حديثٌ رابعٌ لنُعَيم موقُوفٌ
مالكٌ (^١)، عن نُعَيم بن عبدِ اللَّه المُجْمِرِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: من تَوضَّأ فأحسَنَ الوُضوءَ، ثُمَّ خرَجَ عامِدًا إلى الصَّلاةِ، فإنَّهُ في صَلاةٍ، ما كانَ (^٢) يَعمِدُ إلى الصَّلاةِ، وإنَّهُ ليُكْتَبُ لهُ بإحْدَى خُطوَتَيهِ حَسَنةٌ، وتُمْحَى عنهُ بالأُخْرَى سيِّئةٌ، فإذا سَمِعَ أحدُكُمُ الإقامةَ فلا يَسْعَ، فإنَّ أعْظَمكُم أجرًا، أبعدُكُم دارًا. قالوا: لمَ يا أبا هريرةَ؟ قال: منْ أجْلِ كَثْرةِ الخُطا.
هكذا هذا الحديثُ موقُوفٌ في "المُوطَّأ" لم يتجاوَزْ به أبا هريرةَ، ولم يُختَلف على مالكٍ في ذلك، ومعناهُ يتَّصِلُ ويَسْتنِدُ إلى النَّبيِّ -ﷺ- من طُرُقٍ صِحاح، من غيرِ حديثِ نُعَيم عن أبي هريرة، ومن حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (^٣)، وغيرِهِ عنِ النَّبيِّ -ﷺ-. والأسانِيدُ فيه صِحاحٌ كلُّها، ومِثلُهُ أيضًا لا يقالُ بالرَّأي.
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤):
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ١/ ٧١ - ٧٢ (٦٩).
(٢) في م: "دام"، والمثبت من النسخ، وزعم ناشر الطبعة المغربية أن رواية يحيى "ما دام" وأنه في سائر نسخ الموطأ، وهو تعليق غريب، فإن نسخ الموطأ توافق ما أثبتناه، وكذا طبعتنا وطبعة المجلس العلمي.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ١٧/ ٢١ (١٠٩٩٤)، وعبد بن حميد (٩٨٤)، والدارمي (٧٠٥)، وابن ماجة (٤٢٧، ٧٧٦)، وأبو يعلى (١٣٥٥)، وابن حبان ٢/ ١٢٧ (٤٠٢)، والبيهقي في الكبرى ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (٤٢٦٧)، وفي إسناده ضعف فإنه من رواية عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف عند التفرد إنما يعتبر به عند المتابعة، ولم يتابع في إسناد هذا الحديث.
(٤) في سننه (٥٥٩). وأخرجه البخاري (٤٧٧)، وابن حبان ٥/ ٣٩١ (٢٠٤٣) من طريق مسدد، به. وأخرجه أحمد في مسنده ١٢/ ٣٩٨ (٧٤٣٠)، ومسلم ١/ ٤٥٩ (٦٤٩) (٢٧٢)، وابن ماجة (٢٨١، ٧٧٤، ٧٨٦، ٧٩٩)، وابن خزيمة (١٤٩٠، ١٥٠٤)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٦١، من طريق أبي معاوية، به. وأخرجه الطيالسي (٢٥٣٦)، والبخاري (٦٤٧، ٢١١٩)،=
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "صَلاةُ الرَّجُلِ في جَماعةٍ، تزِيدُ على صلاتِهِ في بَيْتِهِ وفي سُوقِهِ بخَمْسٍ وعِشرِينَ درجةً، وذلك أنَّ أحدَكُم إذا توضَّأ فأحسَنَ الوُضُوءَ، وأتَى المسجِدَ لا يُرِيدُ إلّا الصَّلاةَ، لا ينهَزُهُ (^١) غيرُها، لم يَخْطُ خُطوةً، إلّا رَفَعَ اللَّهُ لهُ بها درجةً، وحَطَّ عنهُ بها خَطِيئةً حتّى يدخُلَ المسجِدَ، فإذا دخَلَ المسجِدَ، كان في صَلاةٍ ما كانت الصَّلاةُ تحبِسُهُ، والملائكةُ تُصلِّي على أحَدِكُم ما دامَ في مجلِسِهِ الذي صلَّى فيه، تقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عليه، ما لم يُؤذِ فيه أو يُحدِثْ فيه (^٢).
قال أبو عُمر: آخِرُ هذا الحديثِ عندَ مالكٍ (^٣)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -ﷺ-: "الملائكةُ تُصلِّي على أحَدِكُم ما دامَ في مُصلّاهُ. . . " الحديثَ.
وبهذا الإسنادِ عندَ مالكٍ (^٤)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ مرفُوعًا أيضًا، قولُهُ -ﷺ-: "لا يزالُ أحَدُكُم في صَلاةٍ، ما كانتِ الصَّلاةُ تحبِسُهُ، لا يَمْنعُهُ أن ينقلِبَ إلى أهلِهِ إلّا الصَّلاةُ".
وعندَهُ في فضْلِ الجماعةِ، حديثُهُ (^٥) عنِ ابنِ شِهاب، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ. وحديثُهُ (^٦) عن نافع عنِ ابنِ عُمرَ، كِلاهُما عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) = والترمذي (٦٠٣)، والبزار في مسنده ١٦/ ١٢٩ (٩٢١٦)، وأبو عوانة (١١٥٠)، والبغوي في شرح السنة (٤٧١) من طريق الأعمش، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٧٠٠ - ٧٠١ (١٣٠٠٨).
(٢) أي: لا يدفعه. والنهز: الدفع، يقال: نهزت الرجل أنهزه، إذا دفعته. انظر: لسان العرب ٥/ ٤٢١.
(٣) في المطبوع من سنن أبي داود بعض اختلاف في متن الحديث، وقد أثبتنا ما جاء في الأصل، ف ٣.
(٤) أخرجه في الموطأ ١/ ٢٢٧ (٤٤١).
(٥) أخرجه في الموطأ ١/ ٢٢٨ (٤٤٢).
(٦) أخرجه في الموطأ ١/ ١٨٨ (٣٤٢).
(٧) أخرجه في الموطأ ١/ ١٨٨ (٣٤١).
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
وقد ذكَرْنا كلَّ هذا في مَوْضِعِهِ من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه.
حدثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن مِهْرانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن سَعْدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قال: "الأبْعَدُ فالأبْعَدُ من المسجِدِ، أعظمُ أجرًا".
وقد رَوَى عبدُ الرَّزّاقِ (^٢) وغيرُهُ عنِ الثَّورِيِّ، عن إبراهيمَ بن مُسلِم، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قال: ما من رَجُلٍ يَتَطهَّرُ فيُحْسِنُ الطُّهْرَ، فيخطُو خُطْوةً يَعمِدُ بها إلى المَسجدِ إلّا كتَبَ اللَّه لهُ (^٣) بها حَسَنةً، ورفَعهُ بها دَرَجةً (^٤)، حتّى إن كُنّا لنُقارِبُ في الخُطا.
وهذا في معنَى حديثِ نُعَيم، عن أبي هريرةَ، ومِثلُهُ لا يكونُ رأيًا، ويدُلُّكَ على ذلك قولُهُ: حتّى إن كُنّا لنُقارِبُ في الخُطا.
وأمّا قولُهُ في حديثِ نُعيم: فإذا سمِعَ أحدُكُمُ الإقامةَ، فلا يَسْعَ. فقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، أنَّهُ قال: "إذا أُقِيمتِ الصَّلاةُ، فلا تأتُوها وأنتُم تَسْعونَ. . . " الحديث. رُوِيَ عن أبي هريرةَ مُسندًا من طُرُقٍ صِحاح، قد ذكَرْنا كثِيرًا منها في بابِ العلاءِ، من كِتابِنا هذا، ومَضَى القولُ هنالك (^٥) في معنى ذلك كلِّهِ، والحمدُ للَّه على ذلك كثِيرًا.
_________________
(١) في سننه (٥٥٦). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٠٨، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٦٤، ٦٥، من طريق مسدد، به. وأخرجه أحمد في مسنده ١٥/ ٣٢٧ (٩٥٣١)، والخطيب في تاريخ بغداد ١٢/ ٢٩٢، من طريق يحيى، به. وأخرجه أحمد أيضًا ١٤/ ٢٦٦ (٢٦١٨)، وعبد بن حميد (١٤٥٨)، وابن ماجة (٧٨٢) من طريق ابن أبي ذئب، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٦٣٥ - ٦٣٦ (١٢٩١٤).
(٢) أخرجه في المصنَّف ١/ ٥٤٧ (١٩٧٩) مطولًا بتمامه.
(٣) هذا الحرف سقط من م.
(٤) بعد هذا في د ٤: "وحط عنه بها خطيئة"، ولم ترد هذه العبارة في الأصل، ف ٣.
(٥) في م: "هناك".
[ ١٠ / ٢٤٠ ]