٥٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ». قَالَ سُفْيَانُ: وَالْعَانِي: الأَسِيرُ. [انظر: ٣٠٤٦ - فتح: ٩/ ٥١٧].
٥٣٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ. [مسلَم: ٢٩٧٦ - فتح: ٩/ ٥١٧].
٥٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ، فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ». فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. فَأَخَذَ بِيَدِى فَأَقَامَنِي، وَعَرَفَ الَّذِي بِي
[ ٢٦ / ٦٥ ]
فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ، فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «عُدْ يَا أَبَا هِرٍّ». فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: «عُدْ». فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالْقِدْحِ. قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِي وَقُلْتُ لَهُ: تَوَلَّى اللهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ، وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ. قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ لأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ. [انظر: ٦٢٤٦ - مسلم: ٦٤٥٢ - فتح: ٩/ ٥١٧]
ذكر ابن بطال هذا الباب بعد الطب وقبل التعبير، ولا أدري لم ذكره هناك، وذكر عقب النفقات الشهادات، وهي مقدمة كما سلف، وكذا ساق الآية الثانية بلفظ (كلو من طيبات ما كسبتم) والتلاوة: ﴿أَنْفِقُوا﴾ بدل ﴿كُلُوا﴾ (^١).
وسئل الفضيل بن عياض عمن يترك الطيبات من الجواري واللحم والخبيص للزهد؟ فقال: وما أكل الخبيص بأس، ليتك تتقي الله وتأكل؛ إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام. والمراد بالطيبات الحلال، وقيل: جيده وطيبه، يؤيده حديث البراء بن عازب - ﵄ -: كانوا يتصدقون بالرديء من ثمرتهم وطعامهم فنزلت الآية الثالثة لهذِه (^٢).
ولم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ أنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ
_________________
(١) ورد في هامش الأصل: قوله: وكذا ساق الآية الثانية، صريح في أن ابن بطال صنع (…) كذلك بل هي كذلك في أصلنا ()، وكذا ساقها شيخنا في أول () في كلامه كان ساقها أنفقوا.
(٢) قلت: قول المصنف هنا: نزلت في الآية الثالثة ليس بصحيح، والصواب أنها الآية الثانية كما في حديث البراء عند الترمذي (٢٩٨٧) والبيهقي في "سننه" ٤/ ١٣٦، وقال الترمذي: حسن غريب.
[ ٢٦ / ٦٦ ]
الطعام واللذائذ المباحة. قال عكرمة: إنها نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم، والخصي، وأرادوا التخلي من الدنيا والترهب (^١)، منهم: علي وعثمان بن مظعون، وقد سلف شيء من هذا في باب: ما يكره من التبتل والخصاء.
ثم ذكر البخاري حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - ﵁ -، أن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: "أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَالْعَانِي: الأَسِيرُ.
هذا الحديث سلف قريبًا في الوليمة بلفظ: "فكوا العاني وأجيبوا الداعي وعودوا المريض" (^٢).
وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة، وأبو موسى اسمه عبد الله بن قيس بن سليم.
وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو وهو عان، والمرأة عانية، جمعها عوان، ومنه الحديث: "اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم" كالأسرى (^٣).
وفيه حديث المقدام: "الخال وارث من لا وارث له؛ يفك عانه" (^٤)
_________________
(١) "تفسير الطبري" ٥/ ١٠.
(٢) سلف برقم (٥١٧٤) كتاب النكاح، باب: حق إجابة الوليمة والدعوة.
(٣) رواه الترمذي (١١٦٣)، وابن ماجه (١٨٥١) والنسائي في "الكبرى" ٥/ ٣٧٢ من حديث عمرو بن الأحوص وقال الترمذي: حسن صحيح وله شواهد من رواية أبي حرة الرقاشي وعلى بن أبي طالب وغيرهم وحسنه الألباني في "الإرواء" (٢٠٣٠).
(٤) رواه أبو داود (٢٨٩٩) وابن ماجه (٢٧٣٨)، والطيالسي في "مسنده" ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧ (١٢٤٦) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨، وابن الجارود (٩٦٥) وغيرهم من طرق عن المقدام، وفي الباب عن عمر وعائشة - ﵁ -، والحديث صححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٧٠٠) فراجعه فإنه مفيد.
[ ٢٦ / ٦٧ ]
أي: عانيه، فحذف الياء، وفي رواية "يفك عينه". عني يعنو عنوا - وعينًا.
ومعنى الأسر في حديث الخال: ما يلزمه، ويتعلق به بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة، هذا عند من يورث الخال ومن لا يورثه يقول: معناه طعمة أطعمها الخال لا أن يكون وارثًا، كما قاله ابن الأثير (^١).
وفي هذا الحديث الأمر بالمواساة وإطعام الجائع، وذلك من فروض الكفاية. قال الداودي: إلا أن يحتاج الرجل ولا يجد ما يقيمه يحق على من علم ذَلِكَ منه أن يعطيه ما يقيم به شأنه، وله أن يأخذ ذَلِكَ منه كرهًا وأن يختفي به إن لم يقدر عليه إلا بذلك، ومنه إعطاء السائل إن صادف شيئًا موضوعًا كان حقًّا على المسئول أن ينيله منه، وإن لم يجد شيئًا حاضرًا، وعلم المسئول أنه ليس له شيء يقيمه، وجب عليه أن يعينه، وإن لم يعلم حاله فليقل له قولًا رقيقًا. وقد سلف شيء من هذا المعنى في باب: فكاك الأسير من الجهاد.
ثم ساق البخاري حديث محمد بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ واسمه سلمان، مولى عزة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: ما شبع آل محمد - ﷺ - مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ.
وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آية مِنْ كِتَابِ اللهِ .. الحديث. وفيه: حَتَّى اسْتَوى بَطْنِي فَصارَ كَالْقِدْحِ .. إلى آخره.
والسند الثاني معطوف على الأول من غير شك، وعند مسلم:
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ٣/ ٣١٤ - ٣١٥.
[ ٢٦ / ٦٨ ]
ما شبع رسول الله - ﷺ - وأهله ثلاثًا تباعًا من خبز البر حَتَّى فارق الدنيا (^١).
روى المقدام بن معدي كرب مرفوعًا فيما أخرجه الزمخشري في "ربيعه": "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطن، بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه" (^٢).
وأخرج من حديث حذيفة مرفوعًا: "من أقل طعمه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه" (^٣). وفي لفظ: "لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب؛ فإن القلب ثمرة كالزرع إن كثر عليه الماء انتهى" (^٤).
فيحتمل أن تركه - ﵇ - الشبع لهذا لا للعدم، وأجمعت العرب كما قال فضيل بن عياض على أن الشبع من الطعام لوم، بل نص الشافعي على أن الجوع يدلي. والجهد فيه بضم الجيم وفتحها لغتان، وقال نفطويه: الضم الوسع والطاقة، والفتح المبالغة والغاية.
وقال الشعبي: الضم للمشقة، والفتح القل، وقوله: (فأمر لي بعس من لبن) هو القدح الضخم وجمعه عساس (^٥).
_________________
(١) مسلم (٢٩٧٦) كتاب: الزهد والرقائق.
(٢) قلت: كذا ذكره الزمخشري في "ربيعه" باب: الطعام وألوانه، والحديث رواه الترمذي في "جامعه" (٢٣٨٠)، وابن ماجه في "سننه" (٣٣٤٩) والنسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧٧، وأحمد ٤/ ١٣٢ وغيرهم من طرق عن المقدام به مطولًا ومختصرًا، وقال الترمذي: حسن صحيح وحسنه الحافظ في "الفتح" ٩/ ٥٢٨ وصححه الألباني في "الإرواء" (١٩٨٣).
(٣) كذا ذكره الزمخشري في "ربيعه" باب الطعام وألوانه ولم أقف على من أخرجه.
(٤) قلت: لم أقف على من أخرجه وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" ٣/ ٧١: لم أقف له على أصل وقال الألباني في "الضعيفة" (٧٢١): لا أصل له.
(٥) في هامش الأصل و(غ): وأعساس أيضًا.
[ ٢٦ / ٦٩ ]
وقوله: (فشربت حَتَّى استوى بطني فصار كالقدح). هو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم أول ما يقطع قطعًا، ثم يبرى يسمى بريًا، ثم يقوم، فيقال: القدح، وهو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم يراش ثم يركب نصله، فهو حينئذٍ سهم. والمراد: إن بطنه استوى فامتلأ فصار كالسهم.
وقوله: (قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحب إلى من أن يكون لي حمر النعم). هذا حث منه، وحرص على فعل الخير والمواساة.
والحمر: لون محمود في الإبل، يريد يملكها ويضعها في سبل الخير، فهي أحسنها وأطهرها جلدًا قال حُنَيْفُ الحناتِم.
الرمكاء (^١) نهيا والحمراء صُبْرى … والخوَّارة غُزرى والصهباء سرعى
وقالت بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الإبل إلا الحمر، ومن الخيل إلا الكميت.
وفي حديث أبي هريرة هذا التعريض بالمسألة والاستحياء وذكر الرجل ما كان أصابه من الجهد.
وفي هذا الحديث إباحة الشبع عند الجوع؛ لقوله: (فشربت حَتَّى استوى بطني وصار كالقدح). يعني: السهم في استوائه؛ لأنه لما روي من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم؛ لأنه كان بالجوع ملتصقًا مثنيًّا.
وفيه: ما كان السلف عليه من الصبر على التقلل وشظف (^٢) العيش والرضا باليسير في الدنيا؛ ألا ترى أن أبا هريرة لم يكن له هم إلا أن يسد
_________________
(١) كذا في (غ) وفي الأصل: (إن مكانتها).
(٢) في هامش الأصل: الضيق والشدة بالشين والظاء المعجمتين والفاء.
[ ٢٦ / ٧٠ ]
عمر جوعه فقط، فلما سقاه الشارع حَتَّى روي أقنعه ذَلِكَ ولم يطلب سواه.
وذلك دال على إيثارهم البلغة من الدنيا وطلبهم الكفاية، ألا ترى قول أبي هريرة: (ما شبع آل محمد من طعامٍ ثلاثًا حَتَّى قبض). ستأتي معاني هذا الحديث وما عارضه في باب: ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون.
وفيه: سد الرجل خلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذَلِكَ.
وفيه: أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى بيته، ويطعمه ما تيسر عنده، والله أعلم لِمَ لمْ يحمل عمر أبا هريرة حين استقرأه أبو هريرة لشغل كان به، أو أنه لم يتيسر حينئذٍ ما يطعمه، وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: (والله لقد استقرأت عمر الآية، وأنا أقرأ (^١) منه إلا طمعًا في أن يذهب بي ويطعمني). وهو زائد على ما في البخاري من قوله: (والله لقد استقرأتك الآية وأنا أقرأ لها منك).
وفيه: الحرص على أفعال البر، بأسف عمر على ما فاته من حمل أبي هريرة إلى بيته وإطعامه أن كان محتاجًا إلى الأكل، وأن ذَلِكَ كان أحب إليه من حمر النعم.
_________________
(١) في (غ): (أقرأها) والمثبت من الأصل.
[ ٢٦ / ٧١ ]