نافعٌ، عن أبي لُبابةَ، حديثٌ واحِدٌ وهُو ثامِنُ ستِّين
اسمُ أبي لُبابةَ (^١) هذا: بشِيرٌ، ويُقالُ: رِفاعةُ بن عبدِ المُنذِرِ. وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (^٢) ونَسبناهُ.
مالكٌ (^٣)، عن نافع، عن أبي لُبابةَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قَتلِ الجِنّانِ (^٤) التي في البُيُوتِ.
هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ. وتابَعهُ أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ.
وقال ابنُ وَهْبٍ: عن مالكٍ، عن نافع (^٥)، عنِ ابنِ عُمرَ، عن أبي لُبابةَ (^٦).
والصَّحِيحُ ما قالهُ يحيى، وغيرُهُ، عن مالكٍ، عن نافع (^٧)، عن أبي لُبابةَ؛ لأنَّ نافعًا سمِعَ هذا الحديث مع ابنِ عُمرَ من أبي لُبابةَ، وكذلك سمِعَ حديثَ الصَّرفِ من أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (^٨).
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال ٣٤/ ٢٣٢ والتعليق عليه.
(٢) الاستيعاب ٤/ ١٧٤٠.
(٣) الموطأ ٢/ ٥٧٠ (٢٧٩٦).
(٤) هكذا في النسخ، وفي الموطأ: "الحَيّات" وهي رواية يحيى ما سيبينه المؤلف بعد قليل، وذكر المؤلف "الجنان" من الروايات الأخرى.
(٥) من قوله: "عن أبي لبابة" إلى هنا، سقط من ف ٣.
(٦) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٣٣٧ (٢٩٣٤)، والجوهري في مسند الموطأ (٧١٣) من طريق ابن وهب، به.
(٧) من قوله: "عن ابن عمر، عن أبي لُبابة" إلى هنا، سقط من د ٤.
(٨) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ١٥٧ (١٨٤٥). وهو الحديث السابع والستون لنافع، وهو السابق لهذا الحديث.
[ ١٠ / ٥٣ ]
وكان دُخُولُهُ عليه مع ابنِ عُمرَ، فحدَّثهُما بحديثِ الصَّرفِ المذكُورِ (^١).
وفي رواية يحيى: نهى عن قتل الحيّات، وسائرُ رواته يقول: الجِنّانُ (^٢).
والجِنّانُ: الحيّاتُ. أنشدَ نِفْطُوية للخَطَفَى جدِّ جرِيرٍ، واسمُهُ حُذيفةُ (^٣):
يرفعن للَّيلِ إذا ما أسدَفا
أعناقَ جِنّانٍ وهامًا رُجَّفا (^٤)
وعَنَقًا باقِي الرَّسِيم خَيْطَفا
قال نِفطُوية: وبهذه الأبياتِ سُمِّي الخَطَفَى.
قال: وقال قُطرُبٌ: السُّدفةُ من الأضْدادِ، تكونُ الظُّلمةَ، وتكونُ الضِّياءَ.
قال أبو عُبَيدٍ: هي الضِّياءُ في لُغةِ قَيْسٍ، والظُّلمةُ في لُغةِ تمِيم.
وقال ابنُ الأعرابيِّ: هي الظُّلمةُ يُخالِطُها الضِّياءُ.
قال: والجِنّانُ: ضَربٌ من الحيّاتِ.
وقولُهُ: رُجَّفًا (^٥)، أي: متحرِّكةً. والعَنَقُ: ضربٌ من السَّيرِ والرَّسِيمُ مِثلُهُ. والخَطَفا والخَيْطَفَى (^٦): هي السُّرعةُ.
وقال الخليلُ بن أحمدَ (^٧): الجِنّانُ: الحيّةُ. قال: والجِنّانُ أيضًا أبو الجِنِّ، وجمعُهُ: الجِنّةُ، والجِنّانُ.
_________________
(١) جاء في د ٤: "المتقدم ذكره".
(٢) هذه الفقرة سقطت من الأصل، م كأنها قفز نظر، ولا بدّ منها، وهي ثابتة في د ٤.
(٣) انظر: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ٨/ ٣، ولسان العرب ٩/ ٧٦.
(٤) في د ٤: "زُحَفّا"، والمثبت من بقية النسخ، وهو الذي في الأغاني واللسان.
(٥) في د: "زحّفًا".
(٦) في م: "والخيطفاء".
(٧) العين ٦/ ٢١.
[ ١٠ / ٥٤ ]
وقال الشّاعر (^١):
تبدَّلَ حالٌ بعدَ حالٍ عَهِدتُها تُناوحُ جِنّانٌ بهنَّ وخُيَّلُ
قال ابنُ أبي ليلى: الجِنُّ: الذينَ لا يعترَضُونَ (^٢) للنّاسِ. والخُيَّلُ (^٣): الذين يتخيَّلُونَ للنّاسِ ويُؤذُونهُم.
ويُروَى عنِ ابنِ عبّاس: الجِنّانُ: مَسخُ الجِنِّ، كما مُسِختِ القِردةُ من بني إسرائيلَ (^٤).
أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهِرِ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ اللَّيثيُّ، عن نافع، أنَّ أبا لُبابةَ مرَّ بعبدِ الله بن عُمرَ، وهُو عندَ الأُطم (^٥) الذي عندَ دارِ عُمرَ بن الخطّابِ يَرصُدُ حيّةً، فقال أبو لُبابةَ: إنَّ رسُولَ الله -ﷺ- يا أبا عبدِ الرَّحمنِ قد نَهَى عن قَتلِ عَوامِرِ البُيُوتِ. فانتَهَى عبدُ الله بن عُمرَ عن ذلك، ثُمَّ وجدَ بعدَ ذلك (^٦) في بيتهِ حيّةً، فأمرَ بها فطُرِحت ببُطحانَ (^٧)، قال نافعٌ: ثُمَّ رأيتُها بعد ذلك في بيتهِ (^٨).
_________________
(١) قوله: "وقال الشاعر" سقط من م. والشاعر المذكور هو أوس بن حجر، والبيت في ديوانه، ص ٩٤.
(٢) في م: "يتعرضون".
(٣) في د ٤: "والجنّ"، وهو خطأ بيّن.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٩٦١٧)، وابن أبي شيبة (٢٠٢٧٩)، وأحمد في مسنده ٥/ ٣٠٤ (٣٢٥٤)، والطبراني في الكبير ١١/ ٣٤١ (١١٩٤٦)، وفي الأوسط ٤/ ٣٠٤ (٤٢٦٩).
(٥) الأُطُم، بضمتين: القصر، وكل حصن مبني بحجارة، وكل بيت مربع مسطح جمعه: آطام. انظر: القاموس المحيط، ص ١٠٧٤. وقال الفيروزآبادي في معجم البلدان ١/ ٢١٩: هي الحصون، وأكثرها ما يسمى بهذا الاسم حصون المدينة.
(٦) هذه الكلمة سقطت من م.
(٧) بطحان: وادٍ بالمدينة، وهو أحد أوديتها الثلاثة. انظر: معجم البلدان ١/ ٤٤٦.
(٨) أخرجه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٦ م)، وأبو داود (٥٢٥٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٣٧٧ (٢٩٣٥) من طريق ابن وهب، به.
[ ١٠ / ٥٥ ]
قال ابنُ وَهْبٍ: عوامِرُ البُيُوتِ، تتمثَّلُ في صِفةِ حيّةٍ رقِيقةٍ في البُيُوتِ بالمدِينةِ وغيرِها (^١)، ففيها جاءَ النَّهيُ عن قَتْلِها حتّى تُنذرَ.
قال: وأمّا التي في الصَّحارِي، فلا تُنذَر (^٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (^٣): حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ القطّانُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر، قال: أخبرني نافعٌ، أَنَّهُ سمِعَ أبا لُبابةَ يُحدِّثُ ابن (^٤) عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّهُ نَهَى عن قتلِ الجِنّانِ. لم يَقُلِ القطّانُ: التي في البُيُوتِ. وقاله غيرُهُ (^٥).
قال أبو عُمر: كلُّ من رَوَى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ، لم يَزِد فيه على قولِهِ: إنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قتلِ الجِنّانِ التي في البُيُوتِ. إلّا القَعْنبِيَّ وحدَهُ، فإنَّهُ زادَ فيه: عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ، قال: نَهَى رسُولُ الله -ﷺ- عن قَتلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ، إلّا أن يكونَ ذا الطُّفْيَتَيْنِ والأبتَرَ، فإنَّهُما يَخْطِفانِ البصرَ، ويَطْرَحانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ (^٦).
وهذه الزِّيادةُ قولُهُ: "إلّا أن يكونَ ذا الطُّفْيَتَيْنِ " إلى آخِرِ الحديثِ، لم يَقُلهُ أحدٌ في حديثِ أبي لُبابةَ، إلّا القَعْنبِيُّ وحدَهُ.
_________________
(١) في م: "غيرها".
(٢) هذه الكلمة سقطت من م.
(٣) أخرجه في تاريخه، السفر الثاني ١/ ٢٢٤ (٧٦٢). وأخرجه أحمد في مسنده ٢٤/ ٣١٣ (١٥٥٤٦)، ومسلم (٢٢٣٢) (١٣٣)، والطبراني في الكبير ٥/ ٣١ - ٣٢ (٤٥٠٥) من طريق يحيى بن سعيد، به.
(٤) في الأصل، م: "عن"، محرف.
(٥) في م: "أو غيره" بدل: "وقاله غيره".
(٦) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه.
[ ١٠ / ٥٦ ]
وليسَ بصحِيح في حديثِ أبي لُبابةَ، وهُو وَهَمٌ، وإنَّما هذا اللَّفظُ محفُوظٌ من حديثِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١).
ومِن حديثِ سائبةَ، عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
ومِنهُم (^٢) من يجعلُهُ (^٣) عن سائبةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مُرسلًا (^٤).
وأمّا حديثُ أبي لُبابةَ، فليسَ فيه (^٥) إلّا: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قتلِ الجِنّانِ التي في البُيُوتِ، لا غيرَ، إلّا ما زادَ القَعْنبِيُّ. وهُو غلطٌ، واللهُ أعلمُ، في حديثِ أبي لُبابةَ، وهُو محفُوظٌ من حديثِ ابنِ عُمرَ، وعائشةَ، كما وصفتُ لك.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: أخبرنا محمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفر بن الأعْجَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ (^٦)، قال: سمِعتُ عُبيدَ الله يُحدِّثُ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ، عنِ النَّبيِّﷺ- قال: "لا تقتُلُوا الجِنّانَ التي في البُيُوتِ" (^٧).
وأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدِ بن
_________________
(١) سيأتي بإسناده، وانظر تخريجه في موضعه، وكذا ما بعده.
(٢) من هنا إلى قوله: "مرسلًا"، سقط من د ٤.
(٣) في م: "ذكره".
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧١ (٢٧٩٧).
(٥) هذه الكلمة سقطت من م.
(٦) في م: "المعتمد"، خطأ. وهو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، أبو محمد البصري. انظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٥٠.
(٧) أخرجه أحمد في مسنده ٢٥/ ٣٠ (١٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٣٣) (١٣٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٠٢)، والطبراني في الكبير ٥/ ٣١ (٤٥٠٣)، وفي الأوسط ٤/ ١٧٠ (٣٨٩٠) من طريق عبيد الله، به. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٤٠٧ - ٤٠٨ (١٢٥٨٥).
[ ١٠ / ٥٧ ]
حِسَاب (^١)، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن نافع: أنَّ ابن عُمرَ كان يَقتُلُ الحيّاتِ كلَّها، ويقولُ: إنَّ الجِنّانَ مَسْخُ الجِنِّ، كما مُسِختِ القِردةُ من بني إسرائيلَ. حتّى حَدَّثهُ أبو لُبابةَ البدرِيُّ: أنَّ رسولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قَتلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ.
قال: فوجَدَ ابنُ عُمرَ بعدَ ذلك حيّةً في دارر، فأمَرَ بها فأُخرِجَتْ إلى البَقِيع (^٢).
قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحِيحُ في حديثِ أبي لُبابةَ: أنَّ رسولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قَتْلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ لا غيرَ، وأمّا حديثُ ابنِ عُمرَ، ففيه ذكرُ ذي الطُّفيتينِ والأبترِ.
رَوَى مَعْمرٌ وغيرُهُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ الله -ﷺ- يقولُ: "اقتُلُوا الحيّاتِ، واقتُلُوا ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرِ، فإنَّهُما يُسْقِطانِ الحَبَلَ، وَيطْمِسانِ البصَرَ". قال ابنُ عُمرَ: فرآني أبو لُبابةَ -أو زيدُ بن الخطّابِ- وأنا أُطارِدُ حيّةً لأقتُلَها، فنَهانِي، فقلتُ: إنَّ رسولَ الله -ﷺ- قد أمَرَ بقتلِهِنَّ، فقال له: إنَّهُ قد نَهَى بعدَ ذلك عن قَتْلِ ذَواتِ البُيُوتِ (^٣).
فقد بانَ في حديثِ الزُّهرِيِّ رِوايةُ ابنِ عُمرَ، من رِوايةِ أبي لُبابةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) قوله: "بن حساب" لم يرد في د ٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٢٥٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٣٧٦ (٢٦٣٣) من طريق حماد بن زيد، به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٩٦١٦)، وأحمد في مسنده ٢٥/ ٢٦ (١٥٧٤٨)، والبخاري (٣٢٩٧، ٣٢٩٨)، ومسلم (٢٢٣٣) (١٣٠)، وأبو يعلى (٥٤٩٨)، والطبراني في الكبير ٥/ ٣٠ (٤٤٨٩)، والبغوي في شرح السنة (٣٢٦٣) من طريق معمر، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٦١٥ - ٦١٦ (٧٩٦٨).
[ ١٠ / ٥٨ ]
وكذلك رواهُ يُونُسُ (^١)، واللَّيثُ (^٢)، وابنُ عُيينةَ (^٣)، وغيرُهُم بمعنى حديثِ مَعْمرٍ عنهُ سَواءً.
وقال فيه بُكيرُ بن الأشجِّ: عن سالم، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: "مَنْ وجَدَ ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرَ فلم يَقْتُلهُما، فليسَ منّا". وهذا الحديثُ لم يَسْمعهُ بُكيرٌ من سالم.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أصبَغُ بن الفَرج، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارثِ، أنَّهُ أخبَرهُ، أنَّ بُكيرًا حدَّثهُ، أنَّ عبد الملكِ (^٤) بن عبدِ الرَّحمنِ حدَّثهُ، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيه، أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قال: "اقتُلُوا الحيّاتِ، ومن وجَدَ ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرَ، فلم يَقْتُلهُما، فليسَ منّا، فإنَّهُما اللَّذانِ يَخْطِفانِ البَصَرَ، ويُسقِطانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ" (^٥).
قال أبو عُمر: يُقالُ: إنَّ ذا الطُّفْيَتينِ، حَنَشٌ يكونُ على ظَهرِهِ خَطّانِ أبيضانِ. ويُقالُ: إنَّ الأبتَرَ: الأفْعَى. وقيل: إنَّهُ حَنشٌ أبترُ، كأنَّهُ مقطُوعُ الذَّنَبِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٠)، وابن ماجة (٣٥٣٥)، وابن حبان ١٢/ ٤٥٥ (٥٦٣٨) من طريق يونس، به.
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٨٣)، وابن حبان ١٢/ ٤٦٠ (٥٦٤٢) من طريق الليث، به.
(٣) سيأتي بإسناده في نهاية الباب، وانظر تخريجه في موضعه.
(٤) في م: "أن عبد الله"، خطأ. وهو عبد الملك بن عبد الرحمن بن يوسف. انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٥/ ٤٢٢، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ٣٥٥.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير ١٢/ ٢٩٦ (١٣١٦١) من طريق ابن وهب، به. وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٣٧٣ (٢٩٢٧)، والطبراني في الكبير ١٢/ ٣١٠ (١٣٢٠٥) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سالم، به. دون ذكر عبد الملك بن عبد الرحمن.
[ ١٠ / ٥٩ ]
وقال النَّضرُ بن شُمَيلٍ: الأبترُ منَ الحيّاتِ، صِنفٌ أزرقُ، مَقْطُوعُ الذَّنبِ، لا تنظُرُ إليه حامِلٌ إلّا ألقَتْ ما في بَطْنِها، والله أعلمُ.
قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ في قتلِ الحيّاتِ جُملةً، فقال منهُم قائلُونَ: تُقتلُ الحيّاتُ كلُّها، في البُيُوتِ، والصَّحارِي، بالمدِينةِ (^١) وغيرِ المدِينةِ، لم يَسْتثنُوا منها نَوعًا ولا جِنسًا، ولا اسْتَثنوا في قَتْلِهِنَّ مَوْضِعًا، وسَنذكُرُ اختِلافهُم في إذنِها بالمدِينةِ وغيرِها، في بابِ صيفِيٍّ، إن شاءَ الله.
ومن حُجَّتِهِم: حديثُ عبدِ الله بن مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، أَنَّهُ قال: "مَنْ قتَلَ حيّةً، فكأنَّما قتَلَ كافِرًا" (^٢). ولم يخُصَّ حيّةً من حيّةٍ.
وحديثُ ابنِ مسعُودٍ، وأبي (^٣) هريرةَ عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: "من تركَ الجِنّانَ، فلم يقتُلهُنَّ مَخافةَ ثأرِهِنَّ، فليسَ منّا".
ومن حُجَّتِهِم، أيضًا، ما مَضَى منَ الأحادِيثِ، فيما سلَفَ من هذا الكتاب في قَتْلِ الحيّةِ، في الحِلِّ والحَرَم.
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصُورٍ، عن حبِيبِ بن أبي ثابتٍ، عن زِرِّ (^٤) بن حُبَيْشٍ، عن عبدِ الله، قال: "من قتَلَ حيّةً أو عَقْربًا، قتَلَ كافِرًا" (^٥).
_________________
(١) في م: "في المدينة".
(٢) سيأتي بإسناده لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه، وكذا ما بعده.
(٣) في م: "عن" بدل: "وأبي"، وهو تحريف ظاهر.
(٤) في م: "زيد"، خطأ. وهو زر بن حبيش، أبو مريم، الأسدي، الكوفي. انظر: تهذيب الكمال ٩/ ٣٣٥.
(٥) أخرجه البزار في مسنده ٥/ ٢٣٤ (١٨٤٧) من طريق منصور، به.
[ ١٠ / ٦٠ ]
ورُوِي من حديثِ (^١) أبي الأحْوَصِ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مرفُوعًا (^٢).
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٣): حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ بن بَيانٍ (^٤) السُّكَّرِيُّ، عن إسحاق بن يُوسف، عن شرِيكٍ، عن أبي إسحاق، عنِ القاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عنِ ابنِ مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-:"اقتُلُوا الحيّاتِ كلَّهُنَّ، فمَنْ خافَ ثأرهُنَّ، فليسَ منّا (^٥) ".
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-:
_________________
(١) في م: "من طريق".
(٢) أخرجه الطيالسي (٣١٣)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٠٢٧٧)، وأحمد في مسنده ٦/ ٢٩١ (٣٧٤٦)، وأبو يعلى (٥٣٢٠، ٥٣٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٩١، والشاشي في مسنده (٧١٧، ٧٣٦)، والطبراني في الكبير ١٠/ ١٣٠ (١٠١٠٩) من طريق أبي الأحوص، به. وانظر: المسند الجامع ١٢/ ٣٦، ٤٠ (٩١٧٨). وإسناده ضعيف، فإنه من رواية أبي الأعين العبدي عن أبي الأحوص الجشمي، وأبو الأعين هذا ضعّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في المجروحين ٣/ ١٥٠ وقال: "لا يجوز الاحتجاج به، وله نسخة بهذا الإسناد ما لشيء منها أصل يرجع إليه".
(٣) أخرجه في سننه (٥٢٤٩). وأخرجه الطبراني في الكبير ٩/ ٤١٠ (٩٧٤٧) من طريق عبد الحميد بن بيان، به. وأخرجه النسائي في المجتبى ٦/ ٥١، من طريق شريك، به، وإسناده ضعيف أيضًا لانقطاعه، فإن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه أيضًا. وانظر: المسند الجامع ١٢/ ٤٠ (٩١٧٩).
(٤) في م: "بن حيان"، خطأ. وهو عبد الحميد بن بيان الواسطي، أبو الحسن السكري. انظر: تهذيب الكمال ١٦/ ٤١٣.
(٥) في د ٤: "مني".
[ ١٠ / ٦١ ]
"ما سالَمناهُنَّ مُنذُ حارَبْناهُنَّ، فمَنْ (^١) ترَكَ شيئًا منهُنَّ خِيفةً، فليسَ منّا (^٢) ". يعني: الحيّاتِ (^٣).
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ -ﷺ-: "ما سالمَناهُنَّ مُنذُ حارَبناهُنَّ، ومن تركَ شيئًا منهُنَّ خِيفةً، فليسَ منّا".
_________________
(١) في د ٤، ف ٣: "ومن".
(٢) في ف ٣: "مني".
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ١٥/ ٣٦٠ (٩٥٨٨)، والبزار في مسنده ١٥/ ٩٦ (٨٣٧٢) من طريق يحيى بن سعيد، به، وإسناده حسن، فإن محمد بن عجلان وأباه صدوقان. وانظر: المسند الجامع ١٧/ ٤٥٨ (١٣٩٣٩).
(٤) أخرجه في سننه (٥٢٤٨). وأخرجه أحمد في مسنده ١٦/ ٤٣٣ (١٠٧٤١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٣/ ٣٧٠، و٧/ ٣٧٥ (١٣٣٨، ٢٩٢٩)، والطبراني في الأوسط ٦/ ٢١٥ (٦٢٢٣) من طريق ابن عجلان، به. قال بشار: على أنّ المحفوظ من رواية سفيان بن عيينة أنه قال: سمعت ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله، عن عجلان، فذكره، هكذا رواه الحميدي في مسنده (١١٩٠)، وأحمد في المسند ١٢/ ٣٢٤ (٧٣٦٦)، وابن حبان (٥٦٤٤). ومن هنا قال الإمام الدارقطني في العلل (٢١٧٤): "يرويه ابن عجلان واختلف عنه: فرواه زياد بن سعد ويحيى القطان وأبو عاصم النبيل عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. وخالفهم ابن عيينة فرواه ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله، عن عجلان عن أبي هريرة. ولعل محمد بن عجلان سمعه من أبيه واستثبته من بكير بن الأشج". قلت: إما أن يكون ابن عيينة قد رواه على الوجهين وهو بعيد، وإما أن يكون إسحاق بن إسماعيل قد توهم فيه، فقد خالفه ثلاثة من الثقات هم: الحميدي، وأحمد بن حنبل وإبراهيم بن بشار، فرووه عنه عن ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله، عن عجلان، وهو الصواب إن شاء الله.
[ ١٠ / ٦٢ ]
أخبرنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَردِ وأبو يُوسُفَ يعقُوبُ بن المُباركِ، قالا: حدَّثنا أبو زكرِيّا يحيى بن أيُّوبَ بن بادِي العلّافُ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي مريمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: أخبرني محمدُ بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ الله -ﷺ- قال في الحيّاتِ: "ما سالَمناهُنَّ مُنذُ عادَيْناهُنَّ، ومن تركَ منهُنَّ شيئًا خِيفةً، فليسَ منّا" (^١).
قال يحيى بن أيُّوبَ: سُئلَ أحمدُ بن صالح، عن تَفسِيرِ: "ما سالمَناهُنَّ مُنذُ عاديناهُنَّ"، فقيل لهُ: متى (^٢) كانتِ العَداوةُ؟ قال: حِينَ أُخرِجَ آدمُ من الجنّةِ، قال اللهُ ﷿: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣].
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عَمرٍو الحَرّانيُّ (^٣)، قال: قرأنا على مَعقِلِ بن عُبيدِ الله، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قامَ رسُولُ الله -ﷺ- فقال: "اقتُلُوا الحيّاتِ، واقتُلُوا ذا الطُّفيتينِ والأبتَرَ، فإنَّهُما يَطْمِسانِ البَصَرَ، ويُسقِطانِ الحَبالَى، ويُوضِعانِ الغَنَمَ".
قالوا: ففي هذه الأحادِيثِ قَتْلُ الحيّاتِ جُملةً، ذي الطُّفْيتَينِ وغيرِهِ، وكذلك الأحادِيثُ التي قبلها، لم تَخُصَّ (^٤) شيئًا دُونَ شيءٍ.
وقال آخرُونَ: لا يُقتَلُ من الحيّاتِ ما كان في البُيُوتِ بالمدِينةِ خاصّةً، إلّا أن يُنْذَرَ (^٥) ثلاثًا، وما كان في غيرِها فيُقتَلُ، في البُيُوتِ وغيرِ البُيُوتِ، ذا الطُّفْيتَينِ كان أو غيرَهُ.
_________________
(١) انظر ما قبله.
(٢) في د ٤: "ممن".
(٣) في الأصل: "الخزاعي"، محرف. انظر: الجرح والتعديل لابن ابي حاتم ٥/ ٢٦٧.
(٤) في الأصل، م: "يخص".
(٥) في د ٤: "تنذر".
[ ١٠ / ٦٣ ]
ومِن حُجَّتِهِم: حديثُ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، من رِوايةِ صَيْفِيٍّ، عن أبي السّائبِ، عن أبي سعِيدٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قال: "إنَّ نفرًا من الجِنِّ بالمدِينةِ أسْلَمُوا، فإذا رَأيتُم أحدًا منهُم، فحذِّرُوهُ ثلاثةَ أيام، ثُمَّ إن بَدا لَكُم بعد ذلك فاقتُلُوهُ" (^١).
ورَوَى أبو حازِم، عن سَهْلِ بن سعدٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، نحوهُ بمعناهُ (^٢).
ومِن حديثِ سَهْلِ بن سعدٍ أيضًا، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قال: "إنَّ لهذه البُيُوتِ عَوامِرَ، فإذا رأيتُم منها شيئًا، فتَعَوَّذُوا منهُ، فإن عادَ فاقتُلُوهُ" (^٣).
وهذا يحتَمِلُ أن تكونَ إشارَتهُ (^٤) إلى بُيُوتِ المدِينةِ، وهُو الأظْهَرُ، ويحتَمِلُ أن يكونَ إلى جِنْسِ البُيُوتِ، والله أعلمُ.
وسيأتي ذِكرُ حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، وحديثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ، في تَخْصِيصِ حيّاتِ المدِينةِ بالإذنِ، في بابِ صَيْفِيٍّ، من هذا الكِتابِ، إن شاءَ الله.
وقال آخرُونَ: لا تُقتَلُ حيّاتُ البُيُوتِ بالمدِينةِ (^٥)، ولا بغَيْرِها، حتّى تُؤذَنْ، فإنْ عادَتْ قُتِلتْ.
ومِن حُجَّتِهِم: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٦): حدَّثنا سعِيدُ بنُ سُليمانَ، عن عليِّ بن هاشِم، قال:
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧١ - ٥٧٢ (٢٧٩٨).
(٢) انظر: ما بعده.
(٣) أخرجه الروياني في مسنده ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (١٠٤١)، والطبراني في الكبير ٦/ ١٨٣ (٥٩٣٥) من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد، به، وفيه قصة.
(٤) في م: "إشارة".
(٥) شبه الجملة سقط من د ٤.
(٦) أخرجه في سننه (٥٢٦٠). وأخرجه الترمذي (١٤٨٥)، والنسائي في الكبرى ٩/ ٣٥٥ (١٠٧٣٨)، والطبراني في الكبير ٧/ ٧٩ (٦٤٢٩) من طريق ابن أبي ليلى، به، وإسناده ضعيف، لضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وانظر: المسند الجامع ١٦/ ٤١٢ - ٤١٣ (١٢٥٩١).
[ ١٠ / ٦٤ ]
حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن ثابتٍ البُنانِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن أبيه (^١)، أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- سُئلَ عن حيّاتِ البُيُوتِ، فقال: "إذا رأيتُم منهُنَّ شيئًا في مَساكِنِكُم، فقولُوا: أنشُدُكُمُ (^٢) العَهدَ الذي أخَذَ عليكُم سُليمانُ بن داودَ أن تُؤذُونا (^٣)، فإن عُدْنَ فاقتُلُوهُنَّ".
فلم يَخُصَّ في هذا الحديثِ بُيُوتَ المدِينةِ من غيرِها.
وهُو عِندِي محُتَمِلٌ للتَّأوِيلِ، والأظْهَرُ فيه العُمُومُ.
وقال آخرُونَ: لا تُقتَلُ ذواتُ البُيُوتِ من الحيّاتِ بالمدِينةِ ولا بغيرِ المدِينةِ.
واحتجُّوا بظاهِرِ حديثِ أبي لُبابةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ نَهَى عن قَتلِ الجِنّانِ التي في البُيُوتِ. لم يَخُصَّ بيتًا من بيتٍ، ولا مَوْضِعًا من موضِع، ولم يذكُرِ الإذْنَ فيهنَّ.
وقال آخرُونَ: يُقتلُ من حيّاتِ البُيُوتِ: ذُو الطُّفْيتَينِ، والأبترُ، خاصّةً، بالمدِينةِ وغيرِها منَ المواضِع، دُونَ إذْنٍ ولا إنذارٍ، ولا يُقتلُ من ذَواتِ البُيُوتِ غيرُ هذينِ الجِنْسينِ من الحيّاتِ.
واحتجُّوا بما حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ: أنَّ رسُولَ الله -ﷺ-
_________________
(١) قوله: "عن أبيه" سقط من د ٤.
(٢) في سنن أبي داود: "أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن نوح، أنشدكن" بدل: "أنشدكم".
(٣) زاد ناشر أبي داود بين حاصرتين "لا" فصارت: "أن لا تؤذونا" وكذا جاءت في بعض النسخ، ولم ترد في الأصل، وهو الصواب، إذ هو مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لا تظلمون (تفسير الطبري ٥/ ٥٠٢).
[ ١٠ / ٦٥ ]
نَهَى عن قَتْلِ الجِنّانِ التي تكونُ في البُيُوتِ، إلّا أن يكونَ ذا الطُّفْيتَينِ والأبتَرَ، فإنَّهُما يخطِفانِ البصَرَ، ويَطْرحانِ ما في بُطُونِ النِّساءِ (^١).
ومن حديثِ نافع، عن سائبةَ (^٢)، مِثلَ هذا سواءً، وسيأتي في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله.
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ وعبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن خالدٍ (^٣)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (^٤): حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ ربِّهِ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أَنَّهُ كان يأمُرُ بقَتْلِ الحيّاتِ كلِّها، فقال لهُ أبو لُبابةَ: أما بلغَكَ أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- نَهَى عن قَتْلِ ذَواتِ البُيُوتِ، وأمَرَ بقَتْلِ ذي الطُّفْيتَينِ والأبتَر؟
قال أبو عُمر: هذا نصُّ رِوايةِ القَعْنبِيِّ في المتنِ، ورِواية ابنِ وَهْبٍ في الإسنادِ، وأجمعَ (^٥) العُلماءُ على جَوازِ قَتْلِ حيّاتِ الصَّحارِي، صِغارًا كُنَّ أو كِبارًا، أيَّ نَوْع كُنَّ من (^٦) الحيّاتُ، وأمّا قتلُهُنَّ في الحَرم، فقد مَضَى فيما سلفَ من كِتابِنا هذا، وبالله تَوْفِيقُنا.
_________________
(١) أخرجه الخطيب في الفصل للوصل المدرج ٢/ ٧١٤ - ٧١٥، من طريق إسماعيل بن إسحاق، به. وأخرجه أبو داود (٥٢٥٣)، والجوهري في مسند الموطأ (٧١٨) من طريق القعنبي، به.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧١ (٢٧٩٧).
(٣) في م: "بن أحمد"، خطأ. وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني الوهراني. انظر: جذوة المقتبس للحميدي (٦٠٥)، وترتيب المدارك ٧/ ٢١٨، والصلة لابن بشكوال (٦٩٠)، وتاريخ الإسلام ٩/ ١٩٤.
(٤) أخرجه في المسند ٢٥/ ٢٩ - ٣٠ (١٥٧٥١). وأخرجه البغوي في الجعديات (١٦٠٠) عن محمد بن جعفر، به.
(٥) في م: "وقد أجمع".
(٦) في م: "كان" بدل: "كن من".
[ ١٠ / ٦٦ ]
قال أبو عُمر: ترتِيبُ هذه الأحادِيثِ كلِّها، المذكُورة في هذا البابِ وتَهذِيبُها، باستِعمال حديثِ أبي لُبابةَ، والاعتِمادِ عليه، فإنَّ فيه بيانًا لنَسْخِ قَتْلِ حيّاتِ البُيُوتِ، وأنَّ (^١) ذلك كان بعدَ الأمرِ بقَتْلِها جُملةً، وفيه استِثناءُ ذي الطُّفْيتَينِ والأبْتَرِ، فهُو حديثٌ مُفسَّرٌ، لا إشكالَ فيه لمن فهِمَ وعلِمَ، وبالله التَّوفيقُ.
ومِمّا يدُلُّك على ذلك: أنَّ ابن عُمرَ كان قد سمِعَ من النَّبيِّ -ﷺ- الأمرَ بقتلِ الجِنّانِ جُملةً، فكانَ يقتُلُهُنَّ حيثُ وجَدَهُنَّ، حتّى أخبَرهُ أبو لُبابةَ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- نَهَى بعدَ ذلك عن قتلِ عَوامِرِ البُيُوتِ منهُنَّ، فانْتَهى عبدُ الله بن عُمرَ، ووقفَ عندَ الآخِرِ من أمرِ -ﷺ- على حَسَبِ ما أخبَرهُ أبو لُبابةَ، وقد بانَ ذلك في رِوايةِ أُسامةَ بن زيدٍ، وغير، عن نافع، على حَسَبِ ما تقدَّمَ في هذا البابِ.
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ رسُولَ الله -ﷺ- قال: "اقتُلُوا الحيّاتِ، وذا الطُّفيتينِ، والابتَرَ، فإنَّهُما يَلْتمِسانِ البصَرَ، ويُسقِطانِ الحَبَلَ". قال: وكان عبدُ الله (^٣) يقتُلُ كلَّ حيّةٍ وجَدَها، فأبْصَرَهُ أبو لُبابةَ، أو زيدُ (^٤) بن الخطّابِ، وهُو يُطارِدُ حيّةً، فقال: إنَّهُ قد نُهِيَ عن ذَواتِ البُيُوتِ.
_________________
(١) في د ٤: "فإن"، وفي م: "لأن".
(٢) في سننه (٥٢٥٢). وأخرجه أحمد في مسنده ٨/ ١٥٩ (٤٥٥٧)، ومسلم (٢٢٣٣) (١٢٨)، والبزار في مسنده ١٢/ ٢٥٨ (٦٠١٩)، وأبو يعلى (٥٤٩٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٣٧٥ (٢٩٣٠)، وابن حبان ١٢/ ٤٦٢ (٥٦٤٥) من طريق سفيان، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٦١٥ - ٦١٦ (٧٩٦٨).
(٣) زاد هنا في ف ٣: "بن عمر".
(٤) في ف ٣: "وزيد".
[ ١٠ / ٦٧ ]
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (^١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن سالم، عن أبيه. فذكَرَهُ سواءً. وزادَ: قال سُفيانُ: كان الزُّهْرِيُّ يشُكُّ فيه: زيدٌ، أو أبو لُبابةَ.
قال أبو عُمر: هُو أبو لُبابةَ صحِيحٌ، لم يَشُكَّ فيه نافعٌ وغيرُهُ.
وقد رواهُ بُكَيرُ (^٢) بن الأشجِّ، عن سالم، فاسْتَثنَى من ذواتِ البُيُوتِ: ذا الطُّفْيتَينِ والأبْتَرَ (^٣).
وهُو مُوافِقٌ لرِوايةِ عَبْدِ ربِّهِ بن سَعِيدٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، ولِرِوايةٍ القَعْنبِيِّ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، وهُو الصَّوابُ في هذا البابِ، وعليه يصِحُّ ترتِيبُ الآثارِ فيه، والحمدُ لله.
وقد رُوِي، عنِ ابنِ مسعُودٍ في هذا البابِ قولٌ غرِيبٌ حَسنٌ:
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٤): حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ، قال: أخبرنا أبو عَوانةَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قال: اقتُلُوا الحيّاتِ كلَّها، إلّا الجِنّان الأبيضَ، الذي كأنَّهُ قَضِيبُ فِضّةٍ، وبالله التَّوفيقُ.
_________________
(١) في مسنده (٦٢٠).
(٢) في م: "رواه بكر"، خطأ. وهو بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي، أبو عبد الله، المدني، نزيل مصر. انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٢٤٢.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٣٧٣ (٢٩٢٧)، والطبراني في الكبير ١٢/ ٣١٠ (١٣٢٠٥) من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج، به.
(٤) في سننه (٥٢٦١).
[ ١٠ / ٦٨ ]