وَقَالَ الأَعْمَشُ: عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١].
هذا التعليق أخرجه النسائي وابن ماجه مسندًا إلى الأعمش (^١)، وقال الشيخ أبو الحسن: كذا وقع، ولذلك لم يأت في تفسير المجادلة، وتميم هذا هو ابن سلمة السلمي الكوفي، مات سنة مائة، روى له البخاري والجماعة استشهادًا (^٢).
٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا». ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ. فَقَالَ لِي: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ. فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ». أَوْ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ؟ " بِهِ. [انظر: ٢٩٩٢ - مسلم: ٢٧٠٤ - فتح ١٣/ ٣٧٢].
_________________
(١) "المجتبي" ٦/ ١٦٨ كتاب: الطلاق، باب: الظهار، "السنن الكبرى" ٣/ ٣٦٨ (٥٦٥٤) كتاب: الطلاق، باب: الظهار، و٦/ ٤٨٢ (١١٥٧٠) كتاب: التفسير، سورة المجادلة، "سنن ابن ماجه" (١٨٨) المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، و(٢٠٦٣) كتاب: الطلاق، باب: الظهار.
(٢) تميم بن سلمة السلمي الكوفي، رأى عبد الله بن الزبير، وثقه ابن معين والنسائي، انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" ٦/ ٢٨٧، "التاريخ الكبير" ٢/ ١٥٣ - ١٥٤ (٢٠٢٥)، "الجرح والتعديل" ٢/ ٤٤١ (١٧٦٠)، "تهذيب الكمال" ٤/ ٣٣٠ (٨٠٣).
[ ٣٣ / ٢٢٢ ]
٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَان، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». [انظر: ٨٣٤ - مسلم: ٢٧٠٥ - فتح ١٣/ ٣٧٢].
٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - حَدَّثَتْهُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِي قَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ». [انظر: ٣٢٣١ - مسلم: ١٧٩٥ - فتح ١٣/ ٣٧٢].
ثم ساق حديث أبي موسي - ﵁ - السالف (^١): "ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا".
وحديث أبي الخير مرثد بن عبد الله اليَزَنِي: سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرو، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - قَالَ لرسول الله - ﷺ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا" وقد سلف.
وحديث عائشة - ﵂ -: عن رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ جِبْرِيلَ نَادَانِي قَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ".
غرضه في هذا الباب أن يرد على من يقول: إن معني (سميع بصير) يعني: عليم لا غيرة لأن كونه لذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى والأصم الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، وأن في العالم أصواتًا ولا يسمعها -ولا شك- أن من سمع الصوت وعلمه ورأى
_________________
(١) سلف برقم (٢٩٩٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير.
[ ٣٣ / ٢٢٣ ]
خضرة السماء وعلمها أدخل في صفات الكمال ممن انفرد بإحدي هاتين الصفتين، وإذا استحال كون أحدنا ممن لا أمره أكمل صفة من خالقه، وجب كونه سميعًا بصيرًا مفيدًا أمرًا زائدًا على ما يفيد كونه عليمًا. ثم نرجع إلى ما تضمنه كونه سميعًا بصيرًا.
فنقول: هما متضمنان لسمع وبصر لهما كان سميعًا وبصيرًا، كما تضمنه كونه عالمًا علمًا لأجله كان عالمًا، كما أنه لا خلاف بين إثباته عالمًا وبين إثباته ذا علم، وأن من نفي أحد الأمرين كمن نفى الآخر، وهذا مذهب أهل السنة والحق.
وقال ابن التين: قوله: (سميعًا) يحتمل أن يكون أراد به يسمع الأصوات لغير حاجة، ويريد أنه يقبل بفضله ما يشاء من أعمال عباده، قال: وبصير قد يكون بمعنى: عالم (^١)، دليله قوله تعالى: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] ويحتمل أن يكون بمعنى مدرك ورأى بإدراك يزيد على العلم ولم يزل بصيرًا بمعنى: رأى ومدرك؛ لأنه يرى نفسه وصفات ذاته، ولم يزل سامعًا كلامه ونفسه وصفات ذاته.
فصل:
ومعنى قول عائشة - ﵂ -: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات): أدرك سمعه الأصوات لا أنه يسمع سمعه لها؛ لأن الموصوف بالسعة يصح وصفه بالضيق بدلًا منه، والوصفان جميعًا من صفات الأجسام، وإذا استحال وصفه بما يؤدي إلى القول بكونه تعالى جسمًا وجب صرف قولها عن ظاهره إلى ما اقتضاه صحة الدليل، ولا يغالطه سمع عن سمع ولو ناداه الخلق جميعًا معًا سمع
_________________
(١) الصواب إثبات صفات اللهَ -﷾- كما جاءت النصوص، انظر ص ١٨٥ - ١٨٨.
[ ٣٣ / ٢٢٤ ]
أصواتهم، وروي عن عائشة - ﵂ - كلمته المجادلة و(أنا) (^١) قريب منه، فلم أسمعها، فنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ (^٢).
فصل:
ومعني قوله: "فإنَّكم لا تَدْعون أصمَّ ولا غائبًا". نفي الآفة المانعة من السمع، ونفي الجهل المانع من العلم، وفي هذا القول منه دليل على أنه لم يزل سميعًا بصيرًا عالمًا، ولا يصح أضداد هذِه الصفات عليه تعالى.
وقوله: "قريبا" إخبار عن كونه عالمًا بجميع المعلومات لا يعزب عنه شيء، ولم يرد بوصفه بالقرب قرب المسافة؛ لأن الله تعالى لا يصح وصفه بالحلول في الأماكن (^٣)؛ لأن ذلك من صفات الأجسام، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] معناه: إلا وهو عالم بهم وبجميع أحوالهم ما يسرونه وما يظهرونه.
ومعني حديث أبي بكر - ﵁ - في الباب هو أن دعاء الله تعالى ما علمه الشارع يقتضي اعتقاد سميعًا لدعائه ومجازيًا عليه.
_________________
(١) في (ص ١): إني
(٢) رواه النسائي ٦/ ١٦٨، وابن ماجه (١٨٨)، (٢٠٦٣)، وأحمد ٦/ ٤٦.
(٣) ها هو الصواب من مذهب أهل السنة والجماعة، قال السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]: القرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق. اهـ وقال ابن عثيمين في "شرح الواسطية" ٢/ ٥١١: لا يلزم من قربه أن يكون في الأرض؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وهو محيط بكل شيء.
[ ٣٣ / ٢٢٥ ]
فصل:
قوله: "ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ" بالباء الموحدة رويناه بكسرها، وهو في ضبط بعض الكتب بفتحها، وكذا هو في ضبط كتب أهل اللغة، ومعناه: ارفقوا بأنفسكم.
[ ٣٣ / ٢٢٦ ]