حديثٌ أوَّلُ لصالح بن كَيْسانَ مُسندٌ
مالكٌ (^١)، عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُتبةَ بن مَسعُودٍ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: صلَّى لنا رسُولُ اللَّه -ﷺ- صَلاةَ الصُّبحِ بالحُديبيةِ، على إثرِ سَماءٍ كانت من اللَّيلِ، فلمّا انصرَفَ، أقبَلَ على النّاسِ، فقال: "أتدرُونَ ماذا قال ربُّكُم؟ " قالوا: اللَّهُ ورسُولُهُ أعلمُ. قال: "أصبَحَ من عِبادي مُؤمن بي، وكافِرٌ، فأمّا من قال: مُطِرنا بفَضْلِ اللَّه وبرَحْمَتِهِ، فذلك مُؤمنٌ بي، كافِرٌ بالكَوْكبِ، وأمّا من قال: مُطِرنا بنَوءِ كذا وكذا، فذلك كافِرٌ بي، مُؤمنٌ بالكَوْكبِ".
وهذا الحديثُ رواهُ ابنُ شِهاب، عن عُبيدِ اللَّه، عن زَيْدٍ (^٢)، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- فلم يُقِمهُ كإقامةِ صالح بن كَيْسان، ولم يَسُقهُ كسياقتِهِ. قال فيه: "قال اللَّه: ما أنعَمْتُ على عِبادي من نِعمةٍ، إلّا أصبَحَ فريقٌ منهُم بها كافِرينَ، يقولون: الكَوْكبُ وبالكَوْكبِ".
هكذا حدَّث به يُونُسُ بن يزيد وغيرُهُ، عنِ ابنِ شِهابٍ (^٣).
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ (٥١٦).
(٢) هكذا في النسخ المتوفرة، م: "زيد" ولا يصحّ ذلك، إنما رواه يونس بن يزيد عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ١٤/ ٣٥٣، ٤١٠ (٨٧٣٩، ٨٨١١)، ومسلم (٧٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٤، وفي الكبرى ٢/ ٣٢٧ (١٨٤٨)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٥٨ من طريق يونس، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٤٦٦ (١٢٦٤٥). قال الإمام الدارقطني في العلل (٢١٢١): "اختُلف على عبيد اللَّه؛ فقال الزهري: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة، قاله يونس، عن الزهري. ورواه صالح بن كيسان، عن عبيد اللَّه، عن زيد بن خالد الجهني، وهو الصواب".
[ ١٠ / ٣١٣ ]
وفي لفظِ هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ الكُفرَ هاهُنا، كُفرُ النِّعَم، لا كُفرٌ باللَّه.
ورَوَى هذا الحديث سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن صالح بن كَيْسانَ، بإسنادِهِ، وقال فيه: "ألم تَسْمعُوا ما قال ربُّكُمُ اللَّيلةَ؟ قال: ما أنعَمْتُ على عِبادي من نِعمةٍ، إلّا أصبَحَ طائفةٌ منهُم بها كافِرينَ، يقولُون: مُطِرنا بنَوْءِ كذا، وبنَوءِ كذا، فأمّا من آمنَ بي وحَمِدني على سُقْياي، فذلك الذي آمنَ بي، وكفر بالكَوْكبِ، ومن قال: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا (^١)، فذلك الذي كفرَ بي، وآمنَ بالكَوْكبِ" (^٢).
ورَوَى سُفيانُ بن عُيَينةَ أيضًا، عن إسماعيلَ بن أُميّةَ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- سمِعَ رجُلًا في بعضِ أسفارِهِ يقولُ: مُطِرنا ببعضِ عثانينِ الأسَدِ (^٣)، فقال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "كذَبَ، بل هُو سُقْيا اللَّه ﷿" (^٤). قال سُفيانُ: عثانينُ الأسدِ: الذِّراعُ والجَبْهةُ.
وقال الشّافِعيُّ (^٥): لا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يقول: مُطِرنا بنَوءِ كذا، وإن كان النَّوءُ عندَنا: الوقتَ، والوَقْتُ مخلُوقٌ لا يضُرُّ ولا ينفعُ، ولا يُمطِرُ، ولا يَحبِسُ شيئًا من المطرِ، والذي أُحِبُّ أن يقول: مُطِرنا وقتًا كذا، كما يقولُ: مُطِرْنا شَهْرَ كذا، ومن قال: مُطِرنا بنوءِ كذا، وهُو يُريدُ أنَّ النَّوءَ أنزلَ الماءَ، كما كان بعضُ
_________________
(١) في ف ٣: "وبنوء كذا".
(٢) أخرجه الحميدي (٨١٣)، وأحمد في مسنده ٢٨/ ٢٨٢ (١٧٠٤٩)، والبخاري (٧٥٠٣)، والبزار في مسنده ٩/ ٢٢٨ (٣٧٧١)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٤، وفي الكبرى ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧ (١٨٤٧)، وأبو عوانة (٦٧)، والطبراني في الكبير ٥/ ٢٤١ - ٢٤٢ (٥٢١٥) من طريق سفيان بن عيينة، به. وانظر: المسند الجامع ٥/ ٥٥٧ - ٥٥٨ (٣٩٠٢).
(٣) الأسد: أحد بروج السماء، بين السرطان والعذراء، وزمنه من ٢٣ يوليو، تموز، إلى ٢٢ اغسطس، آب. انظر: المعجم الوسيط، ص ١٧.
(٤) أخرجه الطبري في نفسيره ٢٢/ ٤٢٠، و٢٣/ ١٥٥، من طريق سفيان بن عيينة، به.
(٥) انظر: الأم ٢/ ٢٥٢.
[ ١٠ / ٣١٤ ]
أهلِ الشِّركِ من أهلِ الجاهِليّةِ يقولُ، فهُو كافِرٌ، حلالٌ دمُهُ، إن لم يَتُب. هذا معنى (^١) قولِه.
أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: على إثْرِ سماءٍ كانت من اللَّيلِ. فإنَّهُ أرادَ: على إثر غيث (^٢) نزلَ من اللَّيلِ، والعَرَبُ تُسمِّي السَّحابَ، والماءَ النّازِل منهُ: سَماءً، قال الشّاعِرُ، وهُو أحدُ فُصحاءِ العربِ (^٣):
إذا نزلَ السَّماءُ بأرضِ قومٍ رَعَيناهُ وإن كانوا غِضابا
يعني: إذا نزلَ الماءُ بأرضِ قوم، ألا تَرى أنَّهُ قال: رعيناهُ (^٤)، فذكَّرَ، لأنه أرادَ الماء، ولو أرادَ السَّماءَ لأنَّثَ، لأنَّها مُؤَنَّثةٌ، فقال: رعيناها.
وقولُهُ: رعيناهُ. يعني الكلأ النّابِت من الماءِ، فاسْتَغنى بذِكرِ الضَّميرِ، إذِ الكلامُ يدُلُّ عليه.
وهذا من فصيحِ كلام العربِ، ومِثلُهُ في القُرآنِ كثيرٌ.
وأمّا قولُهُ، حاكيًا عنِ اللَّه ﷿: "أصبَحَ من عِبادي مُؤمِنٌ بي وكافِرٌ". فمعناهُ عِندِي على وجهينِ: أمّا أحدُهُما، فإنَّ المُعتقِدَ، أنَّ النَّوءَ هُو المُوجِبُ لنُزُولِ الماءِ، وهُو المُنشِئُ للسَّحابِ، دُونَ اللَّه ﷿، فذلك كافِرٌ كُفرًا صَرِيحًا، يجِبُ اسْتِتابتُهُ عليه وقَتْلُهُ، لنَبذ الإسلامَ، وردِّهِ القُرآنَ.
والوجهُ الآخرُ: أن يعتقِدَ أنَّ النَّوءَ يُنزِلُ اللَّهُ به الماءَ، وأنَّهُ سَببُ الماءِ على ما قَدَّرهُ اللَّه، وسبقَ في عِلمِهِ، فهذا وإن كان وجهًا مُباحًا، فإنَّ فيه أيضًا كُفرًا بنِعمةِ
_________________
(١) في م: "من".
(٢) في م: "سحابًا حيث" بدل: "على إثر غيث".
(٣) هو معود الحكماء معاويه بن مالك، كما جاء في لسان العرب ١٤/ ٣٩٩.
(٤) بعد هذا في الأصل: "يعني الكلأ النابت من الماء"، ولا معنى له لأنه سيكرره والمثبت من بقية النسخ.
[ ١٠ / ٣١٥ ]
اللَّه ﷿، وجَهْلًا بلطيفِ حِكْمتِهِ؛ لأنَّهُ يُنزِلُ الماءَ متى شاءَ، مرّة بنَوءِ كذا، ومرّةً دُونَ النَّوءِ، وكثيرًا ما يخوى (^١) النَّوءُ، فلا ينزِلُ معهُ شيءٌ من الماءِ، وذلك من اللَّه، لا من النَّوءِ.
وكذلك كان أبو هريرةَ يقولُ، إذا أصبحَ وقد مُطِر: مُطِرنا بنوءِ الفَتْح، ثُمَّ يتلُو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (^٢) الآيةَ [فاطر: ٢]. وهذا عِندي نحوُ قولِ رسُولِ اللَّه -ﷺ-: "مُطِرنا بفَضْلِ اللَّه وبرَحمتِهِ".
ومن هذا قولُ عُمرَ بن الخطّابِ للعبّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، حينَ اسْتَسقى به: يا عمَّ رسُولِ اللَّه، كَمْ بقي من نوءِ الثُّريّا؟ فقال العبّاسُ: العُلماءُ بها يزعُمُونَ أنَّها تَعْترِضُ في الأُفُقِ سبعًا (^٣). فكأنَّ عُمرَ، ﵀، قد علِمَ أنَّ نوءَ الثُّريّا وقَتٌ يُرجَى فيه المطرُ ويُؤَمَّلُ، فسألهُ عنهُ: أخرَجَ، أم بَقِيت منهُ بقيّةٌ؟
ورُوِي عنِ الحسنِ البصريِّ، أنَّهُ سمِعَ رجُلًا يقولُ: طلَعَ سُهَيلٌ، وبرَدَ اللَّيلُ. فكرِهَ ذلك، وقال: إنَّ سُهَيلًا لم يأتِ قَطّ بحرٍّ ولا بَردٍ.
وكرِهَ مالكُ بن أنَسٍ أن يقول الرَّجُلُ للغَيْم والسَّحابةِ: ما أخْلقَها للمَطَرِ (^٤).
وهذا من قولِ مالكٍ، مع رِوايتِهِ: "إذا أنشأت (^٥) بَحريّةٌ" (^٦) يَدُلُّ على أنَّ
_________________
(١) في د ٤، ف ٣: "يجري". والخاوية: أي الخالية، كما قال تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: خالية. وخوت الدار، وخويت: خلت من أهلها، وأرض خاوية: خالية من أهلها، وقد تكون خاوية من المطر. انظر: لسان العرب ١٤/ ٢٤٥.
(٢) أخرجه في الموطأ ١/ ٢٦٧ (٥١٨).
(٣) أخرجه الحميدي (٩٧٩)، والطبري في تفسيره ٢٣/ ١٥٥، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٥٩.
(٤) انظر: الاستذكار ٢/ ٤٣٧.
(٥) قال القاضي عياض في مشارق الأنوار ٢/ ٢٨: "يقال: نشأت السحابة تنشأ إذا ابتدأت بالارتفاع، وأنشأت: بدأت بالمطر".
(٦) أخرجه في الموطأ ١/ ٢٦٧ (٥١٧).
[ ١٠ / ٣١٦ ]
القومَ احتاطُوا، فمَنعُوا النّاسَ من الكلام بما فيه أدْنَى مُتعلَّقٍ من أمرِ الجاهِليّةِ، في قولِهِم: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا، على ما فسَّرناهُ، واللَّه أعلمُ، وسيأتي القَولُ في معنى قولِهِ: "إذا أنشأت بحريّةٌ" في مَوْضِعِهِ إن شاءَ اللَّه.
والنَّوءُ في كلام العربِ، واحِدُ أنواءِ النُّجُوم، يقالُ: ناءَ النَّجمُ ينُوءُ، أي: نهضَ يَنْهضُ للطُّلُوع، وقد يكونُ أن يَميلَ للمَغيبِ، ومنهُ (^١) قيلَ: ناوأتُ فُلانًا بالعَداوةِ. أي: ناهَضتَهُ، ومنهُ قولُهُم: الحِمْلُ ينُوءُ بالدّابّةِ. أي: يَميلُ بها، وكلُّ ناهِضٍ، بثِقَلٍ وإبطاءٍ، فقد ناءَ.
والأنواءُ على الحَقِيقةِ: النُّجُومُ التي هي مَنازِلُ (^٢) القمرِ، وهي ثمانٍ وعِشرُونَ مَنْزِلةً، يبدُو لعينِ النّاظِرِ منها أرْبَعةَ عشَرَ مَنْزِلًا، ويخفى أرْبَعةَ عشَر، فكلَّما غابَ منها مَنْزِلٌ بالمغرِبِ، طلع رَقيبُهُ من المشرِقِ، فليسَ يُعدمُ منها أبدًا أربعةَ عشَرَ للنّاظِرينَ في السَّماءِ، وإذا لم يَنْزِل مع النَّوءِ ماءٌ، قيل: خَوَى النَّجمُ وأخْوَى، وخَوَى النَّوءُ وأخْلَفَ.
وأمّا العربُ فكانت تُضيفُ المطرَ إلى النَّوءِ، وهذا عندهم معرُوفٌ مَشْهُورٌ في أخبارِهِم وأشْعارِهِم.
فلمّا جاءَ الإسلامُ، نَهاهُم رسُولُ اللَّه -ﷺ- عن ذلك، وأدَّبهُم وعرَّفهُم ما يقولُونَ عندَ نُزُولِ الماءِ، وذلك أن يقولُوا: "مُطِرْنا بفَضلِ اللَّه ورحمتِهِ"، ونحوَ هذا من الإيمانِ والتَّسليم، لما نطقَ به القُرآنُ.
وأمّا أشعارُ العَربِ في إضافتِها نُزُولَ الماءِ إلى الأنواءِ، فقال الطِّرِمّاحُ (^٣):
_________________
(١) في م: "ومما".
(٢) إلى هنا انتهى مجلد دار الكتب المصرية المصوّر بمعهد المخطوطات برقم (١٦٧)، والذي رمزنا له د ٤.
(٣) ديوانه، ص ٦٨.
[ ١٠ / ٣١٧ ]
محاهُنَّ صيِّبُ نَوْءِ الرَّبيعِ من الأنجم العُزلِ والرّامِحهْ (^١)
فسمَّى مَطَرَ السِّماكِ ربيعًا، وغيرُهُ يجعلُهُ صيفًا، وإنَّما جَعلهُ الطِّرِمّاحُ ربيعًا، لقُربِهِ من آخِرِ الشِّتاءِ، ومن أمْطارِهِ.
وإذا كان المطرُ بأوَّلِ نَجم من أنواءِ الصَّيفِ، جازَ أن يجعلُوهُ رَبِيعًا، ويقالُ للسِّماكِ: الرّامِحُ، وذُو السِّلاح. وهُو رَقيبُ الدَّلوِ، إذا سقطَ الدَّلوُ، طلعَ السِّماكُ، والسِّماكُ، والدَّلوُ، والعَوّاءُ، من أنجُم الخَريفِ، قال عديُّ بن زيدٍ (^٢):
في خَريفٍ سقاهُ نوءٌ من الدَّلـ ـوِ تَدَلَّى ولم يُوازِ العَراقَى
والعربُ تُسمِّي الخريفَ ربيعًا، لاتِّصالِهِ بالشِّتاءِ، وتُسمِّي الرَّبيعَ المعرُوف عندَ النّاسِ بالرَّبيع صيفًا، وتُسمِّي الصَّيف قَيْظًا.
وتذهبُ في ذلك كلِّه غيرَ مذاهِب الرُّوم، فأوَّلُ الأزمنةِ عندَها: الخريفُ، وليسَ هذا موضِع ذِكْرِ مَعانيها، ومعاني الرُّوم في ذلك.
وكان أبو عُبيدةَ يروي بيت زُهَيرٍ (^٣):
وغَيْثٍ من الوَسْميِّ حُوٍّ (^٤) تِلاعُهُ وِجادتهُ من نَوْءِ السِّماكِ هواطِلُهْ
وقال آخرُ:
ولازالَ نوءُ الدَّلوِ يَسْكُبُ وَدْقهُ بكِنٍّ (^٥) ومن نوءِ السِّماكِ غمامُ
_________________
(١) العزل والرامحة: هما نجمان نيران، وهما السماكان، أحدهما في الشمال، وهو السماك الرامح، والآخر في الجنوب، وهو السماك الأعزل. انظر: المعجم الوسيط، ص ٤٥٠.
(٢) انظر: الأزمنة والأمكنة لأبي علي المرزوقي، ص ١٢٩.
(٣) انظر: شرح ديوانه، ص ١٢٧.
(٤) الحوّ: الشديد الخضرة الضارب إلى السواد، والتلاع: مجاري الماء من أعالي الأرض.
(٥) في الأصل: "يكن" وفي ف ٣: "يسكن".
[ ١٠ / ٣١٨ ]
وقال الأسودُ بن يَعفُرِ النَّهشليُّ (^١):
بيضٌ مَساميحُ (^٢) في الشِّتاءِ وإن أخلَفَ نجمٌ عن نوئهِ وُبِلُوا
وقال الراجِزُ:
بشِّر بني عِجْلٍ بنَوءِ العَقْربِ إذ أخْلَفَتْ أنواءُ كلِّ كَوْكبِ
يُريدُ (^٣) أنَّ أنواءَ النُّجُوم أخلَفَتْ كلُّها فلم تمُطِر، فأتاهُمُ المطرُ في آخِرِ الرَّبيع بنوءِ العَقْربِ، وهُو عندَهُم غيرُ محمُود، لأنَّهُ ماء دقٌّ (^٤) دنيءٌ.
وقال رُؤبةُ (^٥):
وجفَّ أنواءُ السَّحابِ المُرتزقْ
أي: جفَّ البَقلُ الذي كان بالأنواءِ، أقامَ ذِكرَ الأنواءِ، مقامَ ذِكرِ البَقلِ، استِغناءً بأنَّ المُرادَ معلُومٌ، وهذا نحو قولِ القائلِ الذي قدَّمنا ذِكرَ قولِهِ:
إذا نزلَ السَّماءُ بأرضِ قوم
وهُو يُريدُ الماءَ النّازِل من السَّماءِ.
وأشعارُ العربِ بذِكرِ الأنواءِ كثيرةٌ جِدًّا.
والعَربُ تعرِفُ من أمْرِ الأنواءِ، وسائرِ نُجُوم السَّماءِ، ما لا يعرِفُهُ غيرُها، لكَثْرةِ ارْتِقابِها لها، ونَظَرِها إليها، لحاجتِها إلى الغَيْثِ وفِرارِها من الجَدْبِ، فصارَتْ لذلك تَعرِفُ النُّجُوم الجَواري، والنُّجُوم الثَّوابِت، وما يَسِيرُ منها مُجتمِعًا،
_________________
(١) البيت في ملحق ديوانه، ص ٦٨ (١)، ولسان العرب ٩/ ٩٤، والمحكم ٥/ ٢٠٤.
(٢) في م: "مسامح".
(٣) في م: "يدلك".
(٤) في ف ٣: "ماء دبي" وفي م: "ودق".
(٥) ديوانه، ص ١٠٥. وفيه: "الربيع" بدل: "السحاب".
[ ١٠ / ٣١٩ ]
وما يسيرُ فارِدًا، وما يكونُ منها راجِعًا، ومُسْتقيمًا، لأنَّ من كان في الصَّحاري والصَّحاصِح (^١) الأماليس (^٢) حيثُ لا أمارةَ ولا هادي، طَلَبَ الآثار (^٣) في الرَّملِ والأرضِ، وعرفَ الأنواءَ، ونُجُوم الاهتِداءِ.
وسُئلَتْ أعرابيّةٌ، فقيل لها: أتَعرِفينَ النُّجُومَ؟ فقالت: سُبحانَ اللَّه، أما أعرِفُ أشباحًا وُقُوفًا عليَّ في كلِّ ليلةٍ؟
وسمِعَ بعضُ أهلِ الحَضَرِ أعرابيًّا، وهُو يتفنَّنُ في وَصْفِ نُجُوم ساعاتِ اللَّيلِ، ونُجُوم الأنواءِ، فقال لمن حَضَرهُ: أما تَرى هذا الأعرابيَّ يعرِفُ من النُّجُوم ما لا نعرفُ؟ فقال: ويلُ أُمِّكَ، من لا يَعرِفُ أجذاعَ (^٤) بَيْتِهِ؟
ومِن هذا الباب قولُ ابنِ عبّاسٍ في المرأةِ التي جَعلَ زَوْجُها أمرَها بيَدِها، فطلَّقت نَفسَها: خطَّأَ اللَّهُ نَوْءَها (^٥). أي: أخْلَى اللَّهُ نوءَها من المَطَرِ. والمعنى: حَرَمها اللَّهُ الخَيرَ، كما حرَمَ من لم يُمطَر وقتَ المطرِ.
وقال ابنُ عبّاسٍ في قولِ اللَّه ﷿: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] هُو الاستِمطارُ بالأنواءِ (^٦).
حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عُثمان، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن خُمَيرٍ وسعيدُ بن عُثمانَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن صالح،
_________________
(١) في ف ٣: "الصحاح". والصحاصح، جمع الصحصح: وهو الأرض الجرداء المستوية. انظر: لسان العرب ٢/ ٥٠٨.
(٢) في م: "الملساء".
(٣) في م: "المنائر".
(٤) في م: "أجداع". والجذع: هو ساق النخلة ونحوها، جمعه أجذاع، وجذوع. انظر: المعجم الوسيط، ص ١١٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١١٩١٤، ١١٩١٨، ١١٩٢٠)، وسعيد بن منصور (١٦٤١، ١٦٤٢)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٣٤٩.
(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٤/ ٢٢٩، وعزاه إلى عبد بن حميد.
[ ١٠ / ٣٢٠ ]
قال: حدَّثنا النَّضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عِكرِمةُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا أبو زُمَيلٍ، قال: حدَّثني ابنُ عبّاسٍ، قال: مُطِرَ النّاسُ على عَهدِ النَّبيِّ -ﷺ-، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "أصبَحَ من النّاسِ شاكِرٌ وكافِرٌ، قال بعضُهُم: هذه رحمةٌ وضَعَها اللَّه، وقال بعضُهُم: لقد صدَقَ نوءُ كذا وكذا". قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتّى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^١) [الواقعة: ٧٥ - ٨٢].
قال أبو عُمر: قال أهل العلم (^٢): الرِّزقُ في هذه الآيةِ، بمعنى الشُّكرِ، كأنَّهُ قال: وتجعلُونَ شُكركُم للَّه على ما رَزَقكُم من المالِ، أن تَنْسُبُوا ذلك الرِّزقَ إلى الكوْكبِ.
وقال ابنُ قتيبةَ: ومن هذا، واللَّهُ أعلمُ، قال رُؤبةُ:
وجفَّ أنواءُ السَّحابِ المُرتزِقْ
وأمّا قولُهُ -ﷺ- في حديثِ ابنِ عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عتّابِ بن حُنَينٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قال: "لو أمسَكَ اللَّهُ القَطْرَ عن عِبابٍ خمسَ سِنينَ، ثُمَّ أرْسَلهُ، لأصْبَحَتْ طائفةٌ من النّاسِ كافِرينَ، يقولُون: سُقِينا بنَوءِ المِجْدَح" (^٣). فمَعناهُ كمعنَى ما مَضَى من الحديثِ، في هذا البابِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٣)، وأبو عوانة (٦٨)، والطبراني في الكبير ١١٩٨ (٢/ ١٢٨٨٢)، وأبو نعيم في المستخرج (٢٣٢) من طريق النضر بن محمد، به. وانظر: المسند الجامع ٣٥٥ - ٣٥٦ (٥٩١٢).
(٢) قوله: "قال أهل العلم" لم يرد في م.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٧٤، والحميدي (٧٥١)، وأحمد في مسنده ١٧/ ٩٥ (١١٠٤٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٥، وفي الكبرى ٢/ ٣٢٧ (١٨٤٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣/ ٢١٦ (٥٢١٨)، وابن حبان ١٣/ ٥٠٠ (٦١٣٠)، والطبراني في الدعاء (٩٦١)، والمزي في تهذيب الكمال ١٩/ ٢٩٠، من طريق ابن عيينة، به. وانظر: المسند الجامع ٦/ ١٦٣ (٤١٧٩).
[ ١٠ / ٣٢١ ]
وأمّا المِجْدَحُ، فإنَّ الخليلَ زَعمَ أَنَّهُ نَجمٌ، كانتِ العَربُ تَزعُمُ أنَّها تمُطرُ به. قال: ويقالُ: أرسلَتِ (^١) السَّماءَ مجَاديحُ الغَيْثِ. قال: ويقالُ: مجِدَحٌ، ومجُدحٌ، بالكسرِ والضَّمِّ (^٢).
أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعينٍ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى (^٣)، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيبٍ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "ثلاثٌ لن يزَلْنَ في أُمَّتي: التَّفاخُرُ في الأحْسابِ، والنِّياحةُ، والأنْواءُ" (^٤) (^٥).
_________________
(١) في م: "أرسل".
(٢) انظر: العين ٣/ ٧٣.
(٣) في الأصل، ف ٣، م: "يحيى بن زكريا"، مقلوب. وهو زكريا بن يحيى بن عمارة الأنصاري، أبو يحيى الذارع البصري. انظر: تهذيب الكمال ٩/ ٣٨١.
(٤) أخرجه الضياء في المختارة (٢٢٩٦) من طريق أحمد بن الحسن، به. وأخرجه البزار في مسنده ١٣/ ٥٩ (٦٣٨٥)، وأبو يعلى (٩٣١١، ٩٣١٢)، والمحاملي في آماليه (٨)، والضياء في المختارة (٢٢٩٧، ٢٢٩٨) من طريق زكريا بن يحيى، به.
(٥) جاء في حاشية الأصل: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
[ ١٠ / ٣٢٢ ]