الشفعة: في اللغة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر؛ لأن الآخذ بالشفعة يضم الشقص الذي لشريكه إلى ملكه، فيصير معه شفعًا.
واصطلاحًا: هو استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد مشتريه بثمنه الذي اشتراه به.
والحكمة منها رفع ضرر الشركة عن الشريك بضم نصيب شريكه إلى ملكه ليستقل به.
* * * * *
(١٠١١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
(١٠١٢) وَفِي رِوَايَةِ مسلم: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ» (^٢).
(١٠١٣) وَفِي رِوَايَةٍ الطحاوي: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ». وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٣).
(١٠١٤) وَعَنْ أَبِي رَافِع ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِيهِ قِصَّةٌ (^٤).
_________________
(١) البخاري (٢٢١٤)، ومسلم (١٦٠٨) (١٣٤).
(٢) مسلم (١٦٠٨) (١٣٥).
(٣) «شرح معاني الآثار» (٦٠١٥).
(٤) البخاري (٦٩٧٧)، والقصة عن عمرو بن الشريد قال: جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبي فانطلقت معه إلى سعد فقال أبو رافع للمسور: ألا ترى هذا أن يشتري مني بيتي الذي في داري؟ فقال: لا أزيده على أربعمئة إما مقطعة وإما منجمة. قال: أعطيت خمسمئة نقدًا فمنعته، ولولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» ما بعتكه، أو قال: ما أعطيتكه.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
(١٠١٥) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَلَهُ عِلَّةٌ (^١).
(١٠١٦) وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا -وَإِنْ كَانَ غَائِبًا- إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٢).
(١٠١٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ والبَزَّارُ، وزَادَ: «وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ». وإسْنَادَهُ ضَعِيْفٌ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في حكم الشفعة.
وفيها فوائد:
ففي حديث جابر ﵁:
١ - ثبوت حق الشفعة للشريك فيما لم يقسم من العقار، من أرض أو دار.
٢ - انتفاء حق الشفعة إذا وقعت القسمة بين الشريكين، ولم يبق بينهما اشتراك في طريق ولا غيره.
٣ - أن ذلك كله ثابت بقضاء النبي ﷺ.
٤ - أنه لا شفعة للجار إذا لم يكن بينهما طريق مشترك ونحوه.
٥ - أنه يجب على الشريك إذا أراد البيع أن يعلم شريكه، فإما أن يأخذ أو يدع، ثم قيل: يسقط حقه بالشفعة بعد البيع، وقيل: لا يسقط، وقيل: إن صرح بإسقاط الشفعة سقطت، وإلا فلا. والأظهر أنها تسقط الشفعة؛ وإلا لم يكن لإعلامه فائدة.
_________________
(١) النسائي في «الكبرى» (١١٧١٣)، ابن حبان (٥١٨٢).
(٢) أحمد (٩٢٥)، وأبو داود (٣٥١٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦٢٦٤)، والترمذي (١٣٦٩)، وابن ماجه (٢٤٩٤).
(٣) ابن ماجه (٢٥٠٠)، والبزار (٥٤٠٥).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
٦ - أن للشريك حقًا على شريكه، يراعيه في تصرفه بنصيبه.
٧ - ثبوت الشفعة في كل ما لم يقسم من عقار ومنقول، مما تمكن قسمته وما لا تمكن؛ لقوله: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ»، واختلف العلماء في ثبوت الشفعة في كل ما لا تمكن قسمته -كعقار صغير - وفي المنقول؛ فذهب الأكثر إلى أنه لا شفعة في هذا، وقيل: بل تثبت فيما لا تمكن قسمته وفي المنقول، بل هو أولى؛ لأن الضرر بالشركة فيه أعظم، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) وابن القيم رحمهما الله (^٢).
٨ - أن الشفعة لا تكون إلا في البيع، وقيل بل تكون في البيع والهبة وغيرها مما فيه نقل للملك، نقلًا اختياريًا، وهو الصحيح.
٩ - أن من حكمة الشفعة دفع ضرر الشركة عن الشريك، وقطع أسباب النزاع والخصومات، وهذا من محاسن الشريعة.
وفي حديث أبي رافع وجابر وأنس ﵃:
١ - مراعاة حق الجار عند بيع داره.
٢ - ثبوت الشفعة للجار إذا كان طريقهما واحدا، واختلف العلماء في شفعة الجار؛ فقيل: تثبت للجار الملاصق مطلقًا؛ لحديث أبي رافع، وقيل: لا تثبت إلا إذا كان بين الجارين اشتراك في مرفق كطريق ونحوه؛ لقوله: «إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا»، فحديث جابر مقيِّد لحديث أبي رافع.
٣ - ثبوت حق الشفعة للجار الغائب.
٤ - أن حقه لا يسقط إلا بعد علمه ورضاه.
٥ - وجوب انتظار الجار الغائب، ويثبت ملك المشتري على المبيع، وله حق التصرف فيه، ما لم يعلم مطالبة الشفيع لأخذ الشقص.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٨١).
(٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٩٤).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وفي حديث ابن عمر ﵄:
١ - أن الشفعة على الفور، متى علم الشريك بيع الشقص؛ لقوله: «كَحَلِّ الْعِقَالِ»، فإنه في العادة يكون سريعًا، والعقال هو الحبل الذي تعقل به الناقة.
٢ - أنه لا شفعة لغائب، ولكن حديث ابن عمر هذا ضعيف، ومعارض لحديث جابر الذي قبله.
* * * * *
[ ٢ / ٢٨٩ ]