وَمَا (^١) لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ اليَتِيمِ، وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ.
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ -مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ". فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي القُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٢]
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ. [انظر: ٢٢١٢ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٥/ ٣٩٢]
_________________
(١) كذا وقع لابن الملقن في نسخته، وفي بعض النسخ فصل بين التبويب للآية والتبويب لعمل الوصي وانظر: "اليونينية" ٤/ ١٠، وأشار إلى ذلك الحافظ في "الفتح" ٥/ ٣٩٢ والعيني في "عمدة القاري" ١١/ ٢٩٣، والأنصاري في "المنحة" ٥/ ٥٧٩. ووقع أيضًا اختلاف في النسخ في سياق الآية وشرح الكلمات. راجع المواضع السابقة.
[ ١٧ / ٢٥٧ ]
ثم ساق حديث ابن عمر في صدقة عمر بثمغ وكان نخلًا.
وفي آخره: (وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ) إلى آخره، وقد سلف (^١)، والبخاري رواه عن هارون، وهو ابن الأشعث الهمداني الثقة، وهو من أفراده عن أبي سعيد مولى بني هاشم
واسمه: عبد الرحمن (خ س ق) بن عبد الله بن عبيد البصري، نزل مكة يلقب جردقة (^٢).
وذكر فيه أيضًا حديث عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ.
وقد سلف أيضًا (^٣)، ومعنى: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى﴾ اختبروهم في عقولهم، تميزهم وأذهانهم، وذلك أن يختبر بعد البلوغ بشيء من ماله، وظاهر القرآن أنه قبله، والمراد بالنكاح هنا: الحكم بالإنفاق، ومعنى: ﴿آنَسْتُمْ﴾ علمتم ﴿رُشْدًا﴾ عقلًا، كما قاله أبو حنيفة؛ لأنه لا يرى الحجر على حر مسلم وصلاحًا في الدين، أو صلاحًا في الدين والمال كما قَالَ الحسن والشافعي، أو صلاحًا وعلما بما يصلح، والأنثى كالذكر عند الشافعي وأبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك أن يضاف إلى ذَلِكَ دخول الزوج بها ﴿إِسْرَافًا﴾ مجاوزة المباح، فإن فرط قيل: أسرف إسرافًا؛ فإن قصر قيل: سرف يسرف ﴿وَبِدَارًا﴾ هو أن يأكله مبادرة أن يكبر فيحول بينه وبين ماله.
_________________
(١) سلف برقم (٢٣١٣) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثقة توفي سنة ١٩٧.
(٣) سلف برقم (٢٢١٢) كتاب البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون عليه.
[ ١٧ / ٢٥٨ ]
وقوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قَالَ زيد بن أسلم وغيره: نسختها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وهذا ليس تجارة. وقال جماعة: غير منسوخة واختلفوا في معناها، فقالت عائشة ما في الكتاب، وقال عمر: إن غنيت تركت وإذا احتجت أكلت بالمعروف (^١).
وقاله ابن عباس (^٢)، وفي حديث مرفوع: "كُلْ من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالك بماله" (^٣) وعندنا يأكل أقل الأمرين من أجره ونفقته وقيل: أجرته.
وفي رد البدل قولان أصحهما: لا. وقيل: نعم، وهو قرض، وهو قول عطاء وجماعات، وروي ذَلِكَ عن عمر وابن عباس، وتأوله الداودي على قول عمر: (إنما) (^٤) أنا في هذا المال كولي اليتيم إذا استغنى عفَّ، وإن احتاج أكل ورد (^٥). وتأوله الجماعة على أنه لا يرد شيئًا كما سلف.
وقال ابن بطال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ هو للندب، وإن أكل بالمعروف لم يكن عليه حرج (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ٤٦٣ (٣٢٩٠٤)، والطبرى في "تفسيره" ٣/ ٥٩٧ (٨٥٩٩).
(٢) أخرجه الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي كما في "الدر المنثور" ٢/ ٢١٦.
(٣) رواه أبو داود (٢٨٧٢)، والنسائي ٦/ ٢٥٦، وابن ماجه (٢٧١٨)، وأحمد ٢/ ٢١٥ - ٢١٦. قال الألباني في "صحيح أبي داود" (٢٥٥٦): إسناده حسن صحيح.
(٤) من (ص).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) "شرح ابن بطال" ٨/ ١٨٢.
[ ١٧ / ٢٥٩ ]
وقال ربيعة ويحيى بن سعيد: الأكل ها هنا لليتيم لا للولي، إن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره (^١). وقال عكرمة وعروة والشعبي، وروي عن ابن عباس: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قَالَ: يتقوت من ماله حَتَّى لا يصيب من مال اليتيم شيئًا (^٢).
والإشهاد من باب الندب خوف إنكار اليتيم، وقيل: الإشهاد منسوخ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ أي: شهيدًا (^٣) أو كافيًا من الشهود وهذا قول أبي حنيفة أن القول قول الوصي في الدفع. وقيل: معناه فيمن اقترض منه فعليه أن يشهد عند الدفع، وفسر: ﴿حَسِيبًا﴾ في رواية أبي ذر: كافيًا. وقيل: عالمًا. وقيل: مقتدرًا. وقيل: محاسبًا.
وقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ نزلت بسبب أن الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث، ويقولون: لا يرث إلا من طعن بالرمح (^٤). وذكر حديث عمر في الباب؛ لذكره أكل الولي منه، وليس من الباب في شيء كما قاله ابن التين؛ لأن عمر شرط ذَلِكَ وشرط إطعام الصديق بخلاف الوصي.
(وثَمْغٌ) بإسكان الميم، وقد فسره بقوله: (وَكَانَ نَخْلًا).
وقوله: (وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ). أي: خطير يتنافس فيه. وقال الداودي: اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس، وقال المهلب: إنما أدخل هذا الحديث في الباب، لأن عمر حبس ماله على أصناف وجعله إلى من يليه وينظر فيه، كما جعل مال اليتيم إلى من يليه وينظر فيه، فالنظر لهؤلاء الأصناف
_________________
(١) "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٨٦٧ (٤٨١٨).
(٢) "تفسير الطبري" ٣/ ٥٩٦ (٨٥٩٦).
(٣) السابق ٣/ ٦٠٤ (٨٦٥٦) عن السدي.
(٤) بمعناه رواه الطبري عن عكرمة في "تفسيره" ٣/ ٦٠٤ (٨٦٥٨).
[ ١٧ / ٢٦٠ ]
كالنظر لليتامى، لأنهم من جملة هذِه الأصناف (^١).
وقال ابن المنير: حديث عمر غير مطابق للترجمة؛ لأن عمر هو المالك لمنافع وقفه ولا كذلك الموصي على أولاده، فإنهم إنما يملكون المال بقسمة الله تعالى وتمليكه، ولا حق لمالكه فيه بعد موته، فكذلك كان المختار أن وصي اليتيم ليس له الأكل من ماله إلا أن يكون فقيرًا فيأكل (^٢).
وفيه من الفقه:
أن عمر فهم عن الله تعالى أن لولي هذا المال أن يأكل منه بالمعروف كما قَالَ تعالى، وقوله (غير متمول) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ فدل أن ما ليس بسرف أنه جائز لولي اليتيم أن يأكله.
وقوله: (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَهُ) ولم يخص غنيًّا من فقير.
فيه: إجازة أكل الغني مما يلي.
وقال ابن بطال: جمهور علماء التأويل إنما أباحوا للولي الأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرًا، ولم يذكروا في ذَلِكَ الغني (^٣).
والفقهاء على أنه لا رد، وقد روى حديث عمر ولم يذكر فيه الرد، رواه سعيد عن قتادة عن أبي مجلز عنه، ومن رأى الرد فذلك مخالف لظاهر القرآن.
_________________
(١) "شرح ابن بطال" ٨/ ١٨٢.
(٢) "المتواري" ص ٣٢٠.
(٣) "شرح ابن بطال" ٨/ ١٨٢.
[ ١٧ / ٢٦١ ]
وأباح ابن عباس للغني أن يشرب من لبن إبل اليتيم بالمعروف من أجل قيامه عليها وخدمته لها، فكيف يجب أن يكون على الفقير أن يقضي ما أكل منها بالمعروف إذا أيسر، والنظر في ذَلِكَ أيضًا يبطل وجوب القضاء؛ لأن عمر شبه مال الله بمال اليتيم، وقد أجمعت الأمة: أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر: (ثم قضيت) إن صح (^١).
_________________
(١) "شرح ابن بطال" ٨/ ١٨٢ - ١٨٣.
[ ١٧ / ٢٦٢ ]