ذكر الربا في أبواب البيوع لأنه نوع من المعاوضات، بل نوع من البيع المشتمل على صفة توجب تحريمه، وقوله تعالى عن المرابين: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، إنما أرادوا: الربا بيع من البيوع، فهو حلال.
وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] بيان أن الأصل في البيع الحل، وأن البيع المشتمل على الربا حرام، فكما حرم الله بيوع الغرر حرم البيوع المشتملة على الربا، والرِّبا -ويقال: الرِّما - الزيادة، وهو مصدر من ربا يربو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج (٥)﴾ [الحج: ٥]، ومنه الربوة أي المكان المرتفع.
والربا في الشرع: نوعان؛ ربا فضل وربا نساء، فربا الفضل: هو الزيادة في أحد العوضين مما بيع بجنسه، مما دل الشرع على تحريم الزيادة فيه، كالبر والشعير والتمر. وربا النَّساء: هو تأخير أحد العوضين مما يجب فيه التقابض، وهي الربويات، أي التي يجري فيها الربا؛ كالذهب والفضة، فإنه يجب في بيع بعضها ببعض التقابض مطلقًا، ويحرم النَّساء، كما تحرم الزيادة في أحد العوضين إذا اتحد جنسهما؛ فلا يباع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، ولا يباع الذهب بالفضة إلا يدًا بيد، وأغلظ نوعي الربا تحريمًا ربا النساء؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (^١). ومنه ربا
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦)؛ عن أسامة بن زيد ﵄.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الجاهلية، وهو الزيادة في الدين في مقابل الزيادة في الأجل، فيقول الدائن للمدين: إما أن تَقضي وإما أن تُربي، فجاء الإسلام بوجوب إنظار المعسر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
* * * * *
(٩٣٠) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٩٣١) ولِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي جُحَيْفَةَ (^٢).
* * *
هذا الحديث أصل من السنة في تحريم الربا، وتحريم الربا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو عام في تحريم نوعي الربا.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم الربا.
٢ - أنه من الكبائر.
٣ - جواز لعن أنواع من العصاة، وفي هذا الحديث منهم أربعة: آكل الربا، وهو الدائن، وموكله، وهو المدين، ويدخل فيهما آكل الزيادة ومعطيها في ربا الفضل، وكاتب عقد الربا، والشاهد عليه.
٤ - تحريم كتابة عقد الربا.
٥ - تحريم الشهادة عليه.
٦ - أن المذكورين في الحديث هم في الإثم سواء، وقوله: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا» معناه أن الرسول قال: لعن الله، أو لعنة الله، وهذا يحتمل
_________________
(١) مسلم (١٥٩٨).
(٢) البخاري (٢٠٨٦).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
أن يكون خبرًا عن لعن الله للمذكورين، ويحتمل أن يكون دعاء من الرسول عليهم، واللعن من الله هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فيكون قولا وفعلا.
٧ - أن الوعيد إنما يلحق من هؤلاء من علم الحكم وحقيقة الأمر، لقوله في حديث ابن مسعود عند النسائي: «إذَا عَلِمُوْا ذَلِكَ» (^١).
٨ - أن المعين على المحرم كفاعل المحرم.
* * * * *
(٩٣٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مختصرًا، وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وصَحَّحَهُ (^٢).
* * *
هذا الحديث من أعظم الأحاديث الدالة على تحريم الربا وتقبيحه، والتنفير منه، ولكن في متنه نكارة شديدة، وذلك من ثلاثة وجوه:
أحدها: تشبيه أدنى الربا بنكاح الأم، ولا تظهر مناسبة بين المشبَّه والمشبَّه به، ولا يخفى ما في نكاح الأم من الشناعة والبشاعة شرعًا وطبعًا، فلا يدانيه أكلُ درهم ربا.
الثاني: إطلاق اسم الربا على الغيبة، ولا يخفى أنه لا يظهر فيها معنى الربا لغة ولا شرعًا.
الثالث: جعل الربا سبعين بابًا، والمعلوم أن الربا نوعان؛ ربا الفضل وربا النساء.
وجعل الغيبة أربى الربا يشعر بأن المراد بالربا أنواع من المعاصي.
وبعد؛ ففي أدلة الكتاب والسنة من التغليظ في أكل الربا ما يغني عن هذا الحديث، وإن صح عن النبي ﷺ، فالله أعلم بتأويله.
_________________
(١) النسائي (٥١٠٢).
(٢) ابن ماجه (٢٢٧٥)، والحاكم (٢٢٥٩).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقد استنكر جمع من العلماء هذا المتن، ومما يضعفه أيضًا أن فيه اضطرابًا في عدد الأبواب، وَابْنُ مَاجَهْ رواه مختصرًا، كما قال الحافظ، أي دون قوله: «أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»، إلخ. لكن ورد له شاهد عند أبي داود بلفظ: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» (^١)، وصُحح إسناده.
وفي إطلاق اسم الربا على الغيبة أو غيرها من الذنوب مجاز علاقته المشابهة، وهي الظلم، فكأنه قيل: من أظلم الظلم، والله أعلم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن تحريم الربا مستقر عند المخاطبين، وتحريم الربا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
٢ - كثرة أصناف الربا.
٣ - غلظ تحريم الاستطالة في عرض الرجل المسلم.
٤ - أن تحريم نكاح الأم والمحارم مستقر في الفطر والشرائع.
٥ - الدلالة على تحريم الشيء بتشبيهه بما كان تحريمه معلومًا.
٦ - إطلاق اسم الباب على أقسام الشيء وأنواعه، وهو غير مشهور في اللغة العربية، وجاء قليلًا في بعض الأحاديث، منها حديث معاذ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟» (^٢)، ومحتمل أن يراد بأبواب الخير طرق الخير.
وذكرُ هذه الفوائد موافقةٌ للحافظ لذكْرِه الحديث.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٤٨٧٦)؛ عن سعيد بن زيد ﵁.
(٢) رواه أحمد (٢٢٠١٦)، والنسائي في «الكبرى» (١١٣٣٠)، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
(٩٣٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٩٣٤) وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٩٣٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(٩٣٦) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
وَلِمُسْلِمٍ: «وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ» (^٥).
(٩٣٧) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦).
_________________
(١) البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤).
(٢) مسلم (١٥٨٧).
(٣) مسلم (١٥٨٨).
(٤) البخاري (٢٢٠١)، ومسلم (١٥٩٣).
(٥) مسلم (١٥٩٣).
(٦) مسلم (١٥٣٠).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
(٩٣٨) وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ». وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٩٣٩) وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في تحريم ربا الفضل وربا النسيئة، وبيان النوعين، وبيان ما يجريان فيه من الأجناس.
وفيها فوائد؛ منها:
١ - تحريم بيع كل من الأصناف الستة المذكورة بجنسه، وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، إلا بشرط التساوي في وزن الموزون، وكيل المكيل، وبشرط التقابض، وهو معنى قوله ﷺ: «يَدًا بِيَدٍ»، فما اختل فيه الشرط الأول فهو من ربا الفضل، وهو معنى قوله ﷺ: «وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ»، فمعنى أشفَّ: زاد، ولهذا قال في اللفظ الآخر: «فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى»، وما اختل فيه الشرط الثاني فهو من ربا النسيئة، وما اختل فيه الشرطان فهو ربا فضل ونسيئة؛ كبيع مئة صاع من البر بمئة وعشرين نسيئة. وقوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ» اختلف المعربون في هذا التركيب، والرواية المشهورة برفع الذهب، فمنهم من قال: الذهب مبتدأ، بتقدير مضاف محذوف، أي: بيع الذهب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: «مِثْلًا بِمِثْلٍ» بالنصب على المشهور حال من فاعل فعل محذوف، تقديره: يجوز مثلًا بمثل، وأولى منه أن يقال: الذهب مبتدأ، وبالذهب متعلق بمحذوف خبر،
_________________
(١) مسلم (١٥٩٢).
(٢) مسلم (١٥٩١).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
تقدير: يباع بالذهب، وقوله: «مِثْلًا بِمِثْلٍ»، حال، أي حال كونهما متماثلين. و«سَوَاءً بِسَوَاءٍ» حال ثانية، و«يَدًا بِيَدٍ» حال ثالثة، والتقدير: متماثلين متساويين مقبوضين.
٢ - تحريم بيع الذهب بالفضة إلا يدًا بيد.
٣ - تحريم بيع شيء من المكيلات الأربعة بغير جنسه إلا يدًا بيد.
٤ - تحريم بيع الصُّبْرة من الطعام بالكيل المسمَّى من جنسه، ومن هنا أخذ الفقهاء قولهم: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
٥ - أن التفاضل في الصفة فيما بيع من الربويات بجنسه لا يبيح التفاضل في المقدار، كيلًا أو وزنًا؛ لحديث أبي سعيد، والجمع هو الرديء من التمر، والجَنِيب: الجيد.
٦ - الحيلة الشرعية في التوصل إلى الجيد لمن ليس عنده إلا رديء من جنسه، وهي أن يبيع الرديء بدراهم، ويشتري بثمنه من الجيد، ولا ينبغي بيع الرديء على من يراد شراء الجيد منه؛ لأن ذلك يتضمن الاحتيال على بيع الرديء بالجيد متفاضلا.
٧ - تحريم ربا النسيئة في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والذهب بالفضة.
٨ - تحريم ربا النسيئة في بيع المكيلات الأربعة المذكورة بعضها ببعض، مع اتحاد الجنس واختلافه.
٩ - قوله ﷺ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» مخصوص بما ثبت من بيع السَّلَم، وفيه تعجيل الثمن وتأجيل المبيع، وبما ثبت من جواز البيع إلى أجل، كبيع الطعام بدراهم أو دنانير مؤجلة، ولهذا قال الفقهاء: يجوز بيع المكيل بالموزون، متفاضلا ونسيئة.
[ ٢ / ٢٣١ ]
١٠ - أنه لا يجوز بيع شيء من هذه الأصناف الستة بجنسه ومعهما أو مع أحدهما ما ليس من جنسه؛ كذهب وخرز بذهب؛ لحديث فَضالة بن عبيد. وهو دليل من حرم مسألة مُدِّ عجوة، وصورتها بيع مُدِّ عجوة ودرهم بمُدِّ عجوة ودرهم، أو مُدِّ عجوة بمُدِّ عجوة ودرهم. والصواب أن الأولى جائزة، والثانية لا تجوز؛ لأن حقيقة الأولى درهم بدرهم ومُدٌّ بمُدٍّ، والثانية مُدٌّ بمُدٍّ ودرهم.
١١ - استدل من قال: إن العلة في الذهب والفضة هي الوزن، وفي الأربعة الكيل، فيجري الربا بين كل موزونين، وبين كل مكيلين، على التفصيل المتقدم، استدلوا بقوله في الرواية: «وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ»، وقوله: «وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ». والمراد بالميزان: الموزون. والعبرة في تعيين ما يكال وما يوزن من الأجناس هو عرف مكة والمدينة في عصر النبوة.
واستدل من قال: إن العلة في الأنواع الأربعة الطَّعم بقوله ﷺ في حديث معمر بن عبد الله: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ». والراجح -والله أعلم - أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، أي كونهما أثمانا يتوصل بهما إلى الحاجات، وتقوم بها السلع، وهذه خاصيتها، وينزل منزلتهما ما جعل بدلا عنهما من النقد الورقي في الزكاة، وفي جريان الربا. والراجح في علة الأنواع الأربعة الطَّعم، فيلحق بها كل مطعوم يقتات؛ كالأرز والدخن والزبيب، وذهبت الظاهرية وجماعة إلى أن ربا الفضل لا يجري إلا في الأصناف الستة، ولا يقاس عليها.
١٢ - رد العقد الفاسد ولو وقع من جاهل؛ لقوله ﷺ: «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ»، وقوله في حديث فضالة: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ».
١٣ - جواز ذكر الإنسان البؤس في معيشته على وجه الإخبار، لقول معمر: «وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ».
* * * * *
[ ٢ / ٢٣٢ ]
(٩٤٠) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ الْجَارُودِ (^١).
(٩٤١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». رواه أبُوْ دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (^٢).
(٩٤٢) وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ (^٣).
(٩٤٣) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ، وفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (^٤).
(٩٤٤) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (^٥).
(٩٤٥) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: «فَكُنْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٦).
* * *
هذه الأحاديث دلت على أنواع من المكاسب المحرمة من ربا وغيره.
_________________
(١) أحمد (٢٠١٤٣)، وأبو داود (٣٣٥٦)، والنسائي (٤٦٢٠)، والترمذي (١٢٣٧)، وابن ماجه (٢٢٧٠، وابن الجارود (٦١١).
(٢) أبو داود (٣٤٦٢).
(٣) أحمد (٤٨٢٥)، وينظر: «نصب الراية» (٤/ ١٧).
(٤) أحمد (٢٢٢٥١)، وأبو داود (٣٥٤١).
(٥) أبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧).
(٦) الحاكم (٢٣٤٠)، والبيهقي في «السنن الصغير» (١٨٧٨).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، اتحد الجنس أو اختلف، لحديث سمرة، ويعارضه حديث عبد الله بن عمرو المذكور في الباب، وهو أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، وقد جمع بينهما الشافعي بحمل حديث سمرة على النسيئة من الجانبين، فيدخل في بيع الكالئ بالكالئ، كما سيأتي.
٢ - جواز بيع الحيوان بالحيوان إلى أجل؛ لحديث عبد الله بن عمرو.
٣ - تحريم بيع العينة، وهي بيع سلعة بثمن مؤجل ثم شراء البائع لها بثمن أقل مما اشتراها به نقدًا، لما فيها من الحيلة على الربا، لأنه يؤول الأمر إلى بيع دراهم بدراهم أكثر منها مؤجلة.
٤ - تحريم إيثار القعود عن الجهاد والرضا بالزرع ومنافع الدنيا.
٥ - أن إقامة الجهاد عز الأمة الإسلامية، وتركه سبب العقوبة بالذلة.
٦ - أن التوبة والرجوع إلى الله سبب رفع البلاء.
٧ - تحريم قبول الشافع للهدية ممن شفع له، ومن باب أولى أخذ الأجرة على ذلك.
٨ - تحريم الرشوة على الآخذ، وهو المرتشي، وعلى المعطي، وهو الراشي، وأنها من كبائر الذنوب.
٩ - جواز لعن الراشي والمرتشي على وجه العموم.
١٠ - توكيل الإمام بعض رعيته في تجهيز الجيش.
١١ - فضيلة عبد الله بن عمرو.
١٢ - وجوب الزكاة في الإبل.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
١٣ - أن لأخذ الزكاة وقتًا؛ لقوله: «إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ»، أي: إلى وقت أخذ صدقة الإبل.
١٤ - جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وبزيادة، وقد سبق تأويل حديث سمرة، وفيه النهي عن بيع الحيوان بالحيوان.
١٥ - جواز الزيادة في الثمن في البيع إلى أجل، ومنه البيع بالتقسيط، وأخطأ من حرمه، ولا يصح في العادة التسوية في ثمن السلعة بين النقد والمؤجل. ولو أخذ بهذا الرأي لانسد باب البيع إلى أجل، وتعطل أصحاب الحاجات الذين لا نقد في أيديهم.
* * * * *
(٩٤٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ؛ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٩٤٧) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ. فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قَالُوا: نَعَمَ. فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (^٢).
(٩٤٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، يَعْنِي: الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ والبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث تضمنت النهي عن بيوع هي من صور الربا.
_________________
(١) البخاري (٢٢٠٥)، ومسلم (١٥٤٢).
(٢) أحمد (١٥١٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والنسائي (٤٥٤٥)، والترمذي (١٢٢٥)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وابن حبان (٥٠٠٣)، والحاكم (٢٢٦٥).
(٣) «كشف الأستار» (١٢٨٠)، ينظر: «نصب الراية» (٤/ ٤٠).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وفيها فوائد؛ منها:
١ - تحريم المزابنة، من الزَّبْن بمعنى الدفع؛ لأن كلًّا من المتبايعين يدفع العوض للآخر، ولكن الاسم يختص بصور العقود المذكورة في الحديث.
٢ - تحريم بيع الثمر على رؤوس النخل بتمر كيلًا، وقد خُص من هذا بيع العرايا، كما سيأتي.
٣ - تحريم بيع العنب بزبيب كيلًا.
٤ - تحريم بيع الزرع بطعام من جنسه كيلًا.
٥ - أن علة التحريم في هذه البيوع أنها من الربويات التي يجب في بيع الواحد منها بجنسه التساوي في المقدار.
٦ - أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
٧ - أن العنب والزبيب مما يجري فيه ربا الفضل، كالتمر، وهو لم يذكر في الأصناف الستة، فيجب أن يعد من المنصوص، كالأصناف الستة.
٨ - تحريم بيع الرطب بالتمر، ولو مع التساوي في المقدار.
٩ - ذكر العلة في ذلك، وهي أن الرطب ينقص، فيلزم من ذلك التفاضل الممنوع.
١٠ - أن من حسن التعليم بيان علة الحكم، وذلك من هديه ﷺ.
١١ - تنبيه المخاطب إلى علة الحكم بسؤاله لتقريره، لأن الرسول ﷺ كان يعلم أن الرطب ينقص إذا يبس.
١٢ - تحريم بيع الكالئ بالكالئ، والمراد بالكالئ الدَّين المؤخر، وإن كان الحديث ضعيفًا فمعناه صحيح عند أهل العلم؛ فلا يجوز بيع مؤجل بمؤجل، وهو البيع مع تأجيل العوضين، ولذا يشترط في السَّلم قبض الثمن في مجلس العقد.
* * * * *
[ ٢ / ٢٣٦ ]