قال العلماء: الحيض لغةً: السَّيلان، ومنه حاض الوادي إذا سال.
وهو في الاصطلاح: جريان الدَّم من قعر الرَّحم على موجب الجبلَّة والطَّبيعة، ويكون في أوقاتٍ معلومةٍ غالبًا، ويقال للحيض: نفاسٌ، ومنه قوله ﷺ: «لَعَلَّكِ نَفِسْتِ»؛ يعني: حضت، ثمَّ قال: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (^١).
وباب الحيض اختلف العلماء في كثيرٍ من مسائله، وتباينت مذاهبهم فيه، وتوسَّعوا في تفصيل مسائله، وذلك لكثرة اختلاف أحوال النِّساء في حيضهنَّ.
* * * * *
(١٥٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِك فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أبو حَاتِمٍ (^٢).
(١٥٣) وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١) عن عائشة ﵂.
(٢) أبو داود (٢٨٦)، والنسائي (٢١٦)، وابن حبان (١٣٤٨)، والحاكم (٦٢٠). قال أبو حاتم في «العلل» (١١٧): «لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر».
(٣) أبو داود (٢٩٦).
[ ١ / ١٦٥ ]
(١٥٤) وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هِي رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ»، قَالَ: «وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَيَّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذه الأحاديث أصلٌ في تمييز دم الحيض من دم الاستحاضة. والاستحاضة: جريان الدَّم من المرأة دائمًا أو غالبًا، واختلف العلماء فيما تعتبر به المستحاضة حيضها:
فقيل: باللَّون، وهو الأسود إن كان، لحديث عائشة ﵂، وهو قول مالكٍ (^٢).
وقيل: بالعادة، إن كانت لها عادةٌ؛ لقوله ﷺ للمستحاضة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» (^٣) وهو قول أبي حنيفة (^٤).
وقيل: تعتبر حيضها بأحد ثلاثة أمورٍ مرتَّبةٍ:
١ - بالعادة إن كانت.
٢ - وإلَّا فبتمييز لون الدَّم.
_________________
(١) أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧)، وأحمد (٢٧٤٧٤).
(٢) ينظر: «بداية المجتهد» (١/ ٥٥).
(٣) هو حديث أم حبيبة ﵂ الآتي.
(٤) ينظر: «المبسوط» (٣/ ١٧٨).
[ ١ / ١٦٦ ]
٣ - وإن لم تكن عادةٌ ولا تمييزٌ فبغالب الحيض، وهو ستَّة أيَّامٍ أو سبعةٌ؛ لحديث حمنة ﵂ المذكور وهو المشهور في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، وهو الرَّاجح؛ لأنَّه يتضمَّن العمل بأحاديث الباب كلِّها.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ فاطمة بنت أبي حبيشٍ ﵂ إحدى المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ.
٢ - الفرق بين الحيض والاستحاضة في الصِّفة والأحكام.
٣ - أنَّ دم الحيض أسود يعرف، أي تعرفه النِّساء، وقيل: يعرف -بضمِّ الياء وكسر الرَّاء- من العرف وهو الرَّائحة.
٤ - أنَّ دم الاستحاضة لا يمنع من الصَّلاة بخلاف الحيض.
٥ - أنَّ المستحاضة تقعد عن الصَّلاة في الأيَّام الَّتي تعتبرها حيضتها.
٦ - وجوب الوضوء على المستحاضة للصَّلاة، وذلك بعدما تغسل عنها الدَّم وتغتسل عند إدبار حيضتها كما في الصَّحيح: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» (^١) وقوله: «فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» تفسِّره رواية البخاريِّ: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» كما تقدَّم في نواقض الوضوء (^٢).
٧ - أنَّ دم الاستحاضة يضرب إلى الصُّفرة لقوله: «إِذَا رَأَتْ صُفْرَةً».
٨ - تحقُّق المستحاضة من صفة دمها بالجلوس في ماءٍ، لقوله ﷺ: «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ …» إلخ. والمركن: إناءٌ يشبه الطَّست، أو هو الطَّست؛ تغسل فيه الثِّياب ويغتسل فيه.
٩ - جواز جمع المستحاضة للصَّلوات: الظُّهر والعصر، والمغرب والعشاء.
_________________
(١) تقدم برقم (٧٥).
(٢) تقدم برقم (٧٦)، وهي في الحديث الآتي.
[ ١ / ١٦٧ ]
١٠ - مشروعيَّة الغسل للمستحاضة ثلاث مرَّاتٍ للظُّهر والعصر، وللمغرب والعشاء، وللفجر.
١١ - أنَّ حمنة بنت جحشٍ ﵂ إحدى المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ.
١٢ - فضل نساء الصَّحابة؛ حيث لم يمنعهنَّ الحياء من التَّفقُّه في الدِّين.
١٣ - أنَّ للشَّيطان تأثيرًا في نزف الدَّم من الرَّحم؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ»؛ أي: رفسةٌ من الشَّيطان.
١٤ - أنَّ من لا عادة لها ولا تمييز تجلس غالب مدَّة الحيض ستًّا أو سبعًا وتصوم وتصلِّي في باقي أيَّام الشَّهر؛ ثلاثةً وعشرين أو أربعةً وعشرين، وتعتبر في تعيين أحد العددين السِّتَّة أو السَّبعة بغالب حال نسائها.
١٥ - أنَّ المستحاضة مخيَّرةٌ في الصَّلاة بين التَّوقيت والجمع.
١٦ - أنَّها إذا اختارت الجمع استحبَّ لها الاغتسال ثلاث مرَّاتٍ.
١٧ - أنَّها إذا اختارت التَّوقيت؛ وهو فعل كلِّ صلاةٍ في وقتها، فعليها الوضوء لكلِّ صلاةٍ.
١٨ - أنَّ الجمع بين الصَّلوات والاغتسال أفضل من التَّوقيت من غير اغتسالٍ؛ لقوله ﷺ: «وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَيَّ».
* * * * *
(١٥٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي»، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
_________________
(١) مسلم (٣٣٤).
[ ١ / ١٦٨ ]
(١٥٦) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» (^١)، وَهِيَ لأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (^٢).
* * *
هذا الحديث هو من الأدلَّة على ردِّ المستحاضة في معرفة حيضها إلى عادتها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ أمَّ حبيبة بنت جحشٍ إحدى المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ.
٢ - أنَّ المستحاضة الَّتي لها عادةٌ تدع الصَّلاة أيَّام عادتها.
٣ - وجوب الغسل على الحائض إذا انقضت حيضتها.
٤ - أنَّ المستحاضة المعتادة تنقضي حيضتها بانقضاء أيَّامها المعتادة.
٥ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر أمَّ حبيبة ﵂ بالاغتسال لكلِّ صلاةٍ.
٦ - أنَّ الحائض لا تصلِّي، فلا تجب عليها ولا تصحُّ منها.
٧ - وجوب الصَّلاة على المستحاضة في غير أيَّام حيضتها.
٨ - وجوب الوضوء للمستحاضة لكلِّ صلاةٍ.
٩ - أنَّ دم الاستحاضة ناقضٌ للوضوء.
* * * * *
_________________
(١) قوله: «وفي رواية للبخاري» يوهم أن البخاري روى حديث أم حبيبة ﵂ وأن النبي ﷺ قال: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وليس كذلك، فحديث أم حبيبة ﵂ لم يروه من الشيخين إلا مسلم كما ذكر الحافظ هنا، وأما رواية البخاري التي ذكرها هنا فهي طرف من حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ الذي أورده الحافظ في باب نواقض الوضوء، وقد ذكر هناك هذه الرواية التي انفرد بها البخاري عن مسلم؛ وهي قوله: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، فظهر بذلك أن قوله: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» حديث آخر لا علاقة له بحديث أم حبيبة ﵂. قاله شيخنا عبد الرحمن البراك حفظه الله.
(٢) أبو داود (٢٩٨)، وقد تقدمت هذه الرواية برقم (٧٦).
[ ١ / ١٦٩ ]
(١٥٧) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنَّا لا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ (^١).
* * *
هذا الحديث عن أمِّ عطيَّة، وحديث عائشة ﵃، وهو قولها للنِّساء: «لا تعجلن حتَّى ترين القصَّة البيضاء» (^٢).
هذان الأثران هما الأصل عند العلماء في حكم الصُّفرة والكدرة.
والمراد بالصُّفرة والكدرة: دمٌ خفيفٌ يشبه غسالة اللَّحم، تفرزه الرَّحم في أيَّام عادة المرأة في أوَّلها أو في آخرها، وفي غير أيَّام العادة، وقد اختلف العلماء في حكم الصُّفرة والكدرة اختلافًا كبيرًا، والجمهور على أنَّهما في زمن العادة حيضٌ، وفي غيرها ليست حيضًا، كما يفهم من منطوق ومفهوم قول أمِّ عطيَّة ﵂.
فمنطوقه أنَّ الصُّفرة والكدرة بعد الطُّهر ليست من الحيض، فلا تمنع ممَّا يمنع منه الحيض، ومفهوم ذلك أنَّ الصُّفرة قبل الطُّهر حيضٌ، وهذا يوافق قول عائشة ﵂ للنِّساء: «لا تعجلن حتَّى ترين القصَّة البيضاء»، والمراد بالقصَّة: ماءٌ أبيض تدفعه الرَّحم يدلُّ على انقطاع الدَّم، وبه تعرف المرأة الطَّهارة.
وذهب ابن حزمٍ إلى أنَّ الصُّفرة والكدرة ليست حيضًا مطلقًا (^٣)، وإنَّما دم الحيض هو الأسود الثَّخين المنتن، وفرَّق بعضهم بين ما اتَّصل بالدَّم في أوَّل العادة، فلم يجعله حيضًا، دون ما اتَّصل به في آخرها؛ فهو حيضٌ.
وذهب بعض العلماء إلى أنَّه لا اعتبار إلَّا للمتَّصل فقط، سواءٌ أكان قبل الدَّم أم بعده، فذلك حيضٌ عندهم، كما يدلُّ له قول عائشة ﵂: «لا تعجلن
_________________
(١) البخاري (٣٢٦)، وأبو داود (٣٠٧).
(٢) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (١/ ١٢٠)، ووصله مالك في «الموطأ» (١٨٩).
(٣) ينظر: «المحلى» (١/ ٣٨٨).
[ ١ / ١٧٠ ]
حتَّى ترين القصَّة البيضاء»، والرَّاجح -والله أعلم- أنَّ الصُّفرة والكدرة بعد الدَّم متَّصلةً به حيضٌ، وما سوى ذلك ليس شيئًا، كما يدلُّ له قول أمِّ عطيَّة.
وقول أمِّ عطيَّة ﵂: «كُنَّا»؛ أي: نساء الصَّحابة في عهد النَّبيِّ ﷺ وبعده، وبهذا يكون له حكم الرَّفع عند أكثر العلماء.
وفي حديث أم عطية وقول عائشة ﵃ فوائد، منها:
١ - الاستدلال بما كان عليه الحال في عهد النَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّ قول الصَّحابيِّ: «كُنَّا» ينصرف إلى عهد النَّبيِّ ﷺ، فيكون له حكم الرَّفع.
٢ - أنَّ الصُّفرة والكدرة بعد الطُّهر ليست حيضًا؛ فحكمها حكم الاستحاضة.
٣ - أنَّ الصُّفرة والكدرة قبل الطُّهر حيضٌ.
٤ - فقه عائشة ﵂ في الأحكام الشَّرعيَّة.
٥ - سؤال النِّساء لها.
٦ - أنَّ أظهر علامةٍ للطُّهر من الحيض القصَّة البيضاء، وقد يعرف الطُّهر بالجفوف.
٧ - إرشاد النِّساء إلى التَّثبُّت في معرفة الطَّهارة من الحيض.
* * * * *
(١٥٨) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَم يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(١٥٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
_________________
(١) مسلم (٣٠٢).
(٢) البخاري (٣٠٠)، ومسلم (٢٩٣).
[ ١ / ١٧١ ]
هذان الحديثان هما الأصل في حكم مباشرة الحائض وما يحلُّ منها، فالأوَّل من قوله ﷺ، والثَّاني من فعله.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تشدُّد اليهود في أمر النَّجاسة.
٢ - أنَّ من تشدُّد اليهود ترك مجالسة الحائض ومؤاكلتها.
٣ - مخالفة هذه الشَّريعة لما عليه اليهود.
٤ - يسر شريعة الإسلام.
٥ - إباحة الاستمتاع من الحائض بكلِّ نوعٍ من الاستمتاع إلَّا الجماع في الفرج؛ فإنَّه حرامٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
٦ - استحباب ترك مباشرة الحائض فيما بين السُّرَّة والرُّكبة؛ لفعله ﷺ.
٧ - جواز التَّصريح بما يستحيا من ذكره؛ لبيان الحكم الشَّرعيِّ.
٨ - فضل عائشة ﵂ في تبليغ هدي النَّبيِّ ﷺ مع أهله.
٩ - طهارة بدن الحائض وثيابها إلَّا ما أصابه الدَّم.
١٠ - جواز أمر الرَّجل امرأته بما يناسب لاستمتاعه بها؛ لقولها: «يأمرني»، وهذا ممَّا تجب طاعته فيه.
* * * * *
(١٦٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ -فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ- قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ (^١).
_________________
(١) أبو داود (٢٦٤)، والترمذي (١٣٦)، والنسائي (٢٨٩)، وابن ماجه (٦٤٠)، وأحمد (٢٠٣٢)، والحاكم (٦١٤)، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٢٧٧).
[ ١ / ١٧٢ ]
هذا الحديث هو عمدة من أوجب الكفَّارة في وطء الحائض، وقد اختلف النَّاس في ثبوت هذا الحديث والعمل به، والأكثر على تضعيفه وعدم وجوب الكفَّارة، وذهب كثيرون إلى تصحيح الحديث والعمل بمقتضاه، وهذا هو الرَّاجح، وممَّن قوَّاه وذهب إليه: الإمام أحمد، وجاء عن ابن القيِّم قوله: «إنَّ وجوب الكفَّارة هو موجب القياس، ووجهه أنَّ الشَّريعة جاءت بالكفَّارة في التَّحريم الموقَّت كالوطء في نهار رمضان والظِّهار فهكذا وطء الحائض» (^١).
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم وطء الحائض، وهو ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع كما تقدَّم.
٢ - وجوب الكفَّارة بوطء الحائض، وإنَّما تجب الكفَّارة على العالم العامد دون الجاهل والنَّاسي، والمرأة والرَّجل في ذلك سواءٌ؛ لعدم الفارق، كما قال جمهور العلماء مثل ذلك في كفَّارة الجماع في نهار رمضان، والجماع في الإحرام.
٣ - تقدير الكفَّارة بدينارٍ أو نصف دينارٍ، و(أو) في قوله: «أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» قيل: للتَّخيير، وقيل: للتَّنويع، والأظهر: أنَّها للتَّخيير، أمَّا التَّخيير فظاهرٌ، وأمَّا التَّنويع فيرجع إلى اختلاف حال الحائض، فالوطء عند إقبال الدَّم وفورانه يجب فيه دينارٌ، وفي إدبار الحيض نصف دينارٍ.
٤ - فيه شاهدٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
* * * * *
_________________
(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٣٤٢).
[ ١ / ١٧٣ ]
(١٦١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (^١).
* * *
هذا الحديث طرفٌ من حديثٍ طويلٍ كما أشار المصنِّف، ونصُّه: عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو في فطرٍ إلى المصلَّى، فمرَّ على النِّساء فقال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إحْدَاكُنَّ». قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قلن: بلى. قال: «فَذَلِك مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» قلن: بلى. قال: «فَذَلِك مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».
والحديث دليلٌ على منع الحائض من الصَّلاة والصَّوم؛ فأمَّا الصَّلاة فقد دلَّ عليها أيضًا أحاديث المستحاضة؛ كقوله ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ» (^٢)، وأمَّا الصَّوم فقد دلَّ عليه أيضًا حديث عائشة ﵂ في قولها: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصَّوم ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة» (^٣).
وفي هذا القدر من الحديث الذي أورده المصنف فوائد، منها:
١ - تحريم الصَّلاة على الحائض؛ فلا تجب عليها، ولا تصحُّ منها.
٢ - تحريم الصَّوم على الحائض؛ فلا يصحُّ منها؛ لكن يجب عليها؛ بدليل أمرها بالقضاء.
_________________
(١) البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠).
(٢) تقدم برقم (٧٥).
(٣) رواه مسلم (٣٣٥).
[ ١ / ١٧٤ ]
٣ - أنَّ ترك الحائض للصَّوم والصَّلاة أمرٌ مستقرٌّ عند نساء الصَّحابة ﵃ وعنهنَّ.
٤ - أنَّ ترك الحائض للصَّلاة والصَّوم نقصٌ في دينها، لكن ليس ممَّا تأثم به، وهو نقصٌ سببه النَّقص الطَّبيعيُّ، لكن تؤجر على إيمانها وامتثالها لأمر ربِّها وقبولها لشرعه.
* * * * *
(١٦٢) وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (^١).
* * *
هذا الحديث طرفٌ من حديثٍ طويلٍ روته عائشة ﵂ في حجَّة النَّبيِّ ﷺ.
وهو الأصل في منع الحائض من الطَّواف بالبيت، وقد دلَّ على هذا الحكم أيضًا حديث عائشة ﵂ في شأن صفيَّة ﵂ لمَّا قيل للنَّبيِّ ﷺ: إنَّها حائضٌ، قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» (^٢)، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ في طواف الوداع، وهو قوله: «أمر النَّاس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلَّا أنَّه خفِّف عن الحائض» (^٣).
وقد أجمع العلماء على تحريم الطَّواف بالبيت على الحائض، إلَّا أنَّه اختلف في تعليل هذا الحكم: أهو لمنع الحائض من المكث في المسجد؛ أم لاشتراط الطَّهارة للطَّواف أو وجوبها؟
_________________
(١) البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١).
(٢) رواه البخاري (١٧٥٧)، ومسلم (١٢١١).
(٣) سيأتي في كتاب الحج «باب صفة الحج ودخول مكة».
[ ١ / ١٧٥ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ (سرف) موضعٌ بين مكَّة والمدينة في طريق الحاجِّ، وهو قريبٌ من مكَّة.
٢ - أنَّ عائشة ﵂ حاضت في حجَّتها مع النَّبيِّ ﷺ.
٣ - بكاء عائشة ﵂ لمَّا حاضت خوفًا من أنَّ حيضها يمنعها من إكمال المناسك.
٤ - تسلية النَّبيِّ ﷺ لها ببيان أنَّ هذا قدر الله على بنات آدم، فالكتابة في الحديث كونيَّةٌ، وأنَّ الحيض لا يمنعها من شيءٍ من المناسك إلَّا الطَّواف بالبيت.
٥ - استحباب تسلية المصاب بما يهوِّن عليه المصيبة.
٦ - إباحة جميع المناسك للحائض، الواجب منها والمستحبِّ؛ من الوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسَّعي بين الصَّفا والمروة.
٧ - تحريم الطَّواف على الحائض، وقد أجمع على ذلك عامَّة العلماء.
٨ - أنَّه لا يصحُّ طواف الحائض، وقد أجمع على ذلك كلُّ من يرى اشتراط الطَّهارة للطَّواف أو وجوبها، وهم جمهور العلماء الأئمَّة الأربعة وغيرهم.
وأمَّا من ذهب إلى أنَّ الطَّهارة للطَّواف مستحبَّةٌ؛ فطواف الحائض لا يصحُّ عندهم من غير ضرورةٍ، ويصحُّ مع الضَّرورة؛ لأنَّ النَّهي يقتضي الفساد، وقد يقول بعض هؤلاء: إنَّ الحيض مانعٌ من صحَّة الطَّواف وإن لم تكن الطَّهارة شرطًا فيه؛ كما يمنع الحيض من الصِّيام.
والقول الثَّاني هو الظَّاهر من اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، ومنشأ هذا الاختلاف في صحَّة طواف الحائض هو الاختلاف في علَّة تحريم الطَّواف
[ ١ / ١٧٦ ]
على الحائض؛ أذلك لمنع الحائض من المكث في المسجد، أم لاشتراط الطَّهارة في الطَّواف كما تقدَّم.
فتحصَّل ممَّا سبق: أنَّ منع الحيض من صحَّة الطَّواف؛ إمَّا أن يكون كمنع الحيض من الصَّلاة والصِّيام؛ فلا يصحُّ بحالٍ، وهو قول الجمهور، وإمَّا أن يكون كمنع الحدث من الصَّلاة؛ فيصحُّ مع الضَّرورة؛ كفاقد الطَّهورين، وإمَّا أن يكون الطَّواف مع الحيض كالصَّلاة في الأرض المغصوبة، وهذا مقتضى قول من يعلِّل تحريم الطَّواف بتحريم المكث في المسجد، فالحيض عنده ليس مانعًا للطَّواف لذاته، فيحتمل أن يصحَّ من غير ضرورةٍ مع الإثم، كما قيل ذلك في الصَّلاة في الأرض المغصوبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وكثيرٌ من العلماء -كأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه- يقولون: إنَّها في حال القدرة على الطَّهارة إذا طافت مع الحيض أجزأها وعليها دمٌ، مع قولهم: إنَّها تأثم بذلك» (^١).
٩ - جواز قراءة الحائض للقرآن؛ لعموم قوله ﷺ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ»، وممَّا يفعل الحاجُّ قراءة القرآن.
* * * * *
(١٦٣) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: «مَا فَوْقَ الإِزَارِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ (^٢).
* * *
هذا الحديث ضعَّفه أبو داود كما نقله الحافظ، وهو يدلُّ بمفهومه على تحريم مباشرة الحائض فيما بين السُّرَّة والرُّكبة، وإنَّما يحلُّ من مباشرتها ما
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٠٣).
(٢) أبو داود (٢١٣).
[ ١ / ١٧٧ ]
فوق الإزار، وقد تقدَّم بيان حكم مباشرة الحائض وأنَّه يحلُّ منها كلُّ شيءٍ إلَّا الجماع، كما في حديث أنسٍ ﵁: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» (^١).
لكن يستحبُّ الاقتصار في المباشرة على ما فوق الإزار كما دلَّ عليه حديث عائشة ﵂ المتقدِّم: «كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتَّزر، فيباشرني وأنا حائضٌ» (^٢).
وهذا الحديث لا يصلح لمعارضة الحديثين المذكورين؛ لضعفه.
* * * * *
(١٦٤) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ.
(١٦٥) وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ». وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣).
* * *
هذا الحديث هو عمدة الجمهور في تقدير مدَّة النِّفاس وأنَّها أربعون يومًا، ومعنى «تقعد»؛ أي: عن الصَّلاة والصِّيام، وقد أجمع العلماء على أنَّ النُّفساء كالحائض في ذلك، بل إنَّ أحكام النِّفاس أحكام الحيض فيما يحلُّ ويحرم إلَّا ما ذهب إليه ابن حزمٍ من جواز الطَّواف للنُّفساء (^٤)
مستدلًّا بقصَّة أسماء بنت عميسٍ ﵂ حين ولدت بذي الحليفة، فأمرها النَّبيُّ ﷺ أن تغتسل وتحرم، ولم ينهها عن شيءٍ من المناسك (^٥).
_________________
(١) تقدم برقم (١٥٨).
(٢) تقدم برقم (١٥٩).
(٣) أبو داود (٣١١)، والترمذي (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨)، وأحمد (٢٦٥٦١)، والحاكم (٦٢٥).
(٤) ينظر: «المحلى» (٧/ ١٧٩).
(٥) سيأتي في أول (باب صفة الحج ودخول مكة).
[ ١ / ١٧٨ ]
وقد اختلف العلماء في مدَّة النِّفاس؛ فقيل: أربعون يومًا، وهو مذهب الجمهور لهذا الحديث. وقيل: ستُّون يومًا، وقيل: سبعون يومًا، والرَّاجح: هو القول الأوَّل؛ لأنَّ ما سواه لم يذكر له دليلٌ. وإذا كان الإطلاق في المدَّة لا يمكن فلا بدَّ من تحديدٍ، ولا تحديد إلَّا بدليلٍ، والتَّحديد بالأربعين هو الَّذي تدلُّ عليه الآثار. والله أعلم.
* * * * *
[ ١ / ١٧٩ ]