والحديثُ الآخَرُ
مالكٌ (^١)، عن نافع، عن رَجُلٍ من الأنصارِ، عن سَعْدِ بن مُعاذٍ، أو مُعاذِ بن سَعْدٍ، أنَّهُ أخبَرهُ: أنَّ جارِيةً لكعبِ بن مالكٍ كانت تَرعَى غنمًا بسَلْع، فأُصِيبَتْ منها شاةٌ فأدْرَكَتْها فذَكلتها بحجَرٍ، فسُئلَ رسُولُ الله -ﷺ- عن ذلك، فقال: "لا بأسَ بها، فكُلُوها".
قال أبو عُمر: قد رُوِي هذا الحديثُ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. وليسَ بشيءٍ، وهُو خطأٌ، والصَّوابُ: رِوايةُ مالكٍ، ومن تابَعهُ على هذا الإسنادِ.
وأمّا الاختِلافُ فيه عن نافع، فرواهُ مالكٌ كما تَرى، لم يُختَلَف عليه فيه، عن نافع، عن رجُلٍ من الأنصارِ، عن مُعاذِ بن سعدٍ، أو سعدِ بن مُعاذٍ.
ورواهُ مُوسى بن عُقبةَ (^٢)، وجرِيرُ بن حازِم (^٣)، ومحمدُ بن إسحاقَ (^٤)، واللَّيثُ بن سعدٍ (^٥)؛ كلُّهُم عن نافع، أنَّهُ سمِعَ رجُلًا من الأنصارِ يُحدِّثُ (^٦) ابنَ عُمرَ، أنَّ جارِيةً، أو أمةً لكعبِ بن مالكٍ الحديثَ.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٦٣١ (١٤٠٦).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٤٩ - ٤٥٠ (٢٩٩٧) من طريق موسى بن عقبة، به.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٤٩ (٢٩٩٦) من طريق جرير بن حازم، به.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٣٣٥ (٥٤٦٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٥٠ (٢٩٩٨) من طريق محمد بن إسحاق، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٦١٨ (٧٩٧٢).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه بإثر رقم (٥٥٠٤) معلقا عن الليث. وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٥٠ (٢٩٩٩، ٣٠٠٠)، والحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٥١٣، من طريق الليث، به.
(٦) زاد هنا في م: "عن"، خطأ.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
ورواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع: أنَّ (^١) كعبَ بن مالكٍ سألَ النَّبيَّ -ﷺ- عن مملُوكةٍ ذبحَتْ شاةً بمَرْوةٍ، فأمَرهُ النَّبيُّ -ﷺ- بأكْلِها (^٢).
ورَواهُ يحيى بن سعِيدٍ الأنصارِيُّ (^٣)، وصخرُ بن جُوَيرِيَةَ (^٤)، جميعًا عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ.
وهُو وهمٌ عندَ أهلِ العِلم، والحديثُ لنافع، عن رجُلٍ من الأنصارِ، لا عنِ ابنِ عُمرَ، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ.
وأمّا قولُهُ: ترعَى غنمًا بسَلْع. فسَلْع موضِعٌ، وإيّاهُ أرادَ الشّاعِر (^٥) بقولِهِ:
إنَّ بالشِّعبِ إلى (^٦) جَنْبَ سَلْعٍ لقتِيلًا دمُهُ ما يُطلُّ (^٧)
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إجازةُ ذبِيحةِ المرأةِ، وعلى إجازة ذلك جُمهُورُ (^٨) العُلماءِ والفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ (^٩).
_________________
(١) في ف ٣: "عن ابن"، وهو خطأ بيّن.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٤٩ (٢٩٩٤) من طريق عبيد الله، به.
(٣) أخرجه أحمد ٩/ ٣٣٤ - ٣٦٥ (٥٤٦٣، ٥٥١٢)، والدارمي (١٩٧١)، وابن الجارود (٨٩٧) من طريق يحيى بن سعيد، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٦١٨ (٧٩٧٢).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٤٦ (٢٩٩٣)، وابن حبان ١٣/ ٢١٢ (٥٨٩٢) من طريق صخر بن جويرية، به.
(٥) ينسب هذا البيت لخلف الأحمر كما في الشعر والشعراء لابن قتيبة ٢/ ٧٧٧، ونسبه بعضهم لتأبط شرًا كما في الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٤٨، ونسبه بعضهم للشنفري كما في الأغاني ٦/ ٨٦.
(٦) في م: "الذي"، خطأ، والمثبت من الأصل وغيره وهو الذي في مصدر التخريج.
(٧) يُطل: أي يُهدر ويبطل، ولا يُطلب.
(٨) قوله: "جمهور" سقط من د ٤.
(٩) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن ٥/ ٤٠٠ (ط. دار ابن حزم)، والمدونة لسحنون ١/ ٥٤٤، ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية ٥/ ٢٢٤٧ (١٥٢٨)، والإشراف لابن المنذر ٣/ ٤٣٢ مسألة (١٧٠٩)، وفيها ما بعده.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
وقد رُوِي عن بعضِهِم: أنَّ ذلك لا يجُوزُ منها، إلّا على حالِ الضَّرُورةِ.
وأكثرُهُم يُجِيزُونَ ذلك، وإن لم تكُن ضرُورةً، إذا أحْسَنتِ الذَّبحَ، وكذلك الصَّبِيّ إذا أطاقَ الذَّبحَ وأحْسَنهُ.
وهذا كلّهُ قولُ مالكٍ، والشّافعيِّ، وأبي حنِيفةَ، وأصحابِهِم، والثَّورِيِّ، واللَّيثِ بن سعدٍ، والحسنِ بن حيٍّ (^١)، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ (^٢).
ورُوِي ذلك عنِ ابنِ عبّاسٍ، وجابرٍ، وعَطاءٍ (^٣)، وطاوُوسٍ، ومجُاهِدٍ، والنَّخَعِيِّ (^٤).
وأمّا التَّذكِيةُ بالحَجَرِ فمُجتَمعٌ أيضا عليها، إذا فرَى الأوْداجَ، وأنْهَرَ الدَّمَ.
وقد مَضَى القولُ مُستوعبًا فيما يُذكَّى به، وما لا يجُوزُ الذَّكاةُ به، وفيما يُذكَّى من الحَيوانِ الذي قد أدرَكَهُ الموتُ، وما لا يُذكَّى منهُ، وما للعُلماءِ في ذلك كلِّهِ من المذاهِبِ، وتأوِيلُ قولِ الله ﷿: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مُستوعبًا ذلك كلُّهُ، مُمهَّدًا مُهذَّبًا، في بابِ زيدِ بن أسلم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.
(^٥) وقد مَضَى هُناك حديثُ الشَّعبِيِّ، عن محمدِ بن صفوانَ، أو صيفِيٍّ، قال: اصْطَدتُ أرْنَبينِ فذكَّيتُهُما بمَرْوةٍ، فأتيتُ بهما النَّبيَّ -ﷺ-، فأمَرني بأكْلِهِما (^٦).
وحديثُ عدِيِّ بن حاتِم، قال: قلتُ: يا رسُولَ الله، أرأيتَ إن أصابَ أحدُنا
_________________
(١) في ف ٣: "بن جني".
(٢) انظر: الاستذكار ٥/ ٢٥٦.
(٣) قوله: "وعطاء" سقط من د ٤.
(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق (٨٥٥٢ - ٨٥٥٥)، وسنن البيهقي الكبرى ٩/ ٢٨٣.
(٥) من هنا إلى قوله في الفقرة التي تبدأ بقوله: "وأولى ما قيل به " كله سقط من د ٤.
(٦) سلف تخريجه في شرح الحديث الثامن والثلاثين لزيد بن أسلم، وهو في الموطأ ١/ ٦٣٠ (١٤٠٥).
[ ١٠ / ١٦٩ ]
صيدًا وليسَ معهُ سِكِّينٌ، أيذبحُ بالمروة، وبشقِّ العَصا؟ قال: "أنْهِرِ الدَّمَ، أو أنزِلِ الدَّمَ بما شِئتَ، واذكُرِ اسمَ الله" (^١). والمروةُ: فلقةُ الحجرِ، لا خِلاف في ذلك.
وحديثُ رافِع بن خدِيج، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: "ما أنهرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلُوا، ما خَلا السِّنَّ والعظمَ " الحديثَ.
وقد أجمَعُوا على أنَّ ما مرَّ مُرُورَ الحدِيدِ، ولم يُثْرِدْ (^٢)، فجائزٌ الذَّكاةُ به.
وأجمعُوا على أنَّ الظُّفر إذا لم يكُن منزُوعًا، وكذلك السِّنُّ، فلا يجُوزُ الذَّكاةُ به؛ لأنَّهُ خَنْقٌ، وهذا أصلُ البابِ، والحمدُ لله.
وأولى ما قيلَ به في ذلك عِندنا:
ما أخبَرناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: أخبرنا يوسُفُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو العُقيليُّ، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن موسى، قال: حدَّثنا حُسينُ بن عيسى، قال: حدَّثنا أصْرَمُ بن حَوْشبٍ الهَمْدانيُّ، عنِ الحَسنِ بن عَطاءٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، قال: قال رسُولُ الله -ﷺ-: "من لم يُدرِكْ أحدَ الثَّلاثةِ، فلا ذَكاةَ لهُ: أن تَطْرِفَ بعينٍ، أو تَرْكُضَ برِجل، أو تَمْصَعَ بالذَّنَب".
وهذا الحديثُ وإن كان إسنادُهُ لا تقُومُ به حُجّةٌ، فإنَّ قولَ جُمهُورِ العُلماءِ بمعناهُ، على ما ذكَرْنا في بابِ زيدِ بن أسلمَ، يُوجِبُ السُّكُونَ إليه.
واستدلَّ جَماعةٌ من أهلِ العِلم بهذا الحديثِ، على صِحّةِ ما ذهَبَ إليه فُقهاءُ الأمصارِ. وهُم: مالكٌ، وأبو حنِيفةَ، والشّافعيُّ، والأوزاعِيُّ، والثَّورِيُّ (^٣)،
_________________
(١) انظر تخريجه في الموضع المذكور قبله، وكذا حديث رافع بن خديج الآتي بعده.
(٢) ثرد الذبيحة: قتلها من غير أن يفري أوداجها. وقيل: التثريد، أن يذبح الذبيحة بشيء لا ينهر الدم، ولا يسيله. انظر: لسان العرب ٣/ ١٠٣.
(٣) انظر: التفريع على فقه الإمام مالك لابن الجلاب ٣/ ٢٩٢، وبدائع الصنائع للكاساني ٥/ ٦٧.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
من جَوازِ أكلِ ما ذُبِح بغيرِ إذنِ مالكِهِ، ورَدُّوا به على من أبَى من أكْلِ ذبِيحةِ السّارِقِ والغاصبِ، إذا ذَبَحا بغيرِ إذنِ المالكِ.
ومِمَّن ذهبَ إلى كراهيةِ أكلِ ذَبِيحةِ السّارقِ (^١) ومن أشْبَههُ: داودُ، وإسْحاقُ. وتقدَّمهُم إلى ذلك: عِكْرِمةُ (^٢). وهذا قولٌ شاذٌّ عندَ أهلِ العِلم، لم يُعرِّج عليه فُقهاءُ الأمْصارِ، لحديثِ نافع هذا.
وقد ذكَرَ ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئهِ" -بإثرِ حديثِ مالكٍ عن نافع هذا- قال ابنُ وَهْبٍ: وأخبَرني أُسامةُ بن زيدٍ اللَّيثيُّ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيه: أنَّهُ سألَ رسُولَ الله -ﷺ- عنها، فلم يَرَ بها بأسًا (^٣).
ومِمّا يُؤَكِّدُ هذا المذهب: حديثُ عاصِم بن كُليب الجَرْمِيِّ (^٤)، عن أبيه، عن رجُلٍ من الأنصارِ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- في الشّاةِ التي ذُبِحَتْ بغيرِ إذْنِ ربِّها، فقال رسُولُ الله -ﷺ-: "أطْعِمُوها الأُسارَى" (^٥).
وهُم مِمَّن تجُوزُ عليهمُ الصَّدقةُ بمِثلِها، ولو لم تكُن ذكِيّةً، ما أطْعَمها رسُولُ الله -ﷺ-.
_________________
(١) من قوله: "والغاصب" إلى هنا، لم يرد في م، وهو ثابت في الأصل، لكنه جاء مستدركًا في حاشية النسخة.
(٢) انظر: مصنَّف عبد الرزاق (٨٥٦٧)، وصحيح البخاري قبل رقم (٥٥٤٣).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤، والطبراني في الكبير ١٩/ ٧٣، ٨٣ (١٤٤، ١٦٩) من طريق ابن وهب، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٢٥/ ٤٥ (١٥٧٦٥) من طريق أسامة بن زيد، به.
(٤) في ف ٣، م: "الحرمي". وهو عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي. انظر: تهذيب الكمال ١٣/ ٥٣٧.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٦٥٠٠)، وأحمد في مسنده ٣٧/ ١٨٥ - ١٨٦ (٢٢٥٠٩)، وأبو داود (٣٣٣٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٠٨، وفي شرح مشكل الآثار ٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦ (٣٥٠٥، ٣٠٠٦)، والدارقطني في سننه ٥/ ٥١٤ - ٥١٥ (٤٧٦٣)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٣٣٥، من طرق عن عاصم بن كليب، به. وانظر: المسند الجامع ١٨/ ٧٢٠ - ٧٢١ (١٥٦١٠).
[ ١٠ / ١٧١ ]