حديثٌ ثانٍ لثَوْر بن زَيْد مقطوعٌ
مالكٌ (^١)، عن ثور بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عبد الله بن عباسٍ، أنّ رسولَ الله - ﷺ - ذكَر رَمَضانَ فقال: "لا تَصُوموا حتى ترَوُا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى ترَوْه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدَّةَ ثلاثين".
هكذا هذا الحديثُ في "الموطّأ" عند جماعةِ الرُّواة عن مالك: عن ثور بن زيد، عن ابن عباسٍ، ليس فيه ذكرُ عكرمةَ (^٢)، والحديثُ محفوظ لعكرمةَ، عن ابن عباس (^٣)، وإنّما رواه ثورٌ، عن عكرمةَ. وقد رُوِي عن رَوْح بن عُبادةَ هذا الحديثُ، عن مالكٍ، عن ثورٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله - ﷺ - ذكَر رمضانَ، ثم ساقَه إلى آخرِه سواءً. وليس في "الموطَّأ" في هذا الإسناد عكرمةُ، وزعَموا أنّ مالكًا أسقَط ذِكرَ عكرمةَ منه لأنّه كَرِهَ أن يكونَ في كتابِه؛ لكلامِ
_________________
(١) الموطأ ١/ ٣٨٦ (٧٨٣).
(٢) رواه أبو مصعب الزهري (٧٦٤)، وسويد بن سعيد (٤٥٣)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي عند الجوهري (٣٠٤)، وعبد الرحمن بن القاسم (٢٠٨)، ويحيى بن بكير عند البيهقي ٤/ ٢٠٥.
(٣) حديث عكرمة عن ابن عباس حديث صحيح. أخرجه الطيالسي (٢٦٧١)، وابن أبي شيبة (٩١١٢)، وأحمد ٣/ ٤٤٥ (١٩٨٥) و٤/ ١٧٥ (٢٣٣٥)، والدارمي (١٦٩٥)، وأبو داود (٢٣٢٧)، والترمذي (٦٨٨)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٣٦ و١٥٣، وأبو يعلى (٢٣٥٥)، وابن خزيمة (١٩١٢)، وابن حبان (٣٥٩٠) و(٣٥٩٤). وأخرجه الطيالسي (٢٧٢١)، وابن أبي شيبة (٩١٢٠)، وأحمد ٥/ ١٥٣ (٣٠٢١) و(٣٢٠٨)، ومسلم (١٥٨٨)، وابن خزيمة (١٩١٥) و(١٩١٩)، والطبراني في الكبير (١٢٦٨٧) من طريق أبي البختري عن ابن عباس. وأخرجه الشافعي ١/ ٢٧٤، وعبد الرزاق (٧٣٠٢)، والحميدي (٢١٣)، والدارمي (١٦٩٣) وغيرهم من طريق محمد بن حنين عن ابن عباس. وأخرجه النسائي ٤/ ١٣٥ من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس.
[ ٢ / ٣١ ]
سعيدِ بن المسيِّب وغيرِه فيه. ولا أدري صِحَّةَ هذا؛ لأنّ مالكًا قد ذكَره في كتاب الحجِّ، وصرَّحَ باسمِه (^١)، ومال إلى روايتِه عن ابن عباسٍ وترَك روايةَ عطاءٍ في تلك المسألة، وعطاءٌ أجلُّ التابعين في علم المناسكِ والثِّقةِ والأمانة.
روَى مالكٌ، عن أبي الزبير المكيِّ، عن عطاءِ بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، أنّه سُئلَ عن رجلٍ وقَع على امرأتِه وهو بمنًى قبلَ أنْ يُفيضَ، فأمَره أن ينحَرَ بَدَنةً (^٢).
وروَى مالكٌ أيضًا، عن ثورِ بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عكرمةَ مولَى ابن عباسٍ، قال: أظنُّه عن ابن عباسٍ، أنّه قال: الذي يصيبُ أهلَه قبلَ أن يُفيضَ، يعتمِرُ ويُهدِي (^٣). وبه قال مالكٌ.
قال أبو عُمر: عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ (^٤) من جِلَّة العلماء، لا يَقدَحُ فيه كلامُ من تكلَّم فيه؛ لأنَّه لا حُجَّةَ مع أحدٍ تكلَّم فيه. وقد يحتملُ أن يكونَ مالكٌ جبُن عن الروالة عنه؛ لأنَّه بلَغه أنّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ كان يرمِيه بالكذب، ويحتمِلُ أن يكونَ لِما نُسِب إليه من رأي الخوارج، وكلُّ ذلك باطلٌ عليه إن شاء اللهُ. وقد قال الشافعيُّ في بعض كُتبِه: نحن نتَّقي حديثَ عكرمةَ. وقد روَى الشافعيُّ عن إبراهيمَ بن أبي يحيى، والقاسم العُمَريِّ، وإسحاقَ بن أبي فَرْوةَ، وهم ضُعفاءُ متروكونَ، وهؤلاء كانوا أولَى أن يُتَّقَى حديثُهم، ولكنّه لم يَحتَجَّ بهم في حكمٍ، وكلُّ أحدٍ من خلقِ الله يُؤخذُ من قوله ويُتركُ إلّا رسولَ الله - ﷺ -.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٥١٧ (١١٣٧) برواية الليثي، وهو عند غيره من رواة الموطأ.
(٢) الموطأ ١/ ٥١٦ - ٥١٧ برواية الليثي، وهو في رواية أبي مصعب (١٢٣٨)، وسويد بن سعيد (٢٥٣٢)، والشافعي كما في البيهقي ٥/ ١٧١، وغيرهم.
(٣) تقدم قبل قليل.
(٤) تنظر ترجمته ومصادرها في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٦٤ فما بعدها.
[ ٢ / ٣٢ ]
قال عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، عن أبيه، عن إسحاقَ الطبَّاع، قال: سألتُ مالكَ بنَ أنسٍ، قلتُ: أبلَغك أنَّ ابنَ عمرَ قال لنافعٍ: لا تكذِبْ عليَّ كما كذَب عكرمةُ على ابن عباسٍ؟ قال: لا، ولكن بلَغني أنَّ سعيدَ بن المسيِّب قال ذلك لبُردٍ مولاه (^١).
وقيل لابن أبي أُويسٍ: لِمَ لم يَكتُبْ مالكٌ حديثَ عكرمَةَ مولَى ابن عباسٍ؟ قال: لأنّه كان يرَى رأيَ الإباضية.
وأمّا قولُ سعيدِ بن المسيِّب فيه، فقد ذكَرَ العلَّةَ الموجبةَ للعداوةِ بينَهما أبو عبد الله محمدُ بن نصرٍ المَرْوزيُّ في كتاب "الانتفاع بجلودِ المَيْتةِ"، وقد ذكَرتُ ذلك وأشباهَه في كتابي كتاب "جامع بيانِ أخذِ العلم وفضلِه وما ينبغي في روايتِه وحَمْلِه" في باب قولِ العلماء بعضِهم في بعضٍ (^٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا. وتكلَّم فيه ابنُ سيرينَ، ولا خلافَ أعلمُه بينَ نُقَّادِ أهلِ العلمِ أنّه أعلمُ بكتابِ الله من ابنِ سيرينَ، وقد يظنُّ الإنسانُ ظنًّا يغضَبُ له ولا يملِكُ نفسَه.
ذكَر الحُلْوانيُّ، عن زيدِ بن الحُباب، قال: سمِعْتُ الثَّوريَّ يقولُ: خُذوا تفسيرَ القرآن عن أربعةٍ: عن عكرمةَ، وسعيدِ بن جُبيرٍ، ومجاهدٍ، والضحَّاكِ (^٣). فبدَأ بعكرمةَ.
وقال ابنُ عُليَّةَ، عن أيوبَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، قال: دفَع إليَّ جابرُ بن زيدٍ مسائلَ أسألُ عنها عكرمةَ. قال: فجعَل جابرٌ يقولُ: هذا عكرمةُ، هذا مولَى ابن عباسٍ، هذا البَحْرُ، فاسألُوه (^٤).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال (١٥٨٢)، وتهذيب الكمال ٢٠/ ٢٨٠. وأما قول سعيد بن المسيب لغلام له يقال له: برد فهو في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥.
(٢) جامع بيان العلم ٢/ ١٠٨٧.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ٤/ ١٤١٥، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٢٨، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٧٤.
(٤) أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٨٥، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٧٤.
[ ٢ / ٣٣ ]
وقال سفيانُ بن عُيَينةَ، عن عَمْرو بن دينارٍ، قال: أعطاني جابرُ بن زيدٍ صحيفةً فيها مسائلُ، فقال: سلْ عنها عكرمةَ. قال: فكأنِّي تبطَّأْتُ، قال: فانتزَعَها من يدِي، وقال: هذا عكرمةُ، هذا مولَى ابنِ عباسٍ، هذا أعلمُ الناس (^١).
وقال جريرٌ: عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قيل لسعيدِ بن جبيرٍ: تعلَمُ أحدًا أعلمَ منك؟ قال: نعم، عكرمةُ. قال: فلمّا قُتِل سعيدُ بن جبيرٍ قال إبراهيم: ما خَلَف بعدَه مثلَه (^٢).
قال أبو عبد الله المروزيُّ: وحدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عُليّةَ، عن أيوبَ، قال: نُبّئتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ أنّه قال: لو كَفَّ عنهم عكرمةُ من حديثه لشُدَّتْ إليه المطايا (^٣).
قال: وحدَّثنا إسحاقُ بن راهُويَة، قال: أخبرنا يحيَى بن ضُريسٍ، عن أبي سنانٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: اجتمَع عندِي خمسةٌ لا يجتمِعُ عندي مثلُهم أبدًا: عطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بن جبيرٍ، وعكرمةُ، فتذاكَروا التفسيرَ، فأقبَلَ مجاهدٌ وسعيدُ بن جبيرٍ على عكرمةَ يسألانِه عن التفسيرِ وهو يُجيبُهما (^٤).
قال: وحدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: اجتمَع عكرمةُ وسعيدُ بن جُبيرٍ وطاوسٌ وعدَّةٌ من أصحابِ ابن عبّاسٍ، فكان عكرمةُ صاحبَ الحديث (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في تاريخه الكبير ٧/ ٤٩، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٧١. وأخرجه ابن سعد في طبقاته ٢/ ٣٨٥ و٥/ ٢٨٨، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٧١ من طريق أيوب عن عمرو بن دينار، مختصرًا.
(٢) أخرجه الدوري عن ابن معين (١٧٤٠)، والعقيلي ٣/ ٣٧٥، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٧٢.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٣٨٥.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن عثمان عن أبيه عن يحيى بن الضريس ٣/ ٣٢٦.
(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٥/ ٢٩٠.
[ ٢ / ٣٤ ]
قال: وأخبرنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سليمانُ بن حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، قال: قال رجل لأيوبَ: أكانَ عكرمةُ يُتَّهَمُ؟ فسكَتَ هُنيهةً ثم قال: أمّا أنا فإنِّي لم أكنْ أتَّهِمُه (^١).
وبه عن أيوب، قال: قال عكرمةُ: أرأيتَ هؤلاء الذين يُكذِّبونَني مِن خَلْفي، أفلا يُكذِّبونني في وجهِي (^٢)؟
قال: وحدَّثنا الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا مسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سلَّامُ بن مِسْكينٍ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: كان الحَسَنُ من أعلمِ الناس بالحلالِ والحرام، وكان عطاءٌ من أعلمِ الناس بالمناسكِ، وكان عكرمةُ من أعلمِ الناس بالتَّفسير (^٣).
قال: وحدَّثنا الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبد الكريم الصنعانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بن مَعْقِل، أنَّ عكرمةَ قدِم على طاوسٍ اليمنَ، فحمَلَه طاوسٌ على نَجِيبٍ، وأعطاه ثمانينَ دينارًا، فقيلَ لطاوسٍ في ذلك، فقال: ألا أشتري علمَ ابن عباس لعبد الله بن طاوسٍ بنجيبٍ وثمانينَ دينارًا (^٤)؟
وذكَر عباسٌ (^٥)، عن يحيى بن مَعِين، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضيْل، قال: حدَّثنا عثمانُ بن حَكيم، قال: جاءَ عكرمةُ إلى أبي أُمامةَ بن سهل وأنا جالسٌ، فقال: يا أبا أُمامةَ، أسمِعْتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما حدَّثكم به عكرمةُ فصدِّقوه، فإنّه لم يكذِبْ عليَّ؟ قال: نعم.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٥/ ٢٨٩، وأحمد في العلل ١/ ٤٠٦، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٧٣، وابن عدي في الكامل ٦/ ٤٧٦.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٥/ ٢٨٨ وزاد: "فقد والله كذبوني".
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٨٥ و٥/ ٢٨٨ من قول سلام بن مسكين، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٧٥١ - ٧٥٢. وأخرجه المزي في تهذيب الكمال عن سلام بن مسكين عن قتادة ٢٠/ ٢٧٢.
(٤) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٣٧٦، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٧٠.
(٥) تاريخه (١٢١٧).
[ ٢ / ٣٥ ]
وقد رَوَيْنا أنّ عبدَ الله بنَ عباسٍ قال له: اخرُجْ يا عكرمةُ فأَفْتِ الناسَ، ومَن سأَلك عمّا لا يعنِيه فلا تُفْتِه، فإنَّك تطرَحُ عن نفسِك ثُلُثيْ مُؤنةِ الناس (^١).
قال عباسٌ (^٢): قال يحيى بن معينٍ: مات ابنُ عباسٍ وعكرمةُ عبدٌ، فباعه عليّ بن عبد الله، فقيل له: تبيعُ علمَ أبيك؟ فاسترْجَعَهُ.
وقال عثمانُ بن سعيد السِّجِسْتانيُّ (^٣): قلتُ ليحيى بن مَعِينٍ: عكرمةُ أحبُّ إليك أو سعيدُ بن جُبَير؟ فقال: ثقة وثقة. قلتُ: فعكرمةُ أو عُبيدُ الله بن عبدِ الله؛ فقال: كلاهما. ولم يُخَيّر (^٤).
وقال أبو الحسن أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح الكوفيُّ (^٥): عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ ثقة، وهو بريءٌ مما رماه الناسُ به من الحَرُوريةِ.
وذكَر عيسى بن مِسْكين، عن محمد بن الحجاج بن رِشْدين، عن أحمدَ بن صالح المِصْريِّ، قال: عكرمةُ مولَى ابن عباسٍ بَرْبَريٌّ من المغرب.
وقال أبو العَرَب: سمِعتُ قُدامةَ بنَ محمدٍ يقولُ: كان خُلفاءُ بني أميَّةَ يُرسِلونَ إلى المغرب يطلُبونَ جُلودَ الخرفانِ التي لم تُولدْ بعدُ، العَسَليّة. قال: فربَّما ذُبحَتِ المئةُ شاةٍ فلا يُوجدُ في بطنِها إلّا واحدٌ عَسَليٍّ، كانوا يتَّخذونَ منها الفِراءَ، فكان عكرمةُ يستعظمُ ذلك ويقولُ: هذا كُفرٌ، هذا شرك. فأخَذ ذلك عنه الصُّفريَّةُ والإباضيَّةُ، فكفَّروا الناسَ بالذُّنوب.
_________________
(١) الجرح والتعديل (٧/ ٨)، والزي في التهذيب (٢٠/ ٢٦٩).
(٢) تاريخه (٤٣٣).
(٣) هو دارمي من أهل سجستان، وهذا في تاريخه (٣٥٧) مع اختلاف يسير في اللفظ.
(٤) في الأصل: "يختر"، والمثبت موافق لما في تاريخ الدارمي.
(٥) ثقاته ٢/ ١٤٥.
[ ٢ / ٣٦ ]
قال أبو عُمر: لهذا كان سحْنونٌ يقولُ: يزعُمون أنَّ عكرمةَ مولَى ابن عباسٍ أضلَّ المغربَ.
قال أبو عُمر: نزَل عكرمةُ مولَى ابنِ عباسٍ المغربَ، ومكَث بالقيروانِ بُرهةً، ومن الناس مَنْ يقولُ: إنّه مات بها. والصحيحُ أنّه مات بالمدينة هو وكثيِّرُ عزَّةَ الشاعرُ في يومٍ واحد (^١). ذكَر ابنُ أبي مريمَ، عن ابنِ (^٢) لَهِيعةَ، عن أبي الأسود، قال: أنا مدَحْتُ المغربَ لعكرمةَ مولَى ابن عباسٍ، ذكَرْتُ له حالَ أهلِها، فخرجَ إلى المغربِ فمات بها (^٣).
قال أبو عبدِ الله المَرْوزيُّ: قد أجمَع عامّةُ أهلِ العلمِ على الاحتجاجِ بحديثِ عكرمةَ، واتَّفقَ على ذلك رُؤساءُ أهلِ العلمِ بالحديثِ من أهلِ عصرِنا؛ منهم: أحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ بن راهُويَة، وأبو ثورٍ، ويحيَى بن مَعِينٍ، ولقد سألتُ إسحاقَ بنَ راهُويَة عن الاحتجاج بحديثِه، فقال لي: عكرمةُ عندنا إمامُ الدُّنيا، وتعجَّبَ من سُؤالي إيّاه. قال: وأخبَرني غيرُ واحدٍ أنّهم شهِدوا يحيى بنَ معينٍ وسأله بعضُ الناسِ عن الاحتجاج بحديثِ عكرمةَ فأظهَر التَّعجُّبَ.
قال المروزيُّ: وعكرمةُ قد ثبتَتْ عدالتُه بصحبةِ ابن عباسٍ وملازمتِه إيّاه، وبأنّ غيرَ واحدٍ من أهلِ العلمِ روَوا عنه وعدَّلوه، وما زالَ أهلُ العلمِ بعدَهم يروُون عنه. قال: وممّن روَى عنه من جِلَّةِ التابعينَ: محمدُ بن سيرينَ، وجابرُ بن زيدٍ، وطاوسٌ، والزهريُّ، وعَمرُو بن دينارٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وغيرُهم.
_________________
(١) ذكر ذلك المزي عن أبي الزناد وأحمد بن حنبل (تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٩٠).
(٢) قوله: "عن ابن" سقط من م.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن أبي مريم عن عمه عن ابن لهيعة عن أبي الأسود، لكنه لم يذكر أنه مات بالمغرب ٥/ ١٩٠٦.
[ ٢ / ٣٧ ]
قال أبو عبد الله المَرْوزيُّ: وكلُّ رجلٍ ثبتَتْ عدالتُه بروايةِ أهلِ العلمِ عنه، وحملِهم حديثَه، فلن يُقبلَ فيه تجريحُ أحدٍ جرَّحَه حتى يثبُتَ ذلك عليه بأمرٍ لا يُجهلُ أنْ يكونَ جُرحةً، فأمّا قولُهم: فلانٌ كذَّاب فليسَ ممّا يثبُتُ به جرحٌ حتى يتبيَّنَ ما قاله.
حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ الرَّقِّيُّ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ عَمْرو البزَّارَ يقولُ: روَى عن عكرمةَ مئةٌ وثلاثونَ - أو قال: قريبٌ من مئةٍ وثلاثينَ - رجلًا، من وُجُوهِ البُلدان، بينَ مكِّيٍّ، ومدنيٍّ، وكوفيٍّ، وبَصْريٍّ، ومن سائرِ البُلدانِ، كلُّهم روَى عنه، ورضِيَ به (^١).
قال أبو عُمر: جماعةُ الفقهاءِ وأئمَّةُ الحديثِ الذين لهم بصرٌ بالفقهِ والنَّظرِ هذا قولهُم؛ أنّه لا يُقبلُ من ابن مَعِينٍ ولا من غيرِه فيمَن اشتُهِر بالعلمِ وعُرِفَ به، وصحَّتْ عدالتُه وفهمُه، إلّا أن يُتبيَّنَ الوجْهُ الذي يُجَرِّحُه به على حسَبِ ما يجوزُ من تجريح العدلِ المبرَّزِ العدالةِ في الشَّهاداتِ. وهذا الذي لا يَصحُّ أن يُعتقدَ غيرُه، ولا يَحِلُّ أن يُلتفَتَ إلى ما خالفَه. وقد ذكَرنا بيانَ ذلك في بابِ قولِ العلماءِ بعضِهم في بعضٍ من كتابِنا "كتابِ العلم" (^٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا، وبالله توفيقُنا.
وذكَر الزُّبيرُ، قال: حدَّثني عمِّي مُصعبٌ، قال: حدَّثني الواقديُّ، قال: حدَّثني خالدُ بن القاسم البَيَاضيُّ، قال: ماتَ عكرِمةُ مولَى ابن عباسٍ وكُثيِّرُ بن عبد الرحمن الخُزاعيُّ صاحبُ عَزَّةَ في يومٍ واحد، في سنة خمسٍ ومئة، فرأيتُهما
_________________
(١) في حاشية الأصل بلاغ بالمقابلة نصه: "بلغت المقابلة بحمد الله وحسن عونه".
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٠٨٧ - ١١١٩.
[ ٢ / ٣٨ ]
جميعًا صُلِّي عليهما بعدَ الظُّهرِ في مسجدِ الجنائز، فقال الناسُ: مات اليومَ أفقَهُ الناسِ وأشعرُ الناس (^١).
وقال المُفضَّلُ بن فَضَالةَ: ماتَ عكرمةُ وكُثَيِّرُ عَزَّةَ في يومٍ واحد، فأُخرِجَ جَنازتاهما، فما علِمتُه تخلَّفَ رجلٌ ولا امرأةٌ بالمدينةِ عن جَنازَتيهما. قال: وقيل: مات اليومَ أعلمُ الناس وأشعرُ الناس. قال: وغلَب النّساءُ على جَنازة كُثيِّرٍ يَبكِينَه ويَذْكُرْنَ عَزَّةَ في نُدبتهِنَّ إيَّاه.
وهذا الحديثُ صحيحٌ لعكرمةَ، عن ابن عباسٍ.
حدَّثنا أبو عبد الله محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (^٢): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ. (ح) وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو الأحوص، قال: حدَّثنا سِمَاكٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "لا تصوموا قبلَ رمضانَ، صوموا للرُّؤيةِ، وأفطِروا للرُّؤيةِ، فإنْ حالَتْ دُونَه غَيايةٌ (^٣) فأكمِلوا ثلاثين".
ورواه شعبةُ (^٤)، وأبو عَوَانة (^٥)، وحاتمُ بن أبي صَغيرةَ (^٦)، عن سمَاكٍ مثلَه.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٥/ ٢٩٢، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٢) في الكبرى (٢٤٥١)، وهو في المجتبى ٤/ ١٣٦.
(٣) غياية: سحابة أو قَتَرة (النهاية ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٤) أخرجه ابن خُزيمة (١٩١٢)، وابن حبان (٣٥٩٠)، والحاكم ١/ ٤٢٤.
(٥) أخرجه الطيالسي (٢٧٩٣)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٠٨.
(٦) أخرجه أحمد ٣/ ٤٤٥ (١٩٨٥)، والدارمي (١٦٨٣)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٠٧، وسيسوقه المؤلف من طريق النسائي.
[ ٢ / ٣٩ ]
أخبرنا عبدُ الله بن محمد بن عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ السَّهميُّ. (ح) وأخبرنا عبدُ الله بن محمد بن أَسَدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (^١): أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قالا جميعًا: حدَّثنا حاتمُ بن أبي صغيرةَ، عن سِمَاك، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: "صوموا لرؤيتِه، وأَفْطِروا لرؤيتِه، فإنْ حال بينَكم وبينَه سَحابةٌ أو غَيايةٌ فأكمِلوا العِدَّةَ، ولا تستقبِلوا الشَّهرَ استِقبالًا، لا تستقبِلوا رمضانَ بيومٍ من شعبان" (^٢). اللَّفظُ لحديثِ ابنِ عبدِ المؤمن.
وقرَأْتُ على أحمدَ بن قاسم التَّميميِّ، أنّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أُسامة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ، قال: حدَّثنا حاتمٌ، عن سِماكٍ، قال: دخَلتُ على عكرمةَ في يومٍ وقد أشْكَلَ عليَّ أمرُه، أمِن رمضانَ هو أم من شعبانَ، فأصبَحتُ صائمًا، وقلتُ: إن كان من رمضانَ لم يسبِقْني، وإن كان من شعبانَ كان تطوُّعًا. فدخَلتُ على عكرمةَ وهو يأكُلُ خُبزًا وبَقْلًا ولبَنًا، فقال: هَلُمَّ إلى الغداء. فقلتُ: إنِّي صائمٌ. فقال: أحلِفُ عليكَ لَتُفطِرَنَّه. فقلتُ: سبحانَ الله! فقال: أحلِفُ بالله لتفطِرَنَّه. قال: فلمّا رأيتُه لا يستثني أفطرْتُ، فعذَّرْتُ (^٣) لبعض الشيءِ وأنا شبعانُ، ثم قلتُ: هاتِ. فقال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ
_________________
(١) المجتبى ٤/ ١٣٦، والكبرى (٢٤٥٠).
(٢) حديث صحيح، وإن كانت رواية سماك بن حرب عن عكرمة مضطربة، لكنها جاءت في هذا الحديث على الوجه لموافقتها الروايات الأخرى، وقال الترمذي - بعد أن رواها من طريق أبي الأحوص عن سماك -: "حديث حسن صحيح".
(٣) أي: قصرت في الأكل.
[ ٢ / ٤٠ ]
يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: "صوموا لرؤيتِه، وأفطِروا لرؤيتِه، فإنْ حال بينَكم وبينَه سحابةٌ أو غَيايةٌ فكمِّلوا العِدَّةَ، ولا تستقبِلوا الشَّهرَ استقبالًا، لا تستقبِلوا رمضانَ بيومٍ من شعبانَ" (^١).
وروَى هذا الحديثَ حمَّادُ بن سَلَمةَ، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عباس. ولم يسمَعْه عَمْرٌو من ابن عباس، وإنّما يروِيه عَمْرُو بن دينار، عن محمدِ بن حُنَيْن، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﵇ مثلَه (^٢).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن دينار، أنّ محمدَ بنَ حُنَيْن (^٣) أخبرَه، أنّه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: إنِّي لأعجَبُ من هؤلاء الذين يصومون قبلَ رمضانَ، إنّما قال رسولُ الله - ﷺ -: "إذا رأيتُم الهلالَ فصوموا، وإذا رأيتُموه فأَفْطِروا، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين" (^٤).
_________________
(١) أخرجه من طريق عبد الله بن بكر السهمي: الطحاوي في مشكل الآثار (٣٧٦٧)، ومعاني الآثار ١/ ٤٦٣، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٠٨.
(٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ١٣٥، والكبرى (٢٤٤٥)، وإسناده غير متصل كما بيّنه الؤلف.
(٣) وقع في مسند أحمد ٥/ ٤٣١ (٣٤٧٤)، والدارمي (١٦٨٦)، والمطبوع من المجتبى والكبرى: "محمد بن حنين"، كما ترى، وغلَّطه المزي وذكر أن الصواب: "محمد بن جبير بن مطعم"، وذكر أن ابن حنين في بعض النسخ المتأخرة من السنن، ولكنه ﵀ لم يستقص الأمر، فقد ذكره "محمد بن حنين": عبد الرزاق (٧٣٠٢)، وأحمد في موضع آخر ٣/ ٤٠٥ (١٩٣١)، والدارقطني في المؤتلف ١/ ٣٧١، وابن ماكولا في الإكمال ٢/ ٢٧. وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ١٢٠، وتعليقنا عليه ثمة.
(٤) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٧٦٤)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٠٧، من طريق زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار، به. =
[ ٢ / ٤١ ]
أمّا قولُه - ﷺ - في هذا الحديث إذ ذكَر رمضانَ: "لا تصوموا حتى تروا الهلالَ"، فالصّيامُ لاسمِه معنيان: أحدُهما لُغويٌّ، والآخرُ شرعيٌّ تعبَّدَ الله به عبادَه. فأمَّا معنَى الصيامِ في اللُّغة، فمعناه الإمساكُ عمّا كان يصنعُه الإنسانُ من حركةٍ، أو كلام، أو أكل، أو شُرب، أو مشي، ونحو ذلك من سائر الحركات، فإذا أمسَكَ عمَّا كان يصنَعُه سُمِّي صائمًا في اللغة، وليس ذلك معنى الصِّيامِ المأمورِ به المسلمون في القرآنِ والسُّنَّة. والدَّليلُ على أنَّ الإمساكَ يُسمَّى صومًا قولُ الله ﷿ حاكيًا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، أي: إمساكًا عن الكلام. وقال المفسِّرونَ: أي: صمتًا. وتقولُ العربُ: خيلٌ صائمةٌ: إذا كانت واقفةً دونَ أكلٍ ولا رعي. قال النابغةُ (^١):
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحت العَجَاج وخيلٌ تعلُكُ اللَّجُما
يقولُ: خيلٌ مُمسكةٌ عن الأكل، وخيلٌ آكلةٌ. وقال امرُؤُ القيس (^٢):
فدعْها وسلِّ الهَمَّ عنك بجسرةٍ ذَمولٍ إذا صامَ النهارُ وهجَّرا (^٣)
ومعناه: إذا أمسكَتِ الشمسُ عن الجري، واستوَتْ في كبدِ السَّماءِ.
_________________
(١) = وأخرجه الشافعي في السنن المأثورة (٣٤١)، ومن طريقه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٧٦٤)، والحميدي (٥١٣)، والدارمي (١٦٨٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٣٥ وفي الكبرى (٢٤٤٦)، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، به. وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٠٢)، ومن طريقه أحمد ٥/ ٤٣١ (٣٤٧٤)، وابن الجارود (٣٧٥) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، به.
(٢) قوله: "قال النابغة" استدركها ناسخ الأصل في الحاشية، والبيت في الكامل للمبرد ٣/ ٦٧ وغيره.
(٣) ديوانه، ص ٦٣.
(٤) في م: "وسجرا" بالسين المهملة، ولا تبعد في المعنى والقصد، ولكن الأصوب ما أثبتناه من الأصل، وهو الذي في الديوان وكامل المبرد ٣/ ٦٧ وسواهما من كتب الأدب.
[ ٢ / ٤٢ ]
وقال بِشْرُ بن أبي خازم (^١):
نعامًا بوجرةَ (^٢) صُفْرَ الخُدو دِ ما تطعَمُ النومَ إلّا صياما
وأمّا الصِّيامُ في الشَّريعة، فالإمساكُ عن الأكلِ والشُّرب والجماع من اطِّلاع الفجرِ إلى غروبِ الشمس.
وفرائضُ الصَّوم خمسٌ، وهي: العلمُ بدخولِ الشهرِ، والنِّيّةُ، والإمساكُ عن الطَّعام والشَّرابِ والجماع، واستغراقُ طرفَي النَّهارِ المفترَضِ صيامُه.
وسننُ الصِّيام: ألّا يَرفُثَ الصائمُ، ولا يغتابَ أحدًا. وسنذكُرُ ذلك في موضعِه إن شاء الله.
وأمّا قولُه: "فإن غُمَّ عليكم". فذلك من الغيمِ والغمامِ، وهو السَّحابُ، يقالُ منه: يومٌ غَمٌ، وليلةٌ غَمَّةٌ. وذلك أن تكونَ السماءُ مُغيمةً. وفي الآثارِ المذكورةِ في هذا البابِ ما يُوضِّحُ لك ذلك، والحمدُ لله.
وروَى هذا الحديثَ عن النبيِّ - ﷺ - كما رواه ابنُ عباس: أبو هريرة؛ من حديث أبي سلمةَ عنه (^٣)، ومن حديث محمدِ بن زيادٍ عنه (^٤)، ومن حديثِ سعيد بن المسيِّب عنه (^٥)، ومن الأعرجِ عنه (^٦)، وحذيفةُ بن اليمان؛ من روايةِ جريرٍ، عن منصورٍ، عن رِبعيٍّ، عن حذيفة (^٧). ورواه ابنُ عمرَ، عن النبيِّ - ﷺ - مثلَه، إلّا أنّه
_________________
(١) ديوانه، ص ١٩١ باختلاف لفظي.
(٢) اسم موضع بين مكة والبصرة (معجم البلدان ٥/ ٣٦٢).
(٣) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) (٢١).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨٢) ١٨/ ١٩.
(٥) أخرجه مسلم (١٠٨١) (١٧).
(٦) أخرجه مسلم (١٠١٨) (٢٠).
(٧) أخرجه أبو داود (٢٣٢٨)، والنسائي ٤/ ١٣٥، وفي الكبرى (٢٤٤٧)، وابن خزيمة (١٩١١)، وابن حبان (٣٤٥٨)، والدارقطني (٢١٦٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٧٦٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٢٠٤) من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور، به.
[ ٢ / ٤٣ ]
قال: "فإن غُمَّ عليكم فاقْدُروا له" (^١). وحديثُ ابن عباسٍ يفسِّرُ حديثَ ابن عمرَ في قوله: "فاقْدُروا له". وكذلك جعَله مالكٌ في كتابِه بعدَه مفسِّرًا له.
وقد كان ابنُ عمرَ يذهَبُ في قولِه: "فاقْدُروا له" مذهبًا سنذكُرُه عنه في باب حديث نافع من كتابِنا هذا إن شاء الله، ونذكُرُ مَن تابعَه على تأويلِه ذلك ومَن خالفَه فيه، ونذكُرُ هنا كثيرًا من معاني هذا الباب إن شاء الله، ولا قوَّةَ إلّا بالله.
وفي حديثِ ابن عباسٍ هذا من الفقهِ أنّ الشهرَ قد يكونُ تسعًا وعشرينَ.
وفيه أنّ اللهَ تعبَّد عبادَه في الصَّومِ برؤيةِ الهلالِ لرمضانَ، أو باستكمالِ شعبانَ ثلاثينَ يومًا.
وفيه تأويلٌ لقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أنّ شهودَه: رؤيتُه أو العلمُ برؤيتِه.
وفيه أنّ اليقينَ لا يُزيلُه الشَّكُّ، ولا يُزيلُه إلّا يقينٌ مثلُه؛ لأنّه - ﷺ - أمَر الناسَ ألّا يَدَعُوا ما هم عليه من يقينِ شعبانَ إلّا بيقينِ رُؤيةٍ واستكمالِ العدَّةِ، وأنَّ الشكَّ لا يعمَلُ في ذلك شيئًا، ولهذا نهى عن صومِ يومِ الشكِّ اطِّراحًا لإعمالِ الشكِّ، وإعلامًا أنّ الأحكامَ لا تجبُ إلّا بيقينٍ لا شكَّ فيه. وهذا أصلٌ عظيمٌ من الفقْه؛ ألّا يدَعَ الإنسانُ ما هو عليه من الحالِ المتيقَّنةِ إلّا بيقينٍ من انتقالِها.
وقوله - ﷺ -: "فإن غُمَّ عليكم، فأكمِلوا العِدَّةَ (^٢) ثلاثينَ يومًا". يقتضي استكمالَ شعبانَ قبلَ الصِّيام، واستكمالَ رمضانَ أيضًا. وفيه دليلٌ على أنّه لا يجوزُ صيامُ يومِ الشكِّ خوفًا أن يكونَ من رمضانَ. وقد ذكَرنا في باب نافع، عن ابن عمرَ، من كتابِنا
_________________
(١) حديث ابن عمر أخرجه البخاري (١٩٠٠) و(١٩٠٦) و(١٩٠٧)، ومسلم (٢٥٥٤) و(٢٥٥٥) و(٢٥٥٦) و(٢٥٥٧)، وهو في الموطأ (٦٣٠) و(٦٣١).
(٢) في الأصل: "العدد"، وما هنا من ج.
[ ٢ / ٤٤ ]
هذا اختلافَ الفقهاءِ في صيامِ يومِ الشكِّ على أنّه من رمضانَ، بأتمَّ من ذِكْرِ ذلك هاهنا، لأنّ ذلك الموضعَ أولى به؛ لقول النبيِّ - ﷺ - في حديث ابن عمر: "فاقدُروا له".
واختلف العلماءُ في صومِ آخرِ يومٍ من شعبانَ تطوُّعًا؛ فأجازَه مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ وأصحابُه، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وأكثرُ الفقهاء، إذا كان تطوُّعًا ولم يكنْ خوفًا ولا احتياطًا أن يكونَ من رمضانَ، ولا يجوزُ عندَهم صومُه على الشَّكِّ.
قال مالكٌ: إن تُيقِّنَ أنّه من شعبانَ جاز صومُه تطوُّعًا. وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُصامُ يومُ الشكِّ إلّا تطوُّعًا.
وقال الثوريُّ: لا يُتلوَّمُ (^١) يومُ الشكِّ، ولا يصومُ أحدٌ يومَ الشَّكِّ. وسيأتي القولُ فيمن صامَه على الشَّكِّ؛ هل يُجزئُه من رمضانَ؟ عند قوله: "فاقْدُروا له" في باب نافعٍ، إن شاء الله.
وقال بعضُ أهل العلم من أهل الحديث: إنّه لا يجوزُ صيامُ يومين قبلَ رمضانَ من آخر شعبانَ، إلّا لمن كان له عادةُ صيام شعبانَ. واحتجُّوا بحديثِ النبيِّ - ﷺ -: "لا يَتَقَدَّم أحدُكم رمضانَ بيومٍ ولا يومين، إلّا أن يكونَ صومًا كان يصومُه أحدُكم، فليُتِمَّ صومَه". رواه يحيى بن أبي كثيرٍ (^٢) ومحمدُ بن عمرٍو (^٣)، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -. قالوا: وفي قوله: "ولا يومين" دليلٌ على أن ذلك تطوُّعٌ؛ لأنّه لا يجوزُ أن يكونَ الشكُّ في يومين.
_________________
(١) يتلوم: يُنتظر.
(٢) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) (٢١).
(٣) حديث صحيح، فهو من صحيح حديث محمد بن عمرو بن علقمة. أخرجه أحمد ١٦/ ٢٧٨ (١٠٤٥١)، والترمذي (٦٨٤)، والدارقطني (٢١٦٠) و(٢١٦١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٣٣٥).
[ ٢ / ٤٥ ]
قال أبو عُمر: زعم بعضُ أصحابِنا أنَّ - في صومِ رسولِ الله - ﷺ - شعبانَ تطوُّعًا - دليلًا على أنَّ نهيَه عن صومِ يومِ الشَّكِّ إنّما هو على الخوفِ أنْ يكونَ من رمضانَ، وأنّ هذا هو المكروهُ.
حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو (^١) صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بن صالح، أنّ عبدَ الله بنَ قيسٍ حدَّثَه، أنّه سمع عائشةَ تقولُ: كان رسولُ الله - ﷺ - يصومُ شعبانَ ويصِلُه برمضانَ (^٢).
وروَى سالمُ بن أبي الجعد، عن أبي سَلَمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ - ﷺ - أنّه كان يصومُ شعبانَ ويصِلُه برمضان (^٣). رواه عن سالمٍ جماعةٌ لم يختلفوا عليه.
وروَى يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، أنّ رسولَ الله - ﷺ - كان يصومُ شعبانَ كلَّه (^٤).
قال: وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنّ رسولَ الله - ﷺ - إنّما كان يصومُ يومَ الشَّكِّ تطوُّعًا، لا خوفًا أن يكونَ من رمضان.
_________________
(١) ويقال: ابن أبي قيس، وهو الأصح كما قرره المزي في تهذيب الكمال ١٥/ ٤٦٠.
(٢) حديث صحيح. أخرجه من طريق المصنف البغوي في شرح السنة (١٧٧٩). وأخرجه أحمد ٤٢/ ٣٥٤ (٢٥٥٤٨)، وأبو داود (٢٤٣٣)، والنسائي (٤/ ١٩٩)، وفي الكبرى (٢٦٧١) و(٢٩٢٢)، وابن خزيمة (٢٠٧٧)، والحاكم (١٥٨٥)، والبيهقي (٤/ ٢٩٢) من طريق معاوية بن صالح، به.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود الطيالسي (١٦٠٣)، وابن أبي شيبة (٩١٢٨)، وعبد بن حميد (١٥٣٨)، وأحمد ٤٤/ ١٣٥ (٢٦٥١٧)، والدارمي (١٧٣٩)، وابن ماجة (١٦٤٨)، والنسائي (٤/ ٢٠٠) وفي الكبرى (٢٦٦١)، والطبراني في الكبير (٢٣) (حديث ٥٢٧ و٥٣٠)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢١٠ وغيرهم.
(٤) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١٠٨٢) (٢١).
[ ٢ / ٤٦ ]
قال أبو عُمر: ليس في صيامِه لشعبان تطوُّعًا دفعٌ لما تأوَّلَه أولئكَ في النَّهي عن صوم يوم الشَّكِّ تطوُّعًا؛ لأنّ في الحديث: "إلّا أن يكونَ في صومٍ يصومُه". وفي ذلك دلالةٌ على أنّ النَّهيَ عن تقدُّمِ رمضانَ بيومٍ أو يومين إنّما هو على ذلك الوجه، والله أعلمُ.
وأمّا قولُه - ﷺ -: "صوموا لرؤيته" فمعناه: صوموا اليومَ الذي يَلِي ليلةَ رُؤيتِه مِن أوّلِه، ولم يُردْ: صُوموا من وقتِ رُؤيتِه؛ لأنّ الليلَ ليس بموضع صيام، وإذا رُئيَ الهلالُ نهارًا فإنّما هو للَّيلة التي تأتي، هذا هو الصحيحُ إن شاء الله.
وقد اختلفَتِ الروايةُ في هذه المسألة عن عمرَ ﵁؛ ذكَر عبدُ الرزاق (^١)، عن معمرٍ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: كتَب إلينا عمرُ ونحن بخانِقين (^٢): إذا رأيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى يشهَدَ رجلان أنّهما رأياه بالأمس. ففي هذا الخبر عن عمرَ اعتبارُ شهادةِ رجلين على رُؤية الهلال، ولم يخُصَّ عشيًّا من غير عشّى. وقد ذكَرنا مسألةَ الشَّهادة على الهلال في باب نافع.
حدَّثنا أحمدُ بن قاسمٍ المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْد، قال (^٣): حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاوية، عن الأعمش، عن شَقِيق بن سَلَمة، قال: كتَب إلينا عمرُ بن الخطاب ونحن بخانِقينَ: إنّ الأهِلَّة بعضُها أكبرُ من بعض، فإذا رأيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى يشهَدَ عَدْلانِ أنّهما رَأَياه بالأمس (^٤).
_________________
(١) المصنف (٧٣٣١) و(٩٤٣١).
(٢) خانقين: اسم مدينة قائمة إلى يوم الناس قريبة من الحدود الإيرانية، تابعة لمحافظة ديالى في العراق.
(٣) الجعديات (٢٦٩٤).
(٤) إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة (٩٥٥٣) و(٩٥٦٦)، وسعيد بن منصور (٢٥٩٩)، والدارقطني (٢١٩٦) و(٢٢٠٠)، والبيهقي ٤/ ٢١٢، وغيرهم.
[ ٢ / ٤٧ ]
ورُوِيَ عن علي بن أبي طالبٍ مثلُ ذلك؛ ذكَره عبدُ الرَّزَّاق (^١)، عن الحسن بن عُمارةَ، عن الحكم، عن يحيى بن الجَزّار، عن عليٍّ.
وقد رُويَ من حديثِ أبي إسحاق، عن الحارثِ (^٢)، أنّ هلالَ الفِطرِ رُئيَ نهارًا، فلم يأمُرْ عليُّ بن أبي طالب الناسَ أن يُفطِروا من يومِهم ذلك.
وروَى الزهريُّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، قال: لا تُفطِروا حتى يُرَى من موضعِه (^٣).
وعن ابن مسعودٍ وأنسِ بن مالكٍ مثلُ ذلك (^٤). وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةِ، ومحمدِ بن الحسن، واللَّيث بن سعدٍ، والأوزاعيِّ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ. كلُّ هؤلاء يقولُ: إذا رُئيَ الهلالُ نهارًا قبلَ الزوالِ، أو بعدَ الزوالِ، فهو للَّيلةِ المستقبَلةِ.
وقال سفيانُ الثوريُّ وأبو يوسُفَ: إن رُئيَ بعدَ الزوال فهو للَّيلةِ التي تأتي، وإن رُئيَ قبلَ الزوالِ فهو للَّيلةِ الماضية.
ورُوِي مثلُ ذلك عن عمرَ (^٥)؛ ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (^٦) وغيرُه، عن الثوريِّ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ (^٧)، عن إبراهيمَ، قال: كتَبَ عمرُ إلى عُتبةَ بن فَرقَدٍ:
_________________
(١) عبد الرزاق (٧٣٣٣).
(٢) الحارث هو الأعور كذّبه غير واحد.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٥٤٣)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢١٣.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٩٥٤٢) و(٩٥٤٦)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٢١٣)، وكذلك ورد ذلك عن عثمان ﵁ كما في مصنف ابن أبي شيبة (٩٥٤٥).
(٥) أثر عمر ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة (٩٥٥٠)، وكذلك ورد عن علي ﵁ كما في المصنف (٩٥٤٧).
(٦) المصنف (٧٣٣٢)، وأشار إليه البيهقي في الكبرى ٤/ ٢١٢.
(٧) شِبَاك: بكسر أوله ثم موحدة خفيفة ثم كاف، وهو الضبي الكوفي الأعمى ثقة (تهذيب الكمال ١٢/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٤٨ ]
إذا رأيتُم الهلالَ نهارًا قبلَ أنْ تزولَ الشمسُ لتمامِ ثلاثين فأفْطِروا، وإذا رأيتُموه بعدَما تزولُ الشمسُ فلا تُفطِروا حتى تُمْسوا.
وذكَر أبو بكر بن أبي شيبة (^١)، عن أسباطِ بن محمدٍ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ مثلَ ذلك.
ولا يصحُّ في هذه المسألة من جهةِ الإسنادِ شيءٌ عن عليٍّ ﵀.
ورُوِيَ عن سلمانَ بن ربيعة (^٢) مثلُ قولِ الثوريِّ. وإليه ذهَب عبدُ الملك بن حَبِيبٍ.
واختُلف عن عمرَ بن عبد العزيز في هذه المسألة؛ فرُوِي عنه ما يدُلُّ على الوجهينِ جميعًا.
والحديثُ عن عمرَ - بمعنَى ما ذهَب إليه مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ ومَن تابعَهم - متَّصلٌ، والحديثُ الذي رُوي عنه بمذهبِ الثوريِّ وأبي يوسُفَ منقطعٌ، والمصيرُ إلى المتَّصل أولَى، وعليه أكثرُ العلماء.
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا هشامُ بن خالد، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مسلم، قال: سألتُ مالكًا والليثَ والأوزاعيَّ عن الهلالِ يُرَى من أوَّلِ النهارِ، فقالوا: هو للَّيلةِ التي تجيءُ. قال الأوزاعيُّ: وكتَب بذلك عمرُ بن الخطاب.
وأمّا قولُه - ﷺ -: "ولا تُفطِروا حتى تروُا الهلالَ" ففيه ردٌّ لتأويلِ مَن تأوَّل قولَه - ﷺ -: "شَهْرا عيدٍ لا يَنقُصان؛ رمضانُ وذُو الحِجّة" أنّهما لا يَنقُصان من ثلاثينَ
_________________
(١) المصنف (٩٥٤٧)، والحارث كذاب.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٣٣٤)، وابن أبي شيبة (٩٥٤٨).
[ ٢ / ٤٩ ]
ثلاثينَ يومًا؛ لأنّ قولَه: "ولا تُفطِروا حتى تَروْه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدَّة ثلاثينَ"، دليلٌ على جوازِ كونِ رمضانَ من تسعٍ وعشرينَ، ومع هذا الدَّليل فإنَّ المشاهدةَ تُثْبِت ما قلنا، وكفَى بها حُجَّةً لِما ذكَرنا.
وأمّا الحديثُ، فحدَّثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، أنّ يزيدَ بنَ زُرَيْع حدَّثهم، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: "شَهْرا عِيدٍ لا يَنقُصانِ؛ رمضانُ وذُو الحِجّةِ" (^٢).
ورواه حمادُ بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن عبد الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، عن النبيِّ - ﷺ - مثلَه (^٣).
ورواه سالمٌ أبو عُبيدِ الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرةَ، [عن أبيه] (^٤)، عن النبيِّ ﵇ مثلَه سواءً (^٥).
وهذا معناه عندَنا، والله أعلمُ، أنّهما لا يَنقُصانِ في الأجرِ وتكفيرِ الخطايا، سواءٌ كانا من تسع وعشرين أو من ثلاثين، وأنّ ما وعَدَ الله صائمَ رمضانَ على لسانِ نبيِّه ﵇ من الأجرِ، فهو مُنجِزُه له، سواءٌ كان شهرُه ثلاثين أو تسعًا وعشرينَ.
_________________
(١) السنن (٢٣٢٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٩١٢) من طريق مسدد، ومسلم (١٠٨٩) (٣٢) من طريق ابن أبي شيبة، كلاهما عن معتمر بن سليمان، عن إسحاق بن سويد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، به. وأخرجه مسلم (١٠٨٩) (٣١) من طريق يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، به.
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٥١١) من طريق هوذة بن خليفة، عن حماد بن سلمة، به.
(٤) زيادة متعينة من مسند أحمد أخلت بها النسخ.
(٥) أخرجه أحمد ٣٤/ ١٢٢ (٢٠٤٧٩).
[ ٢ / ٥٠ ]
وأمّا حديثُ أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، أنّه قال: "كلُّ شهرٍ حرامٍ ثلاثونَ يومًا وثلاثونَ ليلةً" (^١). فإنّه حديثٌ لا يُحتجُّ بمثلِه، لأنّه يدورُ على عبد الرحمنِ بن إسحاقَ، وهو ضعيفٌ (^٢).
حدَّثناه خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن أحمدَ البغداديُّ المعروفُ بابن الحدَّادِ بمصرَ، قال: حدَّثنا زكريا بن يحيى السِّجْزيُّ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن سَلْمانَ، قال: حدَّثنا مروانُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بن إسحاقَ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "كلُّ شهرٍ حرامٍ ثلاثونَ يومًا وثلاثون ليلةً" (^٣).
قال أبو عُمر: الأشهرُ الحُرُمُ أربعةٌ: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّة، والمُحَرَّمُ، ورجبٌ.
وقد حدَّثنا عبد الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا أحمدُ بن مَنيع، عن ابن أبي زائدةَ، عن عيسى بن دينارٍ، عن أبيه، عن عَمْرو بن الحارثِ بن أبي ضِرارٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: لَمَا صُمْنا معَ رسولِ الله - ﷺ - تسعًا وعشرينَ أكثرُ ممّا صُمْنا معَه ثلاثينَ (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٠٢) وقال: فكان هذا عندنا ليس بشيء إذ كان عبد الرحمن ابن إسحاق لا يُقاوم خالدًا الحذاء في إمامته في الرواية ولا في ضبطه فيها ولا في إتقانه لها.
(٢) تهذيب الكمال ١٦/ ٥١٥.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٣٠٥)، والذهبي في الميزان ٢/ ٥٤٨ من طريق مروان بن معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق، به.
(٤) السنن (٢٣٢٢).
(٥) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ الترجمة ٣١٦)، وأحمد (٣٧٧٦) و(٣٨٤٠) و(٣٨٧١) و(٤٢٠٩) و(٤٣٠٠)، وأبو داود (٢٣٢٢)، والترمذي (٦٨٩)، وابن خزيمة (١٩٢٢)، =
[ ٢ / ٥١ ]
وهذا أيضًا يَدفعُ التأويلَ المذكورَ في قوله: "شَهْرا عيدٍ لا يَنقُصانِ". ويوضِّحُ لك أنَّ رمضانَ قد يكونُ تسعًا وعشرينَ، وفيما يُدرَكُ من ذلك مُعايَنةً ومشاهدةً كفايةٌ، وبالله التوفيقُ.
وسيأتي ذكرُ الاختلافِ في الشهادة على رُؤيةِ هلالِ رمضانَ، وذكرُ رُؤية هلالِ رمضانَ وهلالِ الفِطْرِ في بلدٍ دونَ بَلد، في بابِ نافع إن شاء الله.
_________________
(١) = والطبراني في الكبير (١٠٥٣٦)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٥٠، كلهم من طريق: عيسى بن دينار عن أبيه، عن عمرو بن الحارث، عن ابن مسعود. وفي إسناده دينار الكوفي والد عيسى لم يرو عنه غير ابنه عيسى، وذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ٢١٨، فهو مجهول، كما قال الذهبي في الميزان ٢/ ٣١. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٠٢١)، وفي الصغير (٢٢٨)، والدارقطني في سننه ٢/ ١٩٨، من طريق: علقمة عن ابن مسعود. وأخرجه ابن ماجة (١٦٥٨) من حديث: القاسم بن مالك المزني، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، قال البوصيري: "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن الجريري اسمه سعيد بن إياس اختلط بأخرة، ولم يعرف حال القاسم بن مالك: هل روى عنه قبل الاختلاط أو بعده؟ "، وينظر تعليقنا على "ابن ماجة".
[ ٢ / ٥٢ ]