حديثٌ أوّلُ لإسماعيلَ بن أبي حَكيم، مسنَدٌ
مالكٌ (^١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، عن عَبيدةَ بنِ سُفيانَ الحَضرميِّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ".
عَبيدةُ بنُ سُفيانُ هذا من تابعي أهلِ المدينة، ثِقَةٌ حُجَّةٌ فيما نقَل، سمِع من أبي هريرةَ وأبي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ، روَى عنه محمدُ بنُ عمرٍو، وبُكيرُ بنُ الأشجِّ، وإسماعيلُ بنُ أبي حكيم (^٢).
وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ مجتمعٌ على صِحَّته (^٣).
وفيه من الفقه: أنَّ النهيَ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع نهيُ تحريم، لا نهيُ أدبٍ وإرشاد، ولو لم يأتِ هذا اللفظُ عن النبيِّ -ﷺ- لكان الواجبُ في النظرِ أن يكونَ نَهْيُه -ﷺ- عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع نَهْيَ تحريم، فكيف وقد جاء مُفسَّرًا في هذا الخبر؛ لأنَّ النَّهْيَ حقيقتُه الإبعادُ والزجرُ والانتهاءُ، وهذا غايةُ التحريم؛ لأنَّ التحريمَ في كلام العرب الحرمانُ والمنع، قال اللَّه ﷿: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]؛ أي: حرَمناه رَضاعَهُنَّ ومنَعناه منهنَّ، ولم يكنْ ممّن تَجري عليه عبادةٌ في ذلك الوقت؛ لطفولتِه، والنَّهيُ يقتضي معنَى المنع كلِّه. وتقولُ العرب: حرَّمْتُ عليك دُخولَ داري؛ أي: منعتُكَ من ذلك. وهذا القولُ عندَهم في معنى: لا تَدخُلِ الدار. كلُّ ذلك منعٌ وتحريم، ونهيٌ وحرمانٌ.
_________________
(١) الموطّأ ١/ ٦٤١ (١٤٣٤).
(٢) ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٦/ ٨٢ (١٧٧٨)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦/ ٩١ (٤٦٦)، وتهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٤.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ١٢/ ١٦١ (٧٢٢٥)، ومسلم (١٩٣٣) (١٥) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، به.
[ ١ / ٣٢١ ]
وكلُّ خبرٍ جاء عن رسولِ اللَّه -ﷺ- فيه نهيٌ، فالواجبُ استعمالُه على التحريم، إلّا أن يأتيَ معه أو في غيرِه دليلٌ يبيِّنُ المرادَ منه أنّه ندبٌ وأدبٌ، فيُقضَى للدليل فيه، ألا ترَى إلى نهي رسولِ اللَّه -ﷺ- عن نكاح الشِّغار، وعن نكاح المحرِم، وعن نكاح المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها، وعن قليلِ ما أسكَر كثيرُه من الأشربة، وعن سائرِ ما نهى عنه من أبوابِ الرِّبا في البيوع، وهذا كلُّه نهيُ تحريم، فكذلك النَّهيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، واللَّهُ أعلم.
وقد اختلف أصحابُنا في ذلك على ما سنُبيِّنُه في آخرِ هذا الباب إن شاء اللَّه.
ومما يدُلُّ على أنَّ ما رواه إسماعيلُ بنُ أبي حكيم، عن عَبيدةَ بنِ سفيان، عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ كما رواه، ما حدَّثني به أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^١): حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدة، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- حرَّمَ يومَ خيبرَ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع، والمُجثَّمة، والحمارَ الأهليَّ.
قال أبو عُمر: وأمّا ما جاء من النهي على جهةِ الأدب، وحُسنِ المعاملة، والإرشادِ إلى البرِّ، فنهيُه -ﷺ- عن أنْ يَمشيَ المرءُ في نعْلٍ واحدة (^٢)، وأن يَقرنَ
_________________
(١) في المصنَّف مقطّعًا (٢٠٢١٢) و(٢٠٢٢٧). وأخرجه الترمذي (١٧٩٥)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٣٣١ (١٩٩٤٧) من طريقين عن حسين بن عليّ الجُعفيّ، به. وأخرجه أحمد في المسند ١٤/ ٣٩٣ (٨٧٨٩) من طريق زائدة بن قدامة، به. وهو حديث صحيح، وهذا إسنادٌ حسن لأجل محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة بن وقّاص الليثي، فهو حسن الحديث، وباقي رجال إسناده ثقات.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٠٢ (٢٦٥٩)، ومن طريقه البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧) من طريق أبي الزِّناد عبد اللَّه بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، وهو الحديث التاسع عشر لأبي الزناد، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣٢٢ ]
بينَ تَمرتينِ في الأكل (^١)، وأن يأكلَ من رأسِ الصَّحفة (^٢)، وأن يشربَ من في السِّقاء (^٣)، وغيرُ ذلك مثلُه كثيرٌ، قد عُلمَ بمخرجِه المرادُ منه.
وقد قال جماعةٌ من أهلِ العلم: إنَّ كلَّ نهي ثبَت عن النبيِّ -ﷺ- في شيءٍ من الأشياء، ففعَله الإنسانُ مُنتهِكًا لحرمتِه، وهو عالمٌ بالنَّهي، غيرُ مضطرٍّ إليه، أنّه عاصٍ آثمٌ. واستدلُّوا بقولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "إذا نهَيتكم عن شيءٍ فانتَهوا عنه، وإذا أمَرتُكم بشيءٍ فخُذوا منه ما استَطَعْتُم" (^٤). فأطْلَق النهيَ ولم يُقيِّدْه بصِفَة، وكذلك الأمرُ لم يُقيِّدْه إلّا بعدم الاستِطاعَة، فقالوا: إنَّ من شَرِب من في السِّقاء، أو مَشَى في نَعلٍ واحدة، أو قَرَن بينَ تمرتين في الأكْل، أو أكَلَ من رأسِ الصَّحْفة، ونحوَ هذا، وهو عالمٌ بالنهي، كان عاصيًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٥٥) و(٢٤٩٠)، ومسلم (٢٠٤٥) من حديث جبلة بن سُحيم، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، وفيه: "وكنّا نأكل فيمُرُّ علينا ابن عمر ونحن نأكل فيقول: لا تُقارنوا! فإنّ رسولَ اللَّه -ﷺ- نهى عن الإقران، إلّا أن يستأذِنَ الرَّجُل أخاه".
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٦٣ (٢٧٣٠)، وأبو داود (٣٧٧٢)، وابن ماجة (٣٢٧٧)، والترمذي (١٨٠٥)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٢٦٤ (٦٧٢٩) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "إذا أكل أحدُكم طعامًا، فلا يأكلْ من أعلى الصَّحْفة، ولكن ليأكُلْ من أسفلها، فإنّ البركةَ تنزلُ من أعلاها" لفظ أبي داود، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
(٣) أخرجه أحمد في المسند ١٢/ ٦٦ (٧١٥٣)، والبخاري (٥٦٢٨) من حديث عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسولُ اللَّه -ﷺ- أن يُشْرَبَ مِنْ في السِّقاء". وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٥٧ (٢١٦١)، والبخاري (٥٦٢٩)، وأبو داود (٣٧١٩)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي في المجتبى (٤٤٤٨)، وفي الكبرى ٤/ ٣٦٧ (٤٥٢٢) من حديث عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، باللفظ المذكور قبله.
(٤) سيأتي تخريجه في ٩/ ٢٥٢.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وقال آخرون: إنّما نهى عن الأكْلِ من رأسِ الصحفةِ لأنَّ البركةَ تنزِلُ منها، ونهى عن القِرانِ بينَ تمرتينِ لما فيه من سوءِ الأدبِ أن يأكُلَ المرءُ مع جليسِه وأكيلِه تمرتينِ في واحد، ويأخُذَ جليسُه تمرة، فمن فعَل فلا حرج، وكذلك النَّهيُ عن الشُّربِ من فيّ السِّقاءِ خوفَ الهوامِّ؛ لأنَّ أفواهَ الأسقيةِ تَقْصِدُها الهوامُّ، وربما كان في السِّقاءِ ما يُؤذِيه، فإذا جعَل منه في إناءٍ رَآه وسلِم منه.
وقالوا في سائرِ ما ذكَرنا نحوَ هذا ممّا يَطولُ ذكرُه. وما أعلمُ أحدًا من العلماءِ جعَل النهيّ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من هذا الباب، وإنّما هو من البابِ الأوّل، إلّا أنَّ بعضَ أصحابنا زعَم أنَّ النَّهيَ عن ذلك نهيُ تنزُّهٍ وتَقَذُّر. ولا أدري ما معنى قوله: نهيُ تَنزُّهٍ وتَقَذُّر. فإن أرادَ به نهيَ أدب، فهذا ما لا يُوافَقُ عليه، وإن أراد أنَّ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع يجبُ التَّنزُّهُ عنه كما يجبُ التَّنزُّهُ عن النَّجاساتِ والأقذار، فهذا غايةٌ في التَّحريم؛ لأنَّ المسلمين لا يختلِفون في أنَّ النَّجاساتِ مُحرَّماتُ العين أشدَّ التَّحريم، لا يَحِلُّ اسْتباحةُ أكلِ شيءٍ منها، ولم يُردِ القائلون من أصحابِنا ما حكينا هذا عنهم، ولكنَّهم أرادُوا الوجهَ الذي هو عندَ أهل العلم ندْبٌ وأدبٌ؛ لأنَّ بعضَهم احتجَّ بظاهرِ قول اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآيةَ [الأنعام: ١٤٥]. وذكَر أنَّ من الصحابةِ منِ استعملَ هذه الآيةَ ولم يُحرِّمْ ما عداها، فكأنّه لا حرامَ عندَه على طاعم إلّا ما ذُكِر في هذه الآية.
ويَلزمُه على أصلِه هذا أن يُحِلَّ أكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وهو لا يقولُ هذا في الحُمُرِ الأهلية؛ لأنّه لا تعملُ الذَّكاةُ عندَه في لُحومِها ولا في جُلودِها، ولو لم يكنْ عندَه مُحرّمًا إلّا ما في هذه الآيةِ لكانت الحُمرُ الأهليّةُ عندَه حلالًا،
[ ١ / ٣٢٤ ]
وهو لا يقولُ هذا، ولا أحدٌ من أصحابه، وهذه مُناقَضةٌ، وكذلك يَلزمُه ألّا يُحرِّمَ ما لم يُذكَرِ اسمُ اللَّه عليه عمدًا، ويَستحِلَّ الخمرَ المحرَّمةَ عندَ جماعةِ المسلمين، وقد أجمَعوا أنَّ مُستَحِلَّ خمرِ العِنَبِ المُسكِرِ كافرٌ مُرتدٌّ (^١)، يُستَتابُ، فإن تابَ ورجَع عن قوله، وإلّا استُبيح دمُه كسائرِ الكفار.
وفي إجماع العلماءِ على تحريم خمرِ العِنَبِ المُسْكِرِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قد وجَد فيما أُوحيَ إليه محُرَّمًا غيرَ ما في سورة "الأنعام"، مما قد نزَل بعدَها من القرآن، وكذلك ما ثبَت عنه -ﷺ- من تحريم الحُمُرِ الأهليّة.
ومَن فرَّق بين الحُمُرِ وبينَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع فقد تَناقضَ، والنهيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع أصحُّ مخرجًا، وأبعدُ من العِلَل، من النَّهي عن أكلِ الحُمُرِ الأهليّة؛ لأنه قد رُوِيَ في الحُمُرِ أنّه إنّما نهاهُم عنها يومَ خيبر؛ لقلَّةِ الظَّهر (^٢). وقيل: إنّه إنّما نهى منها عن الجلّالةِ التي تأكُلُ الجِلّة، وهي العَذِرَةُ وسائرُ القَذَر (^٣). قد قال بهذا وبهذا قومٌ، ولا حُجَّةَ عندَه ولا عندَنا فيه؛ لثبوتِ
_________________
(١) نقل هذا الاتفاق ابن حزم في مراتب الإجماع ص ١٣٦.
(٢) يُروى هذا التعليل في تحريم لحوم الحُمر الأهليّة عن ابن عبّاس ﵄، على الشَّكِّ منه في ذلك، فيما أخرجه البخاري (٤٢٢٧)، ومسلم (١٩٣٩) من طريق عامر بن شراحيل الشعبيِّ، عنه، قال: "لا أدري أنهى عنه رسولُ اللَّه -ﷺ- من أجْل أنه كان حَمُولة الناس، فكَرهَ أن تذهبَ حمولتُهم، أو حرّمه في يوم خيبرَ لحومَ الحُمر الأهليّة".
(٣) يُروى هذا عن سعيد بن جُبير من قوله، أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥٢٣ (٨٧٢٢)، وابن ماجة (٣١٩٢) من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن عبد اللَّه بن أبي أوْفى، وذكر فيه نهيَ رسول اللَّه -ﷺ- عن أكْلِها. وفي آخره قول أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيبانيّ: "فذكرت ذلك لسعيد بن جُبير فقال: إنما نهى عنها، أنها كانت تأكل العَذِرة". وهو عند البخاري (٤٢٢٠) ولكن بلفظ: "وقال بعضُهم" بدل سعيد بن جُبير.
[ ١ / ٣٢٥ ]
نهيِ رسولِ اللَّه -ﷺ- عن ذلك مُطلقًا وصحَّتِه (^١)، وأنَّ ما رُويَ مما ذكَرنا لا يَثبُتُ. وسيأتي القولُ في الحُمُرِ مُستَوعَبًا في بابِ ابنِ شهابٍ من كتابِنا هذا (^٢).
وأظنُّ قائلَ هذا القولِ من أصحابِنا في أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، راعَى اختلافَ العلماء في ذلك، ولا يجوزُ أنْ يُراعَى الاختلافُ عندَ طلبِ الحجَّةِ؛ لأنَّ الاختلافَ ليس منه شيءٌ لازمٌ دونَ دليل، وإنّما الحُجَّةُ اللازمةُ الإجماعُ لا الاختلافُ؛ لأنَّ الإجماعَ يجبُ الانقيادُ إليه؛ لقولِ اللَّه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية [النساء: ١١٥]. والاختلافُ يجبُ طلبُ الدليل عندَه من الكتابِ والسُّنّة، قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآيةَ [النساء: ٥٩]. يريدُ الكتابَ والسُّنّة. هكذا فسَّرَه العلماء.
فأما قولُ اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ [الأنعام: ١٤٥]، فقد اختلَف العلماءُ في معناها؛ فقال قومٌ من فقهاءِ العراقيِّين ممّن يُجيزُ نسخَ القرآن بالسُّنة: إنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بالسُّنَّة؛ لنهي رسولِ اللَّه -ﷺ- عن
_________________
(١) وهذا ما دلَّ عليه حديث أنس بن مالك ﵁ بقوله: "إنّ اللَّه ﷿ ورسوله ينهيانكم عن الحُمر الأهليّة، فإنه رِجْسٌ من عمل الشيطان". أخرجه أحمد في المسند ١٩/ ١٣٩ (١٢٥٨٦)، والبخاري (٤١٩٨)، ومسلم (١٩٤٠) (٣٤) من حديث محمد بن سيرين، عنه، به. وكذلك دلَّ عليه حديث ابن عمر ﵁، أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٣٤٣ - ٣٤٤ (٤٧٢٠)، والبخاري (٥٥٢٢) من حديث نافع مولاه، عنه.
(٢) في أثناء شرح الحديث الأول له عن أبي إدريس الخولانيّ، وهو في الموطأ ١/ ٦٤٠ (١٤٣٣)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، وينظر ما سيأتي في أثناء شرح الحديث السادس عشر لزيد بن أسلم عن ابن وعلة المصري، عن ابن عباس ﵄، وهو في الموطأ ١/ ٦٤٣ (١٤٣٧).
[ ١ / ٣٢٦ ]
أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وعن أكلِ الحُمُرِ الأهليّة (^١). وقال آخرون: معنى قولِه هنا، أنِّي لا أجدُ فيما أُوحيَ إليَّ في هذه الحال، يعني في تلك الحالِ حالِ الوحي ووقْتِ نُزولِه؛ لأنّه قد أُوحيَ إليه بعدَ ذلك في سورة "المائدة" من تحريم المُنخَنِقَةِ والموقُوذةِ إلى سائرِ ما ذُكرَ في الآية، فكما أوحَى اللَّهُ إليه في القرآنِ تحريمًا بعدَ تحريم، جازَ أنْ يُوحَى إليه على لسانِه تحريمًا بعدَ تحريم، وليس في هذا شيءٌ من النَّسخ ولكنَّه تحريمُ شيءٌ بعدَ شيء.
قالوا: مع أنه ليس للحمارِ والسِّباع وذي المِخلَبِ والنَّابِ ذكرٌ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. وذلك أنَّ اللَّهَ ﷿ إنّما ذكَر ثمانيةَ أزواج؛ من الضَّانِ اثنين، ومن المَعْزِ اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقرِ اثنين، ثم قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾. يعني، واللَّهُ أعلم، من هذه الأزواج الثمانية، ﴿مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. فزادَ ذِكْرَ لحم الخنزيرِ تأكيدًا في تحريمِه حيًّا وميِّتًا؛ لأنَّه ما حَرِّمَ لَحْمَهُ لم تَعملِ الذَّكاةُ فيه، فكان أشدَّ من الميتة، ولم يذكُرِ السِّباعَ والحميرَ والطَّيرَ ذا المِخلبِ بتحليلٍ ولا تحريم.
وقال آخرون: ليس السِّباعُ والحمرُ من بهيمةِ الأنعام التي أُحلَّتْ لنا، فلا يُحتاجُ فيها إلى هذا.
_________________
(١) ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٣٢، والمصفّى بأكفّ أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي ص ٣٣ - ٣٤، قال: زعم بعضُهم أنها نُسخت فإنها -يعني الآية- حرّمت لحوم الحمر الأهلية وكلّ ذي نابٍ من السباع ومِخْلبٍ من الطير، وهذا لا يصحُّ، لأنّ السُّنة لا تنسخ القرآن، والصواب أن يُقال: هذه نزلت بمكة ولم تكن الفرائض قد تكاملت ولا المحرّمات، فأخبرت عن المحرَّمات في الحالة الحاضرة والماضية، لا عن المستقبلة، فيؤكد إحكامها أنها خبرٌ"، وسيُشير المصنِّف إلى هذا المعنى قريبًا.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقال آخرون: هذه الآيةُ جوابٌ لما سأل عنه قومٌ من الصحابة، فأُجيبوا عن مسألتِهم، كأنّهم يقولون: إنَّ معنى الآية: قُلْ: لا أجِدُ فيما أُوحيَ إليَّ ممّا ذَكَرْتم. أو: ممّا كنتم تأكلون. ونحوَ هذا قال طاووسٌ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وتابَعهم قومٌ. واستدلُّوا على صحَّةِ ذلك بأنَّ اللَّهَ قد حرَّم في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه -ﷺ- أشياءَ لم تُذكَرْ في الآية، لا يَختِلفُ المسلمون في ذلك.
ذكَر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ أبي بكر، أنَّ مجاهدًا أخبرَه في قولِ اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾. قال: ما كان أهلُ الجاهليّةِ يأكلون، لا أجِدُ من ذلك محُرَّمًا على طاعم يَطعَمُه، ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيةَ. قال حجّاجٌ: وأخبرنا ابنُ جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه مثلَه (^١).
وذكَر عبدُ الرَّزاق، عن معمر، عن قتادةَ نحوَه.
وقالت فرقةٌ: الآيةُ محُكمةٌ، ولا يحرُمُ إلّا ما فيها. وهو قولٌ يُروَى عن ابن عبّاس (^٢). وقد رُوِيَ عنه خِلافُه في أشياءَ حرَّمَها يطولُ ذِكرُها. وكذلك اختُلِفَ فيه عن عائشة (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبريّ في تفسيره ١٢/ ١٩١ - ١٩٢ من طريق سنيد، وهو الحسين بن داود المِصِّيصيّ، به. وحجّاج: هو ابن محمد المِصِّيصيّ، وإبراهيم بن أبي بكر: هو المكّي الأخنسيّ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنِّف ٤/ ٥٢٠ (٨٧٠٩)، وأبو داود (٣٨٠٠) و(٣٨٠٨) من طرق عنه، ورجال إسناد أبي داود في (٣٨٠٠) ثقات.
(٣) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٤/ ٥٢٠ (٨٧٠٨)، ولابن أبي شيبة (٢٠٢٣٥)، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٣٤، وتفسير ابن جرير الطبري ١٢/ ١٩٤ من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عنها ﵂، وأورده ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣١٦ وقال: صحيحٌ غريبٌ. وقد ذكر الدارقطني في علله ١٤/ ٢٣٢، الرواية السابقة، وقال: "ورواه الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، وقولُ الليث أشبه بالصواب".
[ ١ / ٣٢٨ ]
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ من وجهٍ ضعيف (^١) وهو قولُ الشعبيِّ وسعيد بن جُبير في الحُمُرِ الأهليّة، وكلِّ ذي نابٍ من السِّباع، أنّه ليس شيءٌ منها مُحرَّمًا (^٢).
وأما سائرُ فقهاءِ المسلمين في جميع الأمصار، فمخالفون لهذا القول، متَّبعون للسُّنةِ في ذلك.
وقال أكثرُ أهلِ العلم والنَّظَرِ من أهلِ الأثرِ وغيرهم: إنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ غيرُ منسوخة، وكلُّ ما حرَّمه رسولُ اللَّه -ﷺ- مضمومٌ إليها، وهو زيادةُ حكم من اللَّه على لسانِ رسولِه -ﷺ-، ولا فرقَ بينَ ما حرَّم اللَّهُ في كتابِه، أو حرَّمه على لسانِ رسولِه -ﷺ-؛ بدليلِ قولِ اللَّه ﷿: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قال أهلُ العلنم القرآنُ والسُّنَّةُ (^٣)، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. فقرَن اللَّهُ ﷿ طاعتَه بطاعتِه، وأوعَدَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٩٩)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٩/ ٣٢٦ (١٩٩١٣)، كلاهما عن إبراهيم بن خالد الكلبي أبي ثور، عن سعيد بن منصور، عن عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْديّ، عن عيسى بن نُمَيلة، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٠٦ (٨٠٠٧) عن الفضل بن شاذان، عن سعيد بن منصور، به. وعيسى بن نُميلة: وهو الفزاري، وأبوه مجهولان، فهو ضعيف كما ذكر المصنِّف ﵀.
(٢) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٤/ ٥٢٣ (٨٧٢٢) و٤/ ٥٣٤ (٨٧٦٩)، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٣٤، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٣٢٦ (١٩٩١٤) و٩/ ٣٣١ (١٩٩٤٢).
(٣) يُروى هذا عن قتادة، ينظر: تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١٦، وابن جرير الطبري ٢٠/ ٢٦٨. وينظر: الدر المنثور ٦/ ٦٠٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
على مُخالَفتِه، وأخبَر أنّه يهدي إلى صراطِه. وبَسْطُ القولِ في هذا موجودٌ في كُتبِ الأُصول، وليس في هذه الآية دليلٌ على أنْ لا حرامَ على آكلٍ إلّا ما ذُكِرَ فيها، وإنّما فيها أنَّ اللَّهَ أخبَر نبيَّه -ﷺ- وأمَره أنْ يُخبِرَ عبادَه أنّه لم يَجِدْ في القرآنِ منصوصًا شيئًا مُحرَّمًا على الآكل والشَّارب إلّا ما في هذه الآية، وليس ذلك بمانع أنْ يُحرِّمَ اللَّهُ في كتابِه بعدَ ذلك، وعلى لسانِ رسولِه -ﷺ- أشياءَ سوَى ما في هذه الآية.
وقد (^١) أجمَعوا أنَّ سورةَ "الأنعام" مكيةٌ، وقد نزَل بعدَها قرآنٌ كثيرٌ، وسننٌ جمَّةٌ (^٢)، وقد نزَل تحريمُ الخمرِ في "المائدة" بعدَ ذلك، وقد حرَّم اللَّهُ على لسانِ نبيِّه ﵇ أكْلَ كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وأكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وغيرَ ذلك، فكان ذلك زيادةَ حُكم من اللَّه على لسانِ نبيِّه -ﷺ-، كنكاح المرأةِ على عمَّتِها وعلى خالتِها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وكحُكْمِه بالشاهدِ واليمين مع قول اللَّه: ﴿فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وما أشبهَ هذا كثيرٌ، تركناه خشيةَ الإطالة، ألَا ترَى أنَّ اللَّهَ قال في كتابه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقد حرَّم رسولُ اللَّه -ﷺ- أشياءَ من البيوع وإنْ تراضَى بها المتبايعان؛ كالمُزابنة (^٣)، وبيع ما ليس عندَك، وكالتجارة في الخمر، وغيرِ ذلك مما يطولُ ذكرُه.
وقد أجمعَ العلماءُ أن سورة "الأنعام" مكيةٌ إلا قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآياتِ الثلاثَ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. وأجمَعوا أنَّ نهيَ اللَّه -ﷺ- عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع إنما كان منه بالمدينة،
_________________
(١) هذه الفقرة لم ترد في ق جملة.
(٢) في الأصل: "عظيمة"، وما أثبتناه من ف ١ وكلاهما جيّد.
(٣) المُزابَنة: هي بيع الثّمر في رؤوس النّخْل بالتمر. وأصلها: الدَّفْعُ، قال الداووديّ: كانوا قد كثُرت فيهم المدافعة بالخصام، فسُمِّيت المُزابنة، ولمّا كان كلُّ واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذه المُبايعة عن حقِّه سُمِّيت بذلك. ينظر: عمدة القاري للعيني ١١/ ٢٩٠.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ولم يَروِ ذلك عنه غيرُ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ (^١)، وإسلامُهما مُتأخِّرٌ بعدَ الهجرةِ إلى المدينةِ بأعوام، وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -ﷺ- مثلُ روايةِ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ، في النَّهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من وجهٍ صالح (^٢).
قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: وهذا كلُّه يدُلُّ على أنّه أمرٌ كان بالمدينةِ بعدَ نُزول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ؛ لأنَّ ذلك مكيٌّ.
قال أبو عُمر: قولُ اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ، قد أوضَحْنا بما أورَدْنا في هذا الباب بأنّه قولٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه ليس نصًّا مُحكَمًا (^٣)؛ لأنّ النَّصَّ المحكَمَ ما لا يُختلفُ في تأويلِه، وإذا لم يكنْ نصًّا كان مُفتقرًا إلى بيانِ الرسولِ -ﷺ- لمرادِ اللَّه منه، كافتقارِ سائرِ مُجملاتِ الكتابِ إلى بيانِه، قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد بيَّن رسولُ اللَّه -ﷺ- في أكْلِ كلِّ ذي نابٍ وأكلِ الحُمُرِ الأهليّةِ مُرادَ اللَّه، فوجَب الوقوفُ عندَه، وباللَّه التوفيق.
فإن قال قائل: إنَّ الحُمُرَ الأهليّة وذا الناب من السِّباع لو كان أكلُها حرامًا لكُفِّر مُستحِلُّها كما يُكفَّرُ مُسْتَحِلُّ الميتةِ والدمِ (^٤) ولحم الخنزير.
_________________
(١) حديث أبي هريرة ﵁، هو حديث هذا الباب. وحديث أبي ثعلبة الخُشني ﵁ أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٦٤٠ (١٤٣٣) عن محمد بن شهاب الزُّهري، عن أبي إدريس الخولاني، عنه، وهو الحديث الأول لابن شهاب، عنه، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٧٤ (٢١٩٢)، ومسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٣)، وابن ماجة (٣٢٣٤)، والنسائيّ في المجتبى (٤٣٤٨) وفي الكبرى ٤/ ٤٨٩ (٤٨٤٢) من حديث ميمون بن مهران، عنه ﵄.
(٣) كتب ناسخ الأصل في الحاشية أنه في نسخة أخرى: "بنصٍ مُحكم".
(٤) قوله: "والدم" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في بقية النسخ.
[ ١ / ٣٣١ ]
فالجوابُ عن ذلك: أنَّ المُحرَّمَ بآيةٍ مُجتمَع على تأويلِها، أو سُنّةٍ مجتمَع على القولِ بها، يَكفُرُ مُستحلُّه؛ لأنّه جاءَ مَجيئًا يَقطعُ العُذْر، ولا يسوغُ فيه التأويل، وما جاء مَجيئًا يُوجبُ العمل، ولا يَقطعُ العُذْر، وساغَ فيه التأويلُ، لم يَكفُرْ مُستَحِلُّه وإنْ كان مُخطِئًا، ألا تَرى أنَّ المُسكِرَ من غيرِ شرابِ العنبِ لا يُكفَّرُ المتأوِّلُ فيه، وإنْ كان قد صحَّ عندَنا النّهيُ بتحريمِه، ولا يُكفَّرُ مَن يقولُ بأنَّ الصلاةَ يخرُجُ منها المرءُ ويتحلَّلُ بغيرِ سلام، وأنَّ السلامَ ليس من فرائضِها، مع قيام الدليلِ على وُجوبِ السلام عندَنا فيها، وكذلك لا يُكفَّرُ مَن قال: إنَّ قراءةَ أمِّ القرآنِ وغيرِها سواءٌ، وإنَّ تَعيينَ قراءتِها في الصلاةِ ليس بواجب، ومن قرَأ غيرَها أجزَأه، مع ثُبوتِ الآثارِ عن النبيِّ ﵇ أنَّه لا صلاةَ إلّا بها، وكذلك لا يَكْفُرُ من أوجَبَ الزكاةَ على خمسةِ رجالٍ ملَكوا خمسَ ذَوْدٍ (^١) من الإبل، ولا من قال: الصائمُ في السفرِ كالمُفطِرِ في الحَضَر. و: لا حِجَّ إلا على من ملَك زادًا وراحلةً. مع إطلاقِ اللَّه الاستطاعة، ونفيِه على لسانِ رسولِه ﵇ أنْ يكونَ فيما دُونَ خمسِ ذودٍ صدقةٌ، وأنّه صامَ في السفر -ﷺ-. وهذا كثيرٌ لا يجهَلُه من له أقلُّ عنايةٍ بالعلم إنْ شاء اللَّه.
قرأتُ على عبدِ الرَّحمن بن يحيى (^٢)، أنَّ عليَّ بنَ محمدٍ أخبَرهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمان (^٣)، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْب،
_________________
(١) والذَّوْد من الإبل: ما بين الاثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، ولا واحد له من لفْظِه، ولا تكون الذَّوْدُ إلّا إناثًا. ينظر: غريب الحديث للخطابي ٢/ ٢٧٥، وكشف المشكل لابن الجوزي ٣/ ٧٦، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ١٧١.
(٢) هو ابن محمد، أبو زيد العطّار، وشيخه عليّ بن محمد: هو ابن مسرور الدَّبّاغ.
(٣) هو المعروف بالصواف مولى ربيعة، واسم أبيه داود، وشيخه سحنون: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخيّ.
[ ١ / ٣٣٢ ]
قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -ﷺ-، وابنُ لهيعة، عن عبدِ الرَّحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -ﷺ-، أنّه قال: "ذَرُوني ما ترَكتُكم، فإنّما أهلَك الذين من قبلِكم سُؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهم، فإذا نَهَيْتُكم عن شيءٍ فاجْتَنِبوه، وإذا أمَرتُكم بشيءٍ فخُذوا منه ما استَطَعتُم" (^١).
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمّار (^٢)، قال: حدَّثنا أبو داودَ سُليمانُ بنُ الأشعث، قال (^٣): حدَّثنا محمدُ (^٤) بنُ عيسى، قال: حدَّثنا أشعثُ بنُ شُعبة، قال: حدَّثنا أرطاةُ بنُ المنذر، قال: سمِعتُ حكيمَ بنَ عُميرٍ أبا الأحوص يُحدِّثُ، عن العِرباضِ بنِ ساريةَ، قال: نزَلنا مع رسولِ اللَّه -ﷺ- خيبر. فذكَر الحديث، وفيه أنّه أمَر مُناديًا فنادَى: "إنَّ الجنةَ لا تَحِلُّ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٧) (١٣٠) من طريق عبد اللَّه بن وهب المصريّ، به. وأخرجه البزار في مسنده ١٤/ ١٣٨ (٧٦٥٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢/ ٢٣ (٥٤٨) من طريق يونس بن يزيد الأيليّ، به. وهو عند الطبراني في الأوسط ٨/ ٣٢٩ (٨٧٧٣) من طريق محمد بن شهاب الزُّهري، به. ابن لهيعة: هو عبد اللَّه المصري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: هو ابن عوف الزُّهريّ.
(٢) هو راوي سنن أبي داود، ومن طريقه أخرجه البيهقيُّ في الكبرى ٩/ ٢٠٤ (١٩١٩٨).
(٣) في سننه (٣٠٥٠). وأخرجه محمد بن نصر المروزيّ في السُّنة (٤٠٥)، والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص ١٠٩ - ١١٠ من طريق محمد بن عيسى الطبّاع، به. وهو عند ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/ ٤٤ (١٣٣٦)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٥٨ (٦٤٥)، وفي الأوسط ٧/ ١٨٤ (٧٢٢٦) من طريق أشعث بن شعبة، به، وإسناده حسن، أشعث بن شعبة: هو المِصِّيصي، وحكيم بن عُمير: هو أبو الأحوص الحمصي، وهما صدوقان حسنا الحديث كما هو موضّح في تحرير التقريب (٥٢٥) و(١٤٧٦)، وباقي رجال الإسناد ثقات.
(٤) من هنا إلى قوله: "شعبة" سقط من ف ١.
[ ١ / ٣٣٣ ]
إلّا لمؤمن، وأنِ اجتَمِعوا للصلاة". فاجتمَعوا، ثم صلَّى بهم النبيُّ -ﷺ-، ثم قامَ فقال: "أيحسَبُ أحدُكم مُتَّكِئًا على أريكتِه قد يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لم يُحرِّمْ شيئًا إلّا ما في هذا القرآن، ألا وإنِّي قد أمَرْتُ ووَعَظْتُ، ونَهَيْتُ عن أشياء، إنّها لَمِثْلُ القرآنِ أو أكثرُ، وإنَّ اللَّهَ لم يُحِلَّ لكم أنْ تَدخُلُوا بُيوتَ أهلِ الكتاب إلّا بإذن، ولا ضربَ نسائِهم، ولا أكلَ ثمارِهم، إذا أعْطَوْكم الذي عليهم".
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (^١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٢): حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بنُ نجدة، قال: حدَّثنا أبو عمرٍو عثمانُ بنُ كثيرِ بن دينار، عن حَريز بنِ عُثمان، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عوف، عن المِقدام بنِ مَعْدي كرِبَ، عن رسولِ اللَّه -ﷺ-، أنّه قال: "إنِّي أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شَبْعانُ على أرِيكَتِه يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجَدتُم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجَدتم فيه من حَرام فحرِّمُوه، ألا لا يَحِلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كُلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطةُ مُعاهَدٍ إلّا أنْ يَستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزَل بقوم فعليهم أنْ يَقْرُوه فإنْ لم يقْرُوه فله أنْ يُعْقِبَهم بمثلِ قِراه".
_________________
(١) هو أبو بكر ابن داسة التمّار، ومن طريقه أخرجه البيهقي في دلائل النبوَّة ٦/ ٥٤٩.
(٢) في سننه (٤٦٠٤). وأخرجه الطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٨٢ (٦٦٨) من طريق عثمان بن سعيد بن كثير، به. وأخرجه أحمد في المسند ٢٨/ ٤١٠ (١٧١٧٤)، وابن زنجوية في الأموال (٦٢٠)، ومحمد بن نصر المروزي في السُّنة (٢٤٤) و(٤٠٣)، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقّه ص ٨ من طريق حريز بن عثمان الرَّحَبيّ، به. وهو حديث صحيح، رجال إسناده ثقات. قوله في آخره: "فله أن يُعْقِبَهُم بمثل قِراه" يعني: له أن يأخذ منهم عِوَضًا عمّا حرموه من القِرَى، وهو واجب الضِّيافة. وهذا في المضطرّ الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التَّلَف. ينظر: معالم السنن للخطابي ٤/ ٢٩٩.
[ ١ / ٣٣٤ ]
ورواهُ بقِيّة، عن الزُّبيديِّ، عن مروانَ بنِ رُؤبة، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عوفٍ الجُرَشيِّ، عن المقدام بنِ مَعْدي كَرِبَ، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "ألا إنِّي قد أوتيتُ الكتابَ وما يَعدِلُه، يُوشِكُ شَبعانُ على أرِيكتِه" (^١)، فذكَره إلى آخرِه مثلَه.
وقرأتُ على أبي عمرَ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ الباجيِّ فأقرَّ به، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحسينيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ. وقرأتُ على إبراهيمَ بنِ شاكر (^٢)، أنَّ محمدَ بنَ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أسلمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُليمان، قالا جميعًا: أخبَرنا الشافعيُّ، قال: أخبَرنا سُفيانُ، عن سالم أبي النَّضر، أنّه سمِع عُبيدَ اللَّه بنَ أبي رافع يُخبِرُ، عن أبيه، قال: قال النبيُّ -ﷺ-: "لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم مُتَّكِئًا على أرِيكَتِه، يأتِيه الأمرُ من أمرِي ممّا أمَرْتُ به أو نهَيْتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجَدنا في كتاب اللَّه اتَّبَعناه" (^٣).
_________________
(١) أخرجه المروزي في السُّنة (٤٠٤)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٨٢ (٦٦٧)، والدارقطني في سننه ٥/ ٥١٧ (٤٧٦٨)، وابن بطّة في الإبانة الكبرى ١/ ٢٣٠ (٦٣). وإسناده ضعيف، بقيّة: هو ابن الوليد الكلاعي، ضعيف، وهو مدلِّس تدليس التسوية، ولم يصرِّح بالسماع، ومروان بن رؤبة: هو التغلبي مجهول الحال، ينظر: تفصيل القول فيهما: تحرير التقريب (٧٣٤) و(٦٥٦٨)، والذي قبله يُغني عنه.
(٢) هو أبو إسحاق القرطبي.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٠٨، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٧٦ (١٦٨٢٣)، والبغويّ في شرح السُّنة ١/ ٢٠٠ - ٢٠١ (١٠١) من طريق الربيع بن سليمان المراديّ، به. وهو عند الشافعيِّ في الأمّ ٧/ ١٦ و٣٠٣. وأخرجه الحميديّ في مسنده (٥٥١)، وأحمد في المسند ٣٩/ ٣٠٢ (٢٣٨٧٦)، وعنه مقرونًا بعبد اللَّه بن محمد النُّفَيْليّ أخرجه أبو داود (٤٦٠٥) جميعهم عن سفيان بن عيينة، به. ورجال إسناده ثقات. سالم أبو النضر: هو ابن أبي أُميّة، وأبو رافع صحابيُّ الحديث اسمه أسْلَم كما ذكر الترمذي بعد أن أخرجه (٢٦٦٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر =
[ ١ / ٣٣٥ ]
قال ابنُ عُيينة: وأخبَرني به محمدُ بنُ المنكدر، عن النبيِّ -ﷺ- مُرسلًا (^١).
أخبَرنا خلفُ بنُ سعيد (^٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ خالد (^٣)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (^٤): أخبَرنا معمرٌ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعان، عن أبي نَضرَةَ أو غيرِه، قال: كنّا عندَ عِمرانَ بنِ حُصين، فكنّا نتَذاكرُ العِلمَ. قال: فقال رجلٌ: لا تَتحَدَّثوا إلّا بما في القرآن. فقال له عِمرانُ بنُ الحُصَين: إنَّك لأحمقُ، أوجَدْتَ في القرآنِ صلاةَ الظُّهرِ أربعَ ركَعات، والعصرَ أربعَ ركعات، لا يُجْهَرُ في شيءٍ منها؟ والمغربَ ثلاثًا، يُجْهَرُ بالقراءةِ في ركعتين، ولا يُجهرُ بالقراءةِ في ركعة؟ والعشاءَ أربعَ ركَعات، يُجهرُ بالقراءةِ في ركعتين، ولا يُجهرُ بالقراءةِ في ركعتين؟ والفجرَ ركعتَين يُجهَرُ فيهما بالقراءة؟ قال: وقال عمرانُ: لَما نحن فيه يَعدِلُ القرآن.
_________________
(١) = وسالم أبي النضر، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن أبي رافع وغيره، وقال: "هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان، عن ابن المنكدر عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وعن سالم أبي النضر عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن أبيه، عن النبي -ﷺ- وكان ابن عُيينة إذا روى هذا الحديث على الانفراد بيَّن حديث محمد بن المنكدر من حديث سالم أبي النضر، وإذا جمعهما روى هكذا"، يعني بنحو رواية سالم أبي النضر. وذكره الدارقطني في علله (١١٧٢) وساق رواياته المختلفة وخلص إلى القول: "والصواب قول من قال: عن أبي النضر عن ابن أبي رافع عن أبيه". كما تناوله في كتابه "الأحاديث التي خولف فيها مالك" (٤٨).
(٢) أخرجه البيهقي في معرفة السُّنن والآثار ١/ ١١١ (٥١) من طريق الربيع بن سليمان، به. وهو عند الشافعي في مسنده/ ترتيب سنجر ٤/ ٦٣ (١٧٩٥).
(٣) هو ابن أحمد الأزدي، يعرف بابن المنفوخ، وشيخه عبد اللَّه بن محمد: هو ابن عليّ الباجيّ.
(٤) هو ابن يزيد، أبو عمر ابن الجَبّاب، وشيخه إسحاق بن إبراهيم: هو الدَّبَريّ راوي مصنف عبد الرزاق، ومن طريقه أخرجه ابن بطّة في الإبانة الكبرى ١/ ٢٣٢ (٦٥).
(٥) في المصنَّف ١١/ ٢٥٥ (٢٠٤٧٤)، ومن طريقه البيهقيُّ في الكبرى ٢/ ١٩٤ (٣١٩٣)، وهو عند عبد اللَّه بن المبارك في الزهد (زوائد نعيم بن حمّاد) ٢/ ٢٣ عن معمر بن راشد، به. وإسناده ضعيف لضعف عليّ بن زيد بن جُدْعان. أبو نضْرة: هو المنذر بن مالك العبديّ.
[ ١ / ٣٣٦ ]
أو نحوَه من الكلام. قال عليٌّ: ولم يكنِ الرجلُ الذي قال هذا صاحبَ بدعة، ولكنّه كانت زَلَّةً منه.
أخبَرنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ ناصح المعروفُ بابنِ المفسِّر (^١)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ بن سعيدٍ القاضي، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشيد، قال: حدَّثنا بقيّةُ بنُ الوليد، عن محفوظِ بنِ مِسورٍ الفِهْرِيِّ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِر، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "يُوشِكُ بأحدِكم يقول: هذا كتابُ اللَّه، ما كان فيه من حلالٍ أحلَلْناه، وما كان فيه من حرام حَرَّمناه. إلا مَنْ بلَغَه عنِّي حديثٌ فكذَّبَ به فقد كذَّب اللَّهَ ورسولَه والذي حدَّثَه" (^٢).
قال أبو عُمر: اختلَف الفقهاءُ في معنَى قولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "أكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ"؛ فقال منهم قائلون (^٣): إنّما أراد رسولُ اللَّه -ﷺ- بقولِه
_________________
(١) في ف ١: "المسفر"، وهو تحريف، وينظر الاستيعاب للمصنف ٣/ ١٢٤٢، والإكمال لابن ماكولا ٧/ ١٠٠ وغيرهما.
(٢) أخرجه المصنف في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٨٣ (٢٣٤٠) بهذا الإسناد، به. وأخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقّه ١/ ٤٦٣ من طريق داود بن رُشَيد الهاشميّ الخوارزميّ، به. وأخرجه الطبراني في الأوسط ٧/ ٣١٣ (٧٥٩٦) من طريق بقيّة بن الوليد، به. وإسناده ضعيف، لأجل بقيّة بن الوليد: وهو الكلاعي يدلّس تدليس التسوية وقد عنعن، وشيخه محفوظ بن مِسْور الفِهْريّ مجهول، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/ ٤٤٤ (٧٠٩٤): "عن ابن المنكدر بخبر منكر، وعنه بقيّة بصيغة عن، لا يُدرى مَنْ هو".
(٣) كالشافعيّ وأحمد بن حنبل، ينظر: الأم ٢/ ٢٦٥، ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية لإسحاق بن منصور الكوسج ٨/ ٣٩٦٩ (٢٨٢٧)، والمغني لابن قدامة ٩/ ٤٢٢، والمجموع شرح المهذّب للنووي ٩/ ٩. =
[ ١ / ٣٣٧ ]
هذا ما كان يَعدُو على الناس؛ مثلَ الأسد، والذِّئب، والنِّمِر، والكلبِ العادي، وما أشبَهَ ذلك ممّا الأغلبُ في طبْعِه أنْ يَعدُوَ، وما كان الأغلبُ من طَبعِه أنَّه لا يَعدُو فليس ممّا عناه رسولُ اللَّه -ﷺ- بقولِه هذا، وإذا لم يكنْ يَعدُو فلا بأسَ بأكلِه. واحتجُّوا بحديثِ الضَّبُع في إباحةِ أكْلِها وهي سَبُعٌ، وهو حديثٌ انفرَد به عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي عمّار، وقد وثَّقَه جماعةٌ من أئمّةِ أهلِ الحديث، وروَوْا عنه حديثَه هذا، واحتجُّوا به، قال عليُّ بنُ المدينيِّ: عبدُ الرَّحمن بنُ أبي عمّار ثقةٌ مكيٌّ.
حدثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أُميّة، وابنُ جُريج، وجريرُ بنُ حازم، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ حدَّثهم، قال: أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمّار، أنّه سألَ جابرَ بنَ عبدِ اللَّه عن الضَّبُع، فقال: آكُلُها؟ فقال: نعم. قال: أصَيدٌ هي؟ قال: نعم. قال: أسمِعتَ ذلك من رسولِ اللَّه -ﷺ-؟ قال: نعم (^١).
_________________
(١) = وقال ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٤٥٠ بعد أن ذكر عن عكرمة قوله في الضَّبُع: "نعْجةٌ سمينةٌ" وعن عروة بن الزبير: "ما زالت العربُ تأكلُها"، قال: "وكان عطاء بن أبي رباح ومالك والشافعيّ يَرَوْنَ فيه الجزاء على المُحرِم، ورخّص في أكْله أحمد وإسحاق، وقال الأوزاعيُّ: رجالٌ من عُلماء الحجاز لا يَرَوْنَ بأكْل الضّبُع بأسًا، لأنّ المُحرِمَ يَفْديه. وقد روينا عن سعيد بن المسيِّب أنه كرِهَ ذلك، وبه قال الثوري والليث بن سعد".
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٩/ ٩٢ (٣٤٦٥)، وفي شرح معاني الآثار ٢/ ١٦٤ (٣٧٦٣)، والدارقطني في السُّنن ٣/ ٢٧٤ (٢٥٤٤)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٣١٨ (١٩٨٦٧) من طريق سعيد بن الحكم بن أبي مريم الجُمَحيّ، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥١٢ (٨٦٨١)، وأحمد في المسند ٢٢/ ٧٢ (١٤١٦٥)، وابن ماجة (٣٢٣٦)، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ٩٦ (٢١٢٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٩/ ٩٣ (٣٤٦٦)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢٧٣ (٢٥٤٢). =
[ ١ / ٣٣٨ ]
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبة، قال (^١): حدَّثنا وكيعٌ، عن جريرِ بنِ حازم، عن عبدِ اللَّه بنِ عُبيدِ بنِ عُمير، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عمّار، عن جابرٍ، قال: جعَل رسولُ اللَّه -ﷺ- الضَّبُعَ من الصيْد، وجعَل فيه إذا أصابَه المحرِمُ كَبْشًا.
واحتجُّوا أيضًا بما ذكَره ابنُ وَهْبٍ وعبدُ الرَّزّاق (^٢) جميعًا، قالا: أخبَرنا ابنُ جُريج، أنَّ نافعًا أخبَره، أنَّ رجلًا أخبَر عبدَ اللَّه بنَ عمرَ، أنَّ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ كان يَأكُلُ الضِّباعَ، فلم يُنكِرْه عبدُ اللَّه بنُ عمر.
وقال ابنُ وَهْب، عن ابنِ لهيعة (^٣)، عن أبي الأسودِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمن، أنّه سمِع عروةَ بنَ الزبير يقول: ما زالَتِ العربُ تَأكُلُ الضَّبُعَ، ولا ترَى بأكلِها بأسًا.
_________________
(١) = وهو عند عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥١٣ (٨٦٨٢)، والشافعي في الأمّ ٢/ ٢١١ و٢٦٥، وأحمد في المسند ٢٢/ ٣١٦ (١٤٤٢٥) و٢٢/ ٣٤٣ (١٤٤٤٩)، والترمذي (٨٥١) و(١٧٩١)، والنسائي في المجتبى (٢٨٣٦) و(٤٣٢٣)، وفي الكبرى ٤/ ٨٦ (٣٨٠٥) و٤/ ٤٨٠ (٤٨١٦) من طرق عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، به. ورجال إسناده ثقات غير يحيى بن أيوب: وهو الغافقي، أبو العباس المصري، فهو صدوق، وقال الترمذي: "حسن صحيح".
(٢) في المصنَّف (١٥٨٦٥). وأخرجه ابن ماجة (٣٠٨٥)، وابن خزيمة في صحيحه ٤/ ١٨٢ (٢٦٤٦)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٥٢ من طريق وكيع بن الجرّاح، به. وهو عند الدارميّ في سننه (١٩٤١)، وأبي داود (٣٨٠١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٩/ ٩٣ (٣٤٦٧ - ٣٤٧٠)، وفي شرح معاني الآثار ٢/ ١٦٤ (٣٧٦٠ - ٣٧٦٢) من طريق جرير بن حازم، به. وإسناده صحيح.
(٣) في المصنَّف ٤/ ٥١٣ (٨٦٨٣)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠ (٩٢١).
(٤) هو عبد اللَّه المصريّ، وهذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥١٣ (٨٦٨٦) عن معمر بن راشد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، به. وسلف قريبًا ذكره عند ابن النذر في الأوسط.
[ ١ / ٣٣٩ ]
قالوا: والضَّبُعُ سَبُعٌ، لا نَخْتَلِفُ (^١) في ذلك، فلمّا أجاز رسولُ اللَّه -ﷺ- وأصحابُه أكْلَها، علِمْنا أنَّ نَهْيَه عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع ليس من جنسِ ما أباحَه، وإنَّما هو نوع آخرُ، واللَّهُ أعلمُ، وهو ما الأغلبُ فيه العَداءُ على الناس. هذا قولُ الشافعيِّ ومَن تابَعه.
قال الشافعيُّ (^٢): ذو النَّابِ المُحَرَّم أكلُه هو الذي يعدُو على الناس؛ كالأسَد، والنَّمِر، والذِّئب. قال: وتُؤكلُ الضَّبُعُ والثَّعلبُ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعد (^٣).
وقال مالكٌ وأصحابُه (^٤): لا يُؤكَلُ شيءٌ من سباع الوحوشِ كلِّها، ولا الهرُّ الوَحشيُّ ولا الأهليُّ؛ لأنه سَبُعٌ. قال (^٥): ولا يُؤكَلُ الضَّبُعُ، ولا الثَّعلَبُ، ولا شيءٌ من سِباع الوَحش، ولا بأسَ بأكلِ سباع الطير. زاد ابنُ عبدِ الحكم في حكايتِه قولَ مالك، قال: وكلُّ ما يَفتَرِسُ ويأكلُ اللَّحمَ، ولا يرعَى الكَلأ، فهو سَبُعٌ لا يُؤكَلُ، وهذا يُشبِهُ السِّباعَ التي نهى رسولُ اللَّه -ﷺ- عن أكلِها.
ورُوي عن أشْهبَ بن عبدِ العزيزِ، أنّه قال: لا بأسَ بأكلِ الفيلِ إذا ذُكِّيَ. وقال ابنُ وَهْب: وقال لي مالكٌ: لم أسمَعْ أحدًا من أهلِ العِلْم قديمًا ولا حديثًا بأرْضِنا يَنْهَى عن أكلِ كلِّ ذي مِخلبٍ من الطير. قال: وسمِعتُ مالِكًا يقول:
_________________
(١) الضبط من الأصل.
(٢) الأُمّ ٢/ ٢٦٥.
(٣) وهذا بخلاف ما نقله بعض العلماء عنه، كابن المنذر في الأوسط ٢/ ٤٥٠، قال: "وقد روينا عن سعيد بن المسيِّب أنه كره ذلك، وبه قال الثوريُّ والليث بن سعد"، وبمثل ذلك نقل عنه الطحاويُّ في مختصر اختلاف العلماء ٣/ ١٩٣، قال: "وقال الليث: لا بأس بأكل الهرِّ، وأكرهُ الضَّبُعَ".
(٤) المدوّنة ١/ ٥٤١.
(٥) المدوّنة ١/ ٥٤١.
[ ١ / ٣٤٠ ]
لا يُؤكَلُ كلُّ ذي نابٍ من السِّباع. قال ابنُ وَهْب: وكان الليثُ بنُ سعدٍ يقول: يُؤكَلُ الهرُّ والثعلبُ (^١).
قال أبو عُمر: أمّا اختلافُ العلماءِ في أكْلِ كلِّ ذي المِخْلَبِ من الطيرِ وما يأكُلُ منه (^٢) الجِيَف، فسنذكُرُه في بابِ نافع، عن ابنِ عمرَ من كتابِنا هذا، إن شاء اللَّه، عندَ قولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "خمسٌ فواسِقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم" (^٣). فذكَر منها الغُرابَ والحِدَأة، وذلك أوْلَى المواضع بذكرِه، وباللَّه العونُ لا شريكَ له.
وأمّا الآثارُ المرفوعةُ في النَّهْي عن أكلِ كلِّ ذي مِخْلَبٍ (^٤) من الطير، فأكثرُها معلُولةٌ (^٥)، وسنَذْكُرُها في بابِ نافع إن شاء اللَّه.
والحُجَّةُ لمالكٍ وأصحابِه في تحريم أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، عُمومُ النَّهْي عن ذلك، ولم يَخُصَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- سَبُعًا من سَبُع، فكلُّ ما وقَع عليه اسمُ سَبُع فهو داخِلٌ تحتَ النَّهْي على ما يُوجِبُه الخِطابُ وتَعْرِفُه العربُ من لسانِها في مُخاطَباتِها، وليس حديثُ الضَّبُع ممّا يُعارَضُ به حديثُ النَّهْي عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع؛ لأنّه حديثٌ انفرَد به عبدُ الرَّحمن بنُ أبي عمّار، وليس
_________________
(١) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٢/ ٤٥٠، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٢ - ١٩٣، وحلية العلماء للشاشي ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٢) "منه" من الأصل.
(٣) إنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة، عن أبيه، ولكن دون قوله: "في الحِلّ"، وهو في الموطأ ١/ ٤٨٠ (١٠٢٨)، وهو الحديث الحادي والأربعون لهشام بن عروة، وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. وأما لفظ حديث نافع، عن عبد اللَّه بن عمر المرفوع، فهو: "خمسٌ من الدوابّ، ليس على المُحرِم في قتْلِهنَّ جُناح. . . ". وهو في الموطأ ١/ ٤٧٩ (١٠٢٦)، وهو الحديث الحادي والخمسون لنافع، وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٤) في ف ٤: "ذي نابٍ"، والمثبت من الأصل، ق.
(٥) في الأصل: "معلومة"، خطأ بيّن، وما أثبتناه من ق، ف ١.
[ ١ / ٣٤١ ]
بمَشْهورٍ بنقلِ العِلْم، ولا ممّن يُحتَجُّ به إذا خالَفَه مَن هو أثبَتُ منه (^١). وقد رُوِي النَّهْيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من طُرُقٍ مُتواتِرةٍ عن أبي هريرة، وأبي ثعلبة، وغيرِهما، عن النبيِّ -ﷺ-، روَى ذلك جماعةٌ من الأئمّةِ الثِّقاتِ الذين تَسْكُنُ النَّفْسُ إلى ما نقَلُوه، ومُحالٌ أن يُعارَضُوا بحديثِ ابنِ أبي عمّار.
_________________
(١) وهذا مخالفٌ لما ذكره قريبًا في الرجل نَفْسه، قال: "وقد وثَّقهُ جماعة من أئمّة أهل الحديث، ورَوَوْا عنه حديثه هذا، واحتجُّوا به" ثم نقل عن عليِّ بن المدينيّ قوله: "ثقةٌ مكّيٌّ"، فقوله هنا مردودٌ بقوله السابق وبتوثيق الأئمّة له، فعبد الرحمن: وهو ابن عبد اللَّه بن أبي عمار المكّي القرشيّ الملقّب بالقس لعبادته، قال عنه أبو زرعة الرازيّ كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ١٣٤ (٦٢٥)، وتهذيب الكمال ١٧/ ٢٣٠: "مكيٌّ ثقة"، ووثّقه ابن سعد والنسائيُّ وابن حبّان، وقال عنه أبو حاتم الرازي: "صالح الحديث" ولم يتكلَّم فيه أحدٌ، ولأجل ذلك عدَّ الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ٤/ ١٥٢ كلام المصنِّف هنا بأنه وهمٌ منه، قال: "وأعلّه ابن عبد البرِّ بعبد الرحمن بن أبي عمّار، فوهِمَ، لأنه وثّقه أبو زرعة والنسائيّ ولم يتكلّم فيه أحدٌ، ثم إنه لم ينفرد به" وقال في الفتح ٩/ ٦٥٨: "وقد ورد في حِلِّ الضَّبُع أحاديث لا بأس بها"، وقد نقل الترمذيُّ في العلل الكبير بإثر الحديث (٥٥١) عن البخاري قوله: "هو حديث صحيح"، وقال البيهقيُّ في الكبرى ٥/ ١٨٣: "وحديثُ ابنُ أبي عمّار حديثٌ جيِّدٌ تقوم به الحُجَّة". قلنا: فالحديث من جهة إسناده لا مطعن فيه، ولكن يبقى الخلاف في المفهوم من أحاديث النهي عن أكل كلِّ ذي ناب من السِّباع، وهي أحاديث صحيحة، فذهب بعضهم إلى أن هذه الأحاديث عامّةٌ، وحديث جابر هذا خاصٌّ فيقدَّم على حديث "كلّ ذي ناب" وعلى هذا جاء قول الخطابي في معالم السنن ٤/ ٢٤٩: "وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة، وخبرُ جابرٍ خاصٌّ، وخبرُ تحريم السِّباع عامٌّ"، وقال ابن القيِّم في حاشيته على سنن أبي داود ١٠/ ١٩٧: "ولا رَيْبَ أن القوَّة السَّبُعيّة التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضَّبُع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تُعَدُّ الضَّبُعُ من السِّباع لغةً ولا عُرفًا"، وخالف في ذلك الطحاويُّ وردَّ حديث جابر هذا بنحو ما قاله المصنِّف هنا، ولكن تبقى أحاديث النهي عن أكل الضَّبُع ضعيفة كما ذكر الترمذيُّ وغيره، بخلاف الأحاديث الواردة في النهي عن أكل كلِّ ذي ناب من السِّباع كما سلف بيان ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ذكَر عبدُ الرّزّاق (^١)، عن معمر، عن الزُّهريَّ، قال: الثعلبُ سبُعٌ لا يُؤكَلُ. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: ليس بسَبُع.
ورخَّص في أكلِه طاووسٌ وعطاءٌ من أجلِ أنّه يُؤذي (^٢).
وأمّا العراقيُّون، أبو حنيفةَ وأصحابُه، فقالوا: ذو النابِ من السِّباع المنهيُّ عن أكْلِه: الأسَدُ، والذِّئبُ، والنَّمِرُ، والفهدُ، والثعلبُ، والضَّبُعُ، والكلبُ، والسِّنَّورُ البَرِّيُّ والأهليُّ، والوَبْرُ (^٣). قالوا: وابنُ عِرْس (^٤) سَبُعٌ من سِباع الهَوامِّ، وكذلك الفِيلُ والدُّبُّ، والضَّبُّ، واليَرْبُوعُ (^٥).
قال أبو يوسف: فأمّا الوَبْرُ فلا أحفَظُ فيه شيئًا عن أبي حنيفة، وهو عندي مثلُ الأرنب، لا بأسَ بأكلِه؛ لأنّه يَعتَلِفُ البُقولَ والنَّباتَ. وقال أبو يوسفَ في السِّنْجاب (^٦)، والفَنَك (^٧)، والسَّمُّور (^٨). كلُّ ذلك سَبُعٌ مثلُ الثعلب وابن عِرْس.
_________________
(١) في المصنَّف ٤/ ٥٢٨ (٨٧٤١). وينظر: الأوسط لابن المنذر ٢/ ٤٥١، والمحلّى لابن حزم ٧/ ٤٠٠.
(٢) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٤/ ٥٢٩ (٨٧٤٢) و(٨٧٤٤)، والأوسط لابن المنذر ٢/ ٤٥٢.
(٣) الوَبْر: حيوان صغير كالسِّنَّور (الهرِّ بأنواعه)، أغبر أو أبيض يعيش في الصحراء، ويُدجَن في البيوت. ينظر: تاج العروس (وبر).
(٤) ابن عِرْس: دُويبّة كالفأرة تفتك بالدّجاج ونحوها، وهي دون السِّنَّور. ينظر: المحيط في اللغة والمعجم الوسيط (عرس).
(٥) اليَرْبُوع: دويبّة نحو الجُرَذ، لكنْ ذنَبه وأُذناه أطول من يديه. المصباح المنير (ربع).
(٦) السِّنْجاب: حيوان أكبر من الجُرذ، له ذنَبٌ طويل، كثيف الشعر يرفعه صُعدًا، يُضرب به المثل في خفّة الصعود، ولونه أزرق رمادي. المعجم الوسيط (سنجب).
(٧) الفَنَك: نوع من جراء الثعالب التُّركيّة، قال الأزهريُّ وغيرُه: معرّب، يؤخذ من جلده الفَرْو. لسان العرب، والمصباح المنير (فنك).
(٨) السَّمُّور: حيوان معروفٌ ببلاد الروس والتُّرك يُشبه النِّمْس، منه أسود لامعٌ وأشقر، يُتَّخذ من جلده الفِراء الثمينة. ينظر: تاج العروس (سمر). =
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال أبو عُمر: أمّا الضَّبُّ فقد ثَبَت عن النبيِّ -ﷺ- إجازةُ أكلِه. وفي ذلك ما يَدُلُّ على أنّه ليس بسَبُع يَفتَرِسُ، واللَّهُ أعلم.
ذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال (^١): أخبَرني رجلٌ من ولدِ سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: كنتُ عندَ سعيدِ بن المُسيِّب، فجاءَه رجلٌ من غَطَفان، فسأله عن الوَرَل (^٢)، فقال: لا بأسَ به، وإن كان معكم منه شيءٌ فاطْعِمُونا منه. قال عبدُ الرَّزّاق: والوَرَلُ شِبْهُ الضَّبِّ.
وأجاز الشعبيُّ أكلَ الأسدِ والفيل، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ (^٣). وقد كرِهَ أكْلَ الكلبِ والتَّداويَ به (^٤)، وهذا خلافٌ منه واضطراب.
وكرِه الحسنُ وغيرُه أكلَ الفيل (^٥)؛ لأنه ذو ناب، وهم للأسدِ أشدُّ كراهيةً. وكرِه عطاءٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، أكلَ الكلب (^٦).
_________________
(١) = وينظر ما نُقل عن أبي حنيفة وأصحابه: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣/ ١٩٢، وتحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندي ٣/ ٦٥.
(٢) في المصنَّف ٤/ ٥٢٩ (٨٧٤٧).
(٣) الوَرَل: حيوان من الزواحف كالضبِّ على خِلْقَتِه، إلّا أنه أعظمُ منه، يكون في الرمال والصحاري، طويل الذَّنب، صغير الرأس، يأكل العقارب والحيّات والحرابيّ والخنافس، والعرب تستقذره. ينظر: تاج العروس (ور ل).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥٣٤ (٨٧٦٩) عن سفيان الثوري، عن جابر - وهو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، عنه، دون ذكر الأسد. وينظر: الأوسط لابن المنذر ٢/ ٤١٥.
(٥) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥٣٤ (٨٧٧٠) عن معمر بن راشد، عمّن سمع الحسن البصري.
(٧) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٤/ ٥٢٨ (٨٧٤٠).
[ ١ / ٣٤٤ ]
ورُوِيَ عن النبيِّ -ﷺ- في الكلب، قال: "طُعْمَةٌ جاهليّةٌ، وقد أغنَى اللَّهُ عنها" (^١).
وذكَر ابنُ عيينة، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن عبدِ اللَّه بن يزيدَ (^٢) السَّعدِيِّ، قال: سألتُ ابنَ المسيِّب عن أكلِ الضَّبُع، فقال: إنَّ أكلَها لا يَصلُحُ (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٦/ ٢١٧ (٣٤٤٩)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ٣٦ (٦٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٦/ ٣٤٤٥ (٧٨٤٢) من طريق عليّ بن ميمون الرقِّيّ، عن عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني، عن عبد الحميد بن يزيد، عن آمنة بنت عمر، عن ميمونة بنت سعيد، باللفظ المذكور، وزيادة. وإسناده ضعيف؛ عثمان بن عبد الرحمن الحرّاني ضعيف يعتبر بحديثه كما في تحرير التقريب (٤٤٩٤)، وشيخه عبد الحميد بن يزيد: هو عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، ويقال: هو ابن يزيد بن سلمة مجهول، وآمنة بنت عمر: هي بنت عبد العزيز، لم نقف لها على ترجمة إلا عند ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٩/ ٤١ وقال: "ويقال: أمينة بنت عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص، حدّثت عن ميمونة بنت سعد، روى عنها عبد الحميد بن يزيد الخشني". ويُروى بلفظ: أنه -ﷺ- نهى عن ثمن الكلب، وقال: "طُعمة جاهلية" بإسناد ضعيف من حديث أبي أويس عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس، عن شُرحبيل بن سعد المدني، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄. أخرجه أحمد في المسند ٢٣/ ١١١ (١٤٨٠٢)، عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس وشيخه شرحبيل بن سعد المدني ضعيفان كما هو موضحٌ في تحرير التقريب (٢٧٦٤) و(٣٤١٢).
(٢) في الأصل، ف ١: "يزيد بن عبد اللَّه"، مقلوب، والصواب ما أثبتناه من مسند الحميدي (٣٩٧) الذي روى الحديث عن سفيان بن عيينة، وترجمته في تاريخ البخاري الكبير ٥/ ٢٢٧، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ٢٠١، وغيرهما، والسبب في ذلك -فيما نرى- هو وروده هكذا في النسخة التي اطّلع عليها من "مصنف عبد الرزاق"، وينظر بلا بدّ تعليق شيخنا العلّامة حبيب الرحمن الأعظمي على المصنف.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥١٤ (٨٦٨٧)، والحميدي في مسنده (٣٩٧). وعبد اللَّه بن يزيد السعدي: هو البكريّ، ضعّفه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل لابنه ٥/ ٢٠١ فقال: "ضعيف الحديث، ذاهب الحديث".
[ ١ / ٣٤٥ ]
ومعمرٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنّه سُئِل عن أكلِ اليَرْبُوع، فلم يَرَ به بأسًا (^١).
قال (^٢) مَعمَرٌ: وسألتُ عطاءً الخُراسانيَّ عن اليَرْبوع، فلم يَرَ به بأسًا (^٣).
قال: وأخبَرنا ابنُ طاووس، عن أبيه، أنّه سُئِل عن أكلِ الوَبْر، فلم يَرَ به بأسًا (^٤).
وقال ابنُ وَهْب: أخبَرني عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ المدنيُّ، قال: بلَغني عن عامرٍ الشعبيِّ، قال: نهى رسولُ اللَّه -ﷺ- عن أكلِ لحم القِرْد.
قال أبو عُمر: وكَرِهه ابنُ عمرَ، وعطاءٌ، ومكحولٌ، والحسنُ، ولم يُجيزُوا بَيْعَه.
وقال عبدُ الرَّزّاق (^٥)، عن مَعْمَر، عن أيوب: سُئِلَ مجاهدٌ عن أكلِ القِرْد، فقال: ليس من بهيمةِ الأنعام.
قال أبو عُمر: لا أعلمُ بينَ علماءِ المسلمين خِلافًا أنَّ القردَ لا يؤكلُ، ولا يجوزُ بَيْعُه؛ لأنّه مما لا منفعةَ فيه، وما علِمْتُ أحدًا أرْخَصَ في أكلِه، والكلبُ والفيلُ وذُو النابِ كلُّه عندي مثلُه، والحُجَّةُ في قولِ رسولِ اللَّه -ﷺ- لا في قولِ غيرِه، وما يحتاجُ القِردُ ومثلُه أن يُنْهَى عنه؛ لأنه يَنْهَى عن نفسِه بزَجْرِ الطِّباع والنفوسِ لنا عنه، ولم يَبلُغْنا عن العربِ ولا عن غيرِهم أكلُه، وقد زعَم ناسٌ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥١٥ (٨٦٨٩)، وعنه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٠٢٤٥) كلاهما عن معمر بن راشد، به.
(٢) سقطت هذه الفقرة من ف ١، وهي ثابتة في الأصل، ق.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٥١٥ (٨٦٩٠)، وعنه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٠٢٤٨).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٥٠٤٨) من طريق معمر بن راشد، به.
(٥) في المصنَّف ٤/ ٥٢٩ (٨٧٤٥). أيوب هو ابن أبي تميمة السَّختيانيّ.
[ ١ / ٣٤٦ ]
أنّه لم يكنْ في العربِ من يَأكُلُ الكلبَ إلّا قومٌ منهم نفرٌ من فَقعَسَ، وفي أحدِهم قال الشاعرُ الأسَدِيُّ (^١):
يا فَقْعَسِيُّ لِمَ أكَلْتَه لِمَهْ
لو خافَكَ اللَّهُ عليه حَرَّمَهْ
فما أكَلْتَ لَحْمَه ولا دَمَهْ
قال أبو عُمر: يعني قوله: لو خافكَ اللَّهُ عليه حَرَّمَهْ: أنَّ الكلبَ عندَه كان ممّا لا يَأكُلُه أحَد، ولا يُخافُ أحدٌ على أكلِه إلّا المضطَرَّ، واللَّهُ ﷿ لا يخافُ أحدًا على شيء، ولا على غيرِ شيء، ولا يَلحَقُه الخوفُ جَلَّ وتعالى عن ذلك (^٢). وأظنُّ (^٣) الشعرَ لأعرابيٍّ لا يَقفُ على مثلِ هذا المعَنَى (^٤)، واللَّهُ أعلم.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه (^٥)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مَخْلد، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٦): حدَّثنا محمدُ بنُ أبي عدِيٍّ، عن داودَ، قال: سُئِل الشَّعبيُّ عن رجلٍ يتَداوَى بلَحْم كلْبٍ، فقال: إن تَداوَى به فلا شَفاه اللَّه.
_________________
(١) واسمه سالم بن دارة الغطفاني كما في الحيوان للجاحظ ١/ ١٧٦، والرّجز عنده أيضًا في البخلاء ص ٢٩٩، والمخصّص لابن سيده ١/ ٢٤٤، والزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر الأنباري ٢/ ٣٧٠، والإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات كمال الدين الأنباري ١/ ٢٤٣، واللسان مادة (روح) ٢/ ٤٦١، وشرح الأشموني ٤/ ١٨، والشطر الأخير عند بعضهم بلفظ: "فما قَرِبْتَ لحْمَه ولا دمَهْ".
(٢) وهذا عينُ ما فسَّر به الجاحظ في كتابه الحيوان ٤/ ٢٨١ الشطر المذكور.
(٣) من هنا إلى نهاية الفقرة لم يرد في ق.
(٤) في ف ١: "من المعاني"، والمثبت من الأصل.
(٥) هو ابن محمد بن عليّ اللَّخْميّ، أبو عمر المعروف بابن الباجيّ. ورجال إسناده إلى عامر بن شراحيل الشعبي ثقات. داود: هو ابن أبي هند.
(٦) في المصنَّف (٢٤١٧٤).
[ ١ / ٣٤٧ ]
قال (^١): وحدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن مغيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، أنّه أصابَهُ حُمَّى رِبْع (^٢)، فنُعِتَ له جَنْبُ ثعلب، فأبى أن يأكُلَه.
قال (^٣): وحدَّثنا يَزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا هشامٌ (^٤)، عن الحسنِ، قال: الثعلبُ من السِّباع.
قال أبو عُمر: من رخَّص في الثعلبِ والهرِّ ونحوِهما، فإنّما رخَّص في ذلك لأنها ليست عندَه من السِّباع المحرَّمةِ على لسانِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، وقد ذكَرنا وَجْهَ التأويل في ذلك، وذكَرنا ما جاء عن النبيِّ -ﷺ- من الرُّخصةِ في أكلِ الضَّبُع، وقد جاء عن عمرَ بنِ الخطاب، وعليِّ بنِ أبي طالب، وابنِ عباس، وسعد، في الضَّبُع، أنَّها صيدٌ، يَفدِيها المُحرِمُ بكَبْش (^٥). ومعلومٌ أنّها ذاتُ ناب.
وقال عبد الرَّزّاق (^٦): أخبرنا الثوريُّ، عن سُهَيلِ بنِ أبي صالح، قال: جاء رجلٌ من أهلِ الشام، فسأل سعيدَ بنَ المُسيِّب عن أكلِ الضَّبُع، فنهاه، فقال له:
_________________
(١) في المصنَّف (٢٤١٧٥). ورجال إسناده إلى إبراهيم النخعي ثقات؛ يحيى بن آدم: هو ابن سليمان القرشي الأموي، وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي، ومغيرة: هو ابن مقسم الضَّبيّ، وأبو معشر: هو زياد بن كليب.
(٢) حُمّى الرِّبْع: هي التي تعرض يومًا، وتُقلع يومين، ثم تأتي في الرابع، وهكذا. المصباح المنير (ربع).
(٣) في المصنَّف (٢٤١٧٩).
(٤) في المطبوع من المصنَّف: "همّام" بدل "هشام"، وهشام: هو ابن حسّان القردوسيّ، وهمّام: هو ابن يحيى العَوْذي، ويزيد بن هارون يروي عنهما، وكلاهما له رواية عن الحسن: وهو البصري.
(٥) ينظر: الموطّأ ١/ ٥٥٣ (١٢٣٩)، والأمّ للشافعيِّ ٧/ ١٨٠ و٢٥٢، والمصنَّف لعبد الرزاق ٤/ ٤٠٣ (٨٢٢٣ - ٨٢٢٥)، ولابن أبي شيبة (١٥٨٦١) في باب (الضَّبُع يقتُله المُحرِم)، والأوسط لابن المنذر ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩، والمحلّى لابن حزم ٧/ ٢٢٧، والسُّنن الكبرى للبيهقي ٥/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٦) في المصنَّف ٤/ ٥١٤ (٨٦٨٧).
[ ١ / ٣٤٨ ]
إنَّ قومَكَ يأكُلُونها، فقال: إنَّ قومي لا يَعلَمون. قال سفيان: هذا القولُ أحبُّ إليَّ، فقلتُ لسفيانَ: فأين ما جاء عن عمر (^١)، وعليٍّ، وغيرِهما؟ فقال: أليسَ قد نَهى رسولُ اللَّه -ﷺ- عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع؟ فتَرْكُها أحبُّ إليَّ. وبه نأخُذُ.
قال أبو عُمر: ليس أحدٌ من خلقِ اللَّه إلّا وهو يُؤخَذُ من قولِه ويُترَكُ، إلّا النبيَّ -ﷺ-، فإنّه لا يُترَكُ من قولِه إلّا ما ترَكه هو ونسَخَه، قولًا أو عملًا، والحُجَّةُ فيما قال (^٢) -ﷺ-، وليس في قولِ غيرِه حُجَّةٌ، ومن ترَك قولَ عائشةَ في رَضاع الكبيرِ وفي لَبنِ الفحل، وترَك قولَ ابنِ عبّاسٍ في العَوْلِ والمُتْعةِ وغيرَ ذلك من أقاويلِه، وترَك قولَ عمرَ في تَضعيفِ القيمَةِ على المُزَنيِّ (^٣)، وفي تَبْدِئَةِ المُدَّعَى عليهم باليمينِ في القَسَامة، وفي أنَّ الجُنُبَ لا يَتيَمَّمُ، وغيرُ ذلك من قولِه كثيرٌ، وترَك قولَ ابنِ عمرَ (^٤) في أنَّ الزَّوجَ يَهدِمُ التَّطْليقةَ والتَّطليقتَيْن، وكراهيةِ الوُضُوءِ من ماءِ البحر، وسُؤْرِ الجُنُبِ والحائض، وغيرُ ذلك كثيرٌ، وترَك قولَ عليٍّ في أنَّ المُحدِثَ في الصلاةِ يَبْني على ما مضَى منها، وفي أنَّ بني تَغْلِبَ لا تُؤكَلُ ذبائحُهم، وغيرَ ذلك ممّا رُوَيَ عنه، كيف يَستَوْحِشُ من مُفارقةِ واحدٍ منهم، ومعه السُّنَّةُ الثابتةُ عن النبيِّ -ﷺ-، وهي المَلْجأُ عندَ الاختلاف؟ وغيرُ نكيرٍ أنْ يَخفَى على الصَّاحبِ والصَّاحبَيْن والثلاثةِ السُّنَّةُ المأثورةُ عن رسولِ اللَّه -ﷺ-، ألا ترَى أنَّ عمرَ في سَعَةِ عِلْمِه، وكثرةِ لُزُومه لرسولِ اللَّه -ﷺ-، قد خفِيَ
_________________
(١) في مصنف عبد الرزاق: "ابن عمر"، وهو خطأ، والصواب ما جاء هنا، والدليل عليه أن ابن التركماني نقل النصّ عن عبد الرزاق في "الجوهر النقي" ٩/ ٣١٩ وفيه: "عمر".
(٢) في ق، ف ١: "قوله" بدلًا من: "فيما قال"، وهو في نسخة أشار إليها ناسخ الأصل في الحاشية.
(٣) يعني الذي سُرقت ناقته، وقصَّته في الموطأ ٢/ ٢٩٤ (٢١٧٨)، والأمّ للشافعي ٧/ ٢٤٤.
(٤) في ف ١: "عمر"، وهو خطأ، والمثبت من الأصل، ق.
[ ١ / ٣٤٩ ]
عليه من تَوريثِ المرأةِ من ديةِ زَوجِها، وحديثِ دِيةِ الجنين، وحديثِ الاستئذان، ما علِمَه غيرُه؟ وخَفِيَ على أبي بكرٍ حديثُ توريثِ الجَدَّة، فغيرُهما أحْرَى أنْ تَخفَى عليه السُّنَّةُ في خواصِّ الأحكام، وليس شيءٌ ملا من هذا بضائرِهم ﵃، وقد كان ابنُ شهابٍ يقول، وهو حَبرٌ عظيمٌ من أحبارِ هذا الدِّين: ما سمِعْتُ بالنَّهْي عن أكْل كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حتى دخَلْتُ الشام. والعلمُ الخاصُّ لا يُنكَرُ أنْ يَخفَى على العالم حِينًا.
حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ اللَّه (^١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبّاح، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَة، عن الزُّهريِّ، عن أبي إدريسَ الخَولانيِّ، عن أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ، أنَّ النبيَّ -ﷺ- نهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. قال سفيانُ: قال الزُّهريُّ: ولم أسمَعْ هذا حتى أتيتُ الشام (^٢).
قال أبو عُمر: رُوِيَ عن خُزَيْمةَ بنِ جَزِيٍّ (^٣)، رجلٍ من الصحابة، أنّه قال:
_________________
(١) هو ابن محمد بن مغيث، أبو الوليد القرطبي، يُعرف بابن الصفّار، وشيخه محمد بن معاوية: هو أبو بكر المعروف بابن الأحمر راوي السنن الكبرى عن النسائي.
(٢) أخرجه الحميدي في مسنده (٨٧٥) عن سفيان بن عيينة، به. وأخرجه البخاري (٥٧٨٠) عن عبد اللَّه بن محمد الجُعفيّ، عن سفيان بن عيينة، به. وسيأتي بهذا الإسناد للمصنِّف في أثناء شرح الحديث الأول لابن شهاب الزُّهري، عن أبي إدريس الخوْلانيّ.
(٣) هو خزيمة بن جَزِيّ السلمي، ويقال: جَزْء، أخو حِبّان بن جَزْء وخالد بن جَزْء. ترجمته في تهذيب الكمال ٨/ ٢٤٥ والتعليق عليه. وقد توهم المصنّف في "الاستيعاب" فظن خزيمة بن جَزِيّ بن شهاب العبدي، من عبد القيس، والذي يُعدّ في أهل البصرة، هو الذي روى حديث الضبّ. (الاستيعاب ٢/ ٤٤٩ (٦٧٢» مع أنه ذكر قبله خزيمة بن جَزِيّ السلمي في الرقم (٦٦٩) ولم ينسُب إليه الحديث. وقد تعقّبه في ذلك ابن حجر في الإصابة ٢/ ٢٤١.
[ ١ / ٣٥٠ ]
قَدِمْتُ المدينةَ، فأتيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقلتُ: جِئْتُ أسألُكَ عن أحْناشِ (^١) الأرض، قال: "سَلْ عمّا شِئْتَ"، فسألتُه عن الضَّبَ، فقال: "لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه"، فقلتُ: إنِّي آكُلُ ما لم تُحرِّمْ، قال: "إنَّها فُقِدَتْ أُمَّةٌ، وإنِّي رأيتُ خلقًا رابَني"، قال: وسألتُه عن الأرنب، فقال: "لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه"، قال: إنِّي آكُلُ ما لم تُحَرِّمْ، قال: "إنَّها تَدْمَى"، قال: وسألتُه عن الثَّعلب، فقال: "ومن يَأكُلُ الثعلبَ؟ "، قال: وسألتُه عن الضَّبُع، فقال: "ومن يَأكُلُ الضَّبُعَ؟ "، قال: وسألتُه عن الذِّئب، فقال: "أو يَأكُلُ الذِّئبَ أحدٌ؟ " (^٢).
وهذا حديثٌ قد جاء، إلّا أنّه لا يُحتجُّ بمثلِه لضعفِ إسنادِه، ولا يُعَرَّجُ عليه؛ لأنّه يَدُورُ على عبدِ الكريم بنِ أبي المُخارق، وليس يَرويه غيرُه، وهو ضعيفٌ متروكُ الحديث.
وقد رُوِيَ من حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن مَعقِلٍ صاحبِ الدَّثَنِيّة (^٣)، وهو رجلٌ يُعَدُّ في الصحابة، نحوُ هذا الحديث، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في الضَّبُع؟ قال: "لا آكُلُه، ولا أنهَى عنه"، قال: قلت: ما لم تَنْهَ عنه فإنِّي آكُلُه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، فما تقولُ في الضَّبِّ؟ قال: "لا آكُلُه، ولا أنهي عنه"، قال: قلت: ما لم تَنْهَ عنه فإنِّي آكُلُه، قال: وقلت: ما تقولُ في الأرنب؟ قال: "لا آكُلُها، ولا أُحرِّمُها"، قال: قلت: ما لم تُحرِّمْه فإنِّي آكُلُه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه،
_________________
(١) كتب ناسخ الأصل في الحاشية التعليق الآتي: "كذا وقع في الأصل المقروء على أبي عمر: "أحفاش" بالحاء المهملة والفاء، وفي طرة الكتاب: أحناش، بالحاء المهملة والنون".
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٧/ ٤٩، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٢٠٦ (٧٠٥)، والترمذي (١٧٩٢)، وابن ماجة (٣٢٣٥) و(٣٢٣٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/ ٩٣ (١٤١١)، والطبراني في الكبير ٤/ ١٠١ - ١٠٢ (٣٧٩٥ - ٣٧٩٧) من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حبّان بن جَزْء، عن خُزيمة بن جَزْء.
(٣) الدَّثَنِيَّة: موضع بالشام. (ينظر: معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري ٢/ ٥٤٣).
[ ١ / ٣٥١ ]
ما تقولُ في الذِّئب؟ قال: "أوَ يأكُلُ ذلك أحدٌ؟ "، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في الثعلب؟ قال: "أو يَأكُلُ ذلك أحدٌ؟ " (^١).
وهذا أيضًا حديثٌ ضعيفٌ، وإسنادُه ليس بالقائم عندَ أهلِ العلم، وهو يدورُ على أبي محمد؛ رجلٌ مجهولٌ، وهو حديثٌ لا يَصِحُّ عندَهم، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَعْقِلٍ لا يُعْرَفُ إلّا بهذا الحديث، ولا تَصِحُّ صُحْبَتُه، وإنّما ذكَرْتُ هذا الحديثَ والذي قبلَه ليُوقَفَ عليهما، ولروايةِ الناسِ لهما، ولتتبيَّنَ العلَّةُ فيهما.
وأما جُلودُ السِّباع المُذكّاةِ لجُلودِها، فقد اختلَف أصحابُنا في ذلك؛ فروَى ابنُ القاسم عن مالكٍ أنَّ السِّباعَ إذا ذُكِّيَتْ لجُلودِها حَلَّ بَيعُها، ولباسُها، والصلاةُ عليها.
قال أبو عُمر: الذَّكاةُ عندَه في السِّباع لجُلودِها أكْمَلُ طهارَةً في هذه الروايةِ من الدِّباغ في جلودِ المَيْتَة، وهو قولُ ابنِ القاسم.
وقال ابنُ القاسم في "المُدَوَّنة" (^٢): لا يُصَلَّى على جِلْدِ الحمارِ وإن ذُكِّي.
وقوله: إنَّ الحمارَ الأهليَّ لا تَعمَلُ فيه الذَّكاةُ. وقال ابنُ حَبيبٍ في "كتابه": إنّما ذلك في السِّباع المُختلَفِ فيها، فأمّا المُتفَقُ عليها فلا يجوزُ بَيعُها، ولا لُبْسُها، ولا الصلاةُ بها، ولا بأسَ بالانتفاع بها إذا ذُكِّيَتْ، كجلدِ المَيتَةِ المُدْبُوغ.
_________________
(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٢٩٠، والرُّوياني في مسنده (١٤٦٣)، وأبو القاسم البغويّ في معجم الصحابة ٤/ ٤٥٣ (١٩١٧)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ١٦٧ - ١٦٦، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ١٨٤٥ (٤٦٥٣)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٣١٩ (١٩٨٦٩) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن أبي محمد، عن عبد الرحمن بن معقل السلمي، به.
(٢) ١/ ١٨٣.
[ ١ / ٣٥٢ ]
قال ابنُ حَبيب: ولو أنَّ الدَّوابَّ؛ الحَميرَ والبِغالَ، ذُكِّيَتْ لجُلودِها لَما حَلَّ بَيعُها، ولا الانتفاعُ بها، ولا الصلاةُ فيها، إلّا الفَرَسَ؛ فإنّه لو ذُكِّيَ لحلَّ بَيعُ جِلْدِه، والانتفاعُ به للصلاةِ وغيرِها؛ لاختلافِ الناسِ في تَحرِيمِه. وقال أشهبُ: أكرَهُ بيعَ جلودِ السِّباع وإنْ ذُكِّيَتْ ما لم تُدْبَغْ. قال: وأرَى أنْ يُفسَخَ البيعُ فيها، ويُفسخَ ارْتهانُها، وأرَى أنْ يُؤدَّبَ فاعلُ ذلك، إلّا أنْ يُعْذَرَ بالجهالة؛ لأنَّ النبيَّ ﵇ حرَّم أكلَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، فالذَّكاةُ فيها ليست بذَكاة. وروَى أشهبُ، عن مالك، في كتابِ الضحايا من "المُستَخرَجة" (^١) أنَّ ما لا يُؤكَلُ لحمُه فلا يَطهُرُ جلدُه بالدِّباغ. وهذه المسألةُ في سَماع أشهبَ وابن نافع.
وسُئِلَ مالكٌ: أترى ما دُبغ من جُلُودِ الدَّوابِّ طاهرًا؟ فقال: إنّما يُقالُ هذا في جلودِ الأنعام، فأمّا جُلودُ ما لا يُؤكلُ لحمُه، فكيف يكونُ جلدُه طاهرًا إذا دُبِغ وهو ممّا لا ذَكاةَ فيه ولا يُؤكَلُ لحمُه (^٢)؟
قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من الفقهاء قال بما رواه أشهبُ عن مالكٍ في جلدِ ما لا يُؤكَلُ لحمُه، أنّه لا يطهُرُ بالدِّباغ، إلّا أبا ثَوْرٍ إبراهيمَ بنَ خالدٍ الكَلْبيَّ، فإنَّه قال في "كتابِه" في جُلودِ المَيْتَةِ: كلُّ ما كان ممّا لو ذُكِّي حَلَّ أكْلُه، فمات، لم يُتَوَضَّأْ في جِلْدِه، ولم يُنْتفعْ بشيءٍ منه، حتى يُدْبَغَ، فإذا دُبغَ فقد طَهُرَ. قال: وما لا يُؤْكَلُ لو ذُكِّيَ، لم يُتوَضَّأْ في جلدِه وإنْ دُبِغ. قال: وذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ-
_________________
(١) كما في البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة لأبي الوليد بن رشد ١/ ١٠١.
(٢) البيان والتحصيل ١/ ١٠١.
[ ١ / ٣٥٣ ]
قال في جلدِ شاةٍ ماتَتْ: "ألا دَبَغْتم جلدَها فانْتفعْتم به؟ " (^١). ونهَى عن جُلُودِ السِّباع. قال: فلمّا رُوِيَ الخبَرانِ أخَذْنا بهما جميعًا؛ لأنَّ الكلامَيْنِ جميعًا لو كانا في مجَلسٍ واحدٍ كان كلامًا صحيحًا، ولم يكنْ فيه تَناقُضٌ.
قال: ولا أعلمُ خلافًا أنّه لا يُتوضَّأُ في جِلْدِ خنزيرٍ وإنْ دُبِغ، فلمّا كان الخنزيرُ حرامًا لا يَحِلُّ أكلُه وإنْ ذُكِّيَ، وكانتِ السِّباعُ لا يَحِلُّ أكلُها وإنْ ذُكِّيَتْ، كان حرامًا أن يُنْتَفَعَ بجلودِها وإنْ دُبِغَتْ، وأنْ يُتوضَّأ فيها، قياسًا على ما أجمَعوا عليه من الخنزير، إذْ كانتِ العِلَّةُ واحدةً.
وذُكِرَ عن هُشَيمٌ، عن منصور، عن الحَسَن، أنَّ عليًّا كَرِه الصلاةَ في جُلودِ البغال (^٢).
قال أبو عُمر: ما قاله أبو ثَوْرٍ صحيحٌ في الذَّكاةِ أنَّها لا تَعملُ فيما لا يَحِلُّ أكلُه، إلّا أنَّ قولَه -ﷺ-: "كلُّ إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ" (^٣)، قد دخَل فيه كلُّ جلدٍ، إلّا أنَّ جمهورَ السَّلَفِ أجمَعوا على أنَّ جِلْدَ الخنزيرِ لا يَدْخُلُ في ذلك، فخرَج
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٦٣) و(٣٦٤) من وجوه عديدة عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄، عن ميمونة ﵂، وسيأتي من وجوه عديدة أيضًا مع تخريجها في أثناء شرح الحديث السادس عشر لزيد بن أسلم، عن ابن وعلة المصريّ، عن ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه الشافعيُّ في الأمّ ٧/ ١٧٥، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٧٥٧٦)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٤٣٦ (٩٠٣) ثلاثتهم عن هشيم بن بشير الواسطيّ، به، ولكن فيها "الثعالب" بدلًا من البغال، وهو الصواب.
(٣) أخرجه مالكٌ في الموطأ ١/ ٦٤٣ (١٤٣٧) عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة المصريّ، عن عبد اللَّه بن عبّاس ﵄، بلفظ أنه -ﷺ-، قال: "إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طهُرَ"، وهو الحديث السادس عشر لزيد بن أسلم، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣٥٤ ]
بإجماعِهم هذا -إن صَحَّ- أنَّ للخنزيرِ جلدًا يُوصَلُ إليه ويُستعمَلُ، وإنْ كان أصحابُنا قد اختلَفوا في ذلك على ما سنَذكُرُه ونُوضِّحُه في بابِ حديثِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن ابنِ وَعْلَة، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -ﷺ-، أنَّه قال: "كلُّ إهابٍ دُبِغ فقد طَهُرَ"، إن شاء اللَّه.
والحديثُ الذي ذكَر أبو ثورٍ في النهي عن جُلودِ السِّباع حدَّثناه جماعةٌ؛ منهم عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القَطّان، عن ابنِ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي المَليح بنِ أسامة، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- نهى عن جُلودِ السِّباع (^١).
وقال محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم، وحكاه أيضًا عن أشهب: لا يجوزُ تَذْكِيَةُ السِّباع، وإنْ ذُكِّيَتْ لجلودِها لم يَحِلَّ الانتفاعُ بشيءٍ من جلودِها إلّا أنْ يُدْبَغ.
_________________
(١) أخرجه الدارميّ في سننه (١٩٨٤)، وأبو داود (٤١٣٢) عن مسدّد بن مسرهد، به. وأخرجه الطبراني في الكبير ١/ ١٩١ (٥٠٨) عن معاذ بن المثنّى، عن مسدّد بن مسرهد، به. وأخرجه أحمد في المسند ٣٤/ ٣١١ (٢٠٧١٣)، والترمذي (١٧٧٠ م)، والنسائي في المجتبى (٤٢٥٣)، وفي الكبرى ٤/ ٣٨٥ (٤٥٦٥) من طريق يحيى بن سعيد القطّان، به. وهو عند أحمد في المسند ٣٤/ ٣١١ (٢٠٧٠٦)، وأبي داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠ م ٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة، به. واقتصر الترمذي على تحسينه، فهو عنده معلول، فقد أخرجه (١٧٧١) عن محمد بن بشار بندار عن محمد بن جعفر، عن شعبة بن الحجّاج، عن يزيد الرِّشْك، عن أبي المليح بن أسامة، عن النبيِّ -ﷺ- مرسلًا. وقال: "هذا أصحُّ" وذكر في العلل الكبير له بإثر الحديث (٥٣٥) أنه سأل البخاري عنه فذكر أنه لم يَقْفِ في هذا بشيء، أيُّهما أصح. وقال بإثر الحديث (٥٣٤): "سألت محمدًا عن هذا الحديث -يعني الموصول- فقال: سعيد بن أبي عَرُوبة روى عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، عن النبيِّ -ﷺ-". وينظر كتابنا: المسند المصنف المعلل ١/ ٣١٣ - ٣١٤ (١٧٠).
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال أبو عُمر: قولُ ابنِ عبدِ الحكم وما حَكاه أيضًا عن أشهبَ في تَذْكِيَةِ السِّباع، عليه جمهورُ الفقهاءِ من أهلِ النَّظَر والأثرِ بالحِجازِ والعراقِ والشَّام، وهو الصحيحُ، وهو الذي يُشبِهُ أصلَ مالكٍ في ذلك، ولا يَصِحُّ أنْ يُتَقلَّدَ غيرُه؛ لوُضُوح الدليلِ (^١) عليه، ولو لم يُعتبَرْ (^٢) ذلك إلّا بما ذَبَحَه المحرِمُ، أو ذُبِحَ في الحرم، أنَّ ذلك لا يكونُ ذَكاةً للمذبوح؛ للنهي الواردِ فيه، وبالخنزيرِ أيضًا، وقد أجمَع المسلمون أنَّ الخلافَ ليس بحُجَّة، وأنَّ عندَه يَلزَمُ طلبُ الدليلِ والحُجَّة؛ ليبينَ الحقُّ منه، وقد بانَ الدليلُ الواضحُ من السُّنَّةِ الثابتةِ في تحريم السِّباع، ومحالٌ أن تَعْملَ فيها الذَّكاةُ، وإذا لم تَعملْ فيها الذَّكاةُ فأكثرُ أحوالِها أن تكونَ مَيْتة، فتطهُرَ بالدِّباغ، هذا أولى (^٣) الأقاويلِ في هذا الباب. ولِما رواه أشهبُ عن مالكٍ وجْهٌ أيضًا، وأمّا ما رواه ابنُ القاسم عن مالكٍ فلا وجهَ له يصِحُّ، إلّا ما ذكروا (^٤) من تأويلِهم في النَّهْيِ أنّه على التنزُّهِ لا على التحريم، وهذا تأويلٌ ضعيفٌ، لا يَعضُدُه دليلٌ صحيحٌ (^٥)، وباللَّه تعالى التوفيق (^٦).
_________________
(١) في ق، ف ١: "الدلائل".
(٢) في الأصل: "يختبر"، والمثبت من ق، ف ١.
(٣) في ق، ف ١: "أصحّ"، وهي نسخة أشار إليها ناسخ الأصل في الحاشية.
(٤) أشار ناسخ الأصل إلى أنها في نسخة أخرى: "ذكرنا".
(٥) قوله: "صحيح" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في ف ١ وغيرها.
(٦) جاء في حاشية الأصل: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
[ ١ / ٣٥٦ ]