لِقَوْلِهِ -﷿-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، ﴿غُمَّةٌ﴾ [يونس: ٧١]: هَمٌّ وَضِيقٌ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، يُقَالُ: افْرُقِ: اقْضِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ. ﴿النَّبَأُ الْعَظِيمُ﴾ [النبأ: ٢]: القُرْآنُ ﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ. [فتح: ١٣/ ٤٨٩].
الشرح:
معنى قوله: (باب ذكر الله بالأمر) أي: ذكر الله لعباده يكون مع أمره لهم بعبادته (والتزام طاعته) (^١) أو بعذابه إذا عصوه، ويكون مع رحمته وإنعامه عليهم إذا أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: إذا ذكر اللهَ العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره على معصيته ذكره بلعنته، وعنه: ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا كافر إلا ذكره بعذابه، قال سعيد بن جبير: اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة (^٢).
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) رواه الطبري في "التفسير" ٢/ ٤٠ (٢٣١٨).
[ ٣٣ / ٤٨٩ ]
وقوله: (وذكر العباد بالدعاء والتضرع) أي: في الغفران والتفضل عليهم بالرزق والهداية.
وقوله: (والرسالة والإبلاع) معناه: وذكر الله الأنبياء بالرسالة والإبلاع لما أرسلهم به إلى عباده بما يأمرهم به من عبادته وينهاهم ..
وقوله: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾) [يونس: ٧١] بهذا ذكر الله لرسوله نوحًا - ﵇ - بما بلغ من أمره وتذكيره قومه بآيات الله -﷿-، وكذلك فرض على [كل] (^١) نبي تبليغ كتابه وشريعته.
ولذلك ذكر قوله تعالى: (﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾) [التوبة: ٦] الذي أمر بتلاوته عليهم وإنبائهم به.
وقال مجاهد: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيم﴾: القرآن) (^٢)، وسمي نبأ؛ لأنه منبأ به وهو متلو لرسول الله - ﷺ -، ولهذا ذكر في الباب هذِه الآية؛ من أجل أمر الله محمدًا - ﵇ - بإجارة المشرك حتى يسمع الذكر.
وقوله: (﴿صَوَابًا﴾: حقًا)، (يريد قوله تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾) (^٣) يريد: وقال (حقًّا) (^٤) في الدنيا وعمل به فذلك الذي يؤذن له في الكلام بين يدي الله بالشفاعة لمن أذن له.
وكان يصلح أن يذكر في هذا الباب قوله - ﵇ - عن ربه -﷿-: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" أي: من ذكرني في نفسه متضرعًا (داعيًا) (^٥) ذكرته في نفسي
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق، من "شرح ابن بطال" ١٠/ ٥١٩.
(٢) "تفسير مجاهد" ٢/ ٧١٩.
(٣) من (ص ١).
(٤) في الأصل: صوابًا، والمثبت من (ص ١).
(٥) في (ص ١): راغبا.
[ ٣٣ / ٤٩٠ ]
مجيبًا مشفقًا، فإن ذكرني في ملأ من الناس بالدعاء والتضرع ذكرته في ملأ من الملائكة الذين هم أفضل من ملأ الناس -كما وقع في كتاب ابن بطال على ما نقله عن الجمهور- بالمغفرة والرحمة والهداية، يفسره قوله - ﵇ - في حديث التنزل: "هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه" (^١)، هذا ذِكْرُ الله تعالى العباد بالنعم والإجابة لدعائهم (^٢).
فصل:
اختلف في الأفضل من الذكر قيل: بالقلب أو باللسان، قاله الداودي. والصواب أن الذكر باللسان وقوله: "لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه" أعظمُ من ذكره بقلبه، ووقوفه عند السيئة فيذكر بلسانه -عندما يهم العبد بالسيئة- فيذكر مقام ربه فيكف.
فصل:
وقوله: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾) [يونس: ٧٢] معنى ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ أي: كوني فيكم، وقوله: ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ﴾. يعني: عظمة إياه من قوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، قال الفراء: (أي) (^٣) وادعوا شركاءكم؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، وإنما الإجماع للإعداد والعزيمة على الأمر، قال الشاعر:
ورأيت بعلك في الورى … متقلدًا سيفًا ورمحًا (^٤)
_________________
(١) حديث النزول سبق برقم (٧٤٩٤).
(٢) "شرح ابن بطال" ١٠/ ٥٢٠.
(٣) من (ص ١).
(٤) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٤٧٣.
[ ٣٣ / ٤٩١ ]
أي: وحاملًا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد.
وقال المبرد: هو محمول على المعنى؛ لأن معنى الجمع والإجماع واحد (^١)، وقال الشيخ أبو الحسن: المعنى مع شركائكم قال: وقول الفراء لا معنى له؛ لأنه يذهب إلى أن المعنى: وادعوا شركاءكم ليعينوكم، فإن معناه معنى مع، وإن كان يذهب إلى الدعاء فقط ولا معنى له لدعائهم لغير نبي، وقرأ الجحدري بوصل الألف وفتح الميم، وقرأ الحسن: فأجمعوا (^٢)، وهذا يدل أنهما لغتان بمعنى.
فصل:
وقوله: (﴿غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]: هَمٌّ وضيق). قيل المعنى: ليكن أمركم ظاهرًا، يقال: القوم في غمة إذا غطي عليهم أمرهم والتبس، ومنه غمه (الهلال) (^٣) أي: غشيه ما غطاه، والغَمُّ من هذا إنما هو من أغشى القلب من الكرب وطبعه، وأصله مشتق من الغمامة.
وقوله: (﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: ما في أنفسكم). أي: افعلوا ما بدا لكم، قال الكسائي: وتقرأ أفضوا بقطع الألف.
_________________
(١) "الكامل" للمبرد ١/ ٥٤٤.
(٢) "المحتسب" ١/ ٣١٤، وانظر "تفسير الطبري" ٦/ ٥٨٥ (١٧٧٧٥).
(٣) في الأصل: الهلاك ولعله تحريف من الناسخ، وانظر: "فتح الباري" ١٣/ ٤٩٠.
[ ٣٣ / ٤٩٢ ]