والثّاني لنافع، عن أبي هريرةَ، قولُهُ وفِعلُهُ، موقُوفًا عليه في "المُوطَّأِ" وهُو يستنِدُ من وُجُوهٍ شَتَّى وهُو الحديثُ المُوَفِّي سبعِينَ لنافع
مالكٌ (^١)، عن نافع، أنَّهُ قال: شَهِدتُ الأضْحَى، والفِطْرَ مع أبي هريرةَ، فكبَّر في الرَّكعةِ الأُولى سبعَ تكبِيراتٍ قبلَ القِراءةِ، وفي الآخِرةِ خَمْسَ تكبِيراتٍ قبلَ القِراءةِ.
قال أبو عُمر: مِثلُ هذا لا يكونُ رأيًا، ولا يكونُ إلّا تَوْقِيفًا؛ لأنَّهُ لا فرقَ بين سبع، وأقلَّ وأكثرَ، من جِهةِ الرَّأيِ والقِياسِ، والله أعلمُ.
وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ ﵇: أنَّهُ كبَّر في العِيدينِ سبعًا في الأُولى، وخَمْسًا في الثّانِيةِ، منْ طُرُقٍ كثِيرةٍ حِسان:
مِن حديثِ عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ؛ رواهُ عَمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ (^٢).
ومِن حديثِ جابرٍ؛ رواهُ ابنُ لَهيعةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ (^٣).
ومِن حديثِ عائشةَ؛ رواهُ أبو الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ (^٤).
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٥٤ (٤٩٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٥٦٧٧)، وأحمد في مسنده ١١/ ٢٨٣ (٦٦٨٨)، وأبو داود (١١٥١، ١١٥٢)، وابن ماجة (١٢٧٨)، وابن الجارود في المنتقى (٢٦٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٤٣، والدارقطني في سننه ٢/ ٣٨٧ (١٧٣٠)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٨٥، من طريق عمرو بن شعيب، به، وإسناده ضعيف. وانظر: المسند الجامع ١١/ ٤٧ (٨٣٧٧).
(٣) وإسناده ضعيف، لضعف ابن لهيعة.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٤٣، والطبراني في الكبير ٣/ ٢٨٧ (٣٢٩٨) من طريق أبي الأسود، به، وهو من رواية ابن لهيعة أيضًا، فإسناده ضعيف.
[ ١٠ / ٧٤ ]
ورواهُ عُقَيلٌ وابنُ مُسافِرٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ (^١).
ومِن حديثِ عَمرِو بن عَوْفٍ المُزنِيِّ؛ رواهُ كثِيرُ بن عبدِ الله بن عَمرِو بن عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ (^٢).
ومِن حديثِ ابنِ عُمرَ؛ رواهُ عبدُ الله بن عامرٍ الأسلمِيُّ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (^٣).
ومِن حديثِ أبي واقدٍ اللَّيثِيِّ (^٤).
كلُّها عنِ النَّبيِّ -ﷺ- (^٥)، وفي حديثِ ابنِ عَمرِو بن العاصِ قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-: "التَّكبِيرُ في الفِطرِ: سَبْعٌ في الأُولى، وخَمسٌ في الآخِرةِ، والقِراءةُ بعدَها في كِلْتَيهِما".
وبهذا قال مالكٌ (^٦)، والشّافعيُّ (^٧) وأصحابُهُما، واللَّيثُ بن سعدٍ (^٨). إلّا أنَّ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤٠/ ٤٢٢ (٢٤٣٦٢)، وأبو داود (١١٤٩)، وابن ماجة (١٢٨٠) من طريق عقيل، به. وأخرجه والطبراني في الأوسط ٣/ ٢٧٠ (٣١١٥) من طريق يزيد بن أبي حبيب ويونس، عن ابن شهاب، به، وإسناده ضعيف لأنه من رواية ابن لهيعة أيضًا، وقد اضطرب فيه. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ٤٣٦ - ٤٣٧ (١٦٢٦٣).
(٢) أخرجه ابن ماجة (١٢٧٩)، والترمذي (٥٣٦)، وابن خزيمة (١٤٣٨، ١٤٣٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٤٤، والبغوي في شرح السنة (١١٠٦) من طريق كعير بن عبد الله، به، وإسناده ضعيف لضعف كثير بن عبد الله. وانظر: المسند الجامع ١٤/ ١٨٧ - ١٨٨ (١٠٨٠٤).
(٣) أخرجه البزار في مسنده ١٢/ ٢٣٤ (٥٩٦٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٤٤، من طريق عبد الله بن عامر، به، وعبد الله ضعيف.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٤٣، والطبراني في الكبير ٣/ ٢٨٧ (٣٢٩٨)، وهو من رواية ابن لهيعة، فإسناده ضعيف.
(٥) لا يصح شيء مما ذكره المصنف مرفوعًا، وهذه كلها طرق اضطرب فيها عبد الله بن لهيعة لضعفه المعروف.
(٦) انظر: المدونة ١/ ٢٤٧.
(٧) انظر: الأم ١/ ٢٧٠.
(٨) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٧٤.
[ ١٠ / ٧٥ ]
مالكًا قال: سبعًا في الأولى، بتكْبِيرةِ الإحرام. وقال الشّافعيُّ: سِوَى تكبِير الإحرام. واتَّفقا في الثّانيةِ على خَمْسٍ، سِوَى تكبير القِيام والرُّكُوع.
وقال أحمدُ بن حَنْبل كقولِ مالكٍ: سبعًا بتكبِير الإحرام في الأُولى، وخمسًا في الثّانِيةِ، إلّا أَنَّهُ لا يُوالِي بين التَّكبِيرِ، ويجعلُ بينَ كلِّ تكبِيرتينِ ثَناءً على الله، وصَلاةً على النَّبيِّ -ﷺ- (^١).
وقال الثَّورِيُّ، وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُ: التَّكبِيرُ في العِيدَينِ: خَمْسٌ في الأُولى، وأرْبَعٌ في الثّانيةِ، بتكبِير الافتِتاح والرُّكوع، يُحرِمُ في الأُولى، ويَسْتفتِحُ، ثُمَّ يُكبِّرُ ثلاثَ تكبِيراتٍ، ويرفعُ فيها يَدَيهِ، ثُمَّ يَقْرأُ أُمَّ القُرآنِ، وسُورةً، ثُمَّ يُكبِّرُ، ولا يَرْفعُ يَدَيهِ، ويسجُدُ، فإذا قامَ للثّانيةِ كبَّر، ولم يَرْفع يَدَيهِ، وقرأ فاتِحةَ الكِتابِ، وسُورةً، ثُمَّ كبَّر ثلاثَ تكبِيراتٍ، يرفعُ فيها يَدَيهِ، ثُمَّ يُكبِّرُ أُخْرَى يركعُ بها، ولا يَرْفعُ يَدَيهِ فيها، يُوالِي بينَ القِراءَتينِ (^٢).
قال أبو عُمر: ليسَ يُروى عنِ النَّبيِّ -ﷺ- من وَجْهٍ قوِيٍّ ولا ضَعِيفٍ، مِثلُ قولِ هؤُلاءِ.
وأمّا الصَّحابةُ ﵃، فإنَّهُمُ اختَلَفُوا في التَّكبِيرِ (^٣) في العِيدَينِ اختِلافًا كثيرًا (^٤).
وكذلك اختِلافُ التّابِعِين في ذلك.
_________________
(١) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق للكوسج ٢/ ٧٦٦ (٣٩٨)، ومسائل الإمام أحمد رواية أبي داود، ص ٨٧.
(٢) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٧٤، والمبسوط للسرخسي ٢/ ٣٨.
(٣) شبه الجملة "في التكبير" سقط من د ٤.
(٤) في م: "كبيرًا".
[ ١٠ / ٧٦ ]
وفِعلُ أبي هريرةَ، مع ما رَوَى عنِ النَّبيِّ -ﷺ- في هذا البابِ، أوْلَى ما قيلَ به في ذلك، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.
قال (^١) الشّافعيُّ: فِعلُ أبي هريرةَ بينَ ظَهْرانيِ المُهاجِرِين والأنصارِ أوْلَى؛ لأنَّهُ لو خالَفَ ما عَرفُوهُ ووَرِثُوهُ، أنكرُوهُ عليه وعلَّمُوهُ، وليسَ ذلك كفِعلِ رَجُلٍ في بَلَدٍ كلُّهُم يَتَعلَّمُ منهُ.
قال: والتَّكبِيرُ في كِلْتا الرَّكعتينِ قبلَ القِراءةِ، أشبَهُ بسُننِ الصَّلاةِ (^٢).
قال: وكما لم يُدخِلُوا تكبِيرةَ القِيام في تكبِيرةِ العِيدِ، فكذلك تكبِيرةُ الإحرام، بل هي أولى بذلك؛ لأنَّها لا يُدخَلُ في الصَّلاةِ إلّا بها، وتكبِيرةُ القِيام لو تَرَكها، لم تفسُدْ صلاتهُ (^٣).
وقال المُزنِيُّ: إجماعُهُم على أنَّ تكبِيرَ العِيدِ في الأُولى قبلَ القِراءةِ، يَقْضِي بأنَّ الرَّكعةَ في الآخِرةِ كذلك؛ لأنَّ حُكْمَ الرَّكعتينِ في القِياسِ سَواءٌ.
حدَّثنا سعِيدٌ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنِيُّ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بن سوّارٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عُمارةَ، عن سَعْدِ بن إبراهيم، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، قال: كان النَّبيُّ -ﷺ- تُخرَجُ لهُ الحَرْبةُ، فيُصلِّي إليها، فيُكبِّرُ ثِنْتَي عَشْرةَ تكبِيرةً، ثُمَّ كان أبو بكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ والأئمّةُ يفعلُونَ ذلك (^٤).
_________________
(١) من هنا إلى آخر الباب لم يرد في د ٤.
(٢) انظر: الأم ١/ ٢٣٦.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) أخرجه البزار في مسنده ٣/ ٢٣٤ (١٥٢٣)، والشاشي (٢٥١) من طريق شبابة بن سوار، به. وانظر: علل الدارقطني ٤/ ٢٨٥ (٥٦٧). وإسناده ضعيف إذ لا يصح موصولًا، وصوابه: مرسلًا، كما قال الدارقطني.
[ ١٠ / ٧٧ ]