حديثٌ ثالثٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (^١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- إذا ذهَب إلى قُباءٍ يَدخُلُ على أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ فتُطْعِمُه، وكانت أمُّ حرام تحتَ عُبادةَ بنِ الصامِت، فدخَل عليها رسولُ اللَّه -ﷺ- يومًا فأطْعَمَتْه، وجلَستْ تَفْلي رأسَه، فنام رسولُ اللَّه -ﷺ-، ثم استَيقَظَ وهو يَضحَكُ، قالت: فقلت: ما يُضحِكُكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "ناسٌ مِن أمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، يَركَبُونَ ثَبَجَ هذا البحر، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مثلَ الملوكِ على الأسِرَّة". يَشُكُّ إسحاقُ. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعلَني منهم. فدعا لها، ثم وضَع رأسَه فنام، ثم اسْتَيقَظَ يَضحَكُ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما يُضحِكُكَ؟ قال: "ناسٌ من أُمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مِثْلَ الملوكِ على الأسِرَّة". كما قال في الأولى. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعَلَني منهم. قال: "أنتِ من الأوَّلين". قال: فرَكِبَتِ البحرَ في زَمَنِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيان، فصُرِعَتْ عن دابَّتِها حينَ خرجَتْ من البحر، فهلَكَتْ.
هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ رواةِ "الموطّأ" فيما علِمْتُ، جعلوه من مسندِ أنس بن مالك (^٢).
_________________
(١) الموطّأ ١/ ٥٩٧ (١٣٣٦).
(٢) رواه عن مالك من رواة الموطأ وغيرهم: أبو مصعب الزُّهري (٩٠٩)، وعبد الرحمن بن القاسم (١١٧)، وعبد اللَّه بن يوسف التنِّيسي عند البخاري (٢٧٨٨)، وإسماعيل بن أبي أويس عنده (٦٢٨٢)، ويحيى بن يحيى النيسابوري عند مسلم (١٩١٢) (١٦٠)، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخُزاعي عند أحمد في المسند ٢١/ ١٦٢ (١٣٥٢١)، وعبدُ اللَّه بن مسلمة القعنبيُّ عند أبي داود (٢٤٩١) والجوهريِّ في مسند الموطّأ (٢٧٥)، ومعن بن عيسى القزّاز عند الترمذي (١٦٤٥)، وعبد اللَّه بن وهب عند أبي عوانة في المستخرج ٤/ ٤٩٤ (٧٤٥٩)، ويحيى بن بُكير عند أبي نعيم في معرفة الصحابة ٦/ ٣٤٧٩ (٧٨٩٤).
[ ١ / ٤٣٧ ]
ورواه بشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ (^١)، عن مالك، عن إسحاق، عن أنس، عن أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ، قالت: استَيقَظَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، الحديثَ، جعَله من مُسندِ أمِّ حرام، هكذا حدَّثَ عنه به بُندارٌ محمدُ بنُ بشّار (^٢).
وأمُّ حرام هذه هي خالةُ أنسِ بنِ مالك، أختُ أمِّ سُليم بنتِ مِلحانَ أمِّ أنسِ بنِ مالك (^٣)، وقد ذكَرناهما ونَسَبْناهما وذكَرْنا شيئًا من أخبارِهما في كتابِنا كتاب "الصحابة" (^٤)، فأغنَى عن ذكرِه هاهُنا، وأظنُّها أرْضَعَتْ رسولَ اللَّه -ﷺ-، أو أمُّ سُليم أرضعَتْ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فحصَلتْ أمُّ حرام خالةً له من الرَّضاعة، فلذلك كانت تَفْلي رأسَه، وينامُ عندَها، وكذلك كان ينامُ عندَ أمِّ سُليم، وتنالُ منه ما يجوزُ لذي المَحْرَم أن يَنالَه من محارمِه، ولا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أُمَّ حرام كانت من رسولِ اللَّه بمَحْرم (^٥)، فلذلك كان منها ما ذُكِرَ في هذا الحديث، واللَّهُ أعلم.
وقد أخبَرَنا غيرُ واحدٍ من شُيوخِنا، عن أبي محمدٍ الباجيِّ (^٦) عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليّ، أنَّ محمدَ بنَ فُطيس أخبرَه، عن يحيى بن إبراهيمَ بن مُزين، قال:
_________________
(١) "الزهراني" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في ق، ف ١.
(٢) أخرجه عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث بن سعد في نسخته (١٦٤١). وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦/ ١١، ثم قال: "وهو موافقٌ رواية محمد بن يحيى بن حبّان، عن أنس" قلنا: وهذه الرواية ليست من طريق مالك، وإنما من طريق الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حبّان، به. وهو عند البخاري (٢٧٩٩)، ومسلم (١٩١٢) (١٦٢). وقد أشار إلى هذا الاختلاف فيه عن أنس ابن حجر، فقال في الفتح أيضًا ١١/ ٧٢: "واختُلف فيه عن أنس، فمنهم مَن جعلَهُ من مسنده، ومنهم مَن جعلَهُ من مسند أمّ حرام، والتحقيقُ أن أوّله من مسند أنس، وقصّة المنام من مسند أمّ حرام، فإنّ أنسًا إنما حمل قصّة المنام عنها".
(٣) قوله: "بن مالك" لم يرد في الأصل.
(٤) الاستيعاب ٤/ ١٩٣١ (٤١٣٧).
(٥) في الأصل: "لمحرم"، والمثبت من ق، ف ١.
(٦) "الباجي" لم يرد في الأصل.
[ ١ / ٤٣٨ ]
إنَّما استجازَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أن تَفْليَ أُمُّ حرام رأسَه لأنّها كانت منه ذاتَ مَحْرَم من قبلِ خالاتِه؛ لأنَّ أمَّ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشم كانت من بني النَّجّار.
وقال يونسُ بنُ عبدِ الأعلى: قال لنا ابنُ وَهْب: أُمُّ حرام إحدَى خالاتِ النبيِّ -ﷺ- من الرَّضاعة، فلهذا كان يَقيلُ عندَها، وَينامُ في حِجْرِها، وتَفْلي رأسَه (^١).
قال أبو عُمر: أيُّ ذلك كان، فأُمُّ (^٢) حرام مَحْرمٌ من رسولِ اللَّه -ﷺ-، والدليلُ على ذلك ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد (^٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (^٤): حدَّثنا عليُّ بنُ حُجر، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ألا لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ إلّا أن يكونَ ناكحًا أو ذا محرم".
وروَى عمرُ بنُ الخطاب، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة؛ فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهما" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الجوهريّ من مسند الموطأ (٢٧٧). وينظر في هذه المسألة كتاب: إشكال وجوابه في حديث أمّ حرام بنت ملحان لعليّ بن عبد اللَّه المطيري، فقد اشتمل على مباحث نفيسة وفوائد عديدة.
(٢) في ف ١: "فإنّ أمَّ"، وما أثبتناه من الأصل.
(٣) هو ابن عليّ الكنانيّ.
(٤) في السُّنن الكبرى ٨/ ٢٨٢ (٩١٧١). وأخرجه مسلم (٢١٧١) عن عليّ بن حُجر مقرونًا بيحيى بن يحيى النيسابوريّ، به. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٧٩٥٣)، وعنه عبد بن حميد في المنتخب (١٠٧١) كلاهما عن هشيم بن بشير الواسطي، به.
(٥) أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في مسنده (٢٤١)، ومن طريقه أحمد في المسند ١/ ٢٦٨ (١١٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٩/ ٣٢٩ (٣٧٠٨) و(٣٧٠٩)، وابن حبّان في صحيحه ١٦/ ٢٣٩ (٧٢٥٤)، والحاكم في المستدرك ١/ ١١٥، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٩١ (١٣٩٠٤) جميعهم من طريق محمد بن سُوقة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁. =
[ ١ / ٤٣٩ ]
وروَى ابنُ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا أن تكونَ منه ذاتَ مَحْرَم" (^١).
وروَى عبدُ اللَّه بنُ عمرِو بنِ العاص، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ-، قال: "لا يَدْخل (^٢) رجلٌ على مُغِيبةٍ (^٣) إلّا ومعه رجلٌ أو رجلان" (^٤).
_________________
(١) = وأخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وابن أبي عاصم في السُّنة (٨٨) و(٨٩٧)، والبزار في مسنده ١/ ٢٦٩ (١٦٦)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٨٦ (٩١٨١) من طريق النضر بن إسماعيل، عن محمد بن سُوقة، به. وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر، عن النبي -ﷺ-". قال بشار: هكذا قال الإمام الترمذي، وقد خطأ أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان رواية محمد بن سوقة هذه وذكروا أنَّ الصواب فيها: عن ابن الهاد، عن عبد اللَّه بن دينار، عن الزهري أنَّ عمر (علل الحديث ١٩٣٣ و٢٥٨٣ و٢٦٢٩)، وبيّن الإمام الدارقطني الاختلاف فيه على ابن سوقة، فقال: "رواه النضر بن إسماعيل وابن المبارك والحسن بن صالح عن محمد بن سوقة عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، بمتابعة رواية عبد اللَّه بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار. وخالفهما يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد فرواه عن عبد اللَّه بن دينار، عن محمد بن مسلم الزهري أنّ عمر خطب الناس بالجابية، وهو الصواب عن عبد اللَّه بن دينار"، وقال أيضًا: "والصحيح من ذلك رواية يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، عن عبد اللَّه بن دينار، عن الزهري، أنَّ عمر" (العلل ١١١). وينظر تعليقي على جامع الترمذي، وكتابنا: المسند المصنف المعلل ٢٢/ ٥٠٣ - ٥٠٥ (١٠٢١٧).
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٠٨ (١٩٣٤)، والبخاري (٣٠٠٦) و(٣٠٦١) و(٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٨٣ (٩١٧٤) من حديث أبي معبد نافذ مولى ابن عباس، عنه ﵄.
(٣) في الأصل، م: "يخلون"، وكتب ناسخ الأصل في الحاشية أنه في نسخة: "يدخل". والمثبت من بقية النسخ.
(٤) المُغيبة: التي غاب عنها زوجها. النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٩٩.
(٥) أخرجه أحمد في المسند ١١/ ١٦٨ (٦٥٩٥)، ومسلم (٢١٧٣)، والنسائي في الكبرى ٧/ ٤٠٦ (٨٣٣١) و٧/ ٢٨٣ (٩١٧٣) من حديث عبد الرحمن بن جُبير، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
[ ١ / ٤٤٠ ]
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (^١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (^٢): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقبةَ بنِ عامر، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "إيّاكم والدُّخولَ على النساء". فقال رجلٌ من الأنصار: أرأيْتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ الموتُ". وهذه آثارٌ ثابتةٌ بالنَّهْي عن ذلك، ومحالٌ أن يأتيَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ما يَنهَى عنه.
وفي هذا الحديثِ أيضًا إباحةُ أكلِ ما قدَّمَتْه المرأةُ إلى ضَيْفِها في بَيتِها من مالِها ومالِ زوجِها؛ لأنّ الأغلبَ أنَّ ما في البيتِ من الطعام هو للرجُل، وأنَّ يدَ زَوجَتِه فيه عارِيَة.
وقد اختلَف العلماءُ في هذا المعنى لاختلافِ الآثارِ فيه، وأحسنُ حديثٍ في ذلك وأصحُّه من جهةِ النَّقْلِ ما رواه ابنُ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكة، عن عبّادِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ الزُّبير، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، أنَّها جاءَتْ رسولَ اللَّه -ﷺ- فقالت: يا نبيَّ اللَّه، ليس لي شيءٌ إلّا ما أدخَل عليَّ الزُّبير، فهل عليَّ جُناحٌ أن أرضَخَ مما يُدخِلُ عليَّ؟ فقال: "ارضَخِي ما اسْتَطَعْتِ، ولا تُوكِي فيُوكِيَ اللَّهُ عليكِ" (^٣).
_________________
(١) هو ابن سعيد القيسي، أبو بكر القرطبي، يُعرف بابن أبي القراميد، وشيخه محمد بن معاوية: هو ابن عبد الرحمن القرشيّ الأموي المعروف بابن الأحمر، راوي السنن الكبرى عن النسائي.
(٢) في الكبرى ٨/ ٢٨٢ (٩١٧٢). وأخرجه البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢)، والترمذي (١١٧١) ثلاثتهم عن قتيبة بن سعيد، به.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٤٤/ ٥٤١ (٢٦٩٨٨)، والبخاري (١٤٣٤)، ومسلم (١٠٢٩) (٨٩)، والنسائي في الكبرى ٣/ ٥٨ (٢٣٤٣) و٨/ ٢٧٤ (٩١٤٩). وقوله -ﷺ- في آخره: "ولا تُوكي فيُوكي اللَّه عليك" أي: لا تشتدَّي وتُضيِّقي على نفسك في نفقتك. وكنّى عنه بالرّبط على ما في الوكاء. ينظر: المشارق ٢/ ٢٨٦.
[ ١ / ٤٤١ ]
وروَى الأعمشُ ومنصورُ بنُ المعتمر، جميعًا عن شقيقٍ أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا أنْفقَتِ المرأةُ من بَيتِ زوجِها غيرَ مُفسِدَة، كان لها أجْرٌ بما أنْفقَتْ (^١)، ولزوجِها أجرُ ما كسَب، وللخازنِ مثلُ ذلك، لا ينقُصُ بعضُهُم من أجرِ بعضٍ شيئًا" (^٢).
وهذان حديثانِ صحيحانِ مشهوران، لا يُختلَفُ في صحَّتِهما وثُبوتِهما، تَركْتُ الإتيانَ بطُرقِهما خشيةَ التَّطويل.
أخبرنا عبدُ الرَّحمن بن مروان (^٣)، قال: أخبَرنا أبو محمدٍ الحسنُ بنُ يحيى بن الحسنِ القُلْزُميُّ القاضي في دارِه بمصرَ سنةَ ثمانٍ وستِّين، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسفَ القاضي القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الفُرات، عن نافع بنِ يزيد، عن ابنِ الهادِ، عن مسلم بنِ الوليدِ بنِ رباح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّه سمِع رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تَصومُ وزوجُها شاهدٌ إلّا بإذنِه، ولا تأذَنُ لرجلٍ في بَيتِها وهو له كارِهٌ، وما تَصدَّقَتْ مما كَسبَه فلهُ أجرُ نصفِ صَدَقَتِها (^٤)، وإنّما خُلِقَتِ
_________________
(١) في ف ١: "أجرُها أنفقت"، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في البخاري.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٣٩). وأخرجه أحمد في المسند ١٠/ ٢٠١ (٢٤١٧١)، والبخاري (١٤٤٠)، ومسلم (١٠٢٤) (٨١)، وابن ماجة (٢٢٩٤)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٧٥ (٩١٥٤) من طريق الأعمش سليمان مهران وحده دون منصور بن المعتمر، به. وأخرجه البخاري (١٤٤١)، ومسلم (١٠٢٤) (٨٠)، والترمذي (٦٧٢)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٧٥ (٩١٥٣) من طريق منصور بن المعتمر وحده، به.
(٣) هو ابن عبد الرحمن الأنصاري، أبو المطرِّف، المعروف بالقنازعيّ.
(٤) في الأصل: "صدقة"، والمثبت من ق، ف ١.
[ ١ / ٤٤٢ ]
المرأةُ من ضِلَع، فلن تُصاحِبَها إلّا وفيها عِوَجٌ، فإن ذَهَبْتَ تُقيمُها كَسَرْتَها، وكسْرُك إيّاها فِراقُها" (^١).
وأمّا الآثارُ الواردةُ في الكراهةِ لذلك، فروَى ابنُ المبارك، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيد (^٢) بنِ جابر، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، قال: حدَّثني مَن سمِع النبيَّ -ﷺ- يقول: "لا تُنْفِقَنَّ امرأةٌ من بيتِها شيئًا إلّا بإذنِ زَوجِها". فقال رجلٌ: من الطعام يا رسولَ اللَّه؟ قال: "وهل أموالُنا إلّا الطعام؟ " (^٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٤): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في النفقة على العيال (٥٣١)، وابن حبّان في صحيحه ٩/ ٤٧٨ (٤١٧٠)، والطبراني في الأوسط ١/ ٩٣ (٢٨٢) من طرق عن يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد، به. ومتن الحديث صحيح من غير هذا الوجه عن أبي هريرة ﵁، وهذا إسنادٌ ضعيف، مسلم بن الوليد بن رباح وأبوه مجهولان، وباقي رجال الإسناد ثقات. نافع بن يزيد: هو الكَلاعي. ومعنى الحديث عند البخاري (٥١٩٥) من حديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ دون قوله في آخره: "وإنما خُلقت المرأة من ضلع أعوج. . . "، وهو صحيح، أخرجه مسلم (١٤٦٨) من حديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) في م: "زيد"، خطأ، وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥.
(٣) أخرجه الطبراني في مسند الشاميِّين ١/ ٣٦٠ (٦٢١)، والدارقطني في السنن ٥/ ١٢٢ (٤٠٦٦) و(٤٠٦٧) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به.
(٤) في المصنَّف ١١/ ١٤٩ (٣١٣٥٩)، ومن طريقه الطبراني في الكبير ٨/ ١٣٥ (٧٦١٥). وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ١٤٨ (٧٢٧٧) و٩/ ٤٨ (١٦٣٠٨)، والطيالسي في مسنده (١٢٢٣)، وسعيد بن منصور في سننه (٤٢٧) عن إسماعيل بن عياش، به. وأخرجه أحمد في المسند ٣٦/ ٦٢٨ (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٢٨٧٠)، و(٣٥٦٥)، وابن ماجة (٢٧١٣)، والترمذي (٦٧٠) و(٢١٢٠) من طرق عن إسماعيل بن عياش، به. إسماعيل بن عياش: وهو الحمصي، صدوقٌ حسن الحديث في روايته عن أهل بلده، وهذا منها، وباقي رجال الإسناد ثقات. شرحبيل بن مسلم الخولاني: ثقة، وثّقه يحيى بن معين في رواية الدوريّ وأحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٢٧٧١). وقد اقتصر الترمذي على تحسينه.
[ ١ / ٤٤٣ ]
عن شُرَحْبيلِ بنِ مسلم الخَوْلانيّ، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ الباهليَّ يقول: سمِعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقولُ في خُطبتِه عامَ حجَّةِ الوداع: "إنَّ اللَّهَ قد أعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث". وذكَر الحديث، وفيه: "لا تُنفِقُ امرأةٌ من بيتِ زوجِها إلّا بإذنِ زوجِها". قيل: يا رسولَ اللَّه، ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضلُ أموالِنا". وساق تمامَ الحديث.
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (^١)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٢): حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن ليث، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمان، عن عطاء، عن ابنِ عمرَ، قال: أتَتِ امرأةٌ النبيَّ -ﷺ- فقالت: يا نبي اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَمْنعُه نفسَها ولو كانت على ظَهْرِ قَتَبٍ" (^٣). فقالت: يا رسولَ اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تصومُ إلا بإذنِه، إلّا الفريضة، فإن فَعَلَتْ أثِمَتْ ولم يُقْبَلْ منها". قالت: يا رسولَ اللَّه، ما حَقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَصَّدَّقُ بشيءٍ من بيتِه إلا بإذنِه". قال: "فإن فعَلتْ كان له الأجرُ وعليها الوِزْرُ". قالت: يا رسولَ اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَخرُجُ من بيتِها إلّا بإذنِه،
_________________
(١) هو محمد بن وضّاح بن بزيع.
(٢) في المصنَّف (١٧٤٠٩). وإسناده ضعيفٌ. ليثٌ: هو ابن أبي سُليم ضعيفٌ، اختُلف حديثه فلم يتميَّز فتُرك، وقد رواه غير واحد عنه، عن عطاء بن أبي رباح نفسه، ولم يذكر عبدَ الملك بن أبي سليمان، ساق بعد رواياتهم الحافظ ابن حجر في المطالب العالية ٨/ ٣٣١ (١٦٦٤) ثم قال: "وهذا الاختلاف من ليث بن أبي سُليم، وهو ضعيفٌ".
(٣) القَتَب: هو الرَّحْل الصغير على قَدْر سنام البعير، والقَتَب للجَمَل بمنزلة الإكاف للحمار، قيل: إن نساء العرب كنَّ إذا أردْنَ الولادة جَلَسْنَ على قَتَبٍ، ويقُلْنَ: إنه أسلَسُ لخروج الولد، والمراد من ذكره هنا: الحثُّ لهُنَّ على مطاوعة أزواجِهِنَّ، وأنه لا يسَعُهُنَّ الامتناع في هذه الحال، فكيف في غيرها. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ١١.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فإنْ فعَلتْ لعَنتْها ملائكةُ اللَّه، وملائكةُ الرحمة، وملائكةُ الغَضَب، حتى تتوبَ أو تُراجِعَ". قالت: يا رسولَ اللَّه، وإن كان لها ظالمًا؟ قال: "وإن كان لها ظالمًا". قالت: والذي بعثَكَ بالحقِّ، لا يملكُ عليَّ أمري أحدٌ بعدَها أبدًا ما بَقِيتُ.
فإن كان ما أطْعَمتْه أمُّ حرام رسولَ اللَّه -ﷺ- من مالِ زوجِها عُبادةَ بنِ الصامتِ ولم يكنْ من مالِها، ففي هذا الحديثِ أيضًا إباحةُ أكلِ مالِ الصديقِ بغيرِ إذنِه، وقد اختلَف فيه العلماءُ إذا كان يَسيرًا، ليس مثلُهُ يُدَّخَرُ ولا يُتموَّلُ، ولم يَختلِفُوا في الكثيرِ الذي له بال، ويَحضُرُ النفسَ عليه الشُّحُّ به، أنّه لا يَحِلُّ إلّا عن طِيبِ نفسٍ من صاحبِه.
واختلَفوا في تأويل (^١) قولِ اللَّه ﷿: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]. وقد ذكَرنا هذا المعنَى فيما تقدَّم من كتابِنا هذا (^٢)، والحمدُ للَّه.
ومَنْ أجاز أكلَ مالِ الصديقِ بغيرِ إذنِه فإنّما أباحَه ما لم يتَّخِذ الآكِلُ خُبْنَةً (^٣)، ولم يَقصدْ بذلك وقايةَ مالِه، وكان تافهًا يَسيرًا، ونحوَ هذا.
وأمّا قولُه: "ناسٌ من أمَّتي عُرضُوا علَيَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه" فإنّه أراد، واللَّهُ أعلمُ، أنّه رأى الغُزاةَ في البحرِ من أُمَّتِه مُلُوكًا على الأسِرَّةِ في الجَنَّة، ورُؤياه وَحْيٌ -ﷺ-، ويَشهَدُ لقوله: "مُلُوكًا على الأسِرَّة" ما ذكَر اللَّهُ ﷿ في أهل الجَنّةِ بقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]. قال أهلُ التفسير: الأرائِكُ: السُّرُرُ
_________________
(١) "تأويل" لم ترد في الأصل، وهي ثابتة في ق، ف ١.
(٢) سيأتي في شرح الحديث الثاني والثلاثين لنافع، عن عبد اللَّه بن عمر رضي عنهما في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) الخُبْنَة: مَعْطِفُ الإزار، وطَرَفُ الثوب، أي: لا يأخذ منه في ثوبه، يقال: أخْبَنَ الرّجلُ: إذا خبَأ شيئًا في خُبْنِه: ثوبِه أو سراويلِه. النهاية في غريب الحديث ٢/ ٩.
[ ١ / ٤٤٥ ]
في الحِجَال. ومثلُه قولُه ﷿: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧، الصافات: ٤٤]. وهذا الخبرُ إنّما ورَد تَنبيهًا على فضلِ الجهادِ في البحرِ وتَرْغيبًا فيه.
وفي هذا الحديثِ أيضًا: إباحةُ ركوبِ البحرِ في الجهاد، وفيه إباحةُ الجهادِ للنساء، وقد رُوِيَ عن أمِّ عطيّةَ، قالت: كنا نَغْزُو مع رسولِ اللَّه -ﷺ- فنُمَرِّضُ المرضَى، ونُداوي الجَرْحَى، وكان يَرْضَخُ لنا من الغنيمة (^١).
واختلَف الفقهاءُ في الإسْهام للنساءِ من الغنيمةِ إذا غَزَوْنَ؛ فقال ابنُ وَهْب: سألتُ مالكًا عن النساء، هل يُحذَيْن من المغانم في الغزو؟ قال: ما عَلِمْتُ ذلك.
وقد أجاز قومٌ من أصحابِنا أن يُرضَخَ للنساءِ ما أمْكَن على ما يَراه الإمامُ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفة، والليثُ، والشافعيُّ، وأصحابُهم (^٢): لا يُسْهَمُ لامرأة، ويُرضَخُ لها. وقال الأوزاعي: يُسْهَمُ للنساء. وزعَم أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- أسْهَم للنساءِ بخَيبر. قال الأوزاعيُّ: وأخَذ بذلك المسلمون عندَنا (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣٤/ ٣٨٨ (٢٠٧٩٢)، ومسلم (١٨١٢) (١٤٢)، وابن ماجة (٢٨٥٦)، والنسائيّ في الكبرى ٨/ ١٤٥ (٨٨٢٩) من حديث حفصة بنت سيرين، عن أمِّ عطيِّة نُسيبة بنت الحارث ﵂ بنحوه.
(٢) ينظر: الأمّ للشافعي ٧/ ٣٦١، والأوسط لابن المنذر ٦/ ١٨٨، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣/ ٤٣١ - ٤٣٢، وبداية المجتهد لابن رشد ٢/ ١٥٥.
(٣) نقله عنه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم في كتابه الردّ على سير الأوزاعي ص ٣٧، والخطّابي في معالم السنن ٢/ ٣٠٧، وقال: "وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث، وإسناده ضعيف" قلنا: الحديث في مسند أحمد ٢١/ ٣٧ (٢٢٣٣٢) و٤٥/ ٤٢، وسنن أبي داود (٢٧٢٩)، والنسائي في الكبرى ٨/ ١٤٥ (٨٨٢٨)، وابن المنذر في الأوسط ٦/ ١٨٩ (٦٥٧٣) من طريق رافع بن سلمة الأشجعي، عن حشرج بن زياد الأشجعي، عن جدّته أمِّ أبيه، وفيه قولها: "فلمّا فتح اللَّه خيبر أخرج لنا سهامًا كسهام الرِّجال". وإسناده ضعيف لجهالة حشرج بن زياد الأشجعي، فلم يرو عنه غير رافع بن سلمة، ولم يرد إلا عن جدَّته لأبيه أمّ زياد الأشجعية.
[ ١ / ٤٤٦ ]
قال أبو عُمر: أحْسَنُ شيءٍ في هذا الباب ما كتَب به ابنُ عباسٍ إلى نَجْدَةَ الخارجيّ: إنَّ النساءَ كُنَّ يَحْضرْنَ فيُداوينَ المرضَى، ويُحذَين (^١) من الغنيمة، ولم يُضْرَبْ لهنَّ بسهم (^٢).
وفيه إباحةُ رُكُوبِ البَحْرِ للنساء، وقد كان مالكٌ ﵀ يَكرَهُ للمرأةِ الحجَّ في البحر، فهو في الجهادِ لذلك أكْرَهُ، واللَّهُ أعلم.
وقال بعضُ أصحابِنا من أهلِ البصرة: إنّما كَرِه ذلك مالكٌ لأنَّ السُّفُنَ بالحجازِ صغارٌ، وأنَّ النساءَ لا يَقْدِرْنَ على الاستِتارِ عندَ الخلاءِ فيها لضيقِها وتزاحُم الناس فيها، وكان الطَّريقُ من المدينةِ إلى مكةَ على البرِّ ممكنًا، فلذلك كَرِه ذلك مالكٌ. قال: وأمّا السُّفُنُ الكبارُ نحوُ سُفُنِ أهل البَصْرَة، فليس بذلك بأسٌ. قال: والأصلُ أنَّ الحجَّ فَرْضٌ على كلِّ مَن استَطاعَ إليه سبيلًا من الأحرارِ البالِغين؛ نساءً كانوا أو رِجالًا، إذا كان الأغلبُ من الطّريقِ الأمنَ، ولم يَخُصَّ برًّا من بحر، فإذا كان طريقُهم على البحر، أو تَعذَّر عليهم طريقُ البَرّ، فذلك لازمٌ لهم مع الاستِطاعة.
وفي هذا الحديث ما يَدُلُّ على رُكوبِ البحرِ للحَجِّ؛ لأنّه إذا رُكِبَ للجهاد، فهو للحَجِّ المفترضِ أوْلَى وأوْجَبُ. وذكَر مالكٌ ﵀ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان يَمنعُ الناسَ من رُكوبِ البحر، فلم يَركَبْه أحدٌ طُولَ حياتِه، فلمّا مات استَأذَن معاويةُ عثمانَ في رُكوبِه فأذِنَ له، فلم يَزَلْ يُركَبُ حتى كان أيّامُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز (^٣)، فمنَع الناسَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز من رُكوبِه، ثم رُكِب بعدَه إلى الآن.
_________________
(١) أي: يُعْطَيْنَ. النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٥٨.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٣٢ (١٩٦٧)، ومسلم (١٨١٢)، وأبو داود (٢٧٢٨)، والترمذي (١٥٥٦) عن يزيد بن هرمز، عنه ﵄.
(٣) ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد ١٧/ ٢٤ - ٢٥.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وهذا إنّما كان من عمرَ وعمرَ (^١) ﵄ في التجارةِ وطَلبِ الدنيا، واللَّهُ أعلم، وأمّا في أداءِ فريضةِ الحجِّ فلا، والسُّنَّةُ قد أباحَتْ رُكوبَه للجهادِ في حديثِ إسحاق، عن أنس، وحديثِ غيرِه، وهي الحُجَّةُ وفيها الأُسوَة، فرُكوبُه للحَجِّ أوْلَى قياسًا ونَظَرًا، والحمدُ للَّه.
ولا خلافَ بينَ أهلِ العلم أنَّ البحرَ إذا ارْتَجَّ لم يَجُزْ رُكوبُه لأحدٍ بوجهٍ من الوُجوهِ في حينِ ارْتجاجِه.
ذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٢): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليث، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال عمرُ: لا يَسألُني اللَّهُ عن جيشٍ رَكِبوا البحرَ أبدًا؛ يعني التغرير.
وفيه التَّحَرِّي في الإتيانِ بألفاظِ النبيِّ -ﷺ-، فقد ذهَب إلى هذا جماعةٌ، ورخَّص آخَرون في الإتيانِ بالمعاني، وقد أوضحْنا هذا المعنَى في بابٍ أفرَدْناه له في كتاب "جامع بيان العلم وفضلِه وما يَنبغي في روايتِه وحَملِه" (^٣)، وسيأتي من هذا البابِ ذكرٌ في مواضعَ من هذا الكتاب إن شاء اللَّه (^٤).
وفيه أنَّ الجهادَ تحتَ رايةِ كلِّ إمام جائزٌ ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لأنّه -ﷺ- قد رأى الآخرينَ مُلُوكًا على الأسِرَّةِ كما رأى الأوَّلينَ، ولا نهايةَ للآخرينَ إلى يوم قيام الساعة، قال اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ
_________________
(١) يعني: ابنَ الخطاب، وابنَ عبد العزيز.
(٢) في المصنَّف (١٩٧٥٧)، وإسناده ضعيف لضعف ليث: وهو ابن أبي سُليم، وكيع: هو ابن الجراح، وسفيان: هو الثوري.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٣٣٩ - ٣٥٣.
(٤) في أثناء شرح الحديث الثاني لصفوان بن سُليم، وهو في الموطأ ١/ ٥٥ (٤٥)، وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٤٤٨ ]
إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]. وقال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، وهذا على الأبد.
وفيه فضلٌ لمعاويةَ ﵀، إذ جعَل من غَزا تحتَ رايتِه من الأوَّلين، ورُؤْيا الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عليهم وَحْيٌ، الدليلُ على ذلك قولُ إبراهيمَ ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فأجابَه ابنُه: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وهذا بَيِّنٌ واضحٌ. وقالت عائشة: أوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللَّه -ﷺ- من الوَحْي الرُّؤيا الصادقة، فكان لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح (^١).
وفي فرح رسولِ اللَّه -ﷺ- واستِبْشارِه وضَحِكِه بدُخولِ الأجرِ على أُمَّتِه بعدَه، سُرورًا بذلك، بيانُ ما كان عليه رسولُ اللَّه -ﷺ- من المُناصحةِ لأُمَّتِه، والمَحبّةِ فيهم، وفي ذلك دليل على أنَّ من علامةِ المؤمنِ سُرُورَه لأخيه بما يُسَرُّ به لنفسِه.
وإنّما قلنا: إنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على رُكُوبِ البحرِ للجهادِ وغيرِه، للنساءِ والرِّجال، إلى سائرِ ما استَنبَطْنا منه؛ لاستِيقاظِ رسولِ اللَّه -ﷺوهو يَضحَكُ فرحًا بذلك، فدَلَّ على جوازِ ذلك كلِّه وإباحتِه وفضلِه، وجعَلْنا المباحَ مما يُركَبُ فيه البحرُ قياسًا على الغزوِ فيه.
ويَحتملُ بدليلِ هذا الحديثِ أن يكونَ الموتُ في سبيلِ اللَّه والقتلُ سواءً، أو قريبًا من السَّواءِ في الفضل؛ لأنَّ أُمَّ حَرام لم تُقتَلْ، وإنّما ماتَتْ من صَرْعةِ دابَّتِها، وقال لها رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أنتِ من الأوَّلين". وإنّما قلتُ: أو قريبًا من السَّواء.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٢/ ١١٣ (٢٥٢٠٢)، والبخاري (٣) و(٤٩٥٣) و(٦٩٨٢)، ومسلم (١٦٠)، والترمذي (٣٦٣٢) من حديث عروة بن الزُّبير، عنها ﵂.
[ ١ / ٤٤٩ ]
لاختلافِ الناسِ في ذلك؛ فمن أهلِ العلم من جعَل الميِّتَ في سبيلِ اللَّه والمقتولَ سَواءً، واحْتَجَّ بقولِ اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآيتين جميعًا [الحج: ٥٨ - ٥٩]. وبقولِه تبارَك اسمُه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ﴾ [النساء: ١٠٠]. وبقولِ النبيِّ -ﷺ- في حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عَتِيك: "مَن خرَج من بَيتِه مُجاهدًا في سبيلِ اللَّه، فخَرَّ عن دابَّتِه فمات، أو لدَغتْه حيّةٌ فمات، أو مات حَتْفَ أنْفِه، فقد وقَع أجْرُه على اللَّه، ومَن ماتَ قَعْصًا (^١) فقد اسْتوجَب المآبَ" (^٢). وبقَوْلِ فَضالةَ بنِ عُبيدٍ: ما أبالي من أيِّ حُفْرَتَيْهِما بُعِثْتُ؛ ذكَر ذلك ابنُ المبارك (^٣)، عن ابنِ لَهِيعَة، عن سَلامانَ بنِ عامر، عن
_________________
(١) قوله: "مات قَعْصًا" القَعْص: الموت المُعَجّل. قال أبو عبيد: "القَعْص أن يُضرب الرجل بالسلاح أو بغيره فيموت في مكانه" يقال: قَعَصْتُه وأقعصته: إذا قتلتَه قتْلًا سريعًا. غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ٦٨، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ٨٨.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٩٦٧٦)، وأحمد في المسند ٢٦/ ٣٤٠ (١٦٤١٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥/ ١٣ - ١٤، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٣٦)، وفي الآحاد والمثاني ٤/ ١٥٩ (٢١٤٣)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة ٤/ ٨٠ (١٦١٨)، والطبراني في الكبير ٢/ ١٩١ (١٧٧٨)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٨٨، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٣/ ١٧٢٨)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ١٦٦ (١٩٠٠٦) من طرق عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن محمد بن عبد اللَّه بن عتيك السَّلميّ، عن أبيه عبد اللَّه بن عتيك، به. وإسناده ضعيف، محمد بن عبد اللَّه بن عتيك مجهول، فقد تفرد بالرواية عنه محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وذكره ابن حبان في "الثقات" وهو شبه لا شيء، وباقي رجال إسناده ثقات. ومحمد بن إسحاق صرّح بالتحديث عند أبي نعيم.
(٣) في الجهاد له (٦٦). وإسناده ضعيفٌ، عبد الرحمن بن جحدم الخولاني مجهول تفرّد بالرواية عنه سلامان بن عامر الشّعْباني، وسلامان من رجال التعجيل ١/ ٥٩٥ (٣٩٣) روى عنه ثلاثة، وقال الحافظ ابن حجر عن ابن يونس: كان رجلًا صالحًا.
[ ١ / ٤٥٠ ]
عبدِ الرَّحمنِ بنِ جَحدم (^١) الخَوْلانيِّ، عن فَضالةَ بنِ عُبَيْد، في حديثٍ ذكَر فيه رَجُلين؛ أحدُهما أُصيبَ في غَزاةٍ بمَنْجَنِيق، والآخَرُ مات هناك، فجلَس فَضالةُ عندَ الميت، فقيل له: ترَكْتَ الشَّهيدَ ولم تَجلِسْ عندَه! فقال: ما أُبالي من أيِّ حُفْرَتَيْهما بُعِثْتُ. ثم تلا قولَه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ الآيةَ كلَّها [الحج: ٥٨].
قال أبو عُمر: قد ثبَت عن رسولِ اللَّه -ﷺ- أنّه سُئِلَ: أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ فقال: "مَنْ أُهْرِيق دَمُه، وعُقِرَ جَوادُه". ولم يَخُصَّ بَرًّا من بَحْر. رواه أبو ذَرٍّ وغيرُه (^٢).
_________________
(١) "جحدم" لم يرد في ف ١.
(٢) حديث أبي ذرٍّ ﵁، أخرجه ابن حبّان في المجروحين ٣/ ١٢٩ (١٢٢٤)، وابن عديّ في الكامل ٧/ ٢٤٤، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٤ من طرق عن يحيى بن سعيد السعيدي البصري، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عُبيد بن عمير، عنه ﵁. وإسناده ضعيف جدًّا، يحيى بن سعيد السعيدي، قال عنه ابن حبّان: "شيخ يروي عن ابن جريج المقلوبات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يحلُّ الاحتجاج به إذا انفرد". وقال ابن عدي: "وهذا الحديث ليس له من الطرق إلّا من رواية أبي إدريس الخولاني والقاسم بن محمد، عن أبي ذرّ، والثالث حديث ابن جريج، وهذا أنكر الروايات، ويحيى بن سعد (كذا سمّاه سعد بخلاف ما في المصادر، وذكر أن هذا الصواب في اسمه" هذا يُعرف بهذا الحديث. قلنا: رواية أبي إدريس الخولاني عند ابن حبّان في صحيحه ٢/ ٧٦ - ٧٩ (٣٦١)، وأبي نعيم في حلية الأولياء ١/ ١٦٦ - ١٦٨. ورواية القاسم بن محمد، وهو ابن عباد المهلّبي البصريّ، عند ابن ماجة (٤٢١٨) مختصرًا، وفي إسناده الماضي بن محمد المصري، وهو ضعيف. وهذا الحديث باللفظ المذكور عند المصنِّف صحيح من غير حديث أبي ذرّ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٩٦٦٩)، وأحمد في المسند ٢٢/ ١٢٠ (١٤٢١٠) و٢٢/ ١٣٨ (١٤٢٣٣)، والدارمي في سننه (٢٣٩٢) من طريق سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع الواسطي، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، به. وإسناده صحيح، أبو سفيان طلحة بن نافع صدوق حسن الحديث، ولكن أحاديث الأعمش عنه مستقيمة كما هو موضَّحٌ في تحرير التقريب (٣٠٣٥)، وسيأتي بإسناد المصنف. =
[ ١ / ٤٥١ ]
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن محمدِ بنِ مسلم بنِ عائِذ، عن عامرِ بنِ سعد، عن سعد، أنَّ رجلًا جاء ورسولُ اللَّه -ﷺ- يُصَلِّي، فقال حينَ انتهَى إلى الصَّفِّ: اللَّهُمَّ آتِني أفضلَ ما تُؤْتِي عبادَك الصالحين. فلمّا قضَى رسولُ اللَّه -ﷺ- صلاتَه، قال: "مَن المتكَلِّمُ آنِفًا؟ ". قال: أنا يا رسولَ اللَّه. قال: "إذن يُعْقَرَ جوادُك، وتُستشهَدَ في سبيلِ اللَّه" (^١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبَة، قال (^٢): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) = وأخرجه أحمد في المسند ٢٤/ ١٢٢ (١٥٤٠١)، وعنه أبو داود (١٤٤٩) كلاهما عن حجّاج بن محمد المِصِّيصي، عن عبد الملك بن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان النوفلي، عن عليّ الأزدي، عن عبيد بن عُمير، عن عبد اللَّه بن حُبشيّ، به. علي الأزدي: هو علي بن عبد اللَّه البارقي، صدوق حسن الحديث كما في تحرير التقريب (٤٧٦٢)، وعبيد بن عُمير: هو ابن قتادة الليثي وُلد على عهد النبي -ﷺ- فيما قال مسلم بن الحجاج كما في التقريب (٤٣٨٥)، وبقيّة رجاله ثقات، وقد صرّح ابن جريج بالتحديث في المصدرين، فانتفت شُبهة تدليسه. قال بشار: هذا حديث معلول تناوله البخاري في تاريخه الكبير ٥/ ٢٥ وبيّن الاختلاف فيه على عبيد بن عمير، كما تناوله ابن أبي حاتم في العلل (١٩٤١)، وبين هذا الاختلاف وصَوّب عن أبيه رواية عبيد بن عمير المرسلة.
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى ٩/ ٤١ (٩٨٤١)، وابن السُّنيّ في عمل اليوم والليلة (١٠٦)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٠٧ من طريق إبراهيم بن حمزة الزُّبيريّ، به. وأخرجه البخاري في تاريخه الكبير ١/ ٢٢٢ (٦٩٦)، والبزار في مسنده ٣/ ٣١٨ (١١١٢) و(١١١٣)، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ٥٦ (٦٩٧) و٢/ ١٠٨ (٧٦٩)، وابن حبّان في صحيحه ١٠/ ٤٩٦ (٤٦٤٠) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ، به. ورجال إسناده ثقات غير محمد بن مسلم بن عائذ: وهو المدنيّ، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: "مقبول"، يعني: حيث يُتابع، ولم يُتابع في هذا.
(٣) في المصنَّف (١٩٦٧٠)، ورجال إسناده ثقات. المسعوديُّ: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عُتبة بن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، أجمع جهابذة الجرح والتعديل على توثيقه، منهم =
[ ١ / ٤٥٢ ]
المسعوديُّ، عن عمرِو بنِ مُرّة، عن عبدِ اللَّه بنِ الحارث، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الجهادِ أفْضلُ؟ قال: "مَن عُقِر جَوادُه، وأُهْريقَ دَمُه".
وبهذا الإسناد، عن وَكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبيِّ -ﷺ- مثلَه (^١).
وإذا كان مَنْ أهْرِيقَ دَمُه وعُقِرَ جَوادُه أفضلَ الشُّهداء، عُلِم أنّه مَنْ لم يكنْ بتلك الصفةِ فهو مفضولٌ، وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ يَضرِبُ مَن يَسمَعُه يقول: من قُتِلَ في سبيلِ اللَّه فهو شَهِيد. ويقول لهم: قولوا: من قُتِل في سبيلِ اللَّه فهو في الجنّة (^٢).
_________________
(١) = أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعليّ بن الديني وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٣٩١٩)، وكان أعلم الناس بحديث عبد اللَّه بن مسعود في زمانه، لكنه اختلط قبل موته بسنتين، وسماع وكيع: وهو ابن الجراح، منه قديم. وقد تابعه ابن الحجّاج، رواه عنه الطيالسي في مسنده (٢٣٨٦)، به. وأخرجه أحمد في المسند ١١/ ٣٩٨ (٦٧٩٢) عن وكيع بن الجراح ويزيد بن هارون، عن المسعودي، به. عبد اللَّه بن الحارث: هو الزّبيدي المُكتب.
(٢) المصنَّف لابن أبي شيبة (١٩٦٦٩)، وقد سلف الكلام عليه مع تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه الحميديّ في مسنده (٢٣)، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٢ (٢٨٥) و١/ ٤١٩ (٣٤٠) عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن أبي تميمة السَّختيانيّ، عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء، به. وأخرجه النسائي (٣٣٤٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة، عن أيوب السختياني وعبد اللَّه بن عون وسلمة بن علقمة وهشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، به. وأخرجه ابن حبّان في صحيحه ١٠/ ٤٨١ (٤٦٢٠) من طرق عن يزيد بن هارون، عن عبد اللَّه بن عون وهشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات غير أبي العجفاء واسمه هرِم بن نسيب، وقيل بالعكس، فهو صدوق حسن الحديث، وثّقه يحيى بن معين والدارقطني، وروى عنه جمعٌ كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٤٢٤٦)، وقد صرّح محمد بن سيرين بسماعه منه في الموضع الثاني عند أحمد.
[ ١ / ٤٥٣ ]
قال أبو عُمر: لأنَّ شرطَ الشهادةِ شديدٌ، فمن ذلك ألّا يَغُلَّ، ولا يَجْبُن، وأن يُقتَلَ مُقبِلًا غيرَ مُدبر، وأنْ يُياسِرَ الشَّريكَ، ويُنفقَ الكريمة، ونحوُ هذا، كما قال مُعاذ (^١)، واللَّهُ أعلم.
ورَوينا في هذا المعنَى عن عبدِ اللَّه بن عمرِو بنِ العاص، أنّه قال: لا تَغُل، ولا تُخْفِ غُلُولًا، ولا تُؤذِ جارًا ولا رفيقًا ولا ذِمِّيًّا، ولا تَسُبَّ إمامًا، ولا تَفِرَّ من الزَّحف (^٢). يعني: ولك الشَّهادةُ إنْ قُتِلْتَ.
واختَلَفوا أيضًا في شهيدِ البحر، أهو أفضلُ أم شهيدُ البرِّ؟
فقال قوم: شهيدُ البرِّ أفضلُ. واحتجُّوا بقولِه -ﷺ-: "أفضلُ الشُّهداءِ مَن عُقِرَ جوادُه، وأُهْريق دمُه" (^٣).
_________________
(١) في الحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٦٠٠ (١٢٤٠) عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن معاذ بن جبل ﵁ موقوفًا. وإسناده منقطع؛ فإن يحيى بن سعيد لم يسمع من معاذ. ويروى مرفوعًا، أخرجه أحمد في المسند ٣٦/ ٣٦٨ (٢٢٠٤٢)، والدارمي (٢٤١٧)، وأبو داود (٢٥١٥)، والنسائي في المجتبى (٣١٨٨) و(٤١٩٥)، وفي الكبرى ٤/ ٣٠٩ (٤٣٨٢) و٧/ ١٨٧ (٧٧٧٠) و٨/ ٧٤ (٨٦٧٧) من طرق عن بقيّة بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي بحرية عبد اللَّه بن قيس، عن معاذ بن جبل، عن رسول اللَّه -ﷺ-، به. وإسناده ضعيف، بقيّة بن الوليد ضعيف ويدلّس تدليس التسوية، ولا يُقبل منه إلّا أن يصرِّح في جميع طبقات السند. وينظر: العلل للدارقطني ٦/ ٨٤ (٩٩٧). وقوله: "يُياسِرَ الشريك" معناه: الأخْذَ باليُسْر في الأمر، والسُّهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما. ينظر: معالم السُّنن ٢/ ٢٤٣.
(٢) أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الجهاد (٢٥٤) عن موسى بن أيوب الغافقيّ، قال: حدَّثني رجل، أنّ مولًى لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أتى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فقال: إنّي أريد غزْوَ البحر، فأوْصِني، قال، فذكره. وإسناده ضعيف لجهالة الرجل بين موسى بن أيوب، وعبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٣) سلف تخريجه قريبًا.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقال آخَرون: شهيدُ البحرِ أفضلُ، والغزوُ في البحرِ أفضلُ. واحتجُّوا بحديثٍ مُنقطع الإسنادِ عن النبيِّ -ﷺ- أنّه قال: "من لم يُدركِ الغَزْوَ معي فليَغْزُ في البحر، فإنَّ غَزاةً في البحرِ أفضلُ من غزوتينِ في البرِّ، وإنَّ شهيدَ البحرِ له أجرُ شهيدَي البرِّ، وإنَّ أفضلَ الشُّهداءِ عندَ اللَّه يومَ القيامةِ أصحابُ الوُكُوف". قالوا: يا رسولَ اللَّه، وما أصحابُ الوُكُوف؟ قال: "قومٌ تكفَّأُ بهم مراكبُهُم في سبيل اللَّه" (^١).
وعن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، أنّه قال: غزوةٌ في البحرِ أفضلُ من عَشْرِ غزَواتٍ في البرِّ؛ ذكَره ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، عن يحيى بنِ سعيد، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، قال: غزوةٌ في البحرِ أفضلُ من عَشْرٍ في البرِّ، والمائدُ فيه كالمتَشَحِّط في دَمِه (^٢).
وعن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍ وأيضًا أنّه قال: لأنْ أغْزُوَ في البحرِ غزوةً أحبُّ إليَّ
_________________
(١) أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الجهاد (١٩٦)، وعبد الرزاق في المصنَّف ٥/ ٢٨٥ (٩٦٣١)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٩٧٥١) من طرق عن علقمة بن شهاب القشيري، عن النبي -ﷺ-. وإسناده منقطع كما ذكر المصنِّف، وعلقمة راوي الحديث مجهول الحال ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٦/ ٤٠٦ (٢٢٦٧). وقال عن أبيه: "روى عنه ابنه محفوظ بن علقمة وسعيد بن عبد العزيز" وكذا البخاري في تاريخه الكبير ٧/ ٤٣ (١٨٧) وذكر "عفير" بدل "محفوظ". فالحديث ضعيف لجهالة علقمة وإرساله.
(٢) الحديث الموقوف أخرجه عبد الرزاق ٥/ ٢٨٥ (٩٦٣٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٣٩٥)، وغيرهما من طرق عن عطاء بن يسار. ويُروى مرفوعًا، أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (٢٨٠)، والطبراني في الكبير ١٣/ ٦٥٤ (١٤٥٨١)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٤٤ من طريق عبد اللَّه بن صالح، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عطاء بن يسار، به، مرفوعًا. وفي إسناده اختلاف على يحيى بن سعيد ذكره البيهقي في الكبرى ٤/ ٣٣٤. وقوله: "والمائد": هو الذي يُدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج. النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣٧٩.
[ ١ / ٤٥٥ ]
من أنْ أُنفِقَ قِنطارًا مُتقبَّلًا في سبيلِ اللَّه. وإسنادُه ليس به بأسٌ (^١)؛ ذكَره ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن يحيَى بنِ ميمون، عن أبي سالم الجَيْشانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص.
وذكَر ابنُ وَهْبِ أيضًا، عن عمرِو بنِ الحارث، عن سعيدِ بنِ أبي هلال، عن كعبِ الأحبار، أنّه قال: أفضلُ الشُّهداءِ الغريقُ؛ له أجرُ شهيدين، وإنّه يُكتبُ له من الأجرِ من حينِ يَركبُه حتى يُرسيَ كأجرِ رجلٍ ضُرِبَتْ في اللَّه عُنقُه، فهو يَتَشَحَّطُ في دمِه (^٢).
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (^٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٤): حدَّثنا محمدُ بنُ بكّارٍ العَيْشيُّ، قال: حدَّثنا مروانُ، قال: أخبرنا هلالُ بنُ ميمونٍ الرَّمليُّ، عن يعلَى بنِ شدّاد، عن أُمِّ حرام، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "المائِدُ في البَحرِ الذي يُصيبُهُ القَيْءُ له أجرُ شهيد، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين".
_________________
(١) لعله ذكر ذلك لأجل يحيى بن ميمون: وهو الحضرميّ، أبو عمرة المصري، فهو صدوق حسن الحديث كما في التقريب (٧٦٥٧)، وباقي رجال الإسناد ثقات. عمرو بن الحارث: هو ابن يعقوب الأنصاري المصري، وأبو سالم الجيشاني: هو سفيان بن هانئ المصريّ، تابعيٌّ مخضرم، ويقال: له صُحبة.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٩٨) عن عبد اللَّه بن وهب المصريّ، به.
(٣) هو ابن يحيى التُّجيبي، المعروف بابن الزيّات، وشيخه محمد بن بكر: هو أبو بكر ابن داسة التمّار، ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٤/ ٣٣٥ (٨٩٢٩).
(٤) في سننه (٢٤٩٣). وأخرجه الحميدي في مسنده (٣٤٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٨٥) و(٢٨٦)، وفي الآحاد والمثاني (٣٣١٥) والدوري في تاريخه عن يحيى ٣/ ٤٠ (١٦٢) وعنه -يعني عن العباس بن محمد الدُّوري الدُّولابي في الكنى والأسماء (١٨٥٤) - والطبرانيُّ في الكبير ٢٥/ ١٣٣ (٣٢٤) جميعهم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، به. ورجال إسناده ثقات غير هلال بن ميمون الرَّمْلي، فهو صدوق حسن الحديث. يعلى بن شدّاد: هو ابن أوس الأنصاري، وهو ثقة، روى عنه جمعٌ، ووثّقه ابن سعد، وذكره ابن حبّان في الثقات وقال عنه الذهبي في الميزان شيخ مستور محله الصدق. . . وقد وثق. ثم إننا لا نعلم فيه جرحًا، كما في تحرير التقريب (٧٨٤٣).
[ ١ / ٤٥٦ ]
قال أبو عُمر: قد ذكَرنا ما بلَغَنا في ذلك، ورُوِيَ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﵇ أنّه قال: "لا يركبُ البَحرَ رجلٌ إلّا غازيًا، أو حاجًّا، أو مُعتمرًا، فإنَّ تحتَ البحرِ نارًا"، الحديثَ (^١). وهو حديثٌ ضعيفٌ مُظْلمُ الإسناد، لا يُصحِّحُه أهلُ العلم بالحديث؛ لأنَّ رُواتَه مجهولون لا يُعرَفون، وحديثُ أمِّ حرام هذا يَرُدُّه، وفيما رواه يعلَى بنُ شدّادٍ عن أُمِّ حرام كفايةٌ في ردِّه.
وقد ذكَر أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٢): حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، عن ليث، عن مُجاهد، قال: لا يَركبُ البحرَ إلا حاجٌّ، أو غازٍ، أو مُعتمرٌ.
وأكثرُ أهلِ العلم يُجِيزون رُكوبَ البحرِ في طلبِ الحَلالِ إذا تعذَّرَ البَرُّ ورُكِب البحرُ في حينٍ يَغلبُ عليه فيه السُّكونُ، وفي كُلِّ ما أباحَه اللَّهُ ولم يَحْظُرْه، على حديثِ أمِّ حرام وغيرِه، إلّا أنّهم يَكْرهُون رُكوبَه في الاسْتغزارِ من طلبِ الدُّنيا والاستكثارِ من جمْع المال، وباللَّه التوفيق.
ذكَر أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٣): حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن يُونسَ، عن الحسن، أنَّ عمرَ بنَ الخطاب قال: عَجِبْتُ لراكبِ البحر.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٩٣)، وعنه أبو داود (٢٤٨٩)، ومن طريقه -يعني سعيد بن منصور- الطبراني في الكبير ١٣/ ٥٨٤ (١٤٤٩٩)، والبيهقي في الكبرى ٦/ ١٨ (١١٤٠٧) جميعهم عن إسماعيل بن زكريّا الخُلْقانيّ، عن مطرِّف بن طريف الكوفيّ، عن بشر بن أبي عبد اللَّه، عن بشير بن مسلم الكندي، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، به. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٠٤ (١٨٤٦) عن أبي الربيع الزُّهرانيّ سليمان بن داود العَتَكي، عن إسماعيل بن زكريّا الخُلْقانيّ، عن مطرِّف بن طريف، عن بشير أبي عبد اللَّه الكندي، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄. وهو حديث ضعيف لجهالة بشير بن مسلم الكندي وبشر أبو عبد اللَّه الكندي كما في التقريب (٧٢١) و(٧٠٩)، وللاضطراب في إسناده، وقد بيَّنه البخاري في تاريخه وقال: "لم يصحَّ حديثه".
(٢) في المصنَّف (١٩٧٥٥). ليث: هو ابن أبي سُليم، ضعيفٌ، ومجاهدٌ: هو ابن جبر المكّي.
(٣) في المصنَّف (١٩٧٥٦)، وإسناده ضعيف، فإن الحسن البصري لم يسمع من عمر ﵁. عبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى الساميّ، ويونس: هو ابن عُبيد البصْريّ.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وقولُه في حديثِ إسحاقَ في هذا الباب: "يَركبُونَ ثبجَ هذا البحر" يعني: ظهرَ هذا البحر.
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^١): حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ (^٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفانُ. وأخبرنا عُبيدُ بنُ محمدٍ -واللفظُ لحديثِه- قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا حجّاجُ بنُ منهال، قالا: حدَّثنا حمادُ بنُ (^٣) سلَمة، عن يحيى بنِ سعيد -وقالا في حديثِ عفّان: قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيد- عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، عن أنسِ بنِ مالك، عن أُمِّ حرام، قالت: بينما رسولُ اللَّه -ﷺ- قائلًا في بيتي، فاستَيقظَ وهو يَضحكُ، فقلتُ: بأبي أنت يا رسولَ اللَّه، ممَّ تَضحكُ؟ قال: "عُرضَ عليَّ ناسٌ من أُمَّتي يَركَبون ظهرَ البحر، كالملوكِ على الأسِرَّة". فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أنْ يَجعَلَني منهم. قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْها منهم". ثم نام فاستَيقظَ
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السِّفر الثاني ٢/ ٧٩٢ (٣٤٢٨). وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٨/ ٤٣٥، وأحمد في المسند ٤٤/ ٥٨٣ (٢٧٠٠٣)، وأبو عوانة في المستخرج ٤/ ٤٩٥ (٧٤٦١)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ١٣٢ (٣٢١) من طريق عفّان بن مسلم الصفّار، به. وأخرجه أحمد في المسند ٤٤/ ٥٨١ (٢٧٠٣٢)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٨٣) من طريق حمّاد بن سلمة، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات. عُبيد بن محمد شيخ المصنِّف: هو ابن عُبيد، أبو عبد اللَّه القرطبي، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري. وهو عند البخاري (٢٨٩٤)، ومسلم (١٩١٢) من طريق حمّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، به.
(٢) قوله: "وأخبرنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ" سقط من الأصل.
(٣) قوله: "حماد بن" سقط من م.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وهو يَضحكُ، فقلتُ: بأبي أنت يا رسولَ اللَّه، ممَّ تَضحكُ؟ قال: "عُرضَ عليَّ ناسٌ من أُمَّتي يَركَبون ظهرَ البحر، كالملوكِ على الأسِرَّة". فقلتُ: ادعُ اللَّهَ أنْ يَجعَلَني منهم. قال: "أنتِ من الأوَّلينَ". فغزَتْ مع زوجِها عُبادةَ بنِ الصّامتِ في البحر، فلمّا قَفَلوا وقَصَتْها بغلةٌ لها فماتَتْ.
هكذا في هذا الحديث: فغزَتْ مع زَوجِها عُبادةَ بنِ الصّامت. وروَى هذا الحديثَ أبو طُوالةَ القاضي (^١) عبدُ اللَّه (^٢) بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أنسٍ، قال: اتَّكَأ رسولُ اللَّه -ﷺ- عندَ بنتِ مِلحان. فساقَ هذا الحديثَ بنحوِ ما ذكَرنا، إلّا أنّه قال في آخرِه: فنكَحتْ عُبادةَ بنَ الصّامت، فركِبَتْ مع ابنةِ قَرَظَة، فلمّا قفَلتْ وقَصَتْ بها دابَّتُها فقتَلتْها فدُفِنَتْ ثَمَّ؛ ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٣): حدَّثنا حُسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أنس.
_________________
(١) قوله: "أبو طوالة القاضي" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في ق، ف ١.
(٢) في ف ١: "عبيد اللَّه"، وهو تحريف.
(٣) في المصنَّف (١٩٧٤٩)، وعنه أبو يعلى في مسنده ٦/ ٣٤٧ (٣٦٧٥) من طريقه -يعني ابن أبي شيبة- ابنُ بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ١/ ٣٠٢. وأخرجه أبو عوانة في المستخرج ٤/ ٤٩٣ (٧٤٥٨) من طريق حسين بن عليٍّ الجُعفيّ، به. ومتن الحديث صحيح، وهذا إسنادٌ ضعيف، لأجل حسين بن عليٍّ الجُعفيُّ، وباقي رجال إسناده ثقات. زائدة: هو ابن قدامة. ورُويَ بإسنادٍ آخر صحيح، أخرجه أحمد في المسند ٢١/ ٣٠٥ - ٣٠٦ (١٣٧٩٠) عن معاوية بن عمرو الأزديّ، عن زائدة بن قُدامة، به. وهو عند مسلم (١٩١٢) (١٦٢) من طريق عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري، به. وابنة قرظة: هي فاختة، وقيل: كنود، بنت قرظة بن عبد بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف القرشية، زوج معاوية بن أبي سفيان، غزت معه غزوة قبرس، وكان أميرها، وذلك في سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين. ينظر: تاريخ خليفة بن خيّاط ص ١٦٠، والإصابة لابن حجر ٨/ ٤٧ (١١٥٦٩).
[ ١ / ٤٥٩ ]
وذكَر ابنُ وَهْب، عن حفصِ بنِ مَيْسَرةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ هذا الحديثَ بمعناه، وقال: قال عطاءُ بنُ يسار: فشَهِدْتُ أنا تلكَ الغزوةَ مع المنذرِ بنِ الزُّبير، فكانت معه في غَزوتِنا، فماتَتْ بأرضِ الرُّوم (^١).
وذكَر خليفةُ بنُ خيّاط (^٢)، عن ابنِ الكلبيِّ، قال: وفي سنةِ ثمانٍ وعشرينَ غزَا معاويةُ بنُ أبي سفيانَ في البحر ومعه امرأتُه فاخِتَةُ بنتُ قَرظَةَ من بني عبدِ مناف، ومعه عُبادةُ بنُ الصّامتِ ومعه امرأتُه أُمُّ حرام بنتُ مِلحانَ الأنصاريّةُ، فأتَى قُبرُسَ، فتُوفِّيتْ أُمُّ حرام، فقبرُها هناك.
قال أبو عُمر: لم يختلفْ أهلُ السِّيَر فيما علمتُ أنّ غَزاةَ معاويةَ هذه المذكورةَ في حديثِ هذا الباب، إذْ غزتْ معه أُمُّ حرام، كانت في خلافةِ عثمان، لا في خلافةِ معاوية.
قال الزُّبيرُ بن أبي بكر: ركبَ معاويةُ البحرَ غازيًا بالمسلمينَ في خلافةِ عثمانَ بن عفّانَ إلى قُبْرس ومعه أُمُّ حرام بنتُ مِلْحانَ زوجةُ عُبادةَ بنِ الصّامت، فرَكِبَتْ بَغْلتَها حينَ خرجتْ من السَّفينة، فصُرِعَتْ عن دابَّتِها فماتَتْ.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٥/ ١٣٤ (٣٢٥) من طريق حفص بن ميسرة العُقيليّ، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٥/ ٢٨٤ (٩٦٢٩)، وعنه إسحاق بن راهوية في مسنده (٢٢٦٩)، وأحمد في المسند ٤٥/ ٤٤٥ (٢٧٤٥٤) ثلاثتهم عن معمر بن راشد، عن زيد بن أسلم، به. وإسناده صحيح.
(٢) في تاريخه ص ١٦٠.
[ ١ / ٤٦٠ ]