٌ". أو: "لم يَحمِلْ خبَثًا". وهو حديثٌ يَرويه محمدُ بنُ إسحاقَ والوَليدُ بنُ كثيرٍ جميعًا، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير (^٢).
وبعضُ رُواةِ الوليدِ بنِ كثيرٍ يقولُ فيه: عنه، عن محمدِ بنِ عبَّادِ بنِ جَعفَرٍ (^٣).
_________________
(١) الأمّ: ١/ ١٨، وينظر: مختصر المُزنيّ: ٨/ ١٠١، وحلية العلماء في مختصر مذاهب الفقهاء لأبي بكر الشاشيّ القفّال ١/ ٧٨.
(٢) سيأتي تخريجه بعد قليل.
(٣) أخرجه الشافعيُّ في الأمّ ١/ ٢٣، وأبو داود (٦٣)، وابن الجارود في المنتقى (٤٤) وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧٣١ (١١٠٨)، وابن أبي حاتم في العلل ١/ ٥٤٥ وابن الأعرابي في معجمه (٦٥)، وابن حبّان في صحيحه ٤/ ٦٣ (١٢٥٣)، والدارقطني في السنن ١/ ٨ (٢) و١/ ٩ - ١٠ (٣ - ٥) و(٧ - ١١) و١/ ١٤ (١٣) و(١٤)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٣٣، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٦٠ (١٢٧٧) من طرق عن الوليد بن كثير، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات، الوليد بن كثير: هو المخزوميُّ، وهو ثقة كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٧٤٥٢)، قال أبو داود بعد أن رواه عن محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن عليٍّ الحُلواني: "وهذا لفظ ابن العلاء"، وقال عثمان والحسن بن عليٍّ: "عن محمد بن عبّاد بن جعفر" ثم قال أبو داود: "وهو الصواب". قلنا: وخالفه أبو حاتم الرازي فيما نقل عنه ابنه في العلل ١/ ٥٤٦، قال: "محمد بن عبّاد بن جعفر ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزُّبير ثقة، والحديثُ لمحمد بن جعفر بن الزُّبير أشبه" وتبعه على ذلك ابن مندة كما في نصب الراية ١/ ١٠٦، وأمّا الدارقطني فإنه جمع بين الروايتين، قال بعد أن أطال في بيان طرق هذا الحديث وعرض وجوه الاختلاف الواردة فيه في علله ١٢/ ٤٣٤ - ٤٣٦ (٢٨٧٢)، وفي بداية سننه ١/ ٥ - ١١: "فلمّا اختُلف على أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم منْ أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك، فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، ثم أتبعَهُ عن محمد بن عبّاد بن جعفر، فصحَّ القولان جميعًا عن أبي أسامة، وصحّ أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، =
[ ١ / ٥٧٨ ]
ولم يُختلَفْ عن الوليدِ بنِ كثيرٍ أنَّه قال فيه: عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه يَرفَعُه (^١).
ومحمدُ بنُ إسحاقَ يقوُل فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه مرفوعًا أيضًا (^٢). فالوَليدُ يجعَلُه عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، ومحمدُ بنُ إسحاقَ يجعلُه عن عُبَيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه (^٣).
_________________
(١) = وعن محمد بن عبّاد بن جعفر جميعًا، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، فكان أبو أسامة مرّةً يُحدّث به عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرّةً يحدّث به عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عبّاد بن جعفر. واللَّه أعلم" وينظر: تلخيص الحبير ١/ ١٦ - ٢٠.
(٢) بل رواه عنه غير واحد، فقالوا فيه: "عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه"، ومنهم أبو أسامة حمّاد بن أسامة، فقال: "عن الوليد بن كثير المخزوميّ" عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه"، أخرجه الدارمي في سننه (٧٣٢)، والنسائي في المجتبى (٣٢٨)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٤٩ (٩٢)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٦٣ (٢٦٤٤)، وابن حبّان في صحيحه ٤/ ٦٣ (١٢٥٣)، وابن الأعرابي في معجمه (٦٥). وتابعه على ذلك عيسى بن يونس عند ابن الجارود في المنتقى (٤٥)، فقال مثل ما قال حماد بن أسامة "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه". وكذا قال عبّاد بن صهيب عند الدارقطني ١/ ١٤ (١٥)، وأبو بكر بن أبي شيبة في مصنّفه (كما في ط. مكتبة الرشد) (٣٦٠٩٤)، وتحرَّف في ط محمد عوامة إلى "عبد اللَّه" المكبَّر، والصحيح ما في ط مكتبة الرشد، فقد ذكر الدارقطني في علله ١٢/ ٤٣٤ (٢٨٧٢) أبا بكر بن أبي شيبة في جملة من رووه عن أبي أسامة وذكروا فيه: "عبيد اللَّه" المصغّر، ثم صوّب الروايتين عن أبي أسامة.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٢١١ (٤٦٠٥)، وأبو داود (٦٤)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجة (٥١٧)، والدارمي في سننه (٧٣١)، وأبو يعلى في مسنده ٩/ ٤٣٨ (٥٥٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٥ (٢٥ - ٢٧)، والدارقطني في سننه ١/ ١٨ (١٧ - ١٩)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٦١ (١٢٨٧)، والبغويّ في شرح السُّنة ٢/ ٥٨ (٢٨٢). وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات، محمد بن إسحاق صرّح بالتحديث عند الدارقطني فانتفت شُبهة تدليسه. قال الترمذي: "قال محمد بن إسحاق: القُلّة: هي الجِرار، والقُلّةُ التي يُستقى فيها" ثم قال: "وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدُ وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قُلَّتين لم يُنجِّسْهُ شيءٌ ما لم يتغيّر ريحَه أو طعمُه، يكون نحوًا من خمس قِرَب".
(٤) سبق وأن ذكرنا أن الوليد بن كثير إنما رواه على الوجهين جميعًا، وأنه اختُلف عنه فيه، كما بيّنا في التعليق قبل السابق، وبه يتبيَّن عدم صحَّة قول المصنِّف ﵀ في هذا.
[ ١ / ٥٧٩ ]
ورواه عاصِمُ بنُ المُنذِرِ، فاختُلِفَ فيه عليه أيضًا؛ فقال حمَّادُ بنُ سلَمَةَ: عاصم بنِ المُنذِرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه (^١).
وقال فيه حمَّادُ بنُ زيدٍ: عن عاصم بنِ المُنذِرِ، عن أبي بكر بنِ عُبيدِ اللَّه، عبدِ اللَّه بنِ عمرَ (^٢).
وقال حمَّادُ بنُ سلمَةَ فيه: "إذا كان الماءُ قُلَّتَينِ أو ثلاثًا لم يُنجِّسْه شيءٌ" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (٢٠٦٦)، وأحمد في المسند ٨/ ٣٧٤ (٤٧٥٣)، وعبد بن حميد في المنتخب (٨١٦)، وأبو داود (٦٥)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجة (٥١٧)، وأبو يعلى في مسنده ١/ ٢٤ (٤٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧٣٣ (١١١٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ١٦ (٢٨) و(٢٩)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٣٤، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٦١ (١٢٨٨) و١/ ٢٦٢ (١٢٨٩)، ورجال إسناده ثقات غير عاصم بن المنذر: وهو ابن الزبير بن العوّام، فهو صدوق حسن الحديث، وثقه أبو زرعة الرازي، وفي رواية: قال عنه: "صدوق"، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وذكره ابن حبّان في الثقات ٧/ ٢٥٦ (٩٩٤٩)، وينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦/ ٣٥٠ (١٩٣٢)، ونقل عبّاس الدوري (٤١٥٢) عن يحيى بن معين قوله: "حديث عاصم بن المنذر بن الزبير، عن أبي بكر بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر هذا خيرُ الإسناد، أو قال يحيى: هذا جيّد الإسناد، قيل له: فإن ابن عُليّة لم يرفعْهُ، قال يحيى: وإن لم يحفظه ابنُ عُليّة، فالحديثُ جيّدُ الإسناد، وهو أحسنُ من حديث الوليد بن كثير".
(٢) المحفوظ أن حمّاد بن زيد رواه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد اللَّه مرسلًا عن النبيِّ -ﷺ-. وهذا ما ذكره الدارقطني في علله ١٢/ ٤٣٦ (٢٨٧٢) قال بعد أن ذكر رواية حماد بن سلمة: "وخالفه حمّاد بن زيد، وإسماعيل ابن عُليّة، روياه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد اللَّه مرسلًا عن النبيِّ -ﷺ-". وقبل ذلك قال أبو داود: حمّاد بن زيد وقفه عن عاصم" (السنن ٦٥).
(٣) أخرجه أحمد في المسند ١٠/ ١٠٠ (٥٨٥٥)، وابن ماجة (٥١٨)، وأبو عبيد في الطهور (١٦٦) و(١٦٨)، وعبد بن حميد في المنتخب (٨١٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧٣٢ (١١١٢) و(١١١٣)، والدارقطني في سننه ١/ ٢٠ (٢٢) و(٢٣)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٣٤ من طرق عن حمّاد بن سلمة، به. =
[ ١ / ٥٨٠ ]
وبعضُهم يقولُ فيه: "إذا كان الماءُ قُلَّتَينِ لم يَحمِلِ الخبَثَ". وهذا اللَّفظُ مُحتمِلٌ للتَّأويلِ، ومثلُ هذا الاضطِرابِ في الإسنادِ يُوجِبُ التوقُّفَ عن القولِ بهذا الحدِيثِ، إلَّا أنَّ القُلَّتينِ غيرُ مَعرُوفتينِ، ومحالٌ أنْ يَتَعبَّدَ اللَّهُ عِبادَه بما لا يَعرِفُونه (^١).
_________________
(١) = وهي زيادة ضعيفة مخالفة لما رواه الحفّاظ عن حماد بن سلمة كما يُفهم من كلام الدارقطني والحاكم وغيرهما، قال الدارقطني بعد أن ذكر هذه الرواية: "ورواه عفان بن مسلم، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن السري والعلاء بن عبد الجبار المكي وموسى بن إسماعيل وعبيد اللَّه بن محمد العيشي، عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد، وقالوا فيه: إذا كان الماء قلتين لم ينجس، ولم يقولوا ثلاثًا".
(٢) وقال في الاستذكار ١/ ٤٣٢: "وقد تكلّم إسماعيل -يعني القاضي- في هذا الحديث، وردّه بكثير من القول في كتاب أحكام القرآن". وثابعه على هذا ابن العربيّ المالكي فقال في عارضة الأحوذي ٤/ ٩: "وحديث القُلّتين مدارُه على مطعون عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف، وحسْبُك أنّ الشافعيَّ رواه عن الوليد بن كثير، وهو إباضيُّ واختلفت رواياته، فقيل: قُلَّتين، أو ثلاثًا. . .". وقد استغرب بعض المحقِّقين في هذا الشأن تضعيف إسحاق القاضي وابن عبد البر وغيرهما لهذا الحديث، وردُّوا على ما أعلُّوا به هذا الحديث، ومن هؤلاء ابن الملقِّن شيخ الحافظ ابن حجر، قال في البدر المنير ١/ ٤١٣: "وأنا اتعجَّب من قول أبي عمر ابن عبد البر في تمهيده: ما ذهب إليه الشافعيُّ من حديث القُلَّتين، مذهبٌ ضعيفٌ من جهة النظر، غير ثابتٍ من جهة الأثر، لأنه حديث تكلّم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلّتين لم يُوقف على حقيقة مبلغهما في أثرٍ ثابت، ولا إجماع" ثم ردّ ذلك بأن الحديث صحَّحه الحفّاظ كالدارقطني ومن قبله ابن معين والطحاوي وغيرهم. قلنا: وأحسن ما قيل في هذا الحديث من جهة التحقيق ما قاله الشيخ الحافظ ابن دقيق العيد في شرح الإلمام فيما نقله عنه ابن الملقَّن في البدر المنير ١/ ٤١٣ قوله: "هذا الحديث قد صحَّح بعضهم إسناد بعض طُرقه، وهو أيضًا صحيحٌ على طريقة الفقهاء، لأنه وإن كان حديثًا مضطرب الإسناد، مختلفًا في بعض ألفاظه، وهي علّةٌ عند المحدِّثين إلا أن يُجاب عنها بجوابٍ صحيح، فإنه يمكن أن يُجمع بين الروايات، ويُجاب عن بعضها بطريق أصولي، ويُنسب إلى التصحيح، ولكن تركتُه (يعني في الإلمام)، لأنه لم يثبت عندنا -الآن- بطريق استقلالٍ يجب الرُّجوع إليه شرعًا تعيينٌ لمقدار القُلّتين".
[ ١ / ٥٨١ ]
وأمَّا حَدِيثُ وُلُوغ الكَلبِ في الإناء (^١)، وحديثُ النهي عن إدخالِ اليدِ في الإناءِ قبلَ غسلِها لمَنِ انتَبَه مِن نَومِه (^٢)، وحديثُ النهي عن البولِ في الماءِ الدَّائم الرَّاكدِ (^٣)، فقد عارضَها ما هو أقوَى منها. والأصلُ في الماءِ الطَّهارةُ، فالواجبُ ألَّا يُقضَى بنجاستِه إلَّا بدليلٍ لا تَنازُعَ فيه ولا مَدفَعَ له، ونحنُ نذكُرُ ما نختارُه مِن المذاهبِ في الماءِ هاهُنا، ونذكُرُ معنَى حديثِ وُلُوغ الكَلبِ، وغَسلِ اليدِ في بابِ أبي الزنادِ إن شاءَ اللَّه ﷿ (^٤).
قال أبو عُمر: الدَّليلُ على أنَّ الماءَ لا يَفسُدُ إلَّا بما ظهرَ فيه مِن النَّجاسَةِ، أنَّ اللَّهَ ﷿ سمَّاه طَهُورًا، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. وفي طَهُورٍ مَعنَيان.
أحدُهما: أنْ يكونَ طهُورٌ بمَعنَى طاهرٍ، مثلَ صَبُورٍ وصابرٍ، وشكُورٍ وشاكرٍ، وما كان مثلَه.
والآخرُ: أنْ يكونَ بمَعنَى فَعُولٍ، مثلَ قتُولٍ وضَرُوبِ، فيكونَ فيه مَعنَى التَّعدِّي والتَّكثِيرِ؛ يدُلُّ على ذلك قولُه ﷿: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٧٢ (٧١) عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، وهو الحديث الخامس والعشرون لأبي الزناد، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٥٤ (٤٠) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، وهو الحديث الثالث والعشرون لأبي الزناد، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٢٣/ ٩٢ (١٤٧٧٧)، ومسلم (٢٨١)، وابن ماجة (٣٤٣)، والنسائي في المجتبى (٣٥)، وفي الكبرى ١/ ٨٥ (٣٢) من حديث أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس عن جابر بن عبد اللَّه ﵄: "أن النبيَّ -ﷺ- نهى عن البوْلِ في الماء الراكد".
(٤) في أثناء شرح الحديث الثالث والعشرين له إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٥٨٢ ]
لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. وقد أجمعتِ الأمَّةُ أنَّ الماءَ مُطهِّر للنَّجاساتِ، وأنَّه ليسَ في ذلك كسائرِ المائِعاتِ الطَّاهِراتِ، فثبَتَ بذلك هذا التأويلُ، وما كانَ طاهِرًا مُطَهِّرًا، استَحالَ أنْ تَلحَقَه النَّجاسَةُ؛ لأنَّه لو لَحِقَته النَّجاسةُ لم يكنْ مُطهِّرًا أبدًا، لأنَّه لا يُطَهِّرُها إلَا بمُمازَجَتِه إيَّاهَا، واختِلاطِه بها، فلو أفسَدَتْه النَّجاسةُ مِن غيرِ أنْ تغلِبَ عليه، وكان حُكمُه حُكمَ سائرِ المائِعاتِ التي تنجُسُ بمُماسَّةِ النَّجاسَةِ لها، لم تَحصلْ لأحدٍ طهارةٌ، ولا استنجَى أَبَدًا.
والسُّنَنُ شاهدةٌ لما قُلنا بمِثلِ ما شَهِدَ به النَّظرُ مِن كتابِ اللَّه ﷿، فَمِن ذلك أمرُ رسولِ اللَّه -ﷺ- أنْ يُصبَّ على بَولِ الأعرابيِّ دَلوٌ مِن ماءٍ، أو ذَنُوبٌ مِن ماءٍ، وهو أصحُّ حديثٍ يُروَى في الماءِ عن النبيِّ -ﷺ-، ومعلومٌ أنَّ البَولَ إذا صُبَّ عليه الماءُ مازَجَه، ولكنَّه إذا غلَبَ الماءُ عليه طهَّرَه ولم يَضُرَّه مُمازجةُ البَولِ له.
أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: أخبَرَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ (^١)، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا يونُسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَه أنَّ أعرَابيًّا بال في المسجدِ، فثارَ الناسُ إليه ليَمنَعوه، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "دعُوهُ، وأهْرِيقوا على بَولِهِ ذَنوبًا مِن ماءٍ -أو قال: سَجْلًا مِن ماء- فإنَّما بُعثتُم مُيسِّرين، ولم تُبعَثوا مُعسِّرين" (^٢).
_________________
(١) هو أبو إسماعيل الترمذيّ.
(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٠ (٢٩٧) عن طريق عبد اللَّه بن المبارك، به. وأخرجه أحمد في المسند ١٣/ ٢١٠ (٧٨٠٠)، وابن حبّان في صحيحه ٤/ ٢٤٥ (١٤٠٠) من طريق يونس بن يزيد الأيليّ، به. وهو عند البخاري (٢٢٠)، والنسائي في المجتبى (٥٦) و(٣٣٠)، وفي الكبرى ١/ ٩٢ (٥٤) من طريق محمد بن شهاب الزُّهريّ، به.
[ ١ / ٥٨٣ ]
وهكذا روَاه شُعيبُ بنُ أبي حَمزَةَ ومحمدُ بنُ الوَليدِ الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ (^١)، كما روَاه يُونُسُ بنُ يزيدَ بإسنادِه.
وكذلك رواه النُّعمانُ بنُ راشدٍ بهذا الإسناد (^٢).
وروَاه ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -ﷺ- (^٣)، وتابَعَه سفيانُ بنُ حسينٍ علَى هذا الإسنادِ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٠) و(٦١٢٨)، والطبراني في مسند الشاميِّين ٣/ ٣٤ (١٧٥٥) و٤/ ٢١٠ (٣١١٩)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٤٢٨ (٤٤١٠).
(٢) أخرجه البزار في مسنده ١٤/ ٣٥٤ (٨٠٥١)، والدارقطني في العلل ٧/ ٢٩٥ (١٣٦٣) كلاهما من طريق وهب بن جرير، عن النعمان بن راشد، به. ولكن بزيادة قول الأعرابيّ فيه: "اللهمَّ ارحمني ومحمدًا، ولا ترحَمْ معنا أحدًا"، وهذا إسنادٌ ضعيف لأجل النعمان بن راشد: وهو الجَزَريّ، أبو إسحاق الرّقِّي مولى بني أميّة، فهو ضعيفٌ، ضعّفه يحيى القطّان جدًّا، وقال عنه أحمد: "مضطرب الحديث"، وضعّفه أيضًا أبو داود والنسائي والعقيليُّ وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٧١٥٤)، والمحفوظ في هذا الحديث بالسياق المشار إليه أنه: عن محمد بن شهاب الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁، كما رواه الحفّاظ عنه، ومنهم سفيان بن عيينة عند أحمد في المسند ١٢/ ١٩٧ (٧٢٥٥)، وأبي داود (٣٨٠)، والترمذي (١٤٧)، والنسائي في المجتبى (١٢١٧)، وفي الكبرى ١/ ٢٩٧ (٥٦٠). أو: عنه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، كما رواه معمر بن راشد عند أحمد في المسند ١٣/ ٢١١ (٧٨٠٢)، وشعيب بن أبي حمزة عند البخاريّ (٦٠١٠)، وكذلك رواه يونس بن يزيد الأيلي عند أبي داود (٨٨٢)، ومحمد بن الوليد الزُّبيدي عند النسائي في المجتبى (١٢١٦)، وفي الكبرى ١/ ٢٩٦ (٥٥٩). ولهذا قال البزار: "ولا نعلم أحدًا قال: عن عبيد اللَّه، عن أبي هريرة إلا النُّعمان وشعيب" قلنا: الصحيح أن شعيبًا -وهو ابن أبي حمزة- رواه كرواية الجماعة كما عند البخاريّ، ولهذا لم يذكره الدارقطني في علله فيمن خالف روايتهم.
(٣) سلف تخريج روايته في التعليق السابق.
(٤) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٥٠ (٢٩٨)، وفي حديثه "إن في دينكم يُسْرًا" وتحرّف في المطبوع منه "حسين" إلى "حصين". وهو سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد، أو أبو الحسن الواسطيّ، وهو ضعيف في الزهريّ باتفاق الحفّاظ كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب (٢٤٣٧)، ولم يُتابع على اللفظ المذكور، والمحفوظ "إنما بُعثتم مُيَسِّرين".
[ ١ / ٥٨٤ ]
ورواه محمدُ بنُ أبي حَفصةَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -ﷺ-. وكلُّ ذلك صحيحٌ؛ لأنَّه مُمكنٌ أنْ يكونَ الحديثُ عندَ ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ اللَّه وسعيدٍ وأبي سَلمةَ، فحدَّث به مرَّةً عن هذا، ومرَّةً عن هذا، وربَّما جمعَهَم، وهذا موجودٌ لابنِ شِهابٍ، معروفٌ له، كثيرٌ جدًّا (^١)، وقد روَى أنسُ بنُ مالكٍ قصَّةَ الأعرابيِّ هذا، وسنذكُرُ طُرُقَ حديثِه في ذلك، في بابِ مُرسَلِ يحيى بنِ سعيدٍ مِن كتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه.
ومِن ذلك أيضًا قولُه -ﷺ- إذ سُئِلَ عن بئرِ بُضَاعةَ فقِيلَ له: إنَّه يُطرَحُ فيها لُحُومُ الكِلابِ والعَذِرةُ وأوساخُ الناسِ. فقال: "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ" (^٢)؛ يعني:
_________________
(١) الصحيح أنه رواه بالسياق المذكور مرّةً: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ومرّةً: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، والذي رووه عنه حفّاظ ثقات. صحيحٌ أنه رُويَ عنه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة من وجوه صحيحة كما سلف تخريجها، ولكن ليس بالسياق المذكور الذي فيه "اللهم ارحمني ومحمدًا. . ."، فهذا إنما المحفوظ فيه، ما أوضحناه قريبًا، ولم يُرْوَ عنه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه إلا من وجهٍ ضعيف تفرّد به النعمان بن راشد، ولم يُتابع عليه، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥١٣) و(٣٧٢٤٥)، وأحمد في المسند ١٧/ ٣٥٨ (١١٢٥٧)، وأبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي في المجتبى (٣٢٦) من طريق أبي أسامة حمّاد بن أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، أنه قيل لرسول اللَّه -ﷺ-: أنتوضّأُ من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ يُطرح فيها الحِيَضُ والنَّتْنُ، ولُحومُ الكلاب؟ قال: "الماءُ طَهُورٌ، لا يُنَجِّسُه شيءٌ". ورجال إسناده ثقات غير عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع بن خديج، وقد قيل في اسمه أقوال. قيل: عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع، وقيل: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع، وقيل: عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع. قال عنه ابن القطان الفاسيّ في بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٠٩: "لا تُعرف له حالٌ ولا عينٌ"، وقال ابن حجر في التقريب (٤٣١٣): "مستور"، وقد صحَّح أحمد حديثه كما ذكر الذهبي في الكاشف ١/ ٦٨٣ (٣٥٦٦)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسنٌ، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحدٌ حديث أبي سعيد في بئر بُضاعة أحسَنَ مما روى أبو أسامة، وقد رُويَ =
[ ١ / ٥٨٥ ]
ما لم يُغيِّرْه أو يَظهَرْ فيه، واللَّهُ أعلمُ؛ لأنَّه قد رُويَ عنه -ﷺ-: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ، إلَّا ما غلَب عليهِ فغيَّرَ طَعمَه أو لَونَه أو رِيحَه" (^١). وهذا إجماعٌ في الماءِ المُتغيِّرِ بالنَّجاسةِ، وإذا كان هذا هكذا، فقد زالَ عنه اسمُ الماءِ مُطلقًا.
وحدِيثُ بئرِ بُضاعةَ ذكَرَه أبو داودَ (^٢) مِن حَديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ -ﷺ-.
وذكرَ أحمدُ بنُ حنبل (^٣)، قال: حدَّثنا حُسينُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا الفُضيلُ، يعني ابنَ سُليمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي يحيى، عن أُمِّه، قالت: سمِعتُ سهلَ بنَ سعدٍ السَّاعديَّ يقولُ: سَقَيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- بيدي مِن بئرِ بُضاعةَ.
وذكرَه إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ محمدُ بنُ عُبيدِ اللَّه، قال: حدَّثني حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمدِ بنِ أبي يحيَى، عن أُمِّه، قالت: دَخَلْنا
_________________
(١) = هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي سعيد، وفي الباب عن ابن عباس وعائشة". وقال ابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ١٣: "وصحّحه أحمد ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم، ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال: إنه ليس بثابت، ولم نَرَ ذلك في العلل ولا في السُّنن، وقد ذكر في العلل ١١/ ٢٨٨ الاختلاف فيه على ابن إسحاق وغيره، وقال في آخر الكلام عليه: وأحسَنُها إسنادًا رواية الوليد بن كثير. . .". قلنا: وسيأتي من غير هذا الوجه قريبًا.
(٢) أخرجه ابن ماجة (٥٢١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧١٦ (١٠٧٦)، والدارقطني في سننه ١/ ٣٠ (٤٧، والبيهقي ١/ ٢٥٩ (١٢٧١) من طرق عن رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة ﵁. وإسناده ضعف، لضعف رشدين بن سعد. معاوية بن صالح: هو ابن حُدير الحضرمي، فهو ثقة كما هو مبيَّنٌ في تحرير التقريب (٦٧٦٢). قال الدارقطني بإثره: "لم يرفعه غير رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، وليس بالقويِّ، والصواب من قول راشد".
(٣) في سننه (٦٦)، وينظر تمام تخريجه والتعليق عليه في التعليق قبل السابق.
(٤) في مسنده ٣٧/ ٥٠٥ (٢٢٨٦٠)، وإسناده ضعيف لجهالة أم محمد بن أبي يحيى؛ فقد تفرّد بالرواية عنها ابنها محمد، ولم يوثّقها أحدٌ، والفضيل بن سليمان: هو النُّميري ضعيف يعتبر بحديثه كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٥٤٢٧).
[ ١ / ٥٨٦ ]
على سَهْلِ بنِ سَعْدٍ في نِسوةٍ، فقال: لو أنِّي سَقَيتُكم مِن بئرِ بُضَاعَةَ لكَرِهتُم ذلك، وقد واللَّه سقَيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- بيدِي منها (^١).
ومن ذلك أيضًا قولُه -ﷺ- إذ سُئلَ عن ماءٍ اغتَسلَتْ منه امرأةٌ من نسائِه وهي جُنُبٌ، فقال: "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ". روَاه جماعةٌ عن سِماكٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ منهم شُعبةُ والثَّوري، إلَّا أنَّ جُلَّ أصحابِ شُعبةَ يَروُونَه عنه، عن سِماك، عن عِكرمَةَ مُرسلًا (^٢)، ووصلَه عنه محمدُ بنُ بكرٍ (^٣)، وقد وصلَه جماعةٌ عن سماك؛ منهم الثوريُّ، وحسبُكَ بالثوريِّ حفظًا وإتقانًا (^٤).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن سماكٍ، عن عِكرمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن أزوَاج النبيِّ -ﷺ- اغتَسلَتْ مِن جَنابةٍ، فاغتسَل النبيُّ -ﷺ- وتوضَّأَ مِن فضلِها، وقال: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الرُّوياني في مسنده (١١٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٢ (٤) في طريق حاتم بن إسماعيل، به. وإسناده كسابقه.
(٢) أخرجه ابن جرير الطبريّ في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٦٩٧ (١٠٣٧) من طريق محمد بن جعفر غُندر، به.
(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ١/ ١٣٢ (٢٥٠)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٤٨ (٩١)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٥٩. وإسناده ضعيف، سماك، وهو ابن حرب، صدوق لكن روايته عن عكرمة خاصةً مضطربة.
(٤) ووصله أيضًا حمّاد بن سلمة عند الطبراني في الكبير ١١/ ٢٧٤ (١١٧٥).
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٣ (٢١٠١)، وابن ماجة (٣٧١)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٧ (١٠٩) من طريق وكيع بن الجرّاح، به. وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٤ (٢١٠٢)، والدارمىِ في سننه (٧٣٥)، والنسائي في المجتبى (٣٢٥)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٧ (١٠٩)، وابن حبّان في صحيحه ٤/ ٤٨ (١٢٤٢) من طريق سفيان الثوريّ، به، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة.
[ ١ / ٥٨٧ ]
وهكذا روَاه أبو الأحوصِ وشريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباس مرفُوعًا (^١). وكلُّ مَن أرسَل هذا الحديثَ فالثوريُّ أحفظُ منه، والقولُ فيه قولُ الثَّورِيِّ ومَن تابَعه على إسنادِه.
وذكَرَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، عن الحِمّانِيِّ، عن شَرِيكٍ، عن المِقدام ابنِ شُريح، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ" (^٢).
قال: وحدَّثنا عليُّ بنُ المَدينِيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن توبَةَ العَنبَرِيِّ، أنَّه سَمِعَ سَلْم بن غياث (^٣) يُحدِّثُ عن جدِّه، قال: سأَلتُ أبا هريرةَ قلتُ: إنَّا نَرى الحَوضَ يكونُ فيه السُّؤرُ مِن الماءِ، فيلَغُ فيه الكلبُ، ويشربُ منه الحمارُ، فقال: الماءُ لا يُحرِّمُه شيءٌ (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٥٥) و١٤/ ١٦٠ (٣٧٢٤٦)، وعنه ابن ماجة (٣٧٠) كلاهما عن أبي الأحوص سلّام بن سُليم الحنفيّ، به. وأخرجه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن حبّان في صحيحه ٤/ ٥٦ (١٢٤٨)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٧٤ (١١٧١٦)، والبيهقي في الكبرى ١/ ١٨٩ (٩٣٥) من طرق عن أبي الأحوص سلّام بن سُليم الحنفيّ، به. وأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٢٨ (٣١٢٠) من طريق شريك بن عبد اللَّه النخعيّ، به.
(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٨/ ٢٠٣ (٤٧٦٥) عن يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ، به. وأخرجه البزار كما في كشف الأستار ١/ ١٣٢ (٢٤٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧٠٩ (١٠٦٠)، والطبراني في الأوسط ٢/ ٣١٨ (٢٠٩٣) من طريق شريك بن عبد اللَّه النخعيّ، به. وشريك صدوق حسن الحديث عند المتابعة ضعيف عند التفرد، وتفرد في هذه الرواية كما في تحرير التقريب (٢٧٨٧)، ويحيى بن عبد الحميد الحِمّاني ضعيفٌ يعتبر بحديثه كما هو موضح في تحرير التقريب (٧٥٩١)، ولكن تابعه أبو أحمد الزبيري محمد بن عبد اللَّه بن الزبير عند البزار والطبراني.
(٣) هكذا في النسخ، ولا يوجد في الرواة مثل هذا، وصوابه: سلمى بن عتاب، كما في مصادر التخريج، وهذا هو حال كثير من المجاهيل يخطئ الناس فيهم لعدم شهرتهم.
(٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٤/ ١٧٩ (٢٤٧٧) عن عليّ بن المدينيّ، به. =
[ ١ / ٥٨٨ ]
قال أبو عُمر: حَسبُكَ بجوابِ أبي هريرةَ في هذا البابِ، وهو الذي روَى حديثَ وُلُوغِ الكَلبِ في الإناءِ، وحديثَ غسل اليَدِ قبلَ إدخالِها فيه.
ورُويَ عن ابنِ عباسٍ مِن وُجوهٍ، أنَّ الماءَ لا يُنجِّسُه شيءٌ (^١). وقال ابنُ عباسٍ: الماءُ يُطهِّرُ ولا يُطَهَّرُ (^٢). وقال سعيدُ بنُ المُسيِّب: الماءُ طهُورٌ لكُلِّ ما أصابَ (^٣).
وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى وجَماعةٍ مِن التَّابعينَ: الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ (^٤).
وروَى شُعبةُ، عن يَزيدَ الرِّشْكِ، عن مُعاذةَ، عن عائشةَ: الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ (^٥). وعن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، مثلَه (^٦).
_________________
(١) = وأخرجه ابن جرير الطبريّ في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧٢٠ (١٠٨٢) عن محمد بن المثنّى، عن محمد بن جعفر غُندر، به. وإسناده ضعيفٌ، سُلمى بن عتّاب مجهول، لم يروِ عنه غير توبة العنبريّ، وذكره البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤/ ٣١٢ (١٣٦٤) لم يذكُرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبّان وحده في الثقات ٤/ ٣٤٥ (٣٢٦٣)، وجدّه لا يُعرف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنِّف ١/ ١٠٩ (٣٩٧) و١/ ٢٩٧ (١١١٤)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٥٢٢)، وابن جرير الطبريّ في تهذيب الآثار ٢/ ٦٩٢، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٣٧٤ (١٨٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ١/ ٧٨ (٢٥٦) و١/ ٢٩٧ (١١٤٢) من طريق معمر بن راشد، عن قتادة السدوسي، عن عكرمة مولاه، عنه.
(٤) ينظر: المصنَّف لابن أبي شيبة (١٥٤٢) و(١٥٢٦)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٥٩ (١٢٦٩).
(٥) ينظر: المصنَّف لابن أبي شيبة باب (مَن قال: الماء طُهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ) حديث (١٥١٣) فما بعد.
(٦) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٥١٥)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (١٣٨٣) من طريقين عن شعبة بن الحجاج، به. وزادا: "ولكن يبدأ الرجل فيغسل يديه ثلاثًا، لقد رأيتُني أنا ورسولَ اللَّه -ﷺ- نغتسل من إناء واحد". وبمعناه أخرجه البيهقيُّ في الكبرى ١/ ٢٦٨ (١٣١٤) من طريق وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، به، عنها ﵂ أنها قالت: "ليست على الماء جنابة"، ورجال إسناده ثقات. معاذة: هي بنت عبد اللَّه العَدَويّة، أمّ الصهباء البصْريّة.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنِّف ١/ ٧٩ بإسناد ضعيف عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال: أخبرتُ عن ابن مسعود، أنه قال: "إذا اختَلَط الماءُ والدمُ، فالماءُ طهُورٌ".
[ ١ / ٥٨٩ ]
وروَى حمَّادُ بنُ سلَمَةَ، عن حمادٍ (^١)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، في ماءِ الحمَّام يَغتسِلُ فيه الجُنُبُ وغيرُ الطاهِرِ، قال: الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ (^٢).
وحمادُ بنُ سلَمَةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] قال: لا يُنجِّسُه شيءٌ (^٣). قال داودُ: وسألتُ سعيدَ بنَ المُسيِّب عن الغُدُرِ (^٤) التي في الطرقِ تلَغُ فيها الكلابُ، وتبُولُ فيها الدَّوابُّ، أيُتوضَّأُ منها؟ فقال: الماءُ طهُور لا يُنجِّسُه شيءٌ (^٥).
قال أبو عُمر: هذا يدلُّ على أنَّ ما رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسيِّب في سُؤرِ الهِرِّ أنَّه كَرِهَه، لم يكنْ إلَّا لشيءٍ ظهَرَ في المَاءِ، واللَّهُ أعلمُ.
ومعنى قولِه -فيما بالَتْ فيه الدَّوابُّ مِن الماءِ-: إنَّه طهُورٌ. محمُولٌ على أنَّ البولَ لم يَظهَرْ في الماءِ منه طَعمٌ ولا لَونٌ ولا ريحٌ.
أخبَرنا يُوسفُ بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ (^٦)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ،
_________________
(١) هو ابن أبي سُليمان.
(٢) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلّام في الطهور (٢٥٢)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٣٨٢) و(١٥٣١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧١٣ (١٠٧٠) و(١٠٧١) ثلاثتهم من طريق عيسى بن المغيرة، عنه، بنحوه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٥٢٦)، والدارقطني في سننه ١/ ٣٢ (٥١)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٥٩ (١٢٦٩).
(٤) الغُدُر: جمع غدير: وهو القطعة من الماء يُغادرها السَّيل، فهو فَعيل في معنى مفعول. ينظر: الصحاح (غدر).
(٥) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلّام في الطهور (١٥٧)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٥٢٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار/ مسند ابن عباس ٢/ ٧١١ - ٧١٢ (١٠١٦٤ - ١٠١٦٨)، والدارقطني في سننه ١/ ٣٣ (٥٢)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٥٩ (١٢٦٩).
(٦) يوسف بن محمد: هو ابن يوسف، ومحمد بن إبراهيم: هو ابن سعيد القيسي القرطبي، وشيخهما محمد بن معاوية: هو ابن عبد الرحمن الأموي، المعروف بابن الأحمر.
[ ١ / ٥٩٠ ]
قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفريابِيُّ، قال: حدَّثنا دحيمٌ (^١)، قال: حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، في الغدِيرِ تقَعُ فيه الدَّابَّةُ فتموتُ، قال: الماءُ طَهُورٌ ما لم تُنجِّسِ المَيتةُ طَعمَه أو رِيحَه (^٢).
وأمَّا ما ذهَب إليه الشَّافعيُّ مِن حديثِ القُلَّتينِ، فمَذهَبٌ ضعيفٌ مِن جِهَةِ النَّظَرِ، غيرُ ثابتٍ في الأثرِ؛ لأنَّه حديث قد تكلَّمَ فيه جماعةٌ مِن أهلِ العِلم بالنقلِ، ولأنَّ القُلتينِ لم يُوقَفْ على حَقِيقةِ مَبلَغِهما في أثرٍ ثابتٍ ولا إجماع، ولو كان ذلك حدًّا لازمًا لوَجَب على العلماءِ البَحثُ عنه ليقِفُوا على حدِّ ما حرَّمَه رسولُ اللَّه -ﷺ- وما أحَلَّه مِن الماءِ؛ لأنَّه مِن أصلِ دينِهم وفَرضِهم، ولو كان ذلك كذلك ما ضَيَّعُوه، فلقد بحَثُوا عمَّا هو أدقُّ مِن ذلك وألطَفُ، ومحالٌ في العُقولِ أنْ يكونَ مَاءانِ أحدُهما يزيدُ على الآخرِ بقَدَح أو رِطلٍ، والنَّجاسَةُ غيرُ قائمةٍ ولا مَوجودَةٍ في واحدٍ منهما؛ أحدُهما نَجِسٌ، والآخرُ طاهرٌ.
وكذلك كلُّ مَن قال بأنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسةِ دونَ كثيرِه وإنْ لم تَظهَرْ فيه ولم تُغيِّرْ شيئًا منه، وحَدَّ في ذلك الماءَ المسْتَبحِرَ بغيرِ أثرٍ يشهدُ له، فقولُه مدفُوعٌ بما ذكَرنا مِن الآثارِ المرفوعَةِ في هذا البابِ، وأقاويلِ علماءِ أهلِ الحجازِ فيه.
وأمَّا ما ذهَبَ إليه المِصريُّونَ مِن أصحابِ مالكٍ في أنَّ قليلَ الماءِ يفسُدُ بقليلِ النجاسةِ، مِن غيرِ حدٍّ حَدُّوهُ في ذلك، وما قالُوه مِن أجوبَةِ مَسائلِهم في البئرِ تقعُ فيها المَيتَةُ، مِن استِحبابِ نَزْح بعضِها وتطهِيرِ ما مسَّه ماؤُها، وفي إناءِ الوضوءِ يسقُطُ فيه مثلُ رؤوسِ الإبَرِ من البولِ، وفي سُؤرِ النَّصرانيِّ والمَخمُورِ، وسُؤرِ الدجاجةِ المُخَلَّاةِ (^٣)، وغيرِ ذلك مِن مسائلِهم، في هذا البابِ، فذلكَ
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ.
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى ١/ ٢٥٩ (١٢٧٠) من طريق الوليد بن مسلم، به.
(٣) يعني: المتروكة في الخلاء، غير مقصورة في مكان معيّن. وينظر: المحلّى لابن حزم ١/ ١٥٨.
[ ١ / ٥٩١ ]
كلُّه على التَّنَزُّهِ والاستِحبابِ، هكذا ذكَرَه إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وهو الصَّوابُ عندَنا، وباللَّه توفيقنا.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^١): حدَّثنا الحوطِيُّ، قال: حدَّثنا بَقِيَّةُ، قال: قلتُ للأَوزاعيِّ: جُبٌّ كانَ يُعصرُ فيه العَصيرُ، فلمَّا فرَغُوا بَقِيتْ في أسفَلِه بَقيَّةٌ فصارَتْ خَمرًا، ثم جاءَتِ الأمطارُ فمَلأَتِ الجُبَّ، ما تقولُ في الوُضوءِ منه؟ قال: تجدُ له طَعْمًا أو ريحًا؟ قلتُ: لا. قال: لا بَأسَ بالوُضوءِ منه.
حدَّثنا (^٢) عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال (^٣): حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال حدَّثنا أبو عليٍّ عبدُ الصمدِ بنُ أبي سِكِّينةَ الحلبيُّ بحلبَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ،
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ٢٤٩ (٤٦٩٦). الحوطيّ: هو عبد الوهاب بن نجْدة، وبقيّة: هو ابن الوليد الكلاعيّ.
(٢) هذه الفقرة من ف ١، ولم ترد في الأصل، ق، وإنما أبقينا عليها على الاحتمال.
(٣) في مصنَّفه كما في تلخيص الحبير ١/ ١٣. وأخرجه أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي في مستخرجه على سنن أبي داود كما في تلخيص الحبير ١/ ١٣. وأخرجه ابن حزم في المحلّى ١/ ١٥٥ عن عباس بن أصبغ الهمداني، عن محمد بن عبد الملك بن أيمن، عن محمد بن وضاح بن بزيع، به. وإسناده ضعيف لجهالة عبد الصمد بن أبي سكينة، فلم نقف له على ترجمة إلا ما وقع في ذيل ميزان الاعتدال لزين الدين العراقي ١/ ١٥٤ (٥٥٣)، قال: "عن عبد العزيز بن أبي حازم، وعنه ابن وضاح" ثم نقل عن أبي بكر بن مفوز المعافري قوله فيه: "مجهول العين والاسم، منكر الحديث والرواية، غير عدْلٍ ولا ثقةٍ، إنما يُعرف برواية ابن وضّاح". قلنا: والغريب قول ابن حزم فيه: "ثقة"، ومرّةً أخرى في كتاب الإيصال فيما نقل عنه ابن الملقّن في البدر المنير قوله: "ثقة مشهور". وتعقّبه الحافظ ابن حجر في التلخيص وقال: "قلت: ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم أنه مشهور، قال ابن عبد البرّ وغير واحد: إنه مجهولٌ، ولم نجد عنه راويًا إلَّا محمد بن وضاح".
[ ١ / ٥٩٢ ]
قال: قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نتوضأُ (^١) مِن بئرِ بُضاعةَ، وفيها ما يُنجِي الناسُ (^٢) والمحائضُ والجُنبُ. فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "الماءُ لا ينجِّسُه شيءٌ". وهذا اللفظُ غريبٌ في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ، ومحفوظٌ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، لم يأتِ به في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ غيرُ ابنِ أبي حازم، واللَّهُ أعلمُ. قال قاسمٌ: هو مِن أحسنِ شيءٍ في بئرِ بُضاعةَ.
ولمَّا ثبَتَتِ السُّنَّة في الهِرِّ، وهو سبُعٌ يَفتَرسُ ويأكُلُ المَيتَةَ، أنَّه ليسَ بنَجَسٍ، دلَّ ذلك على أنَّ كُلَّ حيٍّ لا نَجاسَةَ فيه، فكانَ الكلبُ والحِمارُ والبغلُ وسائرُ الحَيوانِ كلِّه لا نَجاسَةَ فيه ما دامَ حيًّا، ولا بأسَ بسُؤرِه للوُضوءِ والشُّربِ، حاشَا الخِنزِيرَ المُحرَّمَ العينِ، فإنَّه قد اختُلِفَ فيه، فقِيلَ: إنَّه إذا ماسَّ الماءَ وهو حيٌّ أفسَدَه.
وقد قِيل: إنَّ ذلك لا يُفسِدُه على ظاهِرِ حديثِ عمرَ في السِّبَاعِ (^٣)، وظاهِرِ قولِه -ﷺ-: "الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ". وهذا هو المَذهَبُ الذي إليه يذهَبُ أكثرُ أصحابِنا، وبه نقولُ.
وكذلك الطيرُ كلُّه، لا بأسَ بسُؤرِه، إلَّا أنْ يكونَ في فَمِه أذًى يُغيِّرُ الماءَ؛ اعْتِبارًا بسُنَّةِ رسولِ اللَّه -ﷺ- في الهِرِّ وفي الماءِ أنَّه لا يُنجِّسُه إلَّا ما ظهَر فيه مِن النَّجاسةِ.
وقد روَى ابنُ عمرَ أنَّ الكِلابَ كانتْ تُقبِلُ وتُدبِرُ وتبولُ (^٤) في مَسجِدِ
_________________
(١) كذا هنا كما في المحلّى: "إنّا نتوضّأ"، وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٣: "تنبيه: قوله: أتتوضّأ. بتاءين مثنّاتين من فوق خطابٌ للنبيِّ -ﷺ-".
(٢) قوله: "ما يُنْجي الناسُ" يعني: ما يُحْدِثون من القَذَر والفضلات.
(٣) أخرجه مالك في الموطّأ ١/ ٤٧٩ (١٠٢٦) عن نافع مولى عبد اللَّه بن عمر، عنه ﵄. وهو الحديث الواحد والخمسون لنافع، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٤) قوله: "وتبول" لم يرد في الأصل.
[ ١ / ٥٩٣ ]
رسولِ اللَّه -ﷺ- فلا يُغسَلُ شيءٌ مِن أثَرِها ولا يُرشُّ (^١). وهذا يدُلُّ على أنَّه ليس في حيٍّ نجاسةٌ، واللَّهُ أعلم.
وإنَّما النَّجاسةُ في المَيتةِ وفيما ثبَتَت مَعرِفتُه عندَ الناسِ مِن النَّجاساتِ المُجتمَع عليها، والتي قامتِ الدَّلائلُ بنجاستِها؛ كالبولِ والغائطِ والمَذي والخمر.
وقد يكونُ مِن المَيتَةِ ما ليسَ بنَجَسٍ، وهو كلُّ شيءٍ ليسَ له دمٌ سائلٌ؛ مثلَ بناتِ وَردانَ (^٢)، والزُّنبُورِ (^٣)، والعَقرَبِ، والجِعلانِ (^٤)، والصَّرّارِ (^٥)، والخُنفُساءِ (^٦)، وما أشبهَ ذلك، والأصلُ في ذلك حديثُ رسولِ اللَّه -ﷺ- في الذُّباب.
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (^٧)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (^٨): حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ، قال:
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٩/ ٢٨٧ (٥٣٨٩)، والبخاري معلّقًا (١٧٤)، وأبو داود (٣٨٢)، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ١٥١ (٣٠٠) من طرق عن محمد بن شهاب الزُّهري، عن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، عنه ﵄، وإسناده عند أبي داود صحيح.
(٢) بنات وردان: دُويبة نحو الخُنفساء، حمراء اللون، وأكثر ما تكون في الحمّامات والكُنف. الوسيط (ورد).
(٣) الزُّنبور: ضربٌ من الذُّباب لسَّاع، وقيل: هو الدَّبْر. ينظر: الصحاح واللسان (زنبر).
(٤) الجِعْلان: جمع الجُعَل: وهي دابّة سوداء من دوابِّ الأرض. قيل: هو أبو جَعْران. اللسان (جعل).
(٥) الصَّرّار: هو الجُدْجُد: وهو أكبر من الجُندب، يقال له صَرّار الليل. اللسان، والمصباح المنير (صرر).
(٦) الخُنْفَساء بفتح الفاء ممدود: دُويبة سوداء أصغر من الجُعَل، منتنة الريح. اللسان (خنفس).
(٧) هو ابن سعيد القيسيّ، وشيخه محمد بن معاوية: هو ابن عبد الرحمن الأموي، المعروف بابن الأحمر راوي السنن الكبرى عن النسائي.
(٨) في الكبرى ٤/ ٣٨٩ (٤٥٧٤)، وهو في المجتبى (٤٢٦٢). وأخرجه أحمد في المسند ١٧/ ٢٨٤ (١١١٨٩)، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ٢٧٣ (٩٨٦)، وابن حبّان في صحيحه ٤/ ٥٥ (١٢٤٧) من طريق يحيى بن سعيد القطّان، به. وهو عند الطيالسي في مسنده (٢٣٠٢)، وأحمد في المسند ١٨/ ١٨٦ (١١٦٤٣)، وابن ماجة (٣٥٠٤)، والبغوي في شرح السُّنة ١١/ ٢٦١ (٢٨١٥) من طرق عن محمد بن عبد الرحمن بن =
[ ١ / ٥٩٤ ]
حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خالدٍ، عن أبي سَلمَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ -ﷺ- قال: "إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أحَدِكُم فلْيَمْقُلْه".
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (^١)، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ (^٢)، قال: حدَّثنا الخاريُّ، قال (^٣): حدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا اسماعيلُ بنُ جعفَرٍ، عن عُتبةَ بنِ مسلم، عن عُبيدِ بنِ حُنينٍ مولى بنِي زُريقٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "إذا وَقعَ الذُّبابُ في إناءِ أحدِكُم فليَغمِسْهُ كُلَّه، ثم لِيَطْرَحْه، فإنَّ في أحدِ جَناحَيهِ شِفاءً، وفي الآخَرِ داءً".
ورُوِيَ هذا الحديثُ مِن وُجُوهٍ كثيرةٍ عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ، كلُّها ثابتةٌ، ومعلومٌ أنَّ الذُّبابَ إذا غُمِس في الطَّعام الحارِّ أو الباردِ أنَّ الأغلبَ عليه مع ضَعفِ خَلقِه الموتُ، فلو كان موتُه في الماءِ والطَّعام يُفسِدُه، لم يأمُرْ رسولُ اللَّه -ﷺ- بغَمْسِه فيه، وإذا لم يَنجُسِ الطَّعامُ بمَوتِه، فليسَ بنَجسٍ على حالٍ ألبَتَّةَ.
وحُكْمُ كلِّ ما لا دمَ له حُكمُه؛ مِن أنه لا يُفسِدُ ما مات فيه مِن الطعام، وقد رخَّصَ قومٌ في أكلِ دُودِ التِّينِ، وما في الفُولِ وسائرِ الطَّعام مِن السُّوسِ؛ واستَجازُوا ذلك لعدمِ النَّجاسَةِ فيه. وكَرِهَ أكلَ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ العِلم، وقالوا: لا يُؤكلُ شيءٌ مِن ذلك؛ لأنَّه ليسَ له حَلْقٌ ولبَّةٌ فيُذكَّى، ولا هو مِن صَيدِ الماءِ
_________________
(١) = أبي ذئب، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات. عمرو بن عليّ: هو الفلّاس، وسعيد بن خالد: هو ابن عبد اللَّه بن قارظ، وهو ثقة، وثّقه النسائي وابن حبّان والدارقطني كما هو موضّح في تحرير التقريب (٢٢٩١)، وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وينظر: المسند المصنف المعلل ٢٨/ ٤١٢ - ٤١٣ (١٢٨١٢).
(٢) هو ابن أسد الجُهني، وشيخه ابن السكن: هو سعيد بن عثمان.
(٣) هو الفربريّ.
(٤) في صحيحه (٥٧٨٢). وأخرجه أحمد في المسند ١٥/ ٨٨ (٩١٦٨) من طريق إسماعيل بن جعفر، به. قتيبة شيخ البخاري: هو ابن سعيد.
[ ١ / ٥٩٥ ]
فيَحِلَّ بغيرِ الذَّكاةِ (^١). واحتجُّوا بقولِ رسولِ اللَّه -ﷺ- في الذُّبابِ: "فَليَغمِسْه، ثم ليطرَحْه". قالوا: ولو كان أكلُه مُباحًا لم يأمُرْ بطرحِه.
وأمَّا القَملَةُ والبُرغُوثُ، فأكثَرُ أصحابِنا يقولون: لا يُؤكلُ طَعامٌ ماتَتْ فيه قملَة أو بُرغوثٌ، لأنَّهما نجِسانِ، وهما مِن الحيوانِ الذي عَيشُه مِن دم الحيوانِ، لا عيشَ لهما غيرُ الدَّم، فهما نَجِسانِ، ولهما دمٌ (^٢). وكان سُليمانُ بنُ سالم القاضِي الكِنديُّ، مِن أهلِ إفرِيقِيَّةَ (^٣) يقولُ: إن ماتَتِ القَملةُ في الماءِ طُرِحَ ولم يُشرَبْ، وإنْ وقَعتْ في الدَّقيقِ ولم تخرُجْ في الغِربَالِ لم يُؤكَلِ الخُبزُ، وإنْ ماتَتْ في شيءٍ جامدٍ طُرحَتْ وما حَولَها كالفأرَةِ.
وقال غيرُه مِن أصحابِنا وغيرِهم: إنَّ القَملَةَ (^٤) كالذُّبابِ سواءً.
فأمَّا الماءُ، فالأصلُ فيه عندَنا ما ذكَرنا وأوضَحنا في هذا البابِ، وقد عُلِمَ أنَّ الذُّبابَ يعيشُ مِن الدَّم، ويتَناولُ مِن الأقذارِ ما لا تتَناوَلُ القَملَةُ، وفيه مِن الدَّم مثلُ ما في القَملَةِ أو أكثَرُ، وقد حكَمَ فيه رسولُ اللَّه -ﷺ- بما تقدَّمَ ذكرُنا له (^٥). وهذا ما لم يكنْ فيه دمٌ، لأنَّ الحدِيثَ إنَّما يدُلُّ على أنَّ النَّجِسَ مِن الحَيوانِ ما له دمٌ سائِلٌ، وكذلكَ قال إبراهيمُ: ما ليسَ له نَفْسٌ سائِلَةٌ فليسَ بنَجسٍ (^٦). يعني بالنَّفسِ: الدَّمَ.
_________________
(١) ينظر: مراتب الإجماع، ص ١٤٨ لابن حزم، وجملة الأقوال الواردة في ذلك: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٢٢.
(٢) ينظر: التلقين في الفقه المالكي لعبد الوهاب البغدادي ١/ ٢٦، والتاج والإكليل لمختصر خليل للعبدري ١/ ١٢٢.
(٣) وهو من أصحاب سحنون، وهذا نقله عنه ابن رشد في البيان والتحصيل ١/ ٣٩.
(٤) في البيان والتحصيل ١/ ٣٩: "إنّ البرغوث كالذُّباب الذي يتناول الدم، وأمّا القملة فهي من الإنسان كدَمِه".
(٥) ينظر أقوال العلماء من أهل المذاهب في ذلك: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٢٢، والمحلّى لابن حزم ١/ ١٤٨ - ١٥٠، وتحفة الفقهاء لأبي بكر السمرقندي ٣/ ٦٤.
(٦) ينظر: المصنَّف لابن أبي شيبة (٦٥٦) و(٦٥٧)، وسنن الدارقطني ١/ ٤١ (٦٧)، والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٥٣ (١٢٣٩)، وقال: وروينا معناه عن الحسن البصري وعطاء وعكرمة.
[ ١ / ٥٩٦ ]