حديثٌ ثالثٌ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مُرسَلٌ
مالكٌ (^١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، عن (^٢) عطاءَ بنَ يسارٍ أنّه أخبَره، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- كبَّر في صلاةٍ من الصَّلواتِ، ثم أشارَ إليهم أنِ امكُثُوا، فذهَب ثمَّ رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الماء.
عطاءُ بنُ يسارٍ هو أخُو سليمانَ بنِ يسارٍ، قال مُصعبٌ الزُّبيريُّ (^٣): كانوا أربعةَ إخوةٍ: عطاءٌ، وسليمانُ، وعبدُ اللَّه، وعبدُ الملكِ، وهم موالي ميمونةَ زوج النبِيِّ -ﷺ-، كاتَبَتْهُم، وكلُّهم أُخِذَ عنه (^٤) العِلْم.
قال أبو عُمر: سليمانُ أفقهُهم، وعطاءٌ أكثرُهم حديثًا، وعبدُ اللَّه وعبدُ الملكِ قليلا الحديثِ، وكلّهم ثِقَةٌ رضًا، وكان عطاءُ بنُ يسارٍ من الفضلاءِ العبَّادِ العلماءِ، وكان صاحبَ قَصصٍ.
ذكَر عليُّ بنُ المدينيِّ، عن يحيَى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، عن هشام بنِ عُروةَ، قال: ما رأيْتُ قاصًّا أفضلَ من عطاءِ بنِ يسارٍ (^٥).
سمِع عطاءُ بنُ يسارٍ مِن أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ، وابنِ عمرَ، وقيلَ: سمِع ابنَ مسعودٍ. وفي ذلك عندِي نظرٌ (^٦).
_________________
(١) الموطّأ ١/ ٩٣ (١٢١).
(٢) في الموطأ: "أن".
(٣) رواه عنه ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير، السِّفر الثالث ٢/ ١٤٨ (٢١٤٥) و٢/ ٣٢٨ و(٣١٧٧) و٢/ ٩٩٦ (٤٣٠٠).
(٤) في م: "أخذ عنها"، وهو تحريف غيّر المعنى.
(٥) أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير، السِّفر الثالث ٢/ ١٥١ (٢١٦٢)، قال: "ورأيت في كتاب عليِّ بن المديني"؛ فذكره. وينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٦/ ٤٦١ (٢٩٩٢) وعنده "قاضيًا" بدل "قاصًّا"، وهو تصحيف.
(٦) وكذا نقل ابن أبي حاتم عن أبيه في المراسيل ص ١٥٦ (٥٧٢)، قال: "وكذا هو عندي، لم يسمع من ابن مسعود". وينظر: الجرح والتعديل له ٦/ ٣٣٨ (١٨٦٧). ولكن وقع عند ابن سعد =
[ ١ / ٣٦٨ ]
وتُوفِّي عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ سبع وتسعينَ فيما ذكَر الهيثمُ بنُ عديٍّ (^١)، وأمَّا الواقدي فقال: تُوفِّيَ عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ، وهو ابنُ أربع وثمانينَ سنةً (^٢). وهذا عندَنا أصحُّ من قول الهيثم.
وكان يُكنى أبا يسارٍ، وقيل: أبو عبدِ اللَّه. وقيلَ: أبو محمدٍ، فاللَّهُ أعلمُ.
وهذا حديثٌ مُنقطعٌ، وقد رُوِيَ مُتَّصِلًا مُسندًا من حديثِ أبي هريرةَ وحديثِ أبي بَكْرَةَ (^٣).
أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمَّدٍ (^٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ -يعني الأثرمَ- قال: سألْتُ أبا عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀- عن حديثِ أبي بَكْرَةَ، أنَّ النبيَّ -ﷺ- أشارَ أن امكثُوا، فذهَب ثم رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الغُسْلِ فصلَّى بهم، ما وَجْهُه؟ قال: وجْهُه أنَّه ذهَب فاغتسَلَ. قيل له: كان جُنبًا؟ قال: نعم، ثم قال: يرويه بعضُ الناسِ أنَّه كبَّر، وبعضُهم يقول: لم يُكبِّرْ، قيلَ له: فلو فعَل هذا إنسانٌ اليومَ هكذا، أكنْتَ تذهبُ إليه؟ قال: نعم.
_________________
(١) = في الطبقات الكبرى ٥/ ١٧٣ أنه سمع من ابن مسعود. وقال البخاريُّ في تاريخه الكبير ٦/ ٤٦١ (٢٩٩٢): "سمع أبا سعيد -يعني الخدريَّ- وأبا هريرة ﵄، ويقال: ابنَ مسعود وابنَ عمر ﵃".
(٢) نقله ابن سعد في الطبقات الصغير ١/ ١٨٦.
(٣) وهذا إنما يرويه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٥/ ١٧٤ عن شيخه محمد بن عمر الواقديّ عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: "توفّي عطاءٌ سنة ثلاثٍ ومئة، وهو ابن أربع وثمانين سنة. قال غيرُ محمد بن عمر: توفّي عطاءٌ سنة أربع وتسعين، وهو أشبه بالأمر". وينظر: تهذيب الكمال ٢٠/ ١٢٧.
(٤) في ف ١: "أبي بكر"، وهو تحريف، وسيأتي بعد قليل حديث أبي بكرة هذا.
(٥) هو ابن يحيى التُّجِيبيّ، وشيخه عبد الحميد بن أحمد: هو ابن عيسى الورّاق.
[ ١ / ٣٦٩ ]
قال أبو عُمر: من طُرُقِ حديثِ أبي هريرةَ في هذا الحديثِ ما ذكَره الشافعيُّ (^١)، قال: أخبرنا الثقةُ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ -يعني اللَّيثيَّ- عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ مولَى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوبان، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ -ﷺ- مثلَ معنَاه. يعني مثلَ معنَى حديثِ مالكٍ هذا عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم.
قال الشافعيُّ (^٢): وأخبَرنا الثقةُ، عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ، عن النبيِّ -ﷺ- مثلَه.
قال (^٣): وأخبَرنا الثقةُ، عن ابنِ عونٍ (^٤)، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عنِ النبيِّ -ﷺ-، مثلَه.
قال أبو عُمر: ذكَر وكيعٌ في "مُصنَّفِه" حديثَ أسامةَ بنِ زيدٍ هذا بإسنادهِ، مثلَه (^٥).
_________________
(١) في الأمّ ١/ ٢٠٣. وقوله: "أخبرنا الثقة" هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، فيما ذكر الربيع بن سليمان كما في تعجيل المنفعة ٢/ ٦٢٦. وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى متروك عند عامّة أهل العلم إلا الشافعيّ فإنه يوثّقه. ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ١/ ٢١٧ - ٢٢٤، وتهذيب الكمال والتعليق عليه ٢/ ١٨٥ - ١٨٨.
(٢) في الأمّ ١/ ١٩٤. وسيأتي الكلام عليه عند تخريج رواية وكيع بن الجراح الآتية قريبًا.
(٣) في الأمّ ١/ ١٩٤.
(٤) ابن عون: هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ١٥/ ٤٨٧ (٩٧٨٦) عن وكيع بن الجرّاح المذكور إلى أبي هريرة ﵁ بلفظ: أنّ النبيَّ -ﷺ- خرج إلى الصَّلاة، فلما كبَّر انصَرفَ، وأوْمأَ إليهم: أي: كما أنتم، ثم خرج فاغتَسَل، ثم جاء ورأسُه يقطُر، فصلّى بهم، قال: "إنّي كنت جُنُبًا فنَسِيتُ أن أغتَسلَ". وهو حديث صحيح، دون قوله: "فلمّا كبَّر انصَرَف" فهي من أوهام أسامة بن زيد: وهو الليثي، وهو حسنُ الحديث إلّا عند المخالفة، وقد خالف غيره من الثقات الذين رووه عن محمد بن شهاب الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة في الحديث الآتي تخريجه قريبًا، فلم يذكروا هذا الحرف، والمحفوظ في هذا هو المرسل كما في التعليق الآتي بعده.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وروَاه أيوبُ وهشامٌ وابنُ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، مثلَه (^١).
وهذا الحديثُ محفوظٌ مِن حديثِ الزُّهريِّ مُسندًا، من روايةِ الثقاتِ عنه.
حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ معاويةَ (^٢)، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ أبي حسَّان الأنماطِيُّ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الحميد بنُ حبيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ أخبَره، قال: أُقيمَتِ الصلاةُ، فصفَّ الناسُ صُفوفَهم، ثم خرَج علينا رسولُ اللَّه -ﷺ-، فأقبَل يَمشِي، حتى إذا قامَ في مُصلَّاه ذكَر أنَّهُ لم يَغتسِل، فقال للناسِ: "مكانَكم". ثم رجَع إلى بيته فاغتسلَ، ثم خرَج حتى قام في مُصلَّاه، فكبَّر ورأسُه يَنْطِفُ (^٣).
وذكَره أبو داودَ (^٤) من روايةِ معمرٍ، ويونسَ بنِ يزيد، والزُّبيديِّ، والأوزاعيِّ، كلُّهم عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ مثلَه سواءً بمعنَاه.
وذكَره البخاريُّ (^٥)، مِن روايةِ يونسَ، عن الزُّهريُّ، مثلَه، ولم يَذكُرْ في
_________________
(١) ذكر روايتي أيوب السَّختياني وهشام بن حسان القردوسي البيهقيُّ في الكبرى ٢/ ٣٩٨، وكذلك رواه عن عبد اللَّه بن عون، عن محمد بن سيرين إسماعيل ابن عُليّة فيما ذكر، وقال: "مرسلًا، وهو المحفوظ".
(٢) هو ابن عبد الرحمن بن معاوية الأموي، المعروف بابن الأحمر.
(٣) انفرد المصنِّف بإخراجه من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات غير هشام بن عمار: وهو الدمشقيّ، فهو صدوق حسن الحديث. عبد الحميد بن حبيب: هو ابن أبي العشرين الدِّمشقيّ كاتب الأوزاعيّ، وهو ثقة، وثّقه أحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيّان وغيرهم، وتكلَّم في حفظه بعضهم بما لا يُعدُّ جرحًا معتَبرًا كما هو موضَّح في تحرير التقريب (٣٧٥٧)، وليس في حديثه ما يخالف رواية الثقات الآتية تخريج رواياتهم قريبًا.
(٤) في سننه (٢٣٥)، وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات. معمر: هو ابن راشد، ويونس بن يزيد: هو الأيليّ، والزُّبيديّ: هو محمد بن الوليد، وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزُّهريّ.
(٥) في صحيحه (٢٧٥)، وهو عند مسلم (٦٠٥) (١٥٧).
[ ١ / ٣٧١ ]
هذا الحديثِ أنَّه كبَّر قبلَ أنْ يَذْكُرَ، وإنما فيه أنَّه لمّا قامَ في مُصلَّاه ذكَر أنَّه لم يَغتسِلْ (^١). فاحتمَل أنْ يكونَ ذَكَرَ ذلك قبلَ أنْ يُكبِّرَ، فأمَرهم أنْ يَنتظِرُوه. فلو صحَّ هذا لم يكنْ في هذا الحديثِ معنى يُشكِلُ حينئذٍ؛ لأنَّ انتظارَهم لو كان وَهُمْ في غيرِ صلاةٍ لم يكنْ في ذلك شيءٌ يُحتاجُ إليه في هذا البابِ. واحتمَل أنْ يكونَ قولُه: "فلمَّا قام في مُصلَّاه". أيْ: قام في صلاتِه. فلمَّا احتمَل الوجهينِ كانتْ روايةُ مَن روَى أنَّه كان كبَّر، يُفسِّرُ ما أبْهَمَ مَن لم يَذكُرْ ذلك؛ لأنَّ الثِّقاتِ من رُواةِ مالكٍ والشافعيِّ قالوا فيه: إنَّه كبَّر ثم أشار إليهم أن امكُثُوا (^٢). وقد ظنَّ بعضُ شُيوخِنا أنَّ في إشارتِه إليهم أنِ امكُثُوا، دليلًا على أنَّه بنَى بهم، إذِ انصرَف إليهم؛ لأنَّه لم يتكلَّمْ. وهذا جهلٌ وغلطٌ فاحشٌ، ولا يَجوزُ عندَ أحدٍ من العلماءِ أنْ يبنيَ على ما صنَع وهو غيرُ طاهرٍ. وسنُبَيِّنُ هذا المعنَى بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللَّهُ.
وقد جاء في روايةِ الزُّهريِّ: "فقال لهم"، وجاء في حديث أبي بَكْرَةَ: "فأومَأَ إليهم". وكلامُه وإشارتُه في ذلك سواءٌ؛ لأنَّه كان في غيرِ صلاةٍ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ (^٣)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) يريد: رواية كلِّ مَن رواه عن الزُّهري، وليس في رواية يونس بن يزيد الأيلي، عنه، كما يُوهم ظاهر كلام المصنِّف ﵀.
(٢) وقد حاول بعض العلماء التوفيق بين الروايات بإمكان الجمع بينهما، وفي هذا قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢/ ١٢٢: "ويمكن الجمع بينهما بحَمْل قوله: كبَّر على أراد أن يُكبِّر، أو بأنّهما واقعتان، أبداهُ عياضٌ والقرطبيُّ احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبّان كعادته، وإلّا فما في الصحيح أصحُّ، ودعوى ابن بطّال أنَّ الشافعيَّ احتجَّ بحديث عطاء (يعني حديث هذا الباب المرسل) على جواز تكبير المأموم قبل الإمام، فناقَضَ أصله، فاحتجَّ بالمرسل، مُتَعَقَّبُهُ: بأنّ الشافعيَّ لا يَرُدُّ المرسَل مطلقًا، بل يحتجُّ بما يعتضد، والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة". قلنا: وهذا توجيهٌ مُعتَبرٌ منه ﵀، وحديث أبي بكرة ﵁ الذي أشار إليه، هو الآتي تخريجه مباشرة.
(٣) هو ابن جبرون القرطبي، وشيخه قاسم بن أصبغ: هو البيانيّ.
[ ١ / ٣٧٢ ]
جعفرُ بن محمدِ بنِ شاكرٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا زيادٌ الأعلمُ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- يُصلِّي بأصحابِه، فأومَأ إليهم أن مكانَكم، ثم دخَل، ثم خرَج ورأسُه يَنطِفُ فصلَّى (^١).
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (^٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (^٣)، قال: حدَّثنا مُوسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن أبي بكرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- دخَل في صلاةِ الفجرِ، فأومَأ بيدِه أنْ مكانَكم، ثم جاء ورأسُه يَقطُرُ فصلَّى بهم.
قال (^٤): وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا حمَّادُ بنُ سلمةَ بإسنادِه ومعنَاه، قال: فكبَّر. وقال في آخرِه: فلمَّا قضَى الصلاةَ قال: "إنَّما انا بشرٌ، وإنِّي كُنْتُ جُنبًا".
ففي هذا الحديثِ وحديثِ مالكٍ أنَّه ذكَر بعدَ دُخولِه في الصلاة، وفي حديثِ ابنِ شهابٍ أنَّه ذكَر قبلَ أنْ يَدخُلَ في الصلاةِ.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢٤/ ١١٠ (٢٠٤٥٩) عن عفّان بن مسلم الصفّار، به. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٦٢ (١٦٢٩) عن الحسن بن محمد الزعفرانيّ، عن عفّان بن مسلم الصفّار، به. وهذا إسناد فيه مقال فإنَّ الحسن: وهو البصري مدلِّس وقد عنعنه. وقد سلف معناه من وجوه صحيحة قريبًا. زياد الأعلم: هو ابن حسّان بن قرّة الباهليّ.
(٢) هو ابن عبد المؤمن بن يحيى التُّجيبيّ، وشيخه محمد بن بكر: هو أبو بكر ابن داسة التمّار، راوي سنن أبي داود، ومن طريقه أخرجه البيهقيُّ في الكبرى ٢/ ٥٧ (٤٢٣٤).
(٣) في سننه (٢٣٣). وإسناده كسابقه، وينظر ما بعده.
(٤) يعني أبا داود في سننه (٢٣٤). وأخرجه أحمد في المسند ٣٤/ ٦٣ (٢٠٤٢٠)، وابن أبي خزيمة في صحيحه ٣/ ٦٢ (١٦٢٩) من طريق يزيد بن هارون، به. وهو عند الشافعي في الأمّ ١/ ١٩٤، وابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٤١ (٢٠٥٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢/ ٨٧ (٦٢٣) من طرق عن حمّاد بن سلمة، به. وهذا إسناد فيه عنعنة الحسن البصري، وهو مدلّس، وسماعُه عن أبي بكرة في حديث العقيقة ثابتٌ، وأمّا في غيره فقد سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا آخر.
[ ١ / ٣٧٣ ]
قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديثِ: "يُصلِّي بأصحابِه" يُصحِّحُ روايةَ من روَى أنَّه كان كبَّر ثم أشار إليهم أنِ امكُثُوا. وفي روايةِ الزُّهريِّ في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- كبَّر حينَ انصرَف بعدَ غُسلِه. فواجبٌ أنْ تُقبَلَ هذه الزِّيادةُ أيضًا؛ لأنَّها شهادةٌ مُنفرِدَةٌ أدَّاها ثقةٌ، فوجَب العملُ بها، هذا ما يُوجِبُه الحكمُ في ترتيبِ الآثارِ وتهذيبِها. إلَّا أنَّ هاهُنا اعتراضاتٍ تُعترضُ على مذهبِنا في هذا البابِ، قد نزَع غيرُنا بها، ونحنُ ذاكرُوا ما يَجبُ به العملُ في هذا الحديثِ على مذهبِ مالكٍ وغيرِه من العلماءِ بعونِ اللَّه إن شاء اللَّه.
أمَّا مالكٌ ﵀ فإنَّه أدخَل هذا الحديثَ في "مُوطَّئِه" في بابِ إعادةِ الجُنُبِ، وغُسلِه إذا صلَّى ولم يَذْكُرْ -يعني حالَه- أنَّه كان جُنبًا حينَ صلَّى. والذي يَجيءُ عندِي على مذهبِ مالكٍ من القولِ في هذا الحديثِ أنَّه لم يُرِدْ به ﵀ إلَّا الإعلامَ أنَّ الجُنُبَ إذا صلَّى ناسيًا قبلَ أنْ يَغتسِلَ ثم ذكَر، كان عليه أنْ يَغتسلَ ويُعيدَ ما صلَّى وهو جُنبٌ، وأنَّ نسيانَه لجنابتِه لا يُسقِطُ عنه الإعادةَ وإنْ خرَج الوقْتُ؛ لأنَّه غيرُ مُتطهِّرٍ، واللَّهُ لا يَقبلُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ، لا مِن ناسٍ ولا مِن مُتعمِّدٍ. وهذا أصلٌ مُجتمع عليه في الصلاةِ أنَّ النِّسيانَ لا يُسقِطُ فرضَها الواجبَ فيها. ثم أردَف مالكٌ حديثَه المذكورَ في هذا البابِ، بفعلِ عمرَ بنِ الخطّابِ أنَّه صلَّى بالناسِ وهو جُنبٌ ناسيًا، ثم ذكَر بعدَ أنْ صلَّى، فاغتسلَ وأعادَ صلاتَه، ولم يُعِدْ أحدٌ ممَّن خلفَه (^١). فمِنْ فعلِ عمرَ ﵁ أخَذ مالكٌ
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطّأ ١/ ٩٤ (١٢٤) عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سليمان بن يسار، عن عمر بن الخطاب، به. وهو منقطع، سليمان بن يسار لم يسمع من عمر بن الخطاب فيما ذكر أبو زرعة الرازي كما في المراسيل لابن أبي حاتم، ص ٨٢ (٢٩٥)، وسيأتي المصنِّف على ذكره مرةً أخرى في أثناء هذا الشرح. ويروى عن عمر ﵁ من وجوه أخرى، ينظر: المصنف لعبد الرزاق ٢/ ٣٤٩ (٣٦٥٦)، ولابن أبي شيبة (٤٦٠٣) و(٤٦٠٤)، وسنن الدارقطني ٢/ ١٨٧ (١٣٧١).
[ ١ / ٣٧٤ ]
مذهبَه في القوم يُصلُّونَ خلفَ الإمام الجُنُبِ، لا منَ الحديثِ المذكورِ، واللَّهُ أعلمُ. وسنَذكُرُ وجْهَ ذلك فيما بعدُ من هذا البابِ إن شاء اللَّه.
وأمَّا الشافعيُّ (^١) فإنَّه احتجَّ بهذا الحديثِ في جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ، وجعَله دليلًا على صحَّةِ ذلك، وأردفَه بفعلِ عمرَ في جماعةِ الصحابةِ مِن غيرِ نكيرٍ، وبما جاءَ عن عليٍّ ﵁ في الإمام يُصلِّي بالقوم وهو على غيرِ وُضوءٍ، أنَّه يُعيدُ ولا يُعيدونَ (^٢).
ثم قال الشافعيُّ (^٣): وهذا هو المفهومُ مِن مذاهبِ الإسلام والسُّننِ؛ لأنَّ الناسَ إنَّما كُلِّفوا في غيرِهم الأغلبَ ممَّا يظهرُ لهم؛ أنَّ مُسلمًا لا يُصلِّي على غيرِ طهارةٍ (^٤)، ولم يُكلَّفوا علمَ ما يَغِيبُ عنهم.
قال أبو عُمر: أمَّا قولُ الشافعيِّ: إنَّ الناسَ إنَّما كُلِّفوا في غيرِهم الأغلبَ ممَّا يَظهرُ لهم، ولم يُكلَّفوا علمَ ما غابَ عنهم من حالِ إمامِهم، فقولٌ صحيحٌ، إلَّا أنَّ استدلالَه بحديثِ هذا البابِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجنُبِ هو خارجٌ على مذهبِه في أحدِ قوليْه الذي يُجيزُ فيه إحرامَ المأموم قبلَ إمامِه، وليس ذلك على مذهبِ مالكٍ؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- إذْ كبَّر وهو جُنبٌ، ثم ذكَرَ حالَه فأشارَ إلى أصحابِه أنِ امكُثُوا، وانصرفَ فاغتسَل، لا يخلُو أمرُه إذْ رجَع مِن أحدِ ثلاثةِ وُجُوهٍ:
إمَّا أنْ يكونَ بنَى على التَّكبيرةِ التي كبَّرها وهو جُنبٌ، وبنَى القومُ معه على تكبيرِهم. فإنْ كان هذا فهو منسوخٌ بالسُّنَّةِ والإجماع؛ فأمَّا السُّنَّةُ فقولُه -ﷺ-: "لا يقبلُ اللَّهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ" (^٥). فكيفَ يبني على ما صلَّى وهو غيرُ طاهر؟
_________________
(١) ينظر: الأمّ ١/ ٢٠٣.
(٢) سيأتي مع تخريجه.
(٣) في الأمّ ١/ ١٩٤.
(٤) في الأم: "إلا على طهارة"، وهي بمعنًى. والجملة التي بعدها لم ترد فيه.
(٥) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه قريبًا.
[ ١ / ٣٧٥ ]
هذا لا يَظنُّه ذو لُبٍّ ولا يقولُه أحدٌ؛ لأن عُلماءَ المسلمين مجُمِعونَ على أنَّ الإمامَ لا يبني على شيءٍ عَمِلَهُ في صلاتِه وهو على غيرِ طهارةٍ، وإنَّما اختَلَفوا في بناءِ المُحْدِثِ على ما صلَّى وهو طاهرٌ قبلَ حدثِه. وسنذكُرُ أقوالَهم في ذلك وفي بناءِ الرَّاعِفِ في آخرِ البابِ إن شاء اللَّه.
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (^١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (^٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن همَّام بنِ مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لا يَقبلُ اللَّه صلاةَ أحدِكم إذا أحدَث حتى يتوضَّأَ" (^٣).
وقد ذكَرنا أسانيدَ قولِه -ﷺ-: "لا يَقبلُ اللَّه صلاةً بغيرِ طُهورٍ" في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسم (^٤)، والحمدُ للَّه.
والوجْهُ الثاني: أن يكونَ رسولُ اللَّه -ﷺ- حينَ انصرَف بعدَ غُسلِه استأْنفَ صلاتَه واستأْنفَها أصحابُه معه بإحرام جديدٍ، وأبطَلُوا إحرامَهم معه، وقد كان لهم أنْ يَعتَدُّوا به لو استخلَف لهم من يُتِمُّ بهم. فهذا الوجْهُ وإن صحَّ في مذهبِ مالكٍ مِن وجْهٍ، فإنَّه يَبطلُ الاستدلالُ به مِن هذا الحديثِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنُبِ؛ لأنَّهم إذا استأنفُوا إحرامَهم فلم يُصَلُّوا وراءَ جُنُبٍ، بل قد يَستَدِلُّ بمثلِ هذا، لو صحَّ من أبطَل صلاتَهم خلفَه، وهو خلافُ قولِ مالك.
_________________
(١) هو ابن عبد المؤمن بن يحيى التُّجيبيّ، وشيخه محمد بن بكر: هو أبو بكر ابن داسة التمّار، راوي سنن أبي داود.
(٢) في سننه (٦٠).
(٣) في المسند ١٣/ ٤٤٢ (٨٠٧٨) و١٣/ ٥٣٢ (٨٢٢٢). وهو في مصنِّف عبد الرزاق ١/ ١٣٩ (٥٣٠)، ومن طريقه أخرجه البخاري (١٣٥) و(٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥) (٢٥)، والترمذي (٧٦).
(٤) سيأتي في أثناء شرح الحديث الخامس له، عن أبيه، عن عائشة ﵂ في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣٧٦ ]
والوجهُ الثالث: أن يكونَ النبيُّ -ﷺ- كبَّر مُحرِمًا مُستأنِفًا لصلاتِه، وبنَى القومُ خلفَه على ما مضَى مِن إحرامِهم، فهذا أيضًا وإن كانَ فيه النُّكتةُ المجيزةُ لصلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ لاستجزائِهم واعتدادِهم بإحرامِهم خلفَه، لو صحَّ، فإنَّ ذلك أيضًا لا يُخَرَّجُ على مذهبِ مالكٍ من هذا الحديثِ؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ إحرامُ القوم في تلك الصلاةِ قبلَ إحرام إمامِهم فيها، وهذا غيرُ جائزٍ عندَ مالكٍ وأصحابِه.
لا يَحتمِلُ الحديثُ غيرَ هذه الأوجُهِ ولا يخلُو مِن أحدِها؛ فلذلك قُلنا: إنَّ الاستدلالَ بحديثِ هذا البابِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ ليسَ بصحيح على مذهبِ مالكٍ، فتدبَّرْ ذلك تَجِدْهُ كذلك إن شاء اللَّه.
وأمَّا الشافعيُّ فيَصحُّ الاستدلالُ بهذا الحديثِ على أصلِه؛ لأنَّ صلاةَ القوم عندَه غيرُ مُرتبطةٍ بصلاةِ إمامِهم؛ لأنَّ الإمامَ قد تَبطُلُ صلاتُه إذا كان على غيرِ طهارةٍ وتَصِحُ صلاةُ مَن خلفَه، وقد تَبْطُلُ صلاةُ المأموم أيضًا وتَصِحُّ صلاةُ الإمام، بوجُوهِ أيضًا كثيرةٍ؛ فلهذا لم تَكنْ عندَه صلاتُهما مُرتبطةً، ولا يَضُرُّ عندَه اختلافُ نيَّاتِهما؛ لأنَّ كُلًّا يُحْرِمُ لنفسِه، ويُصلِّي لنفسِه، ولا يَحمِلُ فرضًا عن صاحبِه، فجائزٌ عندَه أنْ يُحْرِمَ المأمومُ قبلَ إمامِه، وإنْ كان لا يَسْتَحِبُّ له ذلك. وله على هذا دلائلُ قد ذكَرها هو وأصحابُه في كُتبِهم (^١).
وأمَّا اختلافُ الفقهاءِ في القوم يُصلُّونَ خلفَ إمام ناس لجنابتِه؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، والثوريُّ، والأوزاعيُّ (^٢): لا إعادةَ عليهم، وإنَّما الإعادةُ عليه وحدَه، إذا علِم اغتسلَ وصلَّى كُلَّ صلاةٍ صلَّاها وهو على غيرِ طهارةٍ.
_________________
(١) ينظر: الأمّ ١/ ١٩٤ - ١٩٥، والمجموع شرح المهذّب ٤/ ٢٠٩.
(٢) ينظر: المدوّنة ١/ ١٣٨، والأمّ للشافعي ١/ ١٩٤، والأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٤٣، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٢٤٧.
[ ١ / ٣٧٧ ]
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ (^١)، وعليٍّ (^٢) على اختلاف عنه، وعليه أكثرُ العلماءِ، وحسبُك بحديثِ عمرَ في ذلك؛ فإنَّه صلَّى بجماعةٍ من الصحابةِ صلاةَ الصبحِ، ثم غدَا إلى أرضِهِ بالجُرْفِ، فوجَد في ثوبِهِ احتلامًا، فغسلَهُ، واغتسَل، وأعادَ صلاتَه وحْدَه، ولم يأمرْهم بإعادةٍ (^٣). وهذا في جماعتِهم مِن غيرِ نكير.
وقد رُوِيَ عن عمرَ أنَّه أفتَى بذلك. روَاه شعبةُ، عن الحكم، عن إبراهيمَ، عن عمرَ في جُنُبٍ صلَّى بقوم، قال: يُعيدُ ولا يُعيدونَ (^٤). قال شُعبةُ: وقال حمَّادٌ: أعجبُ إليَّ أن يُعيدُوا (^٥).
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (^٦): حدَّثنا أبو خالد الأحمرُ، عن حجَّاج، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، في الجُنُبِ يُصلِّي بالقوم، قال: يُعيدُ ولا يُعيدون.
قال: وسمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبل- يقولُ: حدَّثنا هُشيمٌ، عن خالدِ بن سَلمةَ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرِو بنِ المُصطَلِقِ، أنَّ عُثمانَ بنَ
_________________
(١) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ (٣٦٤٨ - ٣٦٥٠)، ولابن أبي شيبة (٤٦٠٤)، والأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٤١ - ٢٤٣ (٢٠٥١ - ٢٠٥٥)، وسنن الدارقطني ٢/ ١٨٧ - ١٨٩ (١٣٧٠ - ١٣٧٤)، وفي بعضها: "عن ابن عمر".
(٢) المصنَّف لابن أبي شيبة (٤٦٠٩).
(٣) الموطأ ١/ ٩٤ (١٢٤)، وقد سلف تخريجه والكلامُ عليه.
(٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٤٢ (٢٠٥٢) من طريق الحكم بن عُتيبة، به. وإسناده إلى عمر ﵁ صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٤٦١٠).
(٦) في مصنَّفه (٤٦٠٩)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٤٢ (٢٠٥٤)، وإسناده ضعيفٌ، حجّاج: هو ابن أرطاة النخعي الكوفي، صدوق حسن الحديث مدلّس، تضعف روايته إذا لم يصرِّح بالتحديث كما في هذه الرواية، والحارث: هو ابن عبد اللَّه الأعور الهمْداني ضعيف وكذّبه الشعبيُّ في رأيه، ورُمي بالرفض، وباقي رجال الإسناد ثقات. أبو خالد الأحمر: هو سليمان بن حيّان الأزدي، وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد اللَّه السَّبيعيّ.
[ ١ / ٣٧٨ ]
عفّانَ صلَّى بالناسِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا أصبَح وارتفعَ النهارُ، فإذا هو بأثرِ الجنابةِ، فقال: كَبِرْتُ واللَّه، كَبِرْتُ واللَّه. فأعاد الصلاةَ، ولم يَأمُرْهم أن يُعيدُوا (^١).
وسمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه (^٢) يقول: يُعِيدُ ولا يُعيدون. وسألتُ سليمانَ بنَ حربٍ فقال: إذا صحَّ لنا عن عمرَ شيءٌ اتَّبعنَاه، يُعيدُ ولا يُعيدون.
وذُكِرَ عنِ الحسنِ، وإبراهيمَ، وسعيدِ بنِ جُبير، مثلُه (^٣). وهو قولُ إسحاقَ، وداودَ، وأبي ثور (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢٤٢ (٢٠٥٣)، والدارقطني في سننه ٢/ ١٨٨ (١٣٧٢)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٤٠٠ (٤٢٤٦)، وفي معرفة السُّنن والآثار ٣/ ٣٤٨ (٤٨٦٣) من طريق هُشيم بن بشير الواسطيّ، به. وإسناده لا بأس به، خالد بن سلمة: هو ابن العاص بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المعروف بالفأفاء، وثّقه الجمُّ الغفير منهم أحمد بن حنبل وابن معين وعلي بن المديني وغيرهم كما هو موضَّحٌ في تحرير التقريب (١٦٤١)، ومحمد بن عمرو بن المصطلق: هو محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق الخُزاعي روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات (١٠٤٧٦)، وينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ٢٩ (٥٧٩)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/ ٢٩ (١٣٤). وهذا الأثر ذكره عبد اللَّه بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢/ ١١٠، ونقل عن أبيه قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: سألت سفيان -يعني ابن عيينة- عن حديث هشيم، عن خالد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن الحارث: أنَّ عثمان صلّى بالناس وهو جُنبٌ، فأعاد، ولم يأمُرْهم أن يُعيدوا، فقال -يعني هشيم بن بشير-: قد سمعته من خالد بن سلمة ولا أجيءُ به كما أريد". يعني: لم يحفظه كما وقع في آخر الرواية عند الدارقطني، ولكن هذا لا يمنع صحّة معناه كما في الروايات الأخرى عن غير عثمان ﵁.
(٢) ومثل ذلك نقل عنه أبو داود في مسائله ص ٦٦، وابنه أبو الفضل في مسائله ٣/ ٢٣ (١٢٤٧)، وابنه عبد اللَّه ص ١٠٩ (٣٩١).
(٣) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ (٣٦٥١) و(٣٦٥٢) و٢/ ٣٤٩ (٣٦٥٥)، ولابن أبي شيبة (٤٦٠٦ و(٤٦٠٨) و(٤٦١١)، والأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٤٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٠١.
(٤) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٤٤.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: عليهم الإعادة؛ لأنَّ صلاتَهم مُرتبِطةٌ بصلاةِ إمامِهم، فإذا لم تكنْ له صلاةٌ لم تكنْ لهم (^١).
ورُوِيَ إيجابُ الإعادةِ على مَن صلَّى خلفَ جُنبٍ، أو غيرِ مُتوضِّئ، عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، مِن حديثِ عبدِ الرَّزاقِ (^٢)، عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ، عن عمرِو بنِ دينار، عن أبي جعفرٍ، عن عليٍّ. وهو مُنقطعٌ (^٣)، وفيه عن عمرَ خبرٌ ضعيفٌ لا يَصِحُّ (^٤). وهو قولُ الشعبيِّ، وحمَّادِ بنِ أبي سليمانَ (^٥).
وذكَر الأثرمُ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا صلَّى إمامٌ بقوم وهو على غيرِ وُضوء، ثم ذكَر قبلَ أن يُتِمَّ، فإنَّه يُعيدُ ويعيدونَ، ويَبْتَدِئونَ الصلاةَ، فإنْ لم يَذكُرْ حتى يَفرُغَ مِن صلاتِه، أعادَ وحدَه ولم يُعيدوا.
واختلَفَ مالكٌ، والشافعيُّ -والمسألةُ بحالِها- في الإمام يتمادَى في صلاتِه ذاكرًا لجَنابتِه، أو ذاكرًا أنَّه على غيرِ وُضوءٍ، أو مُبتدِئًا صلاتَه كذلك، وهو مع ذلك
_________________
(١) نقله عن أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني في الآثار له بإثر الأثر (١٣٦)، ونقله عن أبي حنيفة وأصحابه ابنُ المنذر في الأوسط ٤/ ٢٤٤، والطحاويّ في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٤٦.
(٢) في المصنَّف ٢/ ٣٥١ (٣٦٦٣).
(٣) يعني بين أبي جعفر، وهو الباقر، واسمه محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وبين عليٍّ ﵁، قال أبو زرعة الرازي كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٨٦ (٦٧٦): "لم يُدرك هو ولا أبوه عليٌّ عليًّا ﵁". وقال الترمذي في جامعه بإثر الحديث (١٥١٩): "وأبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين لم يُدرك عليّ بن أبي طالب".
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٣٥١ (٣٦٦٢) عن حسين بن مهران الكوفي، عن المُطَّرِح أبي المهلَّب، عن عُبيد اللَّه بن زحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة الباهلي، قال: صلى عُمر بالناس وهو جُنب، فأعاد ولم يُعد الناسُ، فقال له علي: "قد كان ينبغي لمن صلّى معك أن يعيدوا"، الحديثَ. ورجال إسناده ضعاف إلّا القاسم: وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي، أبو عبد الرحمن صاحب أبي أمامة فهو ثقة كما في تحرير التقريب (٥٤٧٠). وعليّ بن يزيد: هو الألهانيّ.
(٥) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٢/ ٣٤٩ (٣٦٥٧) و٢/ ٣٥٠ (٣٦٥٩).
[ ١ / ٣٨٠ ]
معروفٌ بالإسلام؛ فقال مالكٌ وأصحابُه (^١): إذا عِلم الإمامُ بأنَّه على غيرِ طهارةٍ، وتمادَى في صلاتِه عامدًا، بَطَلَتْ صلاةُ مَن خلفَه؛ لأنَّه أفسَدَ عليهم.
وقال الشافعيُّ (^٢): صلاةُ القوم جائزةٌ تامَّةٌ، ولا إعادةَ عليهم؛ لأنَّهم لم يُكلَّفوا علمَ ما غابَ عنهم، وقد صلَّوا خلفَ رجلٍ مُسلم في علمِهم. وبهذا قال جُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ، وأهلُ الحديثِ، وإليه ذهَبَ ابنُ نافع صاحبُ مالك.
ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القولِ أنَّه لا فرقَ بينَ عمدِ الإمام ونسيانِه في ذلك؛ لأنَّهم لم يُكلَّفوا علمَ الغيبِ في حالِه، فحالُهم في ذلك واحدةٌ، وإنّما تَفسُدُ صلاتُهم إذا علِموا بأنَّ إمامَهم على غيرِ طهارةٍ فتمادَوا خلفَه، فيكونونَ حينئذٍ المُفسدينَ على أنفسِهم، وأمَّا هو فغيرُ مُفسدٍ عليهم بما لا يَظهَرُ مِن حالِه إليهم، لكنَّ حالَه في نفسِه تَختلِفُ؛ فيَأثَمُ في عمدِه إنْ تَمادَى بهم، ولا إثمَ عليه إنْ لم يَعلمْ ذلك وسَها عنه.
قال أبو عُمر: قد أوضَحْنا والحمدُ للَّه القولَ بأنَّ حديثَ هذا البابِ لا يَصِحُّ الاحتجاجُ به في جوازِ صلاةِ مَن صلَّى خلفَ إمام على غيرِ طهارةٍ، على مذهبِ مالكٍ، وأنَّ أصلَ مذهبِه في هذه المسألةِ فعلُ عمرَ ﵁ في جماعةِ الصحابةِ، لم يُنكِرْه عليه ولا خالفَه فيه واحدٌ منهم، وقد كانوا يُخالِفونَه في أقلَّ مِن هذا ممَّا يَحتمِلُ التَّأويلَ، فكيفَ بمثلِ هذا الأصلِ الجسيم، والحكم العظيم؟ وفي تسليمِهم ذلك لعمرَ وإجماعِهم عليه ما تَسكُنُ القلوبُ في ذلك إليه؛ لأنَّهم خيرُ أُمَّةٍ أُخرجَتْ للناسِ، يأمرونَ بالمعروفِ وينهَونَ عن المنكرِ، فيَستحيلُ عليهم إضافةُ إقرارِ ما لا يَرضَونَه إليهم.
وأمَّا الشافعيُّ فإنَّه جعَل حديثَ هذا البابِ أصلًا في جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجنبِ، وأردَفه بفعلِ عمرَ، وفتوَى عليٍّ. وقد تقدَّم ذِكرُنا لذلك في هذا البابِ.
_________________
(١) المدوّنة ١/ ١٣٨.
(٢) الأمّ ٧/ ١٧٤.
[ ١ / ٣٨١ ]
والذي تحصَّل عليه مذهبُ مالكٍ عندَ أصحابِه في هذا البابِ في إمام أحرَم بقوم فذكَر أنَّه جُنُبٌ، أو على غيرِ وُضوءٍ، أنَّه يخرُجُ ويقدِّمُ رجُلًا، فإنْ خرَج ولم يُقدِّمْ أحدًا، قدَّموا لأنفسِهم مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ، فإن لم يَفعلُوا وصلَّوا أفذاذًا، أجزأتْهم صلاتُهم، فإن انتظَرُوه ولم يُقدِّموا أحدًا، لم تَفسُدْ صلاتُهم.
وقال يحيَى بنُ يحيى، عن ابنِ نافع: إذا انصرَف ولم يُقدِّمْ، وأشارَ إليهم أن يمكثوا، كان حقًّا عليهم ألا يُقدِّموا أحدًا حتى يَرجِعَ فيُتِمَّ بهم (^١).
قال أبو عُمر: أمَّا قولُ مَن قال مِن أصحابِ مالكٍ: إنَّ القومَ في هذه المسألةِ ينتظرونَ إمامَهم حتى يَرجِعَ فيُتِمَّ بهم. فليس بشيءٍ، وإنَّما وجهُه: حتى يَرجِعَ فيبتدِئ بهم، لا يُتِمُّ بهم على أصلِ مالكٍ؛ لأنَّ إحرامَ الإمام لا يُجتَزأُ به بإجماع مِن العلماءِ؛ لأنَّه فعَله على غيرِ طُهورٍ، وذلك باطلٌ، وإذا لم يَجتزِئْ به استأنفَ إحرامَه إذا انصرفَ، وإذا استأنفَه لزِمَهم مثلُ ذلك عندَ مالكٍ؛ ليكونَ إحرامُهم بعدَ إحرام إمامِهم، وإلَّا فصلاتُهم فاسدةٌ؛ لقولِه -ﷺ- في الإمامِ: "إذا كبَّر فكبِّرُوا" (^٢). هذا هو عندي تحصيلُ مذهبِه، وباللَّه التوفيق.
وأمَّا الشافعيُّ فإنَّه جعَل هذا الحديثَ أصلًا في تركِ الاستخلافِ، فقال (^٣): الاختيارُ عندي إذا أحدَث الإمامُ حدثًا لا تَجوزُ له معه الصلاةُ؛ مِن رُعافٍ، أو
_________________
(١) ينظر: التاج والإكليل لمختصر خليل للعبدري ٢/ ٤٨٠، والشرح الكبير للدردير ١/ ٣٥١.
(٢) جزء من حديث أخرجه أحمد في المسند ١٩/ ١٢٩ (١٢٠٧٣)، والبخاري (٨٠٥) و(١١١٤)، ومسلم (٤١١) من حديث محمد بن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك ﵁. وسيأتي من وجوه عديدة في أثناء شرح الحديث الثاني لمحمد بن شهاب الزهريّ، عن أنس ﵁، وفي أثناء شرح حديثه عن أبي أكيمة الليثي، وفي أثناء شرح الحديث الحادي والأربعين من بلاغات مالك في مواضعها إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) في الأم ١/ ٢٠٣.
[ ١ / ٣٨٢ ]
انتقاضِ وُضوءٍ، أو غيرِه (^١)، أنْ يُصلِّيَ القومُ فُرادَى، وألَّا يُقدِّموا أحدًا، فإنْ قدَّموا أو قدَّمَ الإمامُ رجلًا منهم، فأتمَّ بهم ما بَقِيَ مِن صلاتِهم أجزأتْهم صلاتُهم، وكذلك لو أحدَث الإمامُ الثاني والثالثُ والرابع.
قال الشافعيُّ (^٢): ولو أنَّ إمامًا كبَّر وقرأ، وركَع أو لم يَركعْ (^٣)، حتى ذكَر أنَّه على غيرِ طهارةٍ، فكانَ مخرجُه ووضوؤه أو غُسلُه قريبًا، فلا بأسَ أنْ يَقِفَ الناسُ في صلاتِهم حتى يتوضَّأَ ويرجِعَ فيستأنفَ، ويُتِمُّون هم لأنفسِهم، كما فعَل رسولُ اللَّه -ﷺ- حينَ ذكَر أنَّه جُنبٌ فانتظرَه القومُ، فاستأنفَ لنفسِه؛ لأنَّه لا يُعتَدُّ بتكبيرةٍ كبَّرها وهو جُنبٌ، فيتمُّ القومُ؛ لأنَّهم لو أتمُّوا لأنفسِهم حينَ خرَج عنهم إمامُهم أجْزَأَتْهم صلاتُهم.
وجائزٌ عندَه أنْ يَقطعُوا صلاتَهم إذا رابَهم شيءٌ مِن إمامِهم، فيُتمُّونَ لأنفسِهم، على حديثِ جابرٍ بن عبد اللَّه في قصةِ مُعاذٍ (^٤).
قال (^٥): وإنْ كان خُروجُ الإمام يتَباعَدُ، أو طهارتُه تَثْقُلُ، صلَّوا لأنفسِهم.
قال (^٦): ولو أشارَ إليهم أنْ يَنتظِرُوا، أو كلَّمهم بذلك كلامًا، جازَ ذلك؛ لأنَّه في غيرِ صلاةٍ، فإنِ انتظرُوه وكان قريبًا فحسنٌ، وإنْ خالفُوه فصَلَّوْا لأنفسِهم فُرادَى، أو قدَّموا غيرَه، أجزأتْهم صلاتُهم.
_________________
(١) بعد هذا في الأمّ ١/ ٢٠٣: "فإن كان مضى من صلاة الإمام شيء ركعة أو أكثر"، وهي أوضح للمعنى، ولم ترد في النسخ.
(٢) في الأمّ ١/ ٢٠٣.
(٣) في الأمّ: "أو لم يقرأ إلّا أنه لم يركع" بدلًا من: "وركع أو لم يركع".
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٢/ ٩٩ (١٤١٩٠)، والبخاري (٧٠٥)، والنسائي في الكبرى ٢/ ١٥ (١٠٥٨) من حديث مُحارب بن دِثار، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ في قصّة قراءة معاذ بن جبل ﵁ في صلاة المغرب بسورة البقرة أو النساء، وفيه قوله -ﷺ-: "يا معاذُ، أفتّانٌ أنت؟ " أو "أفاتِنٌ" ثلاث مِرار.
(٥) في الأمّ ١/ ٢٠٣.
(٦) في الأمّ ١/ ٢٠٣.
[ ١ / ٣٨٣ ]
قال (^١): والاختيارُ عندي للمأمومينَ إذا فسَدتْ على الإمام صلاتُه أنْ يَبنُوا فُرادَى. قال: وأحَبُّ إليَّ ألَّا يَنتظرُوه، وليس أحدٌ في هذا كرسولِ اللَّه -ﷺ-، فإنْ فعَلوا فصلاتُهم جائزةٌ على ما وَصَفْنا.
قال (^٢): فلو أنَّ إمامًا صلَّى ركعةً، ثم ذكَر أنَّه جُنُبٌ فخرَج فاغتسلَ، وانتظرَه القومُ، فرجَع فبنَى على الرَّكعةِ، فسدَتْ عليه وعليهم صلاتُهم؛ لأنَّهم يَأتَمُّونَ به عالمينَ أنَّ صلاتَه فاسدةٌ، فليس له أنْ يَبنيَ على رَكْعةٍ صلَّاها جُنبًا. قال: ولو علِم بعضُهم ولم يَعلَمْ بعضٌ، فسَدتْ صلاةُ مَن علِم ذلك منهم.
قال أبو عُمر: من أجازَ انتظارَ القوم للإمام إذا أحدَث، احتجَّ بحديثِ هذا البابِ، وفيه ما قد ذكَرنا، واحتجَّ أيضًا بما:
حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفَضْلُ بنُ الحُبابِ الجُمَحِيُّ (^٣)، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيَالسِيُّ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عمرَ، عن ابنِ أبي مُليكةَ، أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ صلَّى بالناسِ فأهوَى بيدِهِ فأصابَ فَرْجَهُ، فأشارَ إليهم أنْ كما أنتم، فخرجَ فتوضَّأَ، ثم رجَع إليهم فأعادَ (^٤).
_________________
(١) في الأمّ ١/ ٢٠٣.
(٢) في الأمّ ١/ ٢٠٣.
(٣) لم ترد في متن الأصل، وأشار الناسخ أنها في نسخة أخرى: "الجُمحي"، وهي ثابتة في ق أيضًا.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ١/ ١١٤ (٤١٦)، والشافعي في القديم كما في السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٣١ (٦٤٧)، وفي معرفة السنن والآثار ١/ ٣٩٢ (١٠٣٨) كلاهما عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مُليكة، بنحوه. وإسناده ضعيف لانقطاعه، فإنَّ عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مُليكة لم يُدرك عمر، قال أبو زرعة الرازي كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١١٣ (٤١٣): "عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة عن عمر مرسل". نافع بن عمر: هو الجُمَحيّ. وسيأتي بهذا الإسناد للمصنف في أثناء شرح الحديث الرابع لعبد اللَّه بن أبي بكر، عن عروة بن الزُّبير في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣٨٤ ]
فاحتجَّ بهذينِ الخبرينِ وما كان مثلَهما، مَن كرِهَ الاستخلافَ مِن العلماءِ.
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعْتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن رجلٍ أحدَث وهو يُصلِّي: أيَستَخلِفُ أم يقولُ لهم يَبْتَدِئونَ؛ وهو كيفَ يصنعُ؟ فقال: أمَّا أنا فيُعجبُني أنْ يتوضَّأَ ويَستقبِلَ. قيل له: فهم كيفَ يَصنعونَ؟ فقال: أمَّا هم ففِيه اختلافٌ. قال أبو بكرٍ: ومذهبُ أبي عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀- ألا يَبنِيَ في الحدَثِ، سمِعتُه يقولُ: الحَدَثُ أشدُّ، والرُّعافُ أسهلُ (^١).
وقد تابَعَ الشافعيَّ على ترْكِ الاستخلافِ داودُ بنُ عليٍّ وأصحابُه، فقالوا: إذا أحدَث الإمامُ في صلاتِه صلَّى القومُ أفذاذًا (^٢).
وأمَّا أهلُ الكوفةِ وأكثرُ أهلِ المدينةِ فكلُّهم يقولُ بالاستخلافِ لِمَن نابَه شيءٌ في صلاتِه، فإن جهِل الإمامُ ولم يَستخلِفْ، تقدَّمهم واحدٌ منهم بإذْنِهم، أو بغيرٍ إذْنِهم، وأتمَّ بهم، وذلك عندَهم عملٌ مُستَفِيضٌ (^٣)، واللَّهُ أعلمُ.
إلّا أنَّ أبا حنيفةَ إنَّما يرى الاستخلافَ لمن أحرَم وهو طاهرٌ ثم أحدَث، ولا يرَى لإمام جُنبٍ أو على غيرِ وُضوءٍ إذا ذكَر ذلك في صلاتِه أنْ يَستخلِفَ، وليس عندَه في هذه المسألةِ موضعٌ للاستخلافِ؛ لأنَّ القومَ عندَه في غيرِ صلاةٍ، كإمامِهم سواءً، على ما ذكَرنا مِن أصلِه في ذلك (^٤).
قال أبو عُمر: لا تَبِينُ عندي حُجَّةُ مَن كرِهَ الاستخلافَ استدلالًا بحديثِ هذا البابِ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- ليس في الاستخلافِ كغيرِه، ولا يَجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ
_________________
(١) ومثل ذلك نقل عنه ابنه عبد اللَّه في مسائله ١/ ١١١ (٣٩٨) قال: "إذا أحدَثَ الإمام فخرج فتوضّأ، يبني أو يستقبل؟ قال: لا يبني على صلاته، ولكن يستقبل، لأنه يُروى عن النبيِّ -ﷺ-: لا صلاة إلا بطُهور".
(٢) ينظر: المحلّى لابن حزم ٤/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٣) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٤) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٧٦، والمبسوط للسرخسي ١/ ١٦٩ - ١٧٠.
[ ١ / ٣٨٥ ]
أحدٌ بينَ يديه إلَّا بإذنِه، وقد قال لهم رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مكانَكم". فلزِمَهم أنْ يَنتظرُوه، هذا لو صحَّ أنَّه ترَكَهُم في صلاةٍ، فكيفَ وقد قيلَ: إنَّهم استأنَفُوا معه؟ فلو صحَّ هذا لبَطَلَتِ النُّكتةُ التي منها نزَعَ مَن كرِهَ الاستخلافَ، وقد أجمَع المسلمونَ على الاستخلافِ فيمن يُقيمُ لهم أمرَ دينِهم، والصلاةُ أعظمُ الدِّينِ، وفي حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ دَلالةٌ على جوازِ الاستخلافِ؛ لتأخُّرِ أبي بكرٍ وتقدُّم النبيِّ -ﷺ- في تلك الصلاةِ، واللَّهُ أعلمُ، وحسبُكَ ما مضَى عليه مِن ذلك عملُ الناسِ، وسنذكُرُ حديثَ سهلِ بنِ سعدٍ في بابِ أبي حازم (^١) إن شاء اللَّه.
قال أبو عُمر: قد نزَع قومٌ في جوازِ بناءِ المُحْدِثِ على ما صلَّى قبلَ أنْ يُحدِثَ إذا توضَّأ بهذا الحديثِ، ولا وجْهَ لما نزَعوا به في ذلك؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- لم يَبْنِ على تكبيرِه لِمَا بينَّا قبلُ في هذا البابِ، ولو بنَى ما كان فيه حُجَّةٌ أيضًا؛ لإجماعِهم على أنَّ ذلك غيرُ جائزٍ اليومَ لأحدٍ، وأنَّه مَنسوخٌ بأنَّ ما عمِلَه المرءُ مِن صلاتِه وهو على غيرِ طهارةٍ لا يُعتدُّ به، إذْ لا صلاةَ إلَّا بطُهورٍ.
واتَّفق مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ مَن أحدَث في صلاتِه لم يَبْنِ على ما مضَى له منها، ويَستأنِفُها إذا توضَّأَ. وكذلك اتَّفقَا على أنَّه لا يبني أحدٌ في القَيْءِ، كما لا يبني في شيءٍ من الأحداثِ.
واختلفَا في بناءِ الرَّاعِفِ؛ فقال الشافعيُّ في القديم: يَبني الرَّاعِفُ. وانصرَف عن ذلك في الجديد (^٢).
_________________
(١) وهو ابن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، وهو في الموطأ ١/ ٢٣١ (٤٥١)، وهو الحديث الرابع له، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) نقله عنه المُزني في مختصره ٨/ ١١٩، وقال الماورديُّ في الحاوي الكبير ٢/ ٣٨٤: فعلى مذهب الشافعيِّ في القديم والإملاء: أن صلاته لا تبطُل بالرُّعاف، وعلى قوله الجديد -وهو الصحيح-: قد بطَلَت صلاتُه بالرُّعاف". وينظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب العلماء لأبي بكر الشاشيّ القفّال ٢/ ١٩٨.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وقال مالكٌ (^١): إذا رَعَفَ في أوَّلِ صلاتِه ولم يُدركْ ركعةً بسجْدتَيْها فلا يبني، ولكنَّه ينصرفُ فيَغسِلُ عنه الدَّمَ، ويَرجِعُ فيُعيدُ الإقامةَ والتَّكبيرَ والقراءةَ. ولا يبني عندَه إلَّا من أدرَك ركعةً كاملةً مِن صلاتِه، فإذا كان ذلك ثم رعَف، خرَج فغسَل الدَّمَ عنه، وبنَى على ما مضَى (^٢) حيثُ شاء، إلَّا في الجمعةِ فإنَّه لا يبني فيها إذا أدرَك ركعةً منها ثم رعَف إلَّا في المسجدِ الجامع، وإذا كان الرَّاعِفُ إمامًا، فلا يَعودُ إمامًا في تلك الصلاةِ أبدًا، ولا يُتِمُّ صلاتَه إلَّا مأمومًا أو فَذًّا. هذا تَحصيلُ مذهبِه عندَ جميع أصحابِه، وقد رُوِي عنه أنَّه قال (^٣): لولا أنِّي أكرَهُ خِلافَ مَن مضَى، ما رأيتُ أنْ يبني الرَّاعفُ، ورأيْتُ أنْ يتَكلَّمَ ويستأنِفَ. قال: وهو أحبُّ إليَّ. وقد رُويَ عنه أنَّ الفَذَّ لا يبني في الرُّعافِ.
وأمَّا الشافعيُّ فقال: لا يبني الرَّاعفُ إذا استَدْبَرَ القبلةَ لغَسلِ الدَّم عنه. وكلُّ مَنِ استَدْبَرَ القبلةَ عندَه وهو عالمٌ بأنَّه في صلاةٍ، لم يَجُزْ له البناءُ، وكان عليه الاستئنافُ أبدًا. وأمّا (^٤) الذي يَسهُو فيُسلِّمُ مِن ركعتينِ، ويَخرُجُ وهو يَظُنُّ أنَّه قد أكمَل صلاتَه، وأنَّه ليس في صلاةٍ، فإنَّ هذا يبني عندَه ما لم يتَكلَّمْ أو يُحدِثْ، أو يَطولُ أمرُه، على حديثِ ذي اليدينِ (^٥). وسنذكرُ أقاويلَ العلماءِ في معنَى حديثِ ذي اليدينِ، في بابِ أيوبَ (^٦)، إن شاء اللَّه.
_________________
(١) المدوّنة ١/ ١٤٢، وينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٢٦٦.
(٢) كتب ناسخ الأصل في الحاشية أنه في نسخة أخرى: "صلى"، وكذا هي في ق.
(٣) نقله عنه الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٦٧.
(٤) أشار ناسخ الأصل أن "أما" في نسخة دون أخرى، وهي ثابتة في ق.
(٥) ينظر: الأم ٧/ ٢٦١.
(٦) يعني: السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، وهو في الموطأ ١/ ١٤٧ (٢٤٧)، وهو الحديث الأول لأيوب، وسيأتي مع تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وقولُ ابنِ شُبْرُمَةَ (^١) في هذا كقولِ مالكٍ والشافعيِّ: لا يبني أحدٌ في الحَدَثِ، ولكنَّه يَنصرِفُ فيَتوضَّأُ ويَستقبِلُ، وإنْ كان إمامًا استخلَف.
وقال الأوزاعيُّ: إن كان حَدَثُه مِن قَيْءٍ أو ريح توضَّأَ واستقبَل، وإنْ كان مِن (^٢) رُعافٍ توضَّأَ وبنَى. وكذلك الدَّمُ غيرُ الرُّعافِ (^٣)، والرُّعافُ عندَه حَدَثٌ يَنقُضُ الوُضوءَ.
وقال الثوريُّ (^٤): إذا كان حَدَثُه مِن رُعافٍ أو قَيْءٍ تَوَضَّأ وبنَى، وإن كان حَدَثُه مِن بولٍ أو ريح أو ضَحِكٍ أعادَ الوُضوءَ والصَّلاةَ.
وقال ابنُ شهابٍ: القَيْءُ والرُّعافُ سواءٌ، يَتوضَّأُ ثم يُتِمُّ على ما بَقِيَ مِن صلاتِه ما لم يَتكلَّمْ (^٥). وقد رُويَ عن ابنِ شهابٍ في الإمام يرَى بثوبِه دمًا، أو يَرْعُفُ أو يَجِدُ مَذْيًا، أنَّه يَنصرفُ ويقولُ للقوم: أتِمُّوا صلاتَكم. ويُصلِّي كُلُّ إنسانٍ لنفسِه؛ روَاه الزُّبَيْديُّ عنه.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وابنُ أبي ليلَى: يبني في الأحداثِ كلِّها إذا سبَقتْه في الصلاةِ. والقَيْءُ والرُّعافُ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه حدثٌ كسائرِ الأحداثِ، وهو قولُ جُمهورِ سلفِ أهلِ العراقِ (^٦)، يَنقُضُ الرُّعافُ والقَيْءُ، وكلُّ ما خرَج من الجسدِ -مِن دم أو نجاسةٍ عندَهم- الطَّهارةَ كسائرِ الأحداثِ،
_________________
(١) نقله عنه الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٦٦.
(٢) لم يرد حرف الجر في الأصل، وهو ثابت في بقية النسخ.
(٣) نقله عن الأوزاعي الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٦٧.
(٤) ينظر ما نُقل عن سفيان الثوري وغيره: اختلاف الفقهاء لمحمد بن نصر المروزي ١/ ١٢٦ - ١٢٧، والأوسط لابن المنذر ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٢٦٧.
(٥) ينظر: اختلاف الفقهاء لمحمد بن نصر المروزي ١/ ١٢٦.
(٦) ينظر: اختلاف الفقهاء لمحمد بن نصر المروزي ١/ ١٢٦، والأوسط لابن المنذر ١/ ٢٨٠ - ٢٨١، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٦٨ و٢٦٦.
[ ١ / ٣٨٨ ]
قياسًا عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه على المستحاضةِ؛ لأنَّهم أثبَتُوا أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- أمرَها بالوُضوءِ لكلِّ صلاةٍ، فالرَّاعفُ عندَهم يَنصرفُ فيتوضَّأُ ويبني على ما صلَّى، على حسَبِ ما ذكَرنا من أصْلِهم (^١) في بناءِ المُحْدِثِ، وهم يقولون: إن الرَّاعفَ لو أحدَث بعدَ انصرافِه توضَّأَ واستأنَف ولم يَبْنِ. وإنَّما يبني عندَهم من أحدَث في الصلاة. وحسبُكَ بمثلِ هذا ضَعْفًا في النَّظَرِ، ولا يَصِحُّ به خبرٌ.
والحُجَجُ للفِرَقِ في هذا البابِ تَطُولُ جدًّا وتَكْثُرُ، وفي بعضِها تشعيبٌ، وإنَّما ذكَرنا هاهُنا ما للعلماءِ في تأويلِ حديثِ هذا البابِ مِن المذاهبِ وأصولِ الأحكام، والحمدُ للَّه.
والحجَّةُ عندَنا في أنْ لا وُضوءَ في الرُّعافِ والقَيْءِ، أنَّ المتوضئ بإجماع لا يَنتقِضُ وُضوؤُه باختلاف، إلَّا أنْ تكونَ هناك سُنَّةٌ يجبُ المصيرُ إليها، وهي معدومةٌ هاهُنا، وباللَّه توفيقُنا. وسنذكُرُ أحكامَ المستحاضةِ في بابِ نافع (^٢) من هذا الكتابِ إن شاء اللَّه.
_________________
(١) في ق: "أصولهم"، والمثبت من الأصل.
(٢) وهو مولى ابن عمر، في حديثه الواحد، عن سليمان بن يسار، عن أمّ سلمة زوج النبيِّ -ﷺ-، وهو في الموطأ ١/ ١٠٧ (١٥٨)، وسيأتي مع تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣٨٩ ]